Полный текст (460 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حكم الرمي ووقته
رمي جمرة العقبة واجب وليس ركناً، فلو تركه حتى فات وقته صح حجه ولزمه دم.
ويمتد وقت الرمي إلى الليل، وهذا من التيسير في الشريعة، فلو أن الوقت ضاق على الحجاج بسبب شدة الزحام فقد جعلت الشريعة الأمر واسعاً في هذا اليوم، فيمتد وقت الرمي من وقت الضحى إلى المساء، وكلمة (مساء) جاءت في الحديث الذي عند البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: لا حرج، اذبح ولا حرج.
قال: رميت بعدما أمسيت.
قال: لا حرج)، فالسائل سأل النبي ﷺ أنه رمى بعد أن دخل عليه وقت المساء.
والمساء يطلق في اللغة على الوقت الذي هو من بعد الظهر حتى المغرب، وقال بعضهم: بل يمتد إلى نصف الليل، فعلى هذا فالأمر واسع في الرمي بحسب ما يتيسر للإنسان، فإن تيسر له في النهار رمى، فإن لم يتيسر رمى في الليل، المهم أنه يرمي بعد الوقت المشروع في يوم العيد، أما وقت الرمي بالنسبة للإنسان المعذور من نساء وغيرهم فعلى قول جمهور أهل العلم: أن الضعفاء من النساء وغيرهم إذا انصرفوا من مزدلفة وأفاضوا إلى منى وقت وصولهم بعد منتصف الليل فلهم أن يرموا بمجرد الوصول، وهذا الأمر فيه سعة؛ لشدة الزحام الموجود في هذه الأيام.
стр. 317
شروط الرمي وآدابه
ويشترط في الرمي أن يفعله على وجه يسمى رمياً؛ لأنه مأمور بالرمي، فاشترط فيه ما يقع عليه اسم الرمي، فلو أن إنساناً وصل إلى أمام المرمى وأخذ الحصى ووضعها فهذا ليس رمياً.
ويشترط في الرمي أن يقع في المرمى نفسه، وأحياناً بعض الناس يكلف نفسه ويرمي في العمود الذي أمامه، والرمي إنما يكون في الجمرة الكبرى، وبعضهم عند رمي الجمرة الصغرى والوسطى يرى عموداً ويشغل نفسه برميه، وهذا ليس بسنة؛ بل السنة أن يرمي في المرمى نفسه وليس في هذا العمود الذي أمامه.
ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى، ولا يكلف نفسه عند رمي الحصى أن ينظر إلى الحصى التي رماها هل وقعت في المرمى أو لا، بل يكفي أنه فعل الذي عليه ولا شيء عليه بعد ذلك، مع أنه يستحيل أن يرى الحصى الآن من شدة الزحام.
ولو صدمت الحصى المرمية بالأرض خارج الجمرة أو في الطريق، أو عنق بعير، أو ثوب إنسان، ثم ارتدت فوقعت في المرمى أجزأه، وكذلك لو فرضنا أن الحصى وقع في شيء ثم طار منه ونزل إلى المرمى أجزأه أيضاً.
وهذا مفيد الآن، مع أنه كان في الماضي تقع الحصى في رأس إنسان وتطير وتنزل في المرمى، والآن الذي يرمي من الدور الثاني فيمكن أن تقع في مكان أو تطير إلى مرمى الذي هو فوق، ومنه سترد في مكان آخر وتنزل إلى المرمى.
ولو رمى حصاة إلى المرمى وشك هل وقعت فيه أم لا، فيعمل على الأصل وهو أنها لم تقع فيه، وكثير من الحجاج يكلف أن يعرف هل وقعت في المرمى أو لا وبينه وبين المرمى خمسون متراً، ويمسك الحصى ويخذفها.
وفي السنة التي مضت رأيت شخصاً يمسك حصى في يده، وهو مغمض عينيه ويحذف بالحصى وبينه وبين المرمى مكان بعيد يستحيل أن تصل إليه، وهذا خطأ، وللأسف عندما تنبه البعض على هذا الخطأ يقول لك: ربنا غفور رحيم، هذا قد عمل الذي عليه، مع أن هذا خطأ، ولابد أن يقرب من المرمى ويرمي، ويحرص على ألا يؤذي الناس، فربما تأتي في رأس إنسان أمامه، وهذا حرام.
وكذلك لا يجزئه الرمي عن قوس، ولا الدفع بالرجل؛ لأنه لا ينطبق عليه اسم الرمي.
والرمي عبادة، فيجب على الذي يفعلها ألا يستهين بالعبادة أو يفعل أفعال المستهزئين، وتلك الأماكن أماكن عبادة، فلا بد للإنسان أن يكون فيها في غاية التواضع وفي غاية الخشوع، ولا يفعل أفعالاً تدل على أنه من المستهزئين.
وبعضهم يظن أن هذا الأفعال التي يفعلها يرمي بها الشيطان أو أنه يهينه، وهذا من الخطأ، فأنت في الرمي إنما تتبع ملة إبراهيم كما أمرنا ربنا في رمي الجمرات، وأما أنك ترمي بشيء لم يفعله النبي ﷺ فهذا خطأ.
ويشترط أن يرمي الحصيات متفرقات، فلو رمى حصاتين أو سبعاً دفعة فإن وقعن في المرمى في حالة واحدة، أو ترتبن في الوقوع حسبت حصاة واحدة، أي: أن الرمي محسوب بأنك حركت يدك، فإن حركتها بالرمي مرة واحدة فهذه رمية، أو حركتها ورميت بحصى واحدة دفعة فهي رمية، أو رميت بعشرين حصاة دفعة فهي أيضاً واحدة.
فيجب في الرمي سبع حصيات في سبع مرات، كل مرة بحصاة واحدة.
ولا تشترط الموالاة بين الحصيات، ولا الموالاة بين جمرات أيام التشريق، ولكن تستحب الموالاة، فلو رمى أربع حصيات، ثم تعب من الزحام فخرج ليستريح وبعدها رجع وبقي عليه ثلاث، فليرم بها ولا شيء عليه، حتى لو أخر هذه الثلاث من وقت الظهر مثلاً إلى وقت العصر أكمل الباقي ولا تشترط الموالاة.
وكذلك الموالاة بين الجمرات، فلو أنه في ثاني يوم من أيام العيد رمى الجمرة الصغرى، فتعب ورجع إلى الخيمة ثم جاء لرمي الجمرتين الوسطى والأخرى وقت المغرب أو العصر ورمى الباقي فلا شيء عليه.
وإذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف عندها؛ لأنه في اليوم الثاني والثالث والرابع سيرمي الجمرة الأولى ويقف للدعاء عندها وكذلك الجمرة الثانية.
وأما الجمرة الثالثة فلا يقف عندها للدعاء، وهي التي يرميها في أول يوم، وهي جمرة العقبة الكبرى.
стр. 318
نحر الهدي
بعد أن يكل الحاج الرمي ينحر الهدي إذا كان معه هدي وكان هو الذي سينحر؛ لما روى مسلم: (أن النبي ﷺ أتى الجمرة التي عند الشجرة -أي: يوم النحر- فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، والحصى مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر).
ويجوز النحر في جميع منى وفي أي موضع من منى؛ لقول النبي ﷺ : (منىً كلها منحر).
فإن لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشترى من مكانه، ولا يشترط أن يسوق الهدي من بلده إلى مكان النحر، بل يشتري من هنالك إن تيسر، وإذا لم يتيسر فليدفع الثمن إلى البنك في شيك من الشيكات.
وإن لم يكن عليه هدي واجب فأحب أن يضحي، كأن يكون قام بعمرة في رمضان، وبعد ذلك حج في أيام الحج، فهذا يعتبر مفرداً للحج، وليس عليه هدي واجب، بل يستحب أن يضحي أضحية، فهنا يجوز له أن يفعل، وقد قلنا: إن النبي ﷺ كان الواجب عليه في قرانه أن يذبح شاة واحدة، ومع ذلك نحر النبي ﷺ مائة بدنة تجزئ عن سبعمائة، فهذه المائة بدنة كسبعمائة شاة، فكل بدنة بسبع شياه.
روى مسلم عن جابر في صفة حجة النبي ﷺ : (أنه رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده)، أي: بيده الكريمة ﵊ نحر ثلاثاً وستين بدنة، قال: (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه)، أي: أن النبي ﷺ أشرك علياً معه ﵊.
ويستحب للرجل أن يتولى ذبح هديه وأضحيته بنفسه وينوي عند ذبحها، فإن كان منذوراً نوى الذبح عن هديه أو أضحيته المنذورة، وإن كان تطوعاً نوى التقرب، ولو استناب في ذبحه جاز، وهذه الاستنابة أو التوكيل في الذبح قد تكون لإنسان يذبح لك، أو أن توكل البنك في أن يقوم مكانك بذلك.
стр. 319
وقت ذبح الهدي
وقت ذبح الهدي هو وقت الأضحية، ووقت الأضحية هو بعد صلاة العيد، وإن كان الحجيج لا يوجد صلاة عيد بالنسبة لهم، ففي هذا الوقت يكونون قد رموا الجمرة، وبعد ذلك يكون النحر.
ويختص النحر بيوم العيد وأيام التشريق، ويدخل وقته بعد طلوع شمس يوم النحر ومضي صلاة العيد والخطبتين، ويخرج بخروج أيام التشريق، أما الحاج فليس عليه صلاة عيد، ولكن يضبط دخول وقت النحر بمثل هذا القدر.
وأما إن خرجت أيام التشريق ولم يذبح وعليه نذر أضحية، أو نذر هدي فعليه أن يذبح قضاء؛ لأن هذا نذر واجب.
وأما إذا كان تطوعاً فالأفضل أن يذبح، سواء كانت الأضحية تطوعاً أو الهدي تطوعاً أيضاً، فيستحب أن يذبح فيطعم الفقراء، ولكن في الأضحية لا تعتبر أضحية.
стр. 320
مكان النحر
وذبح الهدي يختص بالحرم ولا يجوز في غيره، والهدي: هو ما يهدى إلى الكعبة، فلا يكون ذلك بأن يذبحها خارج الحرم، بل هذا يختص بالحرم.
والحرم كله منحر، فحيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة، ولكن السنة في الحج أن ينحر بمنى، ولو نحر بمكة جاز ذلك، وكذلك إن نحر في المزدلفة فهو جائز، ولكن الأفضل أن ينحر في منى.
стр. 321
الحلق أو التقصير
إذا فرغ الحاج من الرمي والذبح فليحلق رأسه أو يقصر، والحلق والتقصير ثابتان بالكتاب والسنة، فربنا يقول: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧].
وفي الصحيحين عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ دعا للمحلقين فقال: اللهم ارحم المحلقين.
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين.
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين)، ذكرها في الثالثة أو في الرابعة.
والأفضل أن يحلق جميع الرأس، وسنة النبي ﷺ أن يحلق جميع شعره، وإذا قصر كان أيضاً يقصر من جميع شعره ﵊، فنحن نفعل كما فعل ﷺ .
وإن كان العلماء اختلفوا فقالوا: إن حَلْق جميع الشعر هو السنة، وأما الذي يجزئ في الفرض فقد اختلفوا فيه على أقوال: فـ الشافعي عنده أن أقل ما يجزئه في الحلق أن يحلق ثلاث شعرات، وأخذ هذا من الدلالة اللغوية في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح:٢٧]، أي: شعر رءوسكم، والشعر جمع والمفرد منه شعرة واحدة، وأقل الجمع ثلاث شعرات، فإذا حلق ثلاث شعرات وسمي حلقاً فيكون هذا هو الواجب، وما كان أكثر من ذلك فيكون سنة، هذا عند الشافعي.
أما عند مالك، وأحمد: فالواجب حلق أكثر الرأس.
وأما عند أبي حنيفة فالواجب حلق ربع الرأس.
وعند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أن الواجب حلق نصف الرأس.
ولكن النبي ﷺ حلق شعره وقال: (لتأخذوا عني مناسككم).
وجوز ربنا لهم التقصير، فلما حلق جميع رأسه ﵊ ولم يحلق البعض تبين أن المنسك أن يحلق الشعر كله، أو أن يقصر من رأسه كله إذا كان مقصراً.
إذاً: الأفضل أن يحلق جميع الرأس إن أراد الحلق، أو يقصر من جميعه إن أراد التقصير.
وقد جاء في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (لما رمى رسول الله ﷺ الجمرة، ونحر نسكه، وحلق ناول الحالق شقه الأيمن فحلق)، أي: حلق الشق الأيمن كله، قال: (ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: احلق، فحلقه فأعطاه أبا طلحة وقال: اقسمه بين الناس)، والصحابة أخذوا ذلك الشعر تبركاً بشعر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو ﷺ أمر بذلك، فهذا هو فعله وهو أنه حلق شعره كله ﷺ .
стр. 322
هل الحلق والتقصير نسك أو تحلل من الإحرام ؟
والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، وهناك خلاف يسير هل هو نسك أم هو تحلل من الإحرام؟ فذكر النووي أنه لم يقل أحد من العلماء أنه تحلل من الإحرام إلا الشافعي، فهذا نقل النووي ﵀، والظاهر أن قول الإمام أحمد أيضاً أنه تحلل من الإحرام.
والصواب في هذه المسألة: أن الحلق نسك من المناسك وليس مجرد تحلل من الإحرام.
وبناءً على ذلك: فلو أنه قدم الحلق قبل رمي الجمرة فلا شيء عليه، إلا أن نقول: إنه تحلل من الإحرام وهنا حلق قبل رمي الجمرة، والتحلل لا يكون إلا برمي الجمرة، فيكون عليه دم؛ لأنه تحلل من الإحرام قبل الأمر الشرعي وهو رمي الجمرة، لكن الصواب في ذلك أن الحلق نسك من المناسك؛ لأن النبي ﷺ دعا للمحلقين.
ولو كان الحلق مجرد تحلل من الإحرام وليس نسكاً لما دعا النبي ﷺ لمن حلق، ولما ذكره الله في كتابه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧].
وقد جاء في الحديث: (من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل بالحج)، فأمرهم النبي ﷺ في العمرة عندما كانوا متمتعين أن يطوفوا بالبيت وأن يسعوا بين الصفا والمروة، قال: (وليقصر وليحلق)، فأمر بالتقصير.
وفي الصحيحين عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا).
وأمر النبي ﷺ يدل على الوجوب، فيجب تنفيذ ما أمر به ﷺ .
وكذلك الآية: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، والتحليق لولا أنه من المناسك لقال ربنا لهم أن اصطادوا، أو البسوا ثيابكم، وإنما قال: ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وهذا يدل أنه من المناسك أن يكون محلقاً، أو يكون مقصراً، ولأن النبي ﷺ ترحم على المحلقين ثلاثاً، فدل على أن هذا الفعل عبادة، ولولا أنه عبادة لما دعا النبي ﷺ لهم، ولأنه أمر أصحابه ففعلوه في جميع حججهم وعمرهم ولم يتركوه، فلو لم يكن من ضمن المناسك لكان على الأقل قد تركه بعضهم.
стр. 323
كيف يفعل من لا شعر له
فإن كان الشخص لا يوجد على رأسه شعر، بأن كان أصلعاً أو محلوقاً، أو اعتمر وحلق شعره، وجاء في يوم العيد ولا شعر في رأسه، فهذا يستحب له أن يمر بالموسى على رأسه كهيئة الحلق ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه قربة تتعلق بمحلها، والمحل هنا هو الرأس والقربة تتعلق به، والمحل الآن لا يوجد فيه شعر، فسقطت هذه القربة بفوات المحل، كغسل اليد إذا قطعت، فعندما يتوضأ فالقربة تتعلق بمكان هذه اليد، والغسل لليد يتعلق بالعضو، والعضو هنا غير موجود، فيصبح الإمرار بالماء على مكان العضو سنة، ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير، وهذا بخلاف من كان فيه شعر ونسي يوم العيد فلم يحلق، ومضت عليه أيام التشريق ولم يحلق، فهذا في الوقت الذي يذكر فيه ذلك فيلزمه أن يفعله.
стр. 324
تقصير المرأة من شعرها
وأما المرأة فيلزمها التقصير ولا يجوز لها أن تحلق شعرها؛ لقول النبي ﷺ : (ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير).
ويستحب للمرأة أن تقصر قدر أنملة، والأنملة طرف الأصبع، فتجمع شعرها في يدها، وتأخذ من آخره مقدار أنملة أو نحو ذلك.
стр. 325
حكم تقديم بعض أعمال يوم النحر على البعض الآخر
فإن حلق قبل الرمي فلا حرج، وكذلك إن قدم شيئاً من أعمال يوم النحر على غيره فلا حرج؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (سئل النبي ﷺ عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه؟ فقال: لا حرج لا حرج).
وفي رواية: (قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير.
فقال: لا حرج).
وفي رواية أخرى: (سئل يوم النحر عن رجل حلق قبل أن يرمي، أو نحر أو ذبح وأشباه هذا في التقديم والتأخير؟ فقال رسول الله ﷺ : لا حرج لا حرج).
وجاء أيضاً في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح.
فقال: اذبح ولا حرج.
فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج.
فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج).
فكان ذلك اليوم يسمى يوم لا حرج؛ لأنه يوم رخص النبي ﷺ فيه، ورفع عن الناس بأمر الله سبحانه.
وفي حديث آخر رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ وقد أتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة)، أي: يوم النحر عند الجمرة الكبرى، (قال: يا رسول الله! إني حلقت قبل أن أرمي)، أي: وكان الأصل أن يرمي أولاً، ولكنه حلق قبل ذلك.
فقال: (ارم ولا حرج)، فدل ذلك على أن الحلق نسك، وأنه لو كان تحللاً من الإحرام فيكون قد تحلل من حجه قبل أن يرمي، وهذا لا يجوز له، فكونه يقول له: (ارم ولا حرج)، فهذا فيه دليل على أن أياً من المناسك قدم على الآخر فلا حرج عليه، وفيه دليل أيضاً على أن الحلق والتقصير نسك، قال: (وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج.
فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعلوا ولا حرج).
فجملة الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فيها أنهم سألوا عن الحلق قبل الذبح، فقال: (لا حرج)، وسألوا عن الحلق قبل الرمي فقال: (لا حرج)، وسألوا عن النحر قبل الرمي فقال: (لا حرج)، وسألوا عن الإفاضة قبل الرمي، فهذه أربعة أشياء سألوا عنها النبي ﷺ وأنهم قدموا أشياء على أشياء، وفي كل ذلك يقول: (افعلوا ولا حرج).
ولا يحصل الحلق إلا بشعر الرأس، فلو أن الإنسان لم يحلق شعر رأسه بل حلق شعر لحيته مثلاً فهذا حرام لا يجوز له، وليس هذا تحللاً من الإحرام، فلا يحصل له تحلل من الإحرام بهذه المعصية التي يفعلها، وإنما يجب عليه أن يفعل نسكاً من المناسك بأن يحلق شعر رأسه.
وكذلك إذا حلق شعر بدنه أو شعر إبطه أو عانته فهذا ليس داخلاً في التحلل من المناسك، وإن كان يجوز له أن يفعل ذلك بعد أن يحلق شعر رأسه، لكن الحلق المقصود في الحديث والمقصود في الآية هو حلق شعر الرأس.
والمراد بالحلق والتقصير: إزالة الشعر، فيقوم مقامه النتف، أو إذا عمل طلاءً مزيلاً للشعر، أي: أن الإنسان يحلق بالموسى، أو بوضع كريم على رأسه مزيل للشعر، فيجزئ ذلك ولكن السنة هي الحلق، فإذا أزاله بأي شيء قام مقام الحلق.
ويستحب أن يبدأ في حلق رأسه بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره، ثم الأيسر، ويستحب أن يستقبل المحلوق القبلة أثناء الحلق فيكون وجهه للقبلة، والحلاق يبدأ بالشق الأيمن قبل الشق الأيسر.
стр. 326
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [٢]
من أعمال يوم النحر طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم إلا به، وقد اختلف العلماء في وقته، وأن يكون في وقت الضحى كما فعل النبي ﷺ ، والأفضل أن يكون بعد الرمي والذبح والحلق، وصفته كصفة طواف القدوم، إلا أنه لا رمل فيه ولا اضطباع، وطواف الوداع يغني عن طواف الإفاضة على القول الراجح، والسعي بين الصفاء والمروة ركن من أركان الحج على الراجح، ويكون السعي بعد طواف الإفاضة، ويستحب الشرب من ماء زمزم بعد الطواف.
стр. 327
طواف الإفاضة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكرنا مناسك الحج، وكيف أنه يبدأ الحاج بأول ركن من الأركان وهو الإحرام، والحج له أربعة أركان: الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة.
والحاج إما أن يكون مفرداً بالحج، وإما أن يكون قارناً بين الحج والعمرة، وإما أن يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج.
فإذا كان مفرداً وبدأ بالإحرام فيظل على إحرامه حتى ينتهي من الطواف بالبيت، ويتحلل التحلل الأكبر بعد أن يرمي الجمرات ويطوف بالبيت.
وإذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج بدأ بمناسك العمرة حتى ينتهي منها فيصير حلالاً بعد ذلك، ويبدأ في إحرامه بالحج بعد ذلك في يوم التروية على تفصيل ذكرناه لمن يجد الهدي ومن لم يجد الهدي.
والقارن شأنه شأن المفرد، فيحرم بالعمرة مع الحج، ويظل محرماً، فإذا أتى البيت وطاف فيكون طواف القدوم، وإذا سعى بين الصفا والمروة يكون السعي للعمرة وللحج معاً، ثم إذا جاء في يوم التروية أهل مع الناس وأدى مناسك الحج، ويتحلل إذا رمى الجمرة ثم طاف بالبيت كما سيأتي.
وقد وقفنا في كلامنا على طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة يكون في يوم العيد وهو يوم النحر.
وقبله يوم التروية الذي ذهب فيه الحاج إلى منى، فيصلي بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، يقصر الرباعية ويصلي كل صلاة على وقتها، ويبيت في منى، والذهاب إلى منى في اليوم الثامن من سنن الحج وليس من فروضه ولا من أركانه.
والمبيت ليلة عرفة بمنى من السنن، فإذا بات الحاج بمنى وأصبح صلى الفجر وانطلق إلى عرفات قبل صلاة الظهر فيدركه الوقت وهو في عرفات، فيصلي مع الإمام الظهر والعصر جمعاً وقصراً ويسمع خطبة عرفة ويظل من بعد الظهر حتى غروب الشمس يدعو الله على ما ذكرنا من تفصيل.
فإذا غربت الشمس أفاض الحجيج من عرفة إلى المزدلفة، وصلوا بها المغرب والعشاء جمعاً ويقصرون العشاء ويبيتون في المزدلفة، والمبيت واجب في المزدلفة، والواجب منه حتى بعد منتصف الليل، ويرخص للضعفاء في الانطلاق من المزدلفة بعد منتصف الليل إلى منى.
وإذا باتوا بالمزدلفة صلوا الفجر في أول وقتها، ثم يقفون عند المشعر الحرام عند جبل قزح أو في أي موقف من المزدلفة يدعون الله سبحانه حتى وقت الإسفار قبل شروق الشمس، فينطلقون مع وقت الإسفار إلى منى ويفيضون من هذا المكان إلى البيت.
وإذا وصلوا إلى منى أول ما يبدءون به رمي جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات، ولا يرمون الصغرى ولا الوسطى.
ومتى رموا جمرة العقبة الكبرى فقد شرعوا في التحلل الأصغر، فيحلقون شعورهم، وينحرون هديهم، ثم يتوجهون إلى البيت ليطوفوا طواف الإفاضة.
стр. 328
أسماء طواف الإفاضة
والمستحب للحاج أن يذهب إلى البيت في وقت الضحى إن استطاع، فهذا طواف الإفاضة الذي أثني عليه، ويسمى بطواف الإفاضة، وطواف الركن، وطواف الصب، كل هذه من أسمائه.
وكأنه مأخوذ من فاض الماء بمعنى: سال؛ لأن الحجيج يندفعون، وكل الحجيج يفعلون هذه المناسك، (فإذا أفضتم من عرفات) أي: اندفعتم وسرتم من عرفات جماعات كبيرة، ولذلك يقولون: إن الإفاضة هي الزحف والدفع في السير بكثرة، ولا يكون إلا عن تفرق عن جمع، فإذا اجتمع جمع ثم تفرق هذا الجمع إلى مكان فإنه يسمى إفاضة.
وأصلها: من الصب، وأفاض الماء أي: صبه، فكأن الحجيج يفيضون كما يفيض الماء، فهم يندفعون من المزدلفة إلى منى، ومن منى يفيضون إلى البيت ليطوفوا طواف الإفاضة.
стр. 329
حكم طواف الإفاضة
إذا رمى الحاج ونحر وحلق أفاض إلى مكة، أي: توجه إلى مكة لطواف الإفاضة، وهو ركن في الحج للمفرد وللقارن وللمتمتع بالعمرة إلى الحج، ويسمى هذا الطواف: طواف الزيارة، وطواف الركن، وطواف الصدر؛ وسمي طواف الإفاضة بهذا الاسم لأن الحجاج اندفعوا من منى إلى البيت.
ويسمى بطواف الزيارة لأن الحاج يزور البيت ثم يرجع إلى منى.
ويسمى طواف الركن لأنه ركن في الحج.
ويسمى طواف الصدر لأن الحاج يصدر عن البيت ولا يعود إليه.
وهو ركن في الحج لا يتم الحج إلا به؛ لقول الله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] (وليطوفوا) بصيغة الأمر، وقرئت: (وليطُوفوا بالبيت العتيق) وفيها معنى الأمر أيضاً.
قال ابن عبد البر: وهو من فرائض الحج، ولا خلاف في ذلك بين العلماء.
فقد يوجد خلاف في السعي بين الصفا والمروة هل هو ركن أو واجب أو سنة، لكن طواف الإفاضة ركن اتفاقاً بين العلماء.
وفي الصحيحين: (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرت النبي أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله).
وقول النبي ﷺ : (أحابستنا هي؟) فيه دلالة على أنه لو لم تكن طافت طواف الإفاضة لحبسته حتى تطوف، أي: حتى تنقضي حيضتها، ففيه دليل على أنه لا يجوز أن ينفر الحاج حتى يطوف طواف الإفاضة.
قالت عائشة ﵂: (إنها قد أفاضت يا رسول الله! وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ : فلتنفر إذاً).
وفيه دليل على أن طواف الوداع ليس واجباً على الحائض.
стр. 330
وقت طواف الإفاضة
ويدخل وقت هذا الطواف من نصف ليلة النحر، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، أو من بعد الفجر وهو مذهب الأحناف والمالكية، ولا شك أن أفضل الوقت وقت الضحى الذي طاف فيه النبي ﷺ ، وإنما رخص للضعفاء أن ينفروا بعد نصف الليل ليكملوا مناسك أخرى بعد ذلك، كالرمي وغيره، فإذا رموا الجمرة ذهبوا فطافوا بالبيت سواء كان قبل الفجر أو بعد الفجر، ولكن الأفضل أن يكون في وقت الضحى لمن استطاع، ويدخل وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر.
стр. 331
حكم من نسي طواف الإفاضة أو جهله
ويبقى إلى آخر العمر لمن نسيه أو جهل حكمه فسافر إلى بلده ولم يأت به، ومن فعل ذلك لم يزل محرماً لم يتحلل التحلل الأكبر، فتحرم عليه النساء حتى يرجع إلى البيت فيطوف طواف الإفاضة؛ لأنه ركن من أركان الحج.
والأفضل طوافه يوم النحر قبل الزوال في الضحى، وقلنا: يوم النحر، احترازاً من ليلة النحر، ويرخص للحاج أن يطوف ليلة النحر، ولكن الأفضل أن يطوف في اليوم نفسه بعد الفجر، أو بعد طلوع الشمس وقبل الزوال؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، ويكون بعد فراغه من الأعمال الثلاثة التي هي: الرمي، والذبح، والحلق.
стр. 332
حكم تأخير طواف الإفاضة
ويكره تأخير الطواف عن يوم النحر، ولا يحرم، فللإنسان أن يطوف في يوم النحر أو في اليوم التالي وهكذا.
وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة.
وخروجه من مكة بلا طواف أشد من ذلك؛ لأنه إذا كان طواف الوداع واجباً فكيف بطواف الإفاضة؟ ومن لم يطف فلا يحل له النساء وإن مضت عليه سنون.
стр. 333
صفة طواف الإفاضة
وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم، فمثلما طاف في القدوم يطوف في الإفاضة وينوي به طواف الزيارة، ويرمل الحاج في طواف القدوم ولا يرمل في الإفاضة، ويكون محرماً في طواف القدوم، أما في طواف الإفاضة فقد تحلل ولبس الثياب، ويطوف سبعة أشواط يقف في كل شوط عند الحجر ويقبله، أو يستلمه، أو يشير إليه، كما فعل في طواف القدوم.
وله أن يطوف في أي طابق من طوابق المسجد الحرام، سواء كان الطابق الأرضي أو الثاني أو على سطح المسجد، فهذا كله جائز طالما أنه داخل المسجد.
والسعي كذلك، فله أن يسعى بين الصفا والمروة في الدور الأرضي، أو في الدور الثاني، أو على السطوح إذا كان فيه مكان للمسعى، وعلى هذا فالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة في أي طابق من الطوابق جائز.
والأفضل في الطواف أن يكون قريباً من الكعبة كما فصلنا قبل ذلك.
وقد روى أبو داود عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه) أي: لم يرمل في طواف الإفاضة، والرمل: هو الإسراع، فيمد بحيث تكون هيئته كهيئة الذي يجري ولكن لا يجري.
стр. 334
حكم من طاف للوداع ولم يطف للإفاضة
ولو طاف للوداع ولم يكن قد طاف الإفاضة فقد اختلف العلماء: هل يغني عن طواف الإفاضة أو لا بد من طواف الإفاضة؟ ولو رجع خرج من الخلاف، ولو لم يرجع فقول الجمهور: أنه يغني، وهو الراجح؛ لأن أعمال الحج تغني فيها النية الأولى، فالرجل الذي حج عن شبرمة قال له النبي ﷺ : (اجعل هذه عنك ثم حج عن شبرمة)، فتحول الحج إليه ويحرم عن شبرمة في سنة أخرى.
فمناسك الحج تختلف عن باقي العبادات، فالإنسان قد يعمل في البداية بنية ثم تتحول إلى نية أخرى ولا يبطل نسكه، كالوقوف بعرفة وغير ذلك.
فلو أنه طاف ونيته طواف الوداع ونسي طواف الإفاضة كان هذا مكان هذا، وهذا قول الجمهور.
لكن الحنابلة قالوا: لا بد أن يأتي بطواف الإفاضة، وهذا أحوط في المسألة.
وقال الجمهور: إنه يغني؛ لحديث الذي لبى عن شبرمة فقال له النبي ﷺ : (اجعل هذه عنك ثم حج عن شبرمة).
стр. 335
حكم من أخر طواف الإفاضة إلى مساء يوم النحر
ومن أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف للإفاضة طاف ولم يلزمه شيء، وقد ذكرنا في الحديث السابق أن الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (طفت بعدما أمسيت) أي: بعد دخول وقت المساء، فقالوا: يدخل المساء من بعد الظهر إلى المغرب، وقال بعضهم: بل يكون المساء إلى منتصف الليل، فكأن وقت المساء يعم هذا كله، فالرجل الذي قال: (رميت بعدما أمسيت، قال: لا حرج) فلعله رمى بعد الظهر أو رمى بالليل فقال: (لا حرج) فيكون الوقت واسع في ذلك.
وكذلك لو أنه أمسى يوم النحر ولم يكن قد طاف بالبيت فجماهير أهل العلم بل يذكر الإمام البيهقي الإجماع على ذلك؛ أنه لا شيء عليه في ذلك، وأنه لا يلزمه أن يرجع محرماً مرة ثانية.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، فذكرت أنها كانت تطيب النبي ﷺ لإحرامه حين يحرم ﵊، أي: قبل الإحرام، أما بعد الإحرام فلا، ثم طيبته مرة ثانية لحله قبل أن يطوف بالبيت ﷺ ، وهي لا تعرف هل سيطوف بالبيت الآن أو في المساء أو في الصباح، فقالت: (قبل أن يطوف بالبيت) فكأن التحلل وقع قبل أن يطوف ﷺ بالبيت فطيبته عائشة، وبذلك يقول الإمام النووي: أن هذه الجملة وهي قولها: (حله قبل أن يطوف) فيها دلالة على أنه حصل له تحلل قبل الطواف.
قال: وهذا مجمع عليه، أي: أنه حصل التحلل الأصغر وليس التحلل الأكبر.
وهذه المسألة استمر فيها الخلاف فترة طويلة، وقد ذكرها العلامة الشيخ الألباني رحمة الله عليه في كتبه وذهب إلى أنه صح الحديث بأنه قد عاد محرماً، والشيخ الألباني ﵀ كان من أتبع الناس لحديث النبي ﷺ ، ولذلك لما صح عنده الحديث قال بما لم يقله قبله أحد من العلماء حتى عهد عروة بن الزبير أو عهد ابن خزيمة رحمة الله على الجميع، فقال: إنه ثبت حديث عن النبي ﷺ أنه إذا لم يطف بالبيت وأمسى فإنه يرجع محرماً مرة ثانية.
وهذا الحديث تكلم فيه العلماء، فمن صححه قال: إنه منسوخ، ومن ضعفه قال: لو صح لقلنا به مثل ابن حزم وغيره، والحديث الذي سيلزم الأمة لا بد أن يكون حديثاً صحيحاً بحيث تعمل به الأمة، لكن كونه قد صح الحديث والإجماع على عدم العمل به فيقال: إن الإجماع دل على وجود ناسخ لهذا الحديث.
فالإجماع لا ينسخ الحديث ولكنه يدل على وجود ناسخ لهذا الحديث؛ لأنه من غير المعقول أن يأمر النبي ﷺ بحكم من الأحكام الشرعية ثم تتفق الأمة كلها على عدم العمل به، فهذا مستحيل، والنبي ﷺ يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، وإذا اجتمعوا على خلاف الحديث فإما أنهم مجتمعون على ضلالة، وهذا يخالف الحديث الآنف، أو أنه وجد ما ينسخ هذا الحديث عن النبي ﷺ وإن لم يرو لنا، ولكن دل الإجماع على وجوده.
فهذا الذي يقال به، وهذا الحديث إما أن يكون ضعيفاً، ومن صحح الحديث أو حسنه فقد صححه أو حسنه من باب الحسن لغيره مثلاً؛ فبناء على ذلك قال بهذا الحديث، أو أنه مؤول فله تأويل آخر، أو أنه صح لكن الإجماع على خلافه.
والحديث طرقه كلها ترجع إلى أحد الرواة، فقد جاء في سنن أبي داود عن أم سلمة مرفوعاً: (فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)، والحديث يقول عنه النووي: هذا حديث صحيح، وروي عن البيهقي أنه قال: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به.
قال النووي: فيكون الحديث منسوخاً دل الإجماع على نسخه؛ فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ ولكن يدل على الناسخ.
قال البيهقي: ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على نسخه.
ويقول البيهقي في الخلافيات: يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار أنه منسوخ، ويستدل بالإجماع على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول على النسخ.
يعني: إجماع العلماء على جواز لبس المخيط بعد التحلل الأول من غير تفصيل دليل على نسخ هذا الحديث، هكذا يقول الإمام البيهقي.
وابن المنذر يذكر أنه يوجد في هذه المسألة قول خامس وهو: أن المحرم إذا رمى الجمرة فيكون في ثوبيه حتى يطوف بالبيت، قال: وكذلك قال أبو قلابة.
وهو من التابعين.
وقال عروة بن الزبير: من أخر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفل فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وقد اختلف فيه عن الحسن البصري وعطاء والثوري.
أي: أنه قد جاء عنهم القول به وبعدمه، فيكون الذي قال به أبو قلابة وعروة بن الزبير.
والحديث رواه أبو داود وأحمد من طريق محمد بن إسحاق بن يسار قال: حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة يحدثانه جميعاً بذاك، قالت: (كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر، فصار إلي، ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل آخر من آل أبي أمية متقمصين -أي: لابسين قمصاً- فقال رسول الله ﷺ لـ وهب: هل أفضت أبا عبد الله؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال ﷺ : انزع عنك القميص، قالت: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا -يعني: من كل ما حرمتم منه- إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به) فكأنه مقيد بالطواف إما أن تطوفوا قبل أن يدخل عليكم المساء، وإلا رجعتم حرماً مرة أخرى.
زاد أحمد: قال محمد بن إسحاق: قال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس ابنة محصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر، ثم رجعوا إلي عشاءً قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة! ما لكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: كان هذا يوماً قد رخص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرماً كهيئتنا قبل أن نرمي الجمرة حتى نطوف بالبيت، ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين.
والحديث له طريق آخر، فقد رواه الطبراني عن ابن إسحاق أيضاً عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة.
إذاً: فللحديث طريقان: طريق أبي داود: محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو عبيدة، قال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول، يعني: عند المتابعة إذا تابعه أحد، ولم يوثقه إلا الإمام الذهبي فقط، ولعله اعتمد على أن ابن حبان ذكره في الثقات، ولو وثقه أحد لذكر الحافظ ابن حجر ذلك، فقد تتبع من وثقه فلم يجد.
وابن حزم بحث فيه وقال: هو على جلالته لم يوثقه أحد.
فقول الذهبي أنه ثقة يحتاج إلى نظر؛ لكونه لم يوثقه من العلماء السابقين أحد، فهو وإن كان رجلاً جليلاً وشريفاً له شرف وذكر في الناس إلا أنه لم يوثقه أحد.
وأما الطريق الأخرى التي ذكرها ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير، فقد قال الحافظ في خالد: إنه لا يدرى من هو.
أي: أنه مجهول فلعله يكون مدلساً، وراويه ارجع طريقه لـ أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مرة ثانية فلعله عن آخر غيره، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه قد توبع، خاصة في هذا الحكم الخطير؛ لأنه سيضيق على الحجاج تضييقاً شديداً جداً؛ لأن الأمر صعب جداً وليس سهلاً أن يعود جميع الحجاج محرمين مرة ثانية، بل هو غاية في الصعوبة، فهذا الحكم يحتاج إلى حديث أصح من هذا الحديث حتى يقال به؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة الذي ذكر الحافظ أنه مقبول -أي: عند المتابعة- لن نجد من يتابعه إلا هذه الرواية التي رواها ابن لهيعة، فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي من طريق ابن لهيعة، وذكر عن عروة عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب وهي صحابية، وعروة لم يسمع ممن روى عنه، وذكر عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أم قيس بنت محصن، فاختلف ابن لهيعة في روايته، فمرة يذكر شيئاً ومرة يذكر غيره، فقد ذكر جدامة بنت وهب مرة، ومرة أم قيس بنت محصن، وهذه غير الأولى، ولم يذكر لـ عروة بن الزبير أنه سمع لا من هذه ولا من هذه، ولعل الحديث يرجع إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة فيكون في النهاية واحد فقط هو الذي روى هذا الحكم، وهذا الواحد ذكر العلماء عنه أن له شرفاً وأنه مشهور ولكن لم يذكروا
стр. 336
السعي بين الصفا والمروة وحكمه
السعي بين الصفا والمروة هو الركن الرابع من أركان الحج، وهو مختلف فيه هل هو ركن من الأركان، أو هو واجب من الواجبات، أو هو سنة من السنن؟ وقد ذكرنا أن الأحوط القول بأنه ركن من أركان الحج.
ومال ابن قدامة ﵀ إلى أنه واجب من الواجبات كما في كتابه المغني.
ويلزم المتمتع السعي عن حجته بعد طواف الإفاضة، ولا يزال محرماً حتى يسعى، ولا يحصل التحلل الثاني بدونه، هذا على القول بأنه ركن من الأركان، فلا بد أن ينتهي من الحج ثم يتحلل التحلل الأكبر ليأتي أهله.
وأما من أفرد أو قرن فلا سعي عليه؛ لأنه قدم السعي بعد طواف القدوم؛ لأن السعي بين الصفا والمروة إما أن يكون عن حج أو عن عمرة، وهو هنا للمفرد أو القارن عن حج، أما المتمتع فلا يجزيه السعي الذي سعاه قبل ذلك، لأنه كان للعمرة، وبقي عليه السعي للحج، فيلزمه السعي عن حجته بعد طواف الإفاضة، ولا يزال محرماً حتى يسعى، ولا يحصل التحلل الثاني بدونه.
والمفرد والقارن إذا لم يكن قد سعى بعد طواف القدوم لزمه السعي بعد طواف الإفاضة، وإن كان سعى بعد طواف القدوم لم يعده بل تكره إعادته؛ لأن الركن لا يعاد مرتين.
стр. 337
استحباب الشرب من ماء زمزم بعد الطواف
ويستحب للحاج إذا فرغ من طوافه بالبيت أن يشرب من زمزم، لأنها من السنة فقد فعلها النبي ﷺ ، وفي الحديث: (أنه ركب ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه ﷺ .
стр. 338
جواز رجوع الحاج إلى منى بعد الإفاضة وقت الظهر
وله أن يطوف الإفاضة قبل الزوال ويرجع إلى منى فيصلي بها الظهر؛ لأنه ثبت الأمران عن النبي ﷺ ، فقد روى البعض أنه صلى الظهر بمنى، والبعض روى أنه صلى الظهر بمكة، وكأنه صلى بمكة بالناس، فلما رجع إلى منى صلى بهم تطوعاً ﷺ فنقل البعض ذلك.
ففي حديث جابر: (أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر إلى البيت فصلى بمكة الظهر) وهذا في صحيح مسلم.
وفي صحيح مسلم أيضاً عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى)، فـ جابر ذكر أنه صلى الظهر بمكة وعبد الله بن عمر ذكر أنه صلى الظهر بمنى، والجمع بينها: أنه صلى بمكة بالناس صلاة الظهر، ثم رجع فصلى بأصحابه بمنى فكانت له تطوعاً ولهم فريضة.
стр. 339
التحلل من الإحرام
للحاج تحللان: تحلل أول وتحلل ثاني.
التحلل الأول: يسمى التحلل الأصغر، ويباح له فيه كل شيء إلا النساء.
والتحلل الثاني: التحلل الأكبر، ويباح له إتيان النساء وغير ذلك.
وهما يتعلقان برمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، وأما النحر فلا مدخل له في التحلل.
стр. 340
التحلل الأول
ويحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة، فإذا رمى جمرة العقبة تحلل التحلل الأول، والأفضل أن يضيف إليه الحلق أو الطواف، فيكون لبس الثياب وقد عمل عملين، وهو قول الجمهور، بمعنى: أنه يبدأ فيرمي جمرة العقبة ثم يحلق شعره أو يطوف بالبيت، يقول الإمام النووي: يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة، فأي اثنين منهما أتى بهما حصل التحلل الأول، سواء كان رمياً وحلقاً، أو رمياً وطوافاً، أو طوافاً وحلقاً.
يريد أنها ثلاثة أفعال بدون النحر، فأي فعلين تتحلل بهما التحلل الأول.
وإن كانت أكثر الأحاديث التي وردت ذكر فيها الرمي، فقد روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء)، فبرمي جمرة العقبة يتحلل التحلل الأول.
وفي حديث ابن عباس الذي رواه أحمد قال ﷺ : (إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء.
فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك أفطيب ذاك أم لا؟).
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها) ﵂.
ورواه أحمد والنسائي بلفظ: (طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه حين أحرم ولحله بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت)، فهو رمى جمرة العقبة ثم إن عائشة ﵂ طيبته، وكان قد رمى الجمرة وحلق شعره ونحر وحلق ثم طاف بالبيت ﵊.
وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، ولا يمس أحد نساءً ولا طيباً حتى يطوف بالبيت.
وأيضاً ذكر عمر أنه إذا رمى الجمرة فقد حل، وإن كان مذهب عمر ﵁ أنه لا يضع الطيب على بدنه أو ثوبه حتى يطوف بالبيت، لكن روت عائشة ما يخالف ذلك، والحجة في المرفوع إلى النبي ﷺ ، والمرفوع: أن عائشة طيبت النبي ﷺ قبل أن يطوف بالبيت، فدل على أن الصواب هو أنه إذا رمى جمرة العقبة فله بعد ذلك أن يتطيب.
وبالإسناد نفسه أن عمر ﵁ قال: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هدياً إن كان معه فقد حل له ما عليه حرم إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت.
فكأن مذهب عمر ﵁ أن الطيب من لوازم الجماع، فجعل الطيب مع الجماع، فلا يجوز له أن يضع الطيب لأنه يدعوه إلى الجماع، وهذا رأيه رضي الله ﵎ عنه يخالفه ما جاء عن النبي ﷺ ، فالصواب أنه يجوز له التطيب لحديث عائشة السابق.
ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فقد فات الرمي ولزمه بفواته الدم، أي: إذا فاته الرمي لزمه بفواته الدم، ويتوقف تحلله على الإتيان ببدل الرمي احتياطاً، أما إذا لم يرم ولم تخرج أيام التشريق فلا يجعل دخول وقت الرمي كالرمي في حصول التحلل، أي: أنه إذا دخل وقت الرمي فلا يتحلل حتى يرمي، أما إذا لم يرم فلا؛ لأن نص الحديث دل على ذلك.
ويحل بالتحلل الأول في الحج: اللبس، والقلم، وستر الرأس، والحلق، ولو لم يطف.
أي: إذا رمى جمرة العقبة، وحلق شعره أو نحر هديه أو وكل في النحر فيجوز له أن يلبس ثيابه، ويستر رأسه، ويحلق شعره، والحلق منسك من المناسك حتى ولو لم يطف بالبيت، ولا يحل الجماع إلا بالتحلل الثاني.
стр. 341
التحلل الثاني
يحصل التحلل الثاني بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة للمتمتع، وللقارن والمفرد إذا لم يكونا قد سعيا بعد طواف القدوم، فإذا كانا قد سعيا بعد طواف القدوم فليس عليهما إلا الطواف بالبيت فقط.
فإذا تحلل التحللين صار حلالاً في كل شيء، ويجب عليه الإتيان بما بقي من الحج وهو الرمي في أيام التشريق والمبيت لياليها، أي: أنه يجب على الحاج ليالي أيام التشريق المبيت بمنى، ويجب عليه في أيامها الرمي، ويجوز له أن يرمي بالليل.
وإذا ترك طواف الزيارة بعد رمي جمرة العقبة فلم يبق محرماً إلا على النساء خاصة؛ لأنه قد حصل له التحلل الأول برمي جمرة العقبة.
стр. 342
حكم من وطئ قبل طواف الإفاضة
فإن وطئ قبل طواف الزيارة وجب عليه الدم؛ لأن الصواب: أن فساد الحج يكون قبل التحلل الأول، فلو أنه جامع قبل رمي الجمرة فسد حجه، ولكن لو أنه جامع بعد ذلك فإن عليه دماً، فإذا وطئ قبل طواف الزيارة وبعد رمي جمرة العقبة لم يفسد حجه، ولم تجب عليه بدنة، ولكن عليه دم، وإذا قصدنا بدنة فلا بد من التصريح بها، وأما إذا قال: دم ولم يذكر بدنة، فإن أقل ما فيه الشاة أو سبع بدنة.
ويجدد إحرامه حتى يطوف بالبيت في إحرام صحيح، وهذا اختيار الإمام أحمد ﵀، قال: من طاف للزيارة واخترق الحجر في طوافه ورجع إلى بغداد فإنه يرجع؛ لأنه على بقية من إحرامه، فإن وطئ النساء أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس، يعني: على اختيار ابن عباس ﵁ أنه يحرم من التنعيم، فكأنه يدخل بعمرة ليطوف بالبيت وهو محرم، والله أعلم.
стр. 343
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أحكام الأضحية والهدي
الأضحية مشروعة لمن قدر عليها، وينبغي أن تسمن، وأن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء التي بينها النبي ﷺ في سنته، وللذبح آداب وسنن ينبغي مراعاتها حتى يكون الذبح على ما ورد في الشريعة المطهرة.
стр. 344
ذكر ما لا يجزئ من الأضاحي وأحكامها
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
روى أصحاب السنن عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء بن عازب ﵁ ما لا يجوز في الأضاحي فقال: (قام فينا رسول الله ﷺ وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها، والعرجاء بين ضلعها، والكسير التي لا تنقي، قال: قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص، قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد).
وفي لفظ للنسائي (لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)، وقد وردت أحاديث للنبي ﷺ فيها بيان ما الذي لا يجوز من الأضاحي، فإذا أردت أن تضحي فخذ الشيء الذي يرضي ربك سبحانه لتتقرب به إليه.
وهذا الشيء الذي تتقرب به إلى الله لابد أن يكون جميلاً في منظره، سيمناً، ويكون في السن المجزئة التي جاء عن النبي ﷺ ذكرها فيه.
فهنا في حديث البراء بن عازب يذكر أربعاً لا تجوز في الأضاحي، أولها: (العوراء بين عورها)، والعور قد تبقى معه العين، لكنها تضيع، أي: لا تبصر، فالعوراء قد يكون في بصرها شيء ولكنه غير مؤثر، لكن الحديث ذكر الشيء المؤثر، وهو البين عورها، إذاً: فما فيها عور بين لا تجوز في الأضاحي، أما العور الغير بين أي: الشيء البسيط الذي ما له قيمة فتجزئ مع وجوده.
ثانيها: (والمريضة البين مرضها)، المرض إما أن يكون مرضاً يسيراً فهي مجزئة معه، أما المرض الذي يؤثر فيها ويهزلها فغير جائز أن يضحى بها.
ثالثها: (والعرجاء البين ضلعها)، معنى: ضعلها أي: الاعوجاج، والمعنى: العرج البين في اليد أو الرجل بحيث يبدو في مشيتها، فهذا الاعوجاج مؤثر فلا تصح في الأضاحي، والضلع يكون في اليد أو في الرجل، أما إذا كان العرج غير بين فتجزئ في الأضاحي.
رابعها: (والكسير التي لا تنقي)، معناها: المنكسرة الرجل، ومعنى: لا تنقي، أي: لا نقي لها، فقد صارت هزيلة فلا لحم فيها ولا شحم، وهي التي لا مخ لها فلا شحم بداخلها، فهي هزيلة جداً ما فيها إلا جلد على عظم، فهذه لا تجزئ.
وفي الرواية الأخرى قال ﷺ : (لا يجوز من الضحايا: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي)، فذكر الكسير وذكر العجفاء، وكأن المعنى متقارب، أي: في كل هذه الحالات يراد أن تكون هزيلة لا تقدر على الأكل، فلا تجزئ في الأضحية.
стр. 345
حكم التضحية بمقطوعة الأذن
روى الترمذي عن حجية بن عدي عن علي ﵁ قال: البقرة عن سبعة.
فهذا من قول علي ﵁ قال: قلت: فإن ولدت البقرة؟ فقال: اذبح ولدها معها.
أي: طالما أنك جعلت البقرة أضحية ومعها ولد ولدته حين التضحية فابنها ضحية معها، قال: قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسب.
والمعنى: إذا كان هذا العرج طرأ عليها في المكان التي تذبح فيه فصاحبها معذور في ذلك، قال: قلت: فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس.
هذا كله من قول علي رضي الله تعالى عنه، ثم رفع الحديث للنبي ﷺ فقال: (أمرنا أو أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين)، والاستشراف أن تنظر إلى الشيء من علو، فعندما تنظره تقول: أستشرف على كذا، أي: أنك تنظر إليه من بعيد، أو تدقق النظر على الشيء البعيد.
وكأن المعنى هنا: أنك تنظر إليها وتجيد النظر وتبحث فيها عن هذه الأشياء والصفات في العينين والأذنين، أي: ينظر إلى العين أعوراء هي أم لا؟ أما العمياء فترد من باب أولى، وكذلك تنظر إلى الأذنين حتى لا تكون مشقوقة أو مقطوعة الأذن، فيستشرف لذلك.
وهذا الحديث صحيح عن النبي ﷺ ، وجاءت رواية أخرى توضحه وإن كان إسنادها ضعيفاً، وفيها: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين)، إلى هنا صحيح، ثم قال: (ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء)، هذه الأشياء تكون في الأضحية فنهي عنها، وإن كان هذا الجزء -أي: الثاني- من الحديث ضعيف الإسناد، ولكن يستحب للإنسان أن يراعي هذه الأشياء، أي: ألا يضحي بعوراء، وهي التي بعين واحدة.
قوله: (ولا مقابلة)، المقابلة: التي طرف أذنها مقطوع، قوله: (والمدابرة)، أي: التي آخر أذنها مقطوع، إذاً: فالمقابلة: مقطوعة الأذن من الأمام، والمدابرة: مقطوعة الأذن من الخلف.
قوله: (الشرقاء)، أي: مشقوقة، فإذا كانت الأذن مشقوقة فهي الشرقاء.
قوله: (والخرقاء)، وهي التي فيها خرق، أي: أنها مثقوبة الأذن على هيئة كبيرة، بحيث يكون وسماً بكي ونحوه ليعرفوا أن هذه أضحية من غيرها.
وهذا الجزء الزائد من الرواية هذا الذي فيه التفصيل ضعيف إسناده، لكن الحديث الذي عند الترمذي أمرنا فيه النبي ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين، أي: ننظر لسلامة العينين والأذنين، فما كان من مرض أو عاهة بسيطة غير مؤثرة فلا تؤثر، أما إذا كانت بينة كما في الحديث الآخر فإنها تؤثر.
قال الخطابي: في الحديث دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، إلا أن الحديث قال لنا: البين، إذاً: يوجد فرق بين البين الواضح الجلي وبين غير البين، الذي هو غير الواضح وهو الخفي؛ لأن في الحديث: بين عورها، وبين مرضها، وبين ضلعها، فالقليل منه غير بين فكان معفواً عنه.
стр. 346
حكم التضحية بالمعيبة
قال النووي: أجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها، أو أقبح منها.
بمعنى: إذا كان الحديث يذكر لنا لا يجوز التضحية بالعوراء بين عورها، فالعمياء لا تجزئ من باب أولى.
فالأضاحي فيها تقرب إلى الله بهذه اللحوم، فتخرج الشيء الجميل المنظر، التي لحمها كثير، وكذا شحمها أيضاً، فالنبي ﷺ كان يحب أن يتقرب إلى الله بما كان على هذه الصفات.
وقوله: (فالعوراء البين عورها)، العادة في الحيوان إذا عورت إحدى عينيه أن يصير نظره في جهة واحدة، أي: في العين الأخرى، ولعل الطعام موضوع للشاة في مكان وعينها التي في اتجاهه عوراء، فلا يرى الطعام، فيكون الطعام موضوعاً لها جاهزاً وهي لا تذهب إليه بسبب العور، فالغالب أن تكون العوراء هزيلة، ولا يمنع أن تكون العوراء غير هزيلة، فقد تكون العوراء أو العمياء يعلفها صاحبها ويهتم بها أن تبقى أفضل من غيرها، ولكن فيها عيب من العيوب، والنبي ﷺ ما كان يحب أن يضحي بما فيها عيب من العيوب، وإنما يضحي بالشيء السليم.
وكأنه استبشار أن هذه الأضحية لله ؛ لعل الله أن يعتق بها صاحبها، فإذا تقرب إلى الله تقرب بسليمة الأعضاء، أي: التي أعضاؤها كلها سليمة؛ لعل الله أن يعتق أعضاء صاحبها من النار بما قربه لله ﵎.
وهناك ما يمكن أن تكون عرجاء وصاحبها يهتم بها لكونها عرجاء، وهذا ممكن أن يكون، ولكن في النهاية فيها عيب، فلا تتقرب إلى الله بما فيه عيب، وهذه الأشياء المعيبة عندما تبيعها من يشتريها سيقول لك: هذه فيها عيب، فتباع بثمن أقل، فيبخس الثمن فيها، فإذا كان هذا في الناس فكيف تتقرب لرب الناس بما فيه عيب يراه الناس؟! إذاً: فالعرج إذا كان يسيراً بحيث لا يجعلها تتخلف عن الماشية لا يضر، لكن إذا كان كثيراً فهو يضر.
وكذلك إذا كانت الأضحية عوراء فالتضحية بها ممنوع، والعمياء من باب أولى.
стр. 347
إذا عين أضحية أو نذرها ثم تعيبت
أما إذا أوجب أضحية سليمة من العيوب، ثم حدث بها عيب يمنع الإجزاء ذبحها صاحبها وأجزأته، وقولنا: (إذا أوجب أضحية) الإيجاب يكون بالنذر، أي: أن يقول: لله علي نذر أن أذبح هذه الأضحية، فهذا أوجبها على نفسه، أو على قول آخر أن الإيجاب أن يعين ويقول: هذه أضحية، كما لو اشترى الأضحية، وما اشتراها إلا للتضحية بها، فهذا لا يلزمه أن يذبحها إلا إذا تلفظ وقال: هذه أضحية، فهذا ملحق بالنذر على ما ذكره بعض أهل العلم، وهذا الأحوط في ذلك، أي: إذا عين فقال: هذه أضحية صارت أضحية بهذا القول الذي قاله.
فإذا عينها إما بالنذر أو بالتحديد بالقول ثم حدث بها عيب بعد ذلك فلا شيء عليه، وجاز له أن يضحي بها، لكن إذا كان العيب قبل أن يشتريها، فيختار العجفاء أو المريضة لأن ثمنها قليل، فهذه لا تجزئ في التضحية.
والعيب قد يكون بقضاء الله وقدره وهي في وسط الغنم، كأن وطأتها الغنم فصارت عجفاء، أو انكسرت فصارت عرجاء، أو صار فيها عور أو نحو ذلك، وقد تكون تعيبت بفعل صاحبها، بأن أتى بهذه الأضحية وربطها ربطاً شديداً بحيث انكسرت رجلها من شدة الربط، أو أنه دفعها من السيارة على الأرض فانكسرت رجلها، إذاً: فصاحبها هو الذي تسبب في ذلك فيلزمه بدلها.
стр. 348
حكم الأضحية إذا تعيبت وقت الذبح
ولو حدث هذا العيب وقت الذبح بأن أتى بالأضحية ثم نومها من أجل أن يذبحها فتحركت واضطربت فحدث هذا العيب بسبب منها، ففي هذه الحالة لا شيء على صاحبها، ويكمل ذبحها.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم -أي: أنه لو حدث هذا العيب وقد أضجعها لذبحها-: فذهب البعض من الأحناف إلى أنها لا تجزئه؛ باعتبار أن الأضحية عندهم واجبة، وهذا نقله ابن قدامة عنهم فقال: قال أصحاب الرأي: لا تجزئه؛ لأن الأضحية عندهم واجبة، فلا يبرأ منها إلا بإراقة دمها.
وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فليس كل الأحناف قالوا بهذا، ولكن هناك خلاف عندهم لو أضجعها ليذبحها فحدث بها هذا العيب، فعند البعض منهم أنها تجزئه، وعند البعض الآخر: لا تجزئه.
فمن قال من الأحناف أنها تجزئه: عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، يقول: لو أضجعها ليذبحها يوم النحر فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحت أجزأته استحساناً، ولهذا قالوا: كأن الأصل أنها لا تجزئ، فمعنى (استحساناً) أي: أن هنا مخالفة للنص؛ لأن النص قال: لا تجزئ لو جاء البين ضلعها والكسير التي لا تنقي، ولا تجزئ العرجاء البين ضلعها، فهم قالوا: استحساناً، أي: كأننا خالفنا النص لنص آخر، أو خالفناه لعلة أخرى؛ لأن حالة الذبح ومقدماته ملحق بالذبح، فصار كأنه تعيب للذبح حكماً، إذاً: دليل الاستحسان عندهم: أن المضحي سيقطع رقبتها، فإذا كان قطع الرقبة ليس عيباً لها فكسر عضو من أعضائها ملحق بذلك؛ لأنها ستذبح الآن، ولا يوجد وقت للجمال وهو يذبحها، فاستحسنوا ذلك.
وعند الشافعي لا تجزئ إذا تعيبت عند أن يذبحها صاحبها؛ وكذا لو تعيبت في هذه الحالة فانفلتت ثم أخذت من فورها وشدها صاحبها من أجل أن يذبحها وهي تقاوم فانكسرت رجلها، ثم فلتت منه أخرى فأدركها وذبحها، قالوا: المسافة بين ما حدث لها وبين ذبحها بسيطة، وعلى ذلك فلا شيء على المضحي بها، وهذا عند محمد بن الحسن خلافاً لـ أبي يوسف.
يقول النووي في المجموع: إذا أضجعها ليذبحها فعالجها فأعورت حال الذبح -أي: صارت عوراء حال الذبح- فلا تجزئ، وقال أبو حنيفة وأحمد: تجزئ، وقد عرفنا أن في مذهب الأحناف خلافاً، فليس على الإطلاق المذكور هنا.
إذاً: فعند بعض العلماء: أنها لا تجزئ إذا تعيبت في حال ذبحها، وعند البعض الآخر: أنها مجزئة، وهو الراجح؛ لأن المضحي عمل ما عليه، طالما أنه ليس هو المتسبب في ذلك بتفريط، أما إذا تسبب في ذلك بتفريط منه فهي غير مجزئة، فلابد أن نفرق في تعيب الأضحية حال ذبحها بسبب تفريط وتقصير من الرجل، كأن نزعها ورماها على الأرض فانكسرت رجلها أو نحوها، فهي في هذه الحالة غير مجزئة في الأضحية، أما إذا كان يشدها وهي تقاوم فحدث فيها شيء، كأن رفعت رأسها مثلاً فجاءت السكينة في عينها، ففي هذه الحالة يعذر المضحي، والأضحية مجزئة.
إذاً: إن تعيبت بفعله وبتقصيره فعليه بدلها إذا كان عينها بالنذر أو نحوه.
стр. 349
حكم العشواء والثولاء والفحل
وقد سبق معنا: أنها لا تجزئ العمياء ولا العوراء، وتجزئ العشواء، والعشى: هو عدم الإبصار بالليل، فالعشواء التي لا تأكل بالليل، وإنما تأكل بالنهار، فعلى ذلك تكون مجزئة؛ لأنها تبصر في النهار طعامها.
وكذا مر معنا: أن العجفاء التي ذهب مخها من الهزال وبقي الشحم موجوداً داخل عظم اليدين والرجلين، فهذه العجفاء لا تجزئ، إذاً: كلمة (مخ) هنا بمعنى الشحم الذي داخل عظم اليدين والرجلين، هذا العجف.
والثولاء: وهي المجنونة، فإذا كانت مجنونة، فلا تجزئ؛ لأنها تضطرب كثيراً، فالعادة: أن مثل هذه الحالة لا تأكل، فيؤدي بها الأمر إلى الهزال، إذاً التي تستدبر الرعي ولا ترعى إلا قليلاً فتهزل لا تجزئ.
ويجزئ الفحل من الغنم والبقر والإبل، والفحل: هو الشديد النزوان على الأنثى، حتى وإن كثر ذلك منه، والغالب: أنه إن كثر ذلك يضعفه، ولكن لن يصل إلى درجة الهزال.
стр. 350
حكم التضحية بمقطوعة الأذن والمخلوقة بلا ضرع
ولا تجزئ مقطوعة الأذن؛ لقول علي ﵁: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين)، ومعنى نستشرف: ننظر، فإذا كان في العين أو في الأذن عيب فهي غير مجزئة، فإن قطع بعض أذنها فلم تنفصل بل شق طرفها وبقي متدلياً لم يمنع من التضحية بها وإن أبين منه.
فإن الأذن إذا شقت من الأمام أو من الخلف فهي غير مجزئة، لكن المسألة فيها خلاف، والراجح: أن الحديث الذي ذكر في المقابلة والمدابرة ضعيف، وعلى ذلك إذا كانت الأذن موجودة لكن فيها شق بسيط لم يجاوز النصف ولم يعيبها فالراجح أنها تجزئ مع ذلك.
أما إذا كانت الأضحية صغيرة الأذن، أو ليس لها أذن أصلاً فهنا يفرق بين التي تعيبت والتي هي مخلوقة على هذه الهيئة، فالتي هي مخلوقة على هذه الهيئة لا شيء فيها، فيجوز التضحية بها.
كذلك المخلوقة بلا ضرع إذا كانت أنثى من الغنم وغيرها، أي: خلقت ليس لها ضروع أو بلا ألية مثل: الخرفان الاسترالية التي تكون إليتها صغيرة، وفيها هيئة الذيل فقط، فالراجح: أن هذه خلقة فتكون مجزئة.
стр. 351
حكم التضحية بمكسورة القرن
وتجزئ التي لا قرن لها، وكذا مكسورة القرن، فالتي لا قرن لها هي الجماء كما جاء في الحديث، فإذا كانت الجماء مجزئة فالمكسورة القرن أيضاً مجزئة؛ لما جاء في السنن عن حجية بن عدي عن علي ﵁ قال: (البقرة عن سبعة، قال: قلت: فإن ولدت؟ قال: اذبح ولدها معها، قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك؟ قال: قلت: فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس، أمرنا أو أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العينين والأذنين).
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المكسورة القرن غير مجزئة، فإذا أردت أن تشتري أضحية فلا تشتري مكسورة القرن خروجاً من الخلاف في ذلك، فالجمهور يمنعون؛ لحديث جري بن كليب عن علي ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن)، ومعنى: (عضباء) أي: مقطوعة الأذن والقرن، ولكن الحديث في إسناده ضعف، فعلى ذلك فالأولى للإنسان أن يضحي بالسليمة التي ليست مكسورة القرن، لكن إذا كان المقطوع بعض القرن فالراجح أنها مجزئة، وذات القرن أفضل؛ لما في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده ﷺ وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما)، والأملح: هو الأبيض الذي هو ليس خالص البياض، لكن فيه بعض طبقات من سواد أو من حمرة، ومعنى: (أقرنين)، أي: مستويا القرنين، ذبحهما بيده، ﵊، وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما، والصفحة: هي الجانب، والمعنى: على صفحة العنق جانب العنق، وصفحة الوجه جانبه، فكأنه مدد الخروف على الأرض وأمسك بيده اليسرى ﷺ رأسه، ووضع رجله على صفحته على جانبه الأيمن، أو من ناحية رقبته؛ من أجل أن يثبته على الأرض، وذبحه بيده صلوات الله وسلامه عليه، وقال في رواية: (ورأيته واضعاً قدمه على صفاحهما وسمى وكبر ﵊.
стр. 352
حكم التضحية بما ليس لها أسنان ومن أخذ الذئب شيئاً منها
وتجزئ ذاهبة بعض الأسنان، لكن لو انكسرت جميع أسنانها فهذا معناه: أنها لا تأكل، وكيف تأكل وهي مكسورة كل الأسنان؟! فالغالب أن تكون هذه عجفاء وهذا يكون عيباً فيها فلا تجزئ في الأضحية.
ولا تجزئ التي أخذ الذئب مقداراً بيناً من فخذها، أي: لو أن الذئب عدى عليها فأكل شيئاً منها، وكان هذا الشيء يسيراً غير بين فلا شيء في ذلك، لكن إذا أخذ جزءاً بيناً من فخذها فتكون غير مجزئة.
ولا يمنع قطع الفلقة اليسيرة من العضو الكبير، فإذا كان العضو كبيراً كالفخذ وأخذ منه مقدار صغير إما بفم الذئب أو الكلب العقور ونحوهما فهذا مجزئ، لكن إذا كان المأخوذ شيئاً بيناً فهذا غير مجزئ، والشيء البين كما لو قطع الذئب أو نحوه إليتها كلها أو ضرعها أو عضواً منها فهي غير مجزئة.
стр. 353
حكم التضحية بالجرباء ومقطوعة بعض اللسان والموجوء والخصي
ولا تجزئ الجرباء، فلو أن الشاة فيها جرب أو الناقة أو العجل أو البقرة، فلا تجزئ في الأضاحي؛ لأن العادة أن الجرب إن كثر فيها أفسد لحمها، لكن إن كان شيئاً يسيراً فلا شيء فيه؛ لعموم قوله ﷺ : (البين عورها البين مرضها)، وهكذا.
ولا تجزئ مقطوعة بعض اللسان؛ لأن الغالب أنها لا تستطيع الأكل إلا به.
ويجزئ الموجوء والخصي، أي: إذا كان الخروف أو العجل أو الجمل خصياً أو موجوءاً فالراجح: أنه يجزئ؛ لأن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، فليس هو ﷺ الذي فعل بهما ذلك، بل قد جاء عنه أنه نهى عن ذلك، وإنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون، وهو ﵊ اشتراه على هذه الهيئة، فدل ذلك على أن هذا ليس عيباً يمنع شراء الأضحية التي فيها ذلك.
فذبح أحدهما ﵊ عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ ﵊، وذبح الآخر عنه وعن آله ﷺ ، وهذا الحديث من الأدلة على عدم وجوب الأضحية، فكأن النبي ﷺ لرحمته وحنانه رفع عن الأمة جميعها الحرج، فضحى بكبشين وقال: (هذا عن محمد وآله ﵊، فدل على أن الخروف يجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، ثم إنه ﵊ ذبح كبشاً آخر وقال: (هذا عمن لم يضح من أمتي).
إذاً: فالأمة فيها من يضحي وفيها من لم يضح، سواء بعذر أو بغير عذر؛ ولذا قال: (هذا عمن لم يضح من أمتي).
стр. 354
حكم من نذر التضحية بالمعيبة
وإذا نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه، أي: لو كان عنده خروف مقطوع الأذن أو مكسور القرن، أو كان فيه عجف، ففيه شيء مما لا يجزئ، فهذا الكبش لا ينفع للأضحية، ولكنه نذر أن هذا بعينه سأذبحه أضحية، فلو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أذبح الخروف الموجود عندي في البيت، والموجود عنده على هذه الصورة، وجاء النذر على هذه الصورة، فهذا يلزمه أن يذبحه في الأضحية.
إذاً: إن نذر التضحية بحيوان معين فيه عيب يمنع الإجزاء لزمه، أو قال: جعلت هذه أضحية، لزمه ذبحها للالتزام، ويثاب على ذلك، ويكون ذبحها قربة، وتفرقة لحمها صدقة، ولا تجزئ عن الهدايا والضحايا المشروعة.
إذاً: فهذا من أجل النذر فقط، فأصبح مجزئاً، لكن ليس هو الأضحية التي أمرنا بها النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلابد أن نفرق بين من وجب عليه أن يذبح هذا نذراً وله أجره في ذلك، وليس له أجر الأضحية التي أمر بها النبي ﷺ ، وبين الأضحية المشروعة؛ لأن الضحايا المشروعة من شروطها السلامة، أما النذر: فلو أشار إلى ضبية أو دجاجة وقال: هذه لله علي أن أذبحها أضحية، فيكون نذراً، لكن ليست أضحية؛ لأن الأضحية لابد أن تكون من بهيمة الأنعام.
إذاً: فلو قال: علي دجاجة أن أذبحها أضحية، فهذا له أن يذبحه، ويتصدق به، لكنها ليست أضحية شرعية؛ لأنه لابد في الأضحية أن تكون من بهيمة الأنعام، من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وإذا قلنا: الغنم فسيدخل فيها الماعز؛ لأن الله ذكر أن بهيمة الأنعام ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن الماعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فهذه هي بهيمة الأنعام.
стр. 355
أحكام ذبح الأضحية
ويستحب أن يذبح أضحيته بنفسه إذا كان يجيد الذبح والقطع؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك في الحديث المتقدم، وينوي عند ذبحها أن هذه أضحية، وتجزئ النية المتقدمة قبل ذلك، وإذا كان قد اشتراها للأضحية وجاء العيد فذبحها ولم يستحضر النية في الذبح، وإنما كبر وسمى أو سمى وكبر وذبح، فتجزئ بالنية السابقة، فإن كان منذوراً نوى الذبح عن أضحيته المنذورة، وإن كان تطوعاً نوى التقرب بها.
следующие страницы →