← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36976

شرح جامع الترمذي - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (266 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

شرح حديث تمضمض النبي بعد شربه اللبن قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: في المضمضة من اللبن: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ شرب لبناً فدعا بماء فمضمض، وقال: إن له دسماً). قال: وفي الباب عن سهل بن سعد الساعدي وأم سلمة ﵄. قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن، وهذا عندنا على الاستحباب، ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن]. المضمضة من اللبن مستحبة وليست بواجبة، وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ شرب لبنا ولم يتمضمض، فدل على الجواز.

стр. 107

كراهة رد السلام غير متوضئ

стр. 108

شرح حديث ابن عمر: (أن رجلاً سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهة رد السلام غير متوضئ: حدثنا نصر بن علي ومحمد بن بشار قالا: حدثنا أبو أحمد ومحمد بن عبد الله الزبيري عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن رجلاً سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب. قال أبو عيسى: وفي الباب عن المهاجر بن قنفذ وعبد الله بن حنظلة وعلقمة بن الفغواء وجابر والبراء ﵃]. والحديث أخرجه مسلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: أما حديث المهاجر بن قنفذ فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: (إنه سلم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، وفي لفظ أبي داود: (وهو يبول). وأما حديث عبد الله بن حنظلة فأخرجه أحمد بلفظ: (إن رجلاً سلم على النبي ﷺ وقد بال، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى قال بيده إلى الحائط، يعني أنه تيمم). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه رجل لم يسم. انتهى. وأما حديث علقمة بن الفغواء فأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أهرق الماء نكلمه فلا يكلمنا حتى يأتي منزله فيتوضأ وضوءه للصلاة، قلنا: يا رسول الله! نكلمك فلا تكلمنا ونسلم عليك فلا ترد علينا حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦]). قال الهيثمي: وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. انتهى. وأما حديث جابر -وهو ابن عبد الله ﵄ فأخرجه ابن ماجة وقد تقدم لفظه، وفي الباب عن جابر بن سمرة أيضاً قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، ثم دخل بيته ثم خرج، فقال: وعليكم السلام)، أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: لم أجد من ذكره. وأما حديث البراء -وهو ابن عازب ﵄ فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: (إنه سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد ﵇ حتى فرغ)، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه. انتهى. قال الشارح ﵀: قوله: (فلم يرد عليه) في هذا دلالة على أن المسلم في هذه الحالة لا يستحق جواباً، وهذا متفق عليه بين العلماء، بل قالوا: يكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإن سلم كره له رد السلام، ويكره للقاعد لقضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس. قلت: الكراهة للتحريم، فلا يجوز له أن يتكلم إلا للضرورة، كأن يتكلم -مثلاً- إذا قرب أعمى من حفرة أو ما أشبه ذلك، أما رد السلام فليس له أن يرد وهو على هذه الحالة. قال الشارح رحمه الله تعالى: وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن ماجة: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لن أرد عليك) ا. هـ. وهل يسلم على المتوضئ في المغاسل؟ و الجواب لا بأس إذا كانت المغاسل خارج الحمام، أما إذا كانت داخل الحمام فيكون الأمر من هذا الباب. قال البوصيري في الزوائد: إسناد حديث جابر حسن. قال المصنف رحمه الله تعالى: [إنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك. يريد حديث: (لا يذكر الله إلا على طهر) والحديث عن النبي ﷺ أنه لما سلم عليه أتى الحائط وتيمم، ثم رد السلام، وكراهة التنزيه تشمل غير المتوضئ، لكن جاء في بعض الأحاديث أن هذا قبل أن تنزل آية الوضوء. قال الشارح ﵀: قوله (وإنما يكره هذا) أي: رد السلام (إذا كان) أي الذي سلم عليه (على الغائط والبول)، وأما إذا فرغ وقام؛ فلا كراهة في رد السلام، وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديث والباب، إذ الحديث خاص والباب عام. قلت: لكن لعله يريد أن العموم يشمل كراهة التنزيه، وأن الأولى أن لا يرد ﵇ حتى يتوضأ، لكن كون الإنسان لا يرد السلام إلا إذا كان على وضوء، وأن الكراهة في حقه كراهة تنزيه فيه نظر، فأرى أنه لا بأس برد السلام ولا حرج في ذلك، ويدل على هذا أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه، والسلام من الذكر.

стр. 109

ما جاء في سؤر الكلب

стр. 110

شرح حديث (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات) قال المصنف ﵀: [باب ما جاء في سؤر الكلب: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)]. أخرج الشيخان وغيرهما أن الكلب إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، وفي لفظ: (إحداهن بالتراب) والأولى أن تكون الأولى حتى يغسلها ما بعدها. أما الهرة فسؤرها طاهر؛ لأنها ليست بنجسة، أما حديث (أمرت بغسل الأنجاس سبعاً) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم، والحديث ثابت في شأن الكلب. قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)]. وغسل الكلب سبع مرات ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: وفي الباب عن عبد الله بن مغفل ﵁]. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحو هذا ولم يذكر فيه: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)، قال الحافظ في الدراية بعد نقل هذا الحديث عن جامع الترمذي، وذكر قوله هذا: وقد أخرجه أبو داود وبين أن حديث الهر موقوف. انتهى. أي: موقوف على أبي هريرة. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال البيهقي في المعرفة: حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة: (إذا ولغ الهر غسل مرة)، فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي ﷺ في ولوغ الكلب ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهر موقوف، ميزه علي بن نصر الجهضمي عن قرة بن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة ووافقه عليه جماعة من الثقات. وروى الدارقطني هذا الحديث في سننه من طريق أبي بكر النيسابوري عن حماد وبكار عن أبي عاصم عن قرة بن خالد عن محمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب، والهرة مرة أو مرتين)، قرة يشك. ثم قال الدارقطني: قال أبو بكر: كذا رواه أبو عاصم مرفوعاً، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعاً، وولوغ الهر موقوفاً. انتهى.

стр. 111

ما جاء في سؤر الهرة

стр. 112

شرح حديث: (إنها ليست بنجس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في سؤر الهرة: حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري حدثنا معن حدثنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت عند ابن أبي قتادة - أن أبا قتادة دخل عليها، قالت: فسكبت له وضوءاً، قالت: فجاءت هرة تشرب، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟! فقلت: نعم. قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات). وقد روى بعضهم عن مالك: (وكانت عند أبي قتادة) والصحيح (ابن أبي قتادة). قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة ﵃. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل الشافعي وأحمد وإسحاق، لم يروا بسؤر الهرة بأساً، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أتم من مالك]. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني. قال الحافظ في بلوغ المرام: صححه الترمذي وابن خزيمة، وقال في التلخيص: وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني. قلت: وهو دليل على طهارة سؤر الهرة، وأما قول أبي هريرة: إن سؤر الهر يغسل مرة؛ فهو اجتهاد منه، وإلا فالحديث يدل على أن سؤر الهرة طاهر، ولا يغسل الإناء إن شربت منه. ولهذا قال بعض العلماء -كـ ابن حبان وغيره-: إن سؤر الهرة وما دونها في المشقة طاهر، مثل الفأرة وما أشبهها، والنبي ﷺ قد بين العلة لدفع المشقة، فقال: (إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)، فلكثرة دورانها وطوافها على أهل البيت يشق التحرز منها؛ فلهذا كان سؤرها طاهر. واجتهاد أبي هريرة خالف ما دل عليه الحديث، فهو يرى أن سؤر الهرة يجب غسله مرة، لأنه نجس، والحديث يدل على أن سؤرها طاهر. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال الشوكاني في النيل: والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب، وإليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وجماعة. وقال النووي: فيه وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات، وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجماهير، وقال أبو حنيفة: يكفي غسله ثلاث مرات. انتهى. وقال الحافظ في الفتح: أما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور، منها: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ. وأيضاً فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه، وروايته أصح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير، ومنها أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب]. قال الشارح ﵀: قوله: (وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأساً) يعني أن سؤر الهرة طاهر من غير كراهة عند هؤلاء الأئمة، وهو قول مالك وغيره من أهل المدينة، والليث وغيره من أهل مصر، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، والثوري ومن وافقه من أهل العراق، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وعلقمة وإبراهيم وعطاء بن يسار وجماعة، وهو رواية عن محمد، ذكره الزاهدي في شرح مختصر القدوري والطحاوي، كذا في التعليق الممجد، وقال الحنفية: إن سؤر الهرة طاهر مع الكراهة. واحتج الأولون بأحاديث الباب، وقولهم هو الحق والصواب. واحتج الحنفية بأن أحاديث الباب تدل على طهارته، والأمر بغسل الإناء لولوغ الهرة -وكذلك كونها سبعاً- يدل بظاهره على نجاسته، فأثبتوا حكم الكراهة عملاً بهما. ورد احتجاجهم هذا بأن الأمر بغسل الإناء لولوغ الهرة لم يثبت، وأما ما ورد في حديث أبي هريرة المذكور في الباب المتقدم من الأمر بغسل الإناء بولوغ الهرة بلفظ: (وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)، فقد عرفت أنه ليس من قول النبي ﷺ ، بل هو مدرج. وقال القاري في المرقاة بعد ذكر بعض أحاديث الباب ما لفظه: وأما خبر (يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً ومن ولوغ الهرة مرة) فمدرج من قول أبي هريرة كما بينه البيهقي وغيره، وإن خفي على الطحاوي، ولذا قال: سؤر الهرة مكروه كراهة تحريم. قال: وأما ما اشتهر بين الناس من أنه ﷺ قطع ذيل ثوبه الذي رقدت عليه هرة فلا أصل له. انتهى]. قلت: الحاصل أنه يحمل على أنه اجتهاد من أبي هريرة ﵁، والصواب أن سؤر الهرة طاهر. قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما حديث: (حب الهرة من الإيمان) فموضوع على ما قاله جماعة كـ الصنعاني، ذكره القاري. قلت: قوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، أي: يشق دورانها وطوافها، ولم يذكر استحباب تربيتها، وأقل أحوال ذلك هو الإباحة إذا احتاج إلى ذلك. فإن قيل: هل جسد الهرة طاهر؟ فالجواب أن الجسد طاهر، أما بولها فنجس.

стр. 113

شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [٩] لقد بعث نبينا ﷺ بالحنيفية السمحة، وتمتاز شرعته المطهرة بمراعاة المكلفين والتيسير لهم، ومما يوضح ذلك تشريع المسح على الخفين -وكذا الجوربين- للمشقة الحاصلة في نزعهما عند كل وضوء، ويلحق بالخفين العمامة المحنكة، فإنه يجوز الاكتفاء بالمسح عليها عن مسح الرأس؛ دفعاً لمشقة نزعها على المكلف.

стр. 114

ما جاء في المسح على الخفين

стр. 115

شرح حديث المسح على الخفين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المسح على الخفين: حدثنا هناد حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: (بال جرير بن عبد الله ﵁، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أتفعل هذا؟! قال: وما يمنعني وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله). قال إبراهيم: وكان يعجبهم حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة. هذا قول إبراهيم، يعني: كان يعجبهم]. أحاديث المسح على الخفين بلغت حد التواتر، رواها من الصحابة نحو سبعين صحابياً، وكان يعجبهم قول جرير؛ لأن جريراً أسلم بعد آية المائدة، وآية المائدة هي آية الوضوء، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] وهناك من يقول: إن المسح على الخفين كان قبل نزول آية الوضوء، ويرد عليهم بأن جريراً أسلم بعد ذلك، ولما قيل لـ جرير: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ قال: وهل أسلمت إلا بعد المائدة. وقد خالف في ذلك الرافضة فأنكروا المسح على الخفين، وقالوا: يجب على من عليه خفين أن يخلعهما، وأن يمسح ظهور القدمين، وإن كانت الرجلان مكشوفتين فلا يجوز غسلهما، وإنما يمسح ظاهر الرجلين إلى الكعبين، وليس الكعبان هما العظمين الناتئين في جانب القدمين، وإنما هما عند معقد الشراك. ولهذا ذكر العلماء هذا في العقائد، يقول العلماء في العقائد: (ونرى المسح على الخفين) مع أن المسح من الفروع، والقصد من ذلك الرد على الرافضة الذين أنكروا المسح على الخفين. قال رحمه الله تعالى: [قال: وفي الباب عن عمر وعلي وحذيفة والمغيرة وبلال وسعد وأبي أيوب وسلمان وبريدة وعمرو بن أمية وأنس وسهل بن سعد ويعلى بن مرة وعبادة بن الصامت وأسامة بن شريك وأبي أمامة وجابر وأسامة بن زيد وابن عبادة -ويقال: ابن عمارة - وأبي بن عمارة ﵃. قال أبو عيسى: حديث جرير حديث حسن صحيح. ويروى عن شهر بن حوشب قال: (رأيت جرير بن عبد الله ﵁ توضأ ومسح على خفيه، فقلت له في ذلك؟ فقال: رأيت النبي ﷺ توضأ ومسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة). حدثنا بذلك قتيبة حدثنا خالد بن زياد الترمذي عن مقاتل بن حيان عن شهر بن حوشب عن جرير]. هذا فيه إزالة الشبهة لمن اشتبه عليه الأمر، وهو أن المسح على الخفين كان بعد نزول آية المائدة. قال رحمه الله تعالى: [قال: وروى بقية عن إبراهيم بن أدهم عن مقاتل بن حيان عن شهر بن حوشب عن جرير. وهذا حديث مفسر؛ لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي ﷺ على الخفين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة].

стр. 116

ما جاء في المسح على الخفين للمسافر والمقيم

стр. 117

شرح حديث مدة مسح المسافر والمقيم على الخفين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: المسح على الخفين للمسافر والمقيم: حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: للمسافر ثلاثة وللمقيم يوم)]. ومثله حديث علي: (للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة). قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذكر عن يحيى بن معين أنه صحح حديث خزيمة بن ثابت في المسح، وأبو عبد الله الجدلي اسمه: عبد بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن علي وأبي بكرة وأبي هريرة وصفوان بن عسال وعوف بن مالك وابن عمر وجرير ﵃]. قال الشارح: قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود وابن ماجه. اهـ.

стр. 118

شرح حديث صفوان: (كان رسول الله يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد حدثنا أبو الأحوص عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح]. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والبيهقي، قاله الحافظ في التلخيص، وقال فيه: قال الترمذي عن البخاري: حديث حسن، وصححه الترمذي والخطابي ومداره عندهم على عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عنه، وذكر ابن منده أبو القاسم أنه رواه عن عاصم أكثر من أربعين نفساً، وتابع عاصماً عليه عبد الوهاب بن بخت وإسماعيل بن أبي خالد وطلحة بن مصرف والمنهال بن عمرو ومحمد بن سوقة، وذكر جماعة معه. ومراده أصل الحديث؛ لأنه في الأصل طويل مشتمل على التوبة، والمرء مع من أحب، وغير ذلك، لكن حديث طلحة عند الطبراني بإسناد لا بأس به، انتهى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روى الحكم بن عتيبة وحماد عن إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت، ولا يصح. قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح]. أي أنه منقطع، لكن قد ينجبر هذا الانقطاع بحديث علي. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (ولا يصح) بين الترمذي وجه عدم الصحة بقوله: (قال علي بن المديني) وهذا الحديث بهذا السند أخرجه أبو داود في سننه، قال الحافظ في التخليص: حديث خزيمة بن ثابت: (رخص رسول الله ﷺ للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن ولو استزدناه لزاد) رواه أبو داود بزيادة، وابن ماجه بلفظ: (ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً). ورواه ابن حبان باللفظين معاً، ورواه الترمذي وغيره بدون زيادة، قال الترمذي: قال البخاري: لا يصح عندي؛ لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة. وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: هو صحيح، وقال ابن دقيق العيد: الروايات متظافرة متكاثرة برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة، وقال ابن أبي حاتم في العلل: قال أبو زرعة: الصحيح من حديث التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي عن خزيمة مرفوعاً، والصحيح عن النخعي عن الجدلي بلا واسطة، وادعى النووي في شرح المهذب الاتفاق على ضعف هذا الحديث، وتصحيح ابن حبان له يرد عليه، مع نقل الترمذي عن ابن معين أنه صحيح أيضاً كما تقدم، والله أعلم، انتهى ما في التلخيص. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال زائدة عن منصور: كنا في حجرة إبراهيم التيمي ومعنا إبراهيم النخعي، فحدثنا إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ في المسح على الخفين. قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال المرادي. قال أبو عيسى: وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. قال أبو عيسى: وقد روي عن بعض أهل العلم أنهم لم يوقتوا في المسح على الخفين، وهو قول مالك بن أنس. وقال أبو عيسى: والتوقيت أصح، وقد روي هذا الحديث عن صفوان بن عسال -أيضاً- من غير حديث عاصم]. الصواب التوقيت، أما قول المالكية في عدم التوقيت فهو ضعيف. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (وقد روي عن بعض أهل العلم) قال الشوكاني في النيل: قال مالك والليث بن سعد: لا وقت للمسح على الخفين، ومن لبس خفيه وهو طاهر مسح ما بدا له، والمقيم والمسافر في ذلك سواء. وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر والحسن البصري. انتهى. ويروى ذلك عن الشعبي وربيعة والليث وأكثر أصحاب مالك، ذكره العيني، والحجة لهم في هذا حديث أبي بن عمارة أنه قال: (يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: نعم، قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت)، أخرجه أبو داود، وقال: ليس بقوي. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم في المستدرك، قال أبو داود: ليس بالقوي، وضعفه البخاري فقال: لا يصح، وقال أبو داود: اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: رجاله لا يعرفون. وقال أبو الفتح الأزدي: هو حديث ليس بالقائم، ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه، قلت: وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات، انتهى. ولهم في عدم التوقيت أحاديث أخرى لكن ليس فيها ما يشفي العليل ويروي الغليل، فإن منها ما هو صحيح فليس بصريح في المقصود، وما هو صريح فليس بصحيح (والتوقيت أصح) يعني: التوقيت هو الصحيح، فإن أحاديثه كثيرة صحيحة، وليس في عدم التوقيت حديث صحيح]. الصواب هو التوقيت الذي عليه أهل العلم، ويمكن أن يكون فيه شيء خاص للضرورة، لكن ليس معناه أنهم لا يرون التوقيت، ولو صح لكان اجتهاداً، ومن المعلوم أنه قد يجتهد بعض الصحابة.

стр. 119

ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله

стр. 120

شرح حديث: (مسح أعلى الخف وأسفله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله: حدثنا أبو الوليد الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم أخبرني ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة: (أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله). قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، وبه يقول مالك والشافعي وإسحاق. وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم. قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه المغيرة]. هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه كاتب بن المغيرة، وثور بن يزيد تكلم عليه الشافعي. وما ذهب إليه بعض أهل العلم من مسح ظاهر الخف هو الراجح، وقد ثبت عن علي ﵁ أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على أعلى ظاهر الخف). وكاتب المغيرة هو وراد -بتشديد الراء- الثقفي أبو سعيد، أو أبو الورد الكوفي كاتب المغيرة ومولاه، ثقة من الثالثة. وقوله: [حدثت عن كاتب المغيرة] فيه جهالة من حدثه. أما رواية الوليد بن مسلم قال: [أخبرني ثور بن يزيد] فمسندة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة. قال الشارح رحمه الله تعالى: (قال: حدثت عن كاتب بن المغيرة) بصيغة المجهول، ففيه انقطاع (مرسل)، أي: فهو مرسل، وفي بعض النسخ: مرسلاً. قال الحافظ في التلخيص: حديث المغيرة: (أنه ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وابن الجارود من طريق ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة، وفي رواية ابن ماجة عن وراد كاتب المغيرة قال الأثرم عن أحمد: إنه كان يضعفه، ويقول: ذكرته لـ عبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة، قال أحمد: وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم عن المغيرة، فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه وأبي زرعة: حديث الوليد ليس بمحفوظ، وقال موسى بن هارون وأبو داود: لم يسمع ثور من رجاء. حكاه قاسم بن أصبغ عنه اهـ. الوليد يدلس في حديثه، لكنه صرح بالتحديث في هذه الرواية. وابن المبارك رواه عن ثور وأرسل الحديث، وقال فيه: حدثت عن رجاء. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال البخاري في التاريخ الأوسط: حدثنا محمد بن الصباح حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة: (رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه ظاهرهما)، قال: وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة، وكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن أبي الزناد. ورواه أبو داود الطيالسي عن ابن أبي الزناد فقال: عن عروة بن المغيرة عن أبيه، وكذا أخرجه البيهقي من رواية إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد. وقال الترمذي: هذا حديث معلول لم يسنده عن ثور غير الوليد، قلت: رواه الشافعي في الأم عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن ثور مثل الوليد. وذكر الدارقطني في العلل أن محمد بن عيسى بن سميع رواه أبو ثور كذلك، قال الترمذي: وسمعت أبا زرعة ومحمداً يقولان: ليس بصحيح. وقال أبو داود: لم يسمعه ثور من رجاء، وقال الدارقطني: روى عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة ولم يذكر أسفل الخف، وقال ابن حزم: أخطأ فيه الوليد في موضعين، فذكرهما كما تقدم. قلت: الحاصل أن الحديث هذا معل، والصواب أن المسح يكون على ظاهرها.

стр. 121

ما جاء في المسح على الخفين ظاهرهما

стр. 122

شرح حديث المغيرة: (رأيت النبي يمسح على الخفين على ظاهرهما) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المسح على الخفين ظاهرهما: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما). قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن المغيرة، ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن المغيرة (على ظاهرهما) غيره]. السنة المسح على ظاهر الخفين، أما حديث المسح على ظاهر الخفين وأسفلهما فقد سبق بيان ضعفه وأنه لا يصح. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وأحمد. قال محمد: وكان مالك بن أنس يشير بـ عبد الرحمن بن أبي الزناد. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن المغيرة (على ظاهرهما) غيره أي: غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، يعني: (لفظ على ظاهرهما) تفرد بذكره عبد الرحمن.

стр. 123

ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين

стр. 124

شرح حديث: (توضأ النبي ومسح على الجوربين والنعلين) الملقي: [باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين: حدثنا هناد ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم تكن نعلين إذا كانا ثخينين. قال: وفي الباب عن أبي موسى ﵁]. إن شاء الإنسان مسح على الجوربين مع النعلين، وإن شاء مسح على الجوربين بدون النعلين، أما النعلان وحدهما فلا يمسح عليهما، والجورب إذا كان ثخيناً يستر الكعب يمسح عليه، وهو في معنى الخف. قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئاً لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين وهما منعلين]. وفي نسخة أخرى: [وهما غير منعلين] بزيادة (غير). قال الشارح رحمه الله تعالى: قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم يكن نعلين أي: وإن لم يكن كل واحد من الجوربين نعلين، أي: منعلين، وفي بعض النسخ: (وإن لم يكونا نعلين)، وهو الظاهر. والظاهر أن الترمذي أراد بقوله: (نعلين): منعلين، وقد وقع في بعض النسخ: (منعلين)، على ما ذكره الشيخ سراج أحمد في شرح الترمذي، والمنعل من (التنعيل) وهو ما وضع الجلد على أسفله (إذا كانا ثخينين) أي: غليظين. قلت: فسرها على أنهما غير النعلين، والشارح كأنه ما اطلع على قوله: (وهما غير منعلين). قال الشارح رحمه الله تعالى: اعلم أن الترمذي حسن حديث الباب وصححه، ولكن كثيراً من أئمة الحديث ضعفوه، قال النسائي في سننه الكبرى: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية. والصحيح عن المغيرة: (أنه ﵇ مسح على الخفين). انتهى، وقال أبو داود في سننه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: (أن النبي ﷺ مسح على الخفين). قال: وروى أبو موسى الأشعري ﵁ أيضاً عن النبي ﷺ : (أنه مسح على الجوربين)، وليس بالمتصل ولا بالقوي. وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: إنه حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه. قال النووي: كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي، مع أن الجرح مقدم على التعديل، قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذي: إنه حسن صحيح]. قلت: هذا جزم بأنهم ضعفوا حديث المسح على الجوربين، وما ثبت أنه مسح على الجوربين، لكن الذين يرون المسح على الجوربين قالوا: نقيهما على الخفين، والمعنى واحد، أما الأحاديث ففيها المسح على الخفين، وحديث المغيرة معروف أنه مسح على الخفين. قال الشارح رحمه الله تعالى: أبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، مشهور بكنيته، وثقه ابن معين والعجلي، والدارقطني، وقال أحمد: يخالف في أحاديثه، وقال أبو حاتم ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في التقريب: صدوق ربما خالف، (عن هزيل) بالتصغير ابن شرحبيل -بضم المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الحاء المهملة بعدها باء موحدة- الكوفي، ثقة مخضرم. قوله: (وفي الباب عن أبي موسى) أما حديث أبي موسى فأخرجه الطحاوي في شرح الآثار من طريق أبي سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى ﵁: (أن رسول الله ﷺ مسح على جوربيه ونعليه)، وأخرجه -أيضاً- ابن ماجه والبيهقي من طريق عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى، وقد تقدم أن أبا داود حكم على هذا الحديث بأنه ليس بالمتصل ولا بالقوي. وقال البيهقي بعد رواية الحديث: له علتان، إحداهما: أن الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف. انتهى. المعروف أن الأحاديث صحيحة عن النبي في المسح على الخفين، لكن العلماء قالوا: إن الجوربين في معنى الخفين، وبعض العلماء منع المسح على الجوربين وقال: أن المسح خاص بالخفين. قال الشارح رحمه الله تعالى: فإن قلت: قد ضعف الإمام أحمد حديث المسح على الجوربين، ومع تضعيفه قد قال بجواز المسح على الجوربين ولم يقيدها بشيء من هذه القيود، كما يظهر من كلام ابن العربي! قلت: قد قيدهما الإمام أحمد -أيضاً- بقيد الثخونة، كما صرح به الترمذي، وقال ابن قدامة في المغني: قد قال أحمد في موضع: لا يجزيه المسح على الجورب حتى يكون جورباً صفيقاً يقوم قائماً في رجله لا ينكسر مثل الخفين، إنما مسح القوم على الجوربين لأنه كان عندهم بمنزلة الخف في رجل الرجل يذهب فيه الرجل ويجيء. انتهى كلامه]. قلت: وهذا يدل على أن بعض الناس يتساهلون في المسح على الشراب الخفيف، وهو لا يقوم مقام الخف، ولا يمكن متابعة المشي عليه، فلا ينبغي الاستخفاف بمثل هذا. وقوله: (ولا ينكسر) أي: يكون ثخيناً بحيث إنه يتابع المشي عليه ويقوم مقام الخف. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقد قال قبل هذا: سئل أحمد عن جورب الخرق يمسح عليه فكره الخرق، ولعل أحمد كرهها لأن الغالب عليها الخفة، وأنها لا تثبت بأنفسها، فإن كانت مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق. انتهى كلامه. على أنه لم يعتمد على حديث الجوربين، بل اعتمد على آثار الصحابة ﵃، قال الحافظ ابن القيم في تلخيص السنن: قد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية أبي قيس، وهذا من إنصافه وعدله ﵀، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه. انتهى كلام ابن القيم. أي أن الحجة أو الدليل في المسح على الجوربين هو القياس وآثار الصحابة، أما الحديث فهو حديث ضعيف، لكن ينبغي أن يكون ثخينا صفيقاً، ولا ينبغي التساهل في هذا، فكونه يأتي بشراب خفيف يمسح عليه لا يصح. قال الشارح رحمه الله تعالى: تنبيه آخر: قال الحافظ ابن تيمية في فتاواه ما لفظه: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما، سواء كانت مجلدة أو لم تكن في أصح قولي العلماء. قلت: بعض العلماء يقولون: لابد من أن يكونا من جلد، والصواب أنه يصلح المسح ولو كانا من قطن، بشرط المشي عليهما، أما إذا كانا خفيفين لا يمكن أن يتابع المشي عليهما بحيث لو مشى خطوة خرقهما، فلا يمكن المسح عليهما. قال الشارح رحمه الله تعالى: ولو سلم أنه لا يظهر الفرق بينهما وبين الخفين فلا شك في أن الجوربين الرقيقين ليسا داخلين تحت أحاديث الخفين؛ لأن الجورب ليس من أفراد الخف. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (في أصح قولي العلماء) ففي السنن (أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه)، وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك، فإن الفرق بين الجوربين والنعلين إنما هو كون هذا من صوف وهذا من جلود، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة. فلا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً أو كتاناً أو صوفاً، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قوياً، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى. وأيضاً: فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين المتماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله. انتهى كلامه. قلت: كلام الحافظ ابن تيمية هذا ليس مخالفاً لما اخترنا من أن الجوربين إذا كانا ثخينين صفيقين يمكن تتابع المشي فيهما يجوز المسح عليهما، فإنهما في معنى الخفين، فإنه ﵀ قيد جواز المسح على الجوربين بقوله: إذا كان يمشي فيهما، وظاهر أن تتابع المشي فيهما لا يمكن فيهما إلا إذا كانا ثخينين. وأما قوله: (ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين المتماثلين). فإنما يستقيم إذا كان الجوربان ثخينين بحيث يمكن تتابع المشي فيهما، وأما إذا كانا رقيقين بحيث لا يمكن تتابع المشي فيهما فلا، كما عرفت فيما تقدم

стр. 125

ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة

стр. 126

شرح حديث: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه ﵁ قال: (توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين والعمامة). قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة]. أي: قال بكر الراوي عن الحسن: سمعته من ابن المغيرة، فهو روى عن الحسن وعن ابن المغيرة، والعمدة على روايته عن ابن المغيرة؛ لأن الحسن مدلس، لكن هذا يدل على أنه سمعه، والحديث أخرجه مسلم. قال رحمه الله تعالى: [قال: وذكر محمد بن بشار في هذا الحديث في موضع آخر: (أنه مسح على ناصيته وعمامته)، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، ذكر بعضهم المسح على الناصية والعمامة، ولم يذكر بعضهم الناصية. وسمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان. قال: وفي الباب عن عمرو بن أمية وسلمان وثوبان وأبي أمامة ﵃]. والحديث أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي. أما المسح على الخفين فمتواتر، وفي هذا جواز المسح على الخفين وعلى العمامة، إذا كانت مدارة تحت الحنك يشق نزعها، أما إذا كانت ليست مدارة فإنها تنزع ويمسح على الرأس. وقال الحنابلة: أو عمامة ذات ذؤابة، أي: لها ذؤابة إلى الخلف؛ لأنه لا يشق نزعها، فإذا كانت صماء أو ذات ذؤابة فإنها تنزع، لكن إذا كانت محنكة مدارة فإنه قد يشق نزعها. قال رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: حديث المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر وأنس ﵃، وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على العمامة. قال أبو عيسى: وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إن مسح على العمامة يجزئه؛ للأثر]. قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: ومسح على العمامة مقتصراً عليها، ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلاً وأمراً في عدة أحاديث، لكن في قضايا أعيان يحتمل أن يكون خاصة بحال الحاجة والضرورة، ويحتمل العموم كالخفين، وهو أظهر. انتهى. قلت: يحمل القول بالمسح على الناصية والعمامة على أنه مسح على الناصية مع العمامة، وإذا بدا شيء من الناصية ومن الرأس يمسح عليه، وإذا كانت العمامة كافية ولا يبدو شيء من الرأس مسح على العمامة فقط. والأحاديث متواترة في هذا الباب، والمشهور في مذهب الحنفية المسح. لكن بعض المتأخرين يخالفون، ولابد من أن تلبس على طهارة، ومثلها الجبيرة. أما خمار المرأة فإنه إن كان مداراً تحت الحلق فقد قالوا: إنه من جنس عمامة الرجل، أما إذا كان غير مدار أو كانت العمامة غير محنكة فلا.

стр. 127

شرح حديث بلال في مسح النبي على الخفين والخمار قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال ﵄: (أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار). حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق -هو القرشي - عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين فقال: السنة يا ابن أخي. قال: وسألته عن المسح على العمامة، فقال: أمسَّ الشعر الماء)]. قوله: (مسح على الخفين والخمار) أي: العمامة، سمي خماراً لأنه يخمر الرأس، أي: يستره ويغطيه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي]. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال الحافظ في الفتح: اختلف السلف في معنى المسح على العمامة، فقيل: إنه كمل عليها بعد مسح الناصية، وقد تقدمت رواية مسلم بما يدل على ذلك، وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور. وقال الخطابي: فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح الرأس محتمل للتأويل؛ فلا يترك المتيقن للمحتمل، قال: وقياسه على مسح الخف بعيد؛ لأنه يشق نزعه، بخلافها. قلت: والحديث عن كعب بن عجرة عن بلال أخرجه مسلم، وحديث أبي عبيدة قال: سألت جابر، أخرجه بروايته الترمذي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق - وهو القرشي - عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين فقال: السنة يا ابن أخي]. عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث روى عن أبيه والزهري، وعنه إبراهيم بن طهمان، وثقه ابن معين، قال أبو داود: ثقة قدري وقال الفسوي وابن خزيمة: ليس به بأس وقال ابن عدي: أكثر أحاديثه صحاح وله ما ينكر، كذا في الخلاصة. قوله: [عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر]، قال في التقريب: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أخو سلمة، وقيل: هو هو، مقبول. اهـ وقال في الخلاصة: وثقه ابن معين، واختلف فيه كلام أبي حاتم. اهـ وقوله: [أمس الشعر الماء] مجمل، ويحمل على أنه إذا بدا شيء من الناصية. وقال محمد في موطئه: أخبرنا مالك قال: بلغني عن جابر بن عبد الله أنه سئل عن العمامة فقال: لا، حتى يمس الشعر الماء. هذا -على كل حال- مجمل تبينه الأحاديث، وظاهر السنة أنه يمسح على العمامة إذا كانت يشق نزعها، أما إذا كان لا يشق نزعها فتنزع ويمسح على الرأس. والعمامة التي يمسح عليها هي التي يشق نزعها، ويقول علماء الحنابلة: إنها المحنكة، سواءٌ أكانت ذات ذؤابة أم لم تكن ذات ذؤابة، ونفس الذؤابة لا يشق نزعها، وهي التي يكون لها طرفان.

стр. 128

شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [١٠] من أحكام الشرع ما يتعلق بجنابة المكلف، فقد جاء الشرع ببيان صفة الغسل من الجنابة في حق الرجل والمرأة، وبيان موجبات الغسل، وتعليق ذلك برؤية الماء بعد النوم، وبالتقاء الختانين حال الجماع.

стр. 129

ما جاء في الغسل من الجنابة

стр. 130

شرح حديث ميمونة في صفة غسل النبي قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الغسل من الجنابة. حدثنا هناد قال: حدثنا وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس ﵁ عن خالته ميمونة قالت: (وضعت للنبي ﷺ غسلاً فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه، ثم أدخل يده في الإناء، فأفاض على فرجه، ثم دلك بيده الحائط أو الأرض، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه ثلاثاً، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أم سلمة وجابر وأبي سعيد وجبير بن مطعم وأبي هريرة]. هذا هو الغسل الكامل، وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ميمونة، وفيه بيان الغسل الكامل، وهو أنه ينوي الغسل عن الجنابة ثم يسمي، والنية معروف أنه لا بد منها؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، والإنسان إذا دخل الحمام قاصداً الغسل كان قصده هو النية، فلو اغتسل بدون نية رفع الجنابة، أو نوى التبرد؛ لم يرتفع الحدث، فلا بد من النية، ثم يسمي ويقول: (باسم الله) في الوضوء وفي الغسل، ثم يغسل يديه ثلاثاً بنية رفع الحدث عنهما، ثم يغسل فرجه وما حوله، ثم يستنجى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يتمضمض ويستنشق، ويغسل وجهه، ويغسل ذراعيه، ثم يفيض الماء على رأسه، ويغسل شقه الأيمن ثم شقه الأيسر ثم يغسل رجليه بعد ذلك، وفي حديث عائشة أنه أكمل الوضوء، وأنه توضأ وغسل رجليه، ثم أكمل الغسل، فالإنسان مخير بين أن يكمل الوضوء على ما في حديث عائشة، وبين أن يؤخر غسل الرجلين حتى يغسل جسده؛ لأنهم في الزمن الأول كانوا يغتسلون في أماكن وليس لهم أحذية، وليست الأرض مبلطة، فيؤخر أحدهم غسل رجليه حتى يغسل ما أصابه من الطين ثم ينتهي، وهذا هو الغسل الكامل. أما الغسل المجزئ فإنه يسمي وينوي رفع الحدث ويعمم جسده بالماء، فالغسل غسلان: غسل كامل وغسل مجزئ، فالكامل أن: ينوي ثم يسمي ثم يغسل كفيه ثلاثاً ثم يستنجي ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يصب الماء على رأسه ثم على شقه الأيمن وشقه الأيسر. وأما المجزئ فإنه بعد النية والتسمية يعمم جسده بالماء. وتشترط النية في الوضوء، فمن لم يقصد الوضوء لا يكون متوضئاً، كأن قصده ليتبرد، وعليه أن يعرف لماذا يتوضأ هل لأجل أن يصلي؟ أو ليكون على طهارة ليصلي؟ فإذا كان ناوياً الوضوء فهذه النية هي الأصل، وإذا غسل أعضاءه قاصداً التبرد فهذا الغسل لا يجزئ، أما إذا اغتسل وتوضأ لأجل أن يرفع الحدث فهذه هي النية. ولا بد من المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، ولا يتم الغسل إلا بهما على الصحيح. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم غسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو الذي اختاره أهل العلم في الغسل من الجنابة، أنه يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفرغ على رأسه ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ثم يغسل قدميه، والعمل على هذا عند أهل العلم]. هذا هو الغسل الكامل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقالوا: إن انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ أجزأه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق]. أجزأه إذا نوى رفع الحدثين عند بعضهم، فإذا انغمس ناوياً رفع الحدثين أجزأه. وقال آخرون: لا يجزئه، بل لابد من أن يتوضأ، فإن لم يتوضأ قبل ذلك فلا بد من أن يتوضأ لذلك. أي أن الوضوء ليس بواجب في غسل الجنابة، وهو قول الشافعي وأحمد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي في الأم: فرض الله تعالى الغسل مطلقاً، ولم يذكر فيه شيئاً يبدأ به قبل شيء، فكيفما ما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى الغسل على جميع بدنه، والاحتياط في الغسل ما روت عائشة. ثم حديث عائشة عند مالك بسنده. وقال ابن عبد البر: هو أحسن حديث روي في ذلك، فإن من لم يتوضأ قبل الغسل، ولكن عم جسده ورأسه ونواه فقد أدى ما عليه بلا خلاف، لكنهم مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل، كذا ذكره الزرقاني في شرح الموطأ. وقال الحافظ في الفتح: نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة -منهم أبو ثور وداود وغيرهما- إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. انتهى كلام الحافظ. فالظاهرية وأبو ثور يقولون: إنه لا بد من الوضوء للاحتياط، فعليه أن يتوضأ ثم يكمل الغسل. والوضوء يدخل في الغسل؛ لأن الأصغر يدخل في الأكبر إذا نواهما.

стр. 131

ما جاء في نقض المرأة شعرها عند الغسل

стр. 132

شرح حديث: (إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات) قال المصنف ﵀: [باب: هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل. حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين، أو قال: فإذا أنت قد تطهرت). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح]. الأصل (أن تحثي)؛ لأنه مجزوم بحذف النون، وقد يكون بالنون على لغة، لكن الأكثر (أن تحثي). والحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري. وفيه دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض شعرها من الجنابة، وإنما تروي أصول الشعر ويكفي، وفي رواية: (أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة)، فلغسل الحيض الأفضل أن تنقضه؛ لأن الحيض مدته تطول، أما الجنابة فإنها تتكرر، فلا تحتاج إلى نقض شعر الرأس، ونقضه في غسل الحيض والنفاس مستحب، وإذا لم تنقضه فلا حرج، لكن الأفضل أنها تنقضه في غسل النفاس والحيض؛ لأن مدتهما تطول، أما الجنابة فلا، لما في الحديث: (أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا). ولا يجب للغسل الوضوء، لعموم الحديث السابق، وقد ذكر الله في القرآن الغسل من الجنابة ولم يذكر الوضوء، وكل هذه من أدلة من قال: إنه يدخل الحدث الأصغر في الأكبر إذا نواهما. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعمل على هذا عند أهل العلم، أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة فلم تنقض شعرها أن ذلك يجزئها بعد أن تفيض الماء على رأسها]. فيكفي أن تحثو على رأسها الماء ولو كان الشعر كثيراً، إذا وصل الماء إلى أصول الشعر. وقوله: (أن تحثين) بكسر ثائه وسكون يائه، وأصله (تحثيين) كـ (تضربين) أو تنصرين، فحذف حرف العلة بعد نقل حركته أو حذفها وحذف النون للنصب، كذا في مجمع البحار، قال القارئ: ولا يجوز النصب فيه. وقولها: (أفأنقضه لغسل الجنابة) معناه: أفرقه حتى يصل الماء إلى باطنه، وفي رواية مسلم: (أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال: لا). والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة فلم تنقض شعرها أن ذلك يجزئها بعد أن تفيض الماء على رأسها، ومذهب الجمهور أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة أو الحيض يكفيها أن تحثو على رأسها ثلاث حثيات، ولا يجب عليها نقض شعرها. وقال الحسن وطاوس: يجب النقض في غسل الحيض دون الجنابة، وبه قال أحمد، ورجح جماعة من أصحابه أنه للاستحباب في الجماع. واستدل من قال بوجوب النقض في غسل الحيض دون الجنابة بقوله ﷺ لـ عائشة: (وانقضي رأسك وامتشطي). واستدل الجمهور بحديث أم سلمة المذكور في الباب، وبالرواية التي لـ مسلم: (للحيضة والجنابة)، وحملوا الأمر في قوله ﷺ : (وانقضي رأسك) على الاستحباب جمعاً بين الروايتين، أو يجمع بالتفصيل بين ما لا يصل الماء إلى أصوله بالنقض فيلزم وإلا فلا، وهذا خلاصة ما ذكره الحافظ. والصواب الذي ذكره عند الجمهور أنه لا يجب النقض، أما القول بوجوب النقض فهو مذهب الحسن، ورواية عن الإمام أحمد، وأما استدلالهم بحديث عائشة: (وانقضي رأسك) فهذا في الاغتسال للحج وليس للجنابة، وعليه العادة الآن، فالصواب ما عليه الجمهور، أنه لا يجب النقض وأنه مستحب في غسل الحيض؛ لأن المدة تطول.

стр. 133

ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة

стр. 134

شرح حديث: (تحت كل شعرة جنابة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة. حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا الحارث بن وجيه قال: حدثنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر). قال: وفي الباب عن علي وأنس. قال أبو عيسى: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقد تفرد بهذا الحديث عن مالك بن دينار، ويقال: الحارث بن وجيه، ويقال: ابن وجبة]. قوله: (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) حديث ضعيف عند أهل العلم، وفي بعضها أن علياً قال: ومن ثم عازيت رأسي، أي: جعل يحلقه، وهو ضعيف، فالواجب أن يغسل الإنسان الشعر، ويروي أصول شعره، أما قوله: (تحت كل شعرة جنابة) فضعيف، فقد تفرد به الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار، والحارث بن وجيه -بالواو والجيم والياء التحتانية والهاء بوزن فعيل وقيل: بفتح الواو وسكون الجيم بعدها موحدة- الراشدي أبو محمد البصري، ضعيف، كذا في التقريب. قال في الشرح: قوله: (تحت كل شعرة جنابة) فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها الماء بقيت جنابة، والشعر بفتح الشين وسكون العين للإنسان وغيره، فيجمع على شعور، مثل: فلس وفلوس، وبفتح العين فيجمع على أشعار، مثل: (سبب) و (أسباب)، وهو مذكر، الواحد شعرة، والشعرة -بكسر الشين- على وزن سدرة، شعر الركب للنساء خاصة، قاله في العباب. وقوله: فاغسلوا الشعر -بفتح العين وسكونها-، أي: جميعه، قال الخطابي: ظاهر هذا الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة؛ لأنه لا يكون شعره مغسولاً إلا أن ينقضها. وهذا ليس بصحيح؛ إذ قد سبق في الحديث الصحيح عن أم سلمة: (أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا)، وهذا الحديث يقول: (تحت كل شعرة جنابة)، أي: لا بد من النقض، وهو ضعيف، ومعارض للحديث السابق حديث أم سلمة الذي فيه أنه لا يجب النقض. قال الخطابي: ظاهر هذا الحديث يوجب نقض القرون والضفائر إذا أراد الاغتسال من الجنابة؛ لأنه لا يكون شعره مغسولاً إلا أن ينقضها. وما قاله الخطابي ذهب إليه إبراهيم النخعي، وقال عامة أهل العلم: إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينقض شعره يجزئه، والحديث ضعيف. فالسند ضعيف؛ لأن فيه الحارث بن وجيه، وهو كذلك مخالف للحديث الصحيح. فإن قيل: لو أفاض الماء على جسده هل يكفي ذلك عن الوضوء؟ ف الجواب لا يكفي عن الوضوء، إذ لا بد من الترتيب في الوضوء.

стр. 135

ما جاء في الوضوء بعد الغسل

стр. 136

شرح حديث عائشة: (كان لا يتوضأ بعد الغسل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الوضوء بعد الغسل. حدثنا إسماعيل بن موسى حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغسل). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أهل العلم -أصحاب النبي ﷺ والتابعين- ألا يتوضأ بعد الغسل]. كان النبي ﷺ يتوضأ قبل الغسل، وكان ﵊ إذا أراد الاغتسال غسل كفيه ثلاثاً واستنجى، ثم توضأ وضوءه للصلاة، وفي حديث عائشة أنه غسل وجهه ويديه وغسل رجليه، وأكمل الوضوء، وفي حديث ميمونة أنه أخر رجليه، فغسل الرجلين في آخر الغسل، فكان ﵊ يتوضأ قبل الغسل ولا يتوضأ بعد الغسل، وهذا هو الغسل الكامل. والغسل المجزئ أن ينوي رفع الحدثين بعد أن يستنجي، ويدخل الأصغر في الأكبر عند كثير من العلماء، وبعض العلماء يرى أنه لا بد من الوضوء. والحديث فيه شريك، وعنعنة ابن إسحاق وإن كان ظاهره السلامة فـ شريك بن عبد الله النخعي القاضي ضعيف؛ لأنه ساء حفظه لما تولى القضاء. قال في النيل: قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: ليس في النسخ الموجودة عندنا قول الترمذي، وقال القاضي الشوكاني: قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: تختلف نسخ الترمذي في تصحيح حديث عائشة، وأخرجه البيهقي بأسانيد جيدة. قلت: كيف يكون حديث الباب صحيحاً وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي، وهو وإن كان صدوقاً لكنه يخطئ كثيراً، وتغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة؟ قلت: قال أحمد: هو في أبي إسحاق أثبت من زهير، وقد روي حديث الباب عن أبي إسحاق، ثم لم ينفرد هو في روايته، بل تابعه زهير في رواية أبي داود، وأخرجه البيهقي بأسانيد صحيحة كما عرفت. ولعل النسخة التي فيها (حسن صحيح) لكون الترمذي لاحظ الطريق الأخرى، فلذلك قال: حسن صحيح. وتختلف نسخ الترمذي، فبعضها كأن فيه (حسن صحيح)، وبعضها (حسن). وهذا يحمل على أن الترمذي ﵀ أراد الطرق الأخرى؛ لأن زهيراً تابع شريكاً، وكذلك البيهقي رواه بأسانيد أخرى، فلاحظ الطريق الثاني للحديث، فلهذا حكم عليه بأنه حسن صحيح. وأبو إسحاق تدليسه قليل، وهو ثقة.

стр. 137

ما جاء في التقاء الختانين

стр. 138

شرح حديث: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل. حدثنا أبو موسى محمد بن مثنى قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا). قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو ورافع بن خديج]. وهذا الحديث رواه الشيخان، وفي لفظ لـ مسلم: (إذا التقى الختانان وجب الغسل وإن لم ينزل) والمراد بالتقاء الختانين: مجاوزة الختان الختان، وهي: إدخال طرف الذكر في الفرج، فإذا غيب طرف الذكر والحشفة فهو التقاء الختانين، وليس المراد بالالتقاء المس فقط؛ لأنه لا يلتقي الختانان إلا بالإدخال، فلا بد من أن يدخل طرف الذكر في فرج المرأة، فإذا غيب الحشفة التقى الختانان، فيجب الغسل وإن لم ينزل، وبعض الناس يظن أنه إذا لم ينزل لا يجب الغسل، لا، بل يجب الغسل، وهذا كان في أول الإسلام، وهو أنه إذا لم ينزل لا يجب عليه الغسل، وإنما يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ ذلك بما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) ولـ مسلم وأحمد: (وإن لم ينزل) وهذه الزيادة (فعلته أنا ورسول الله) ليست موجودة في الصحيحين، وأصل الحديث في الصحيحين. وكذلك حديث الماء، وهذا قال عنه بعضهم: إنه منسوخ، ولكنه باقٍ في الاحتلام، والاحتلام لا بد فيه من الإنزال، فقوله: (الماء) أي: ماء الغسل، و (من الماء) ماء المني، فهذا نسخ بحديث: (إذا التقى الختانان) وبقي (الماء من الماء) في الاحتلام. والغسل له موجبات، منها الجماع ومنها الإنزال، ويجب الغسل من الإنزال ولو لم يجامع، فإذا أنزل في اليقظة أو في النوم وجب عليه الغسل، فهذا موجب وهذا موجب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد حدثنا وكيع عن سفيان عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل). قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح]. هذا الحديث فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، لكن الحديث أصله في الصحيحين. والترمذي ﵀ يتساهل في الحكم، فلا يضعف علي بن زيد، والجمهور على أنه ضعيف. وعلي بن زيد بن جدعان التيمي البصري أصله حجازي، وهو ضعيف، روى عن ابن المسيب، وعنه قتادة والسفيانان والحمادان وخلق. وقال أحمد وأبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن خزيمة: سيئ الحفظ. وقال شعبة: حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة. وقد صححه ابن حبان وابن القطان، وأعله البخاري؛ لأن الأوزاعي أخطأ فيه. وكذلك أحمد شاكر مثل الترمذي متساهل في الحكم رحمهما الله، فكلاهما كانا يتساهلان في علي بن زيد بن جدعان وغيره من الضعفاء، فيتساهلون في تحسين أحاديثهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روي هذا الحديث عن عائشة عن النبي ﷺ من غير وجه: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل). وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة والفقهاء من التابعين، ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل]. قال الشارح: والحديث صححه ابن حبان وابن القطان، وأعله البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه، ورواه غيره عن عبد الرحمن بن القاسم مرسلاً، واستدل على ذلك بأن أبا الزناد قال: سألت القاسم بن محمد: سمعت في هذا الباب شيئاً؟ قال: لا. وأجاب من صححه بأنه يحتمل أن يكون القاسم قد نسيه، ثم تذكر فحدث به ابنه، أو كان حدث به ثم نسي، ولا يخلو الجواب عن نظر، قال الحافظ وأصله في مسلم بلفظ: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل). وقال النووي: هذا الحديث أصله صحيح، لكن فيه تغير، وتبع في ذلك ابن الصلاح. والمقصود أن الحديث ثابت، وأن مجاوزة الختان الختان توجب الغسل، والجماع يوجب الغسل، بمعنى: تغييب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل. وأما زيادة علي فالحديث ثابت من غيرها، والحديث يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره، والقول أبلغ من الفعل.

стр. 139

ما جاء أن الماء من الماء

стр. 140

شرح حديث: (إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء أن الماء من الماء. حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهري عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها]. هذا هو الصواب، كان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم ينزل، فإنه لا يجب عليه الغسل، وإنما يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ هذا، وبقي (إنما الماء من الماء) في الاحتلام، وكذلك أيضاً في الإنزال في اليقظة، فإذا أنزل يجب عليه الغسل. قال المصنف ﵀: [حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد مثله. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وإنما كان الماء من الماء في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبي بن كعب ورافع بن خديج]. قوله: (حسن صحيح)، وقد رواه البخاري فيما أظن، وأخرجه أحمد وأبو داود والدارمي. وقال الحافظ في الفتح: إسناده صالح لأن يحتج به، وقال فيه: صححه ابن خزيمة وابن حبان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، على أنه إذا جامع الرجل امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا]. هذا هو الصواب الذي تدل عليه الأحاديث، والذي عليه الجماهير.

стр. 141

شرح حديث: (إنما الماء من الماء في الاحتلام) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن أبي الجحاف عن عكرمة عن ابن عباس قال: (إنما الماء من الماء في الاحتلام)]. الحديث باقٍ في الاحتلام، وكذلك في اليقظة، فإذا أنزل المني يجب عليه الغسل للإنزال، وإذا استمنى كذلك وجب عليه الغسل مع التوبة، سواء استمنى باليد أو بغيرها، وهو ما يسمى بالعادة السرية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك. قال أبو عيسى: وأبو الجحاف اسمه داود بن أبي عوف، ويروى عن سفيان الثوري قال: حدثنا أبو الجحاف وكان مرضياً. قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير وطلحة وأبي أيوب وأبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (الماء من الماء)].

стр. 142

ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللاً ولا يذكر احتلاماً

стр. 143

شرح حديث عائشة في رؤية البلل بغير ذكر الاحتلام قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللاً ولا يذكر احتلاماً حدثنا أحمد بن منيع حدثنا حماد بن خالد الخياط عن عبد الله بن عمر -هو العمري - عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللاً، قال: لا غسل عليه. قالت أم سلمة: يا رسول الله! هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم؛ إن النساء شقائق الرجال). قال أبو عيسى: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر حديث عائشة في الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث]. عبد الله بن عمر المكبر ضعيف، والمصغر ثقة، وعبد الله بن عمر يروي عن أخيه عبيد الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، إذا استيقظ الرجل فرأى بلة أنه يغتسل، وهو قول سفيان الثوري وأحمد. وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نطفة، وهو قول الشافعي وإسحاق. وإذا رأى احتلاماً ولم ير بلة، فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم]. هذا هو الصواب والمعتمد، وهو أنه إذا استيقظ ووجد بللاً، وتيقن أنه مني وجب عليه الغسل، ولو لم يذكر احتلاماً. أما إذا احتلم ولم ير بللاً في ثوبه أو في فخذيه فلا يجب عليه الغسل. وحال النوم يختلف عن حال اليقظة، ففي اليقظة إذا جامع وجب عليه الغسل ولو لم ينزل، وفي النوم إذا جامع ولم يجد بللاً لا يجب عليه الغسل، وإن وجد بللاً وجب عليه الغسل إذا تحقق أنه مني. وعبد الله بن عمر بن حفص العمري المذكور في السند ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث، قال الذهبي في الميزان: صدوق في حفظه شيء، روى عن نافع وجماعة. روى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال الدارمي: قلت لـ ابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة. قال الشارح: حديث عائشة في الرجل يجد البلل قال عنه في المنتقى بعد أن ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة إلا النسائي. وقال في النيل: رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن عمر العمري، وقد اختلف فيه، ثم ذكر أقوال الجرح والتعديل فيه، ثم قال: وقد تفرد به المذكور عند من ذكره المصنف من المخرجين له، ولم نجده عن غيره. وهكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه، فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور. والثانية: التفرد وعدم المتابعة، فقصر عن درجة الحسن والصحة، انتهى. وقال الخطابي (في معالم السنن): ظاهر هذا الحديث - أي: حديث عائشة - المذكور في الباب يوجب الاغتسال إذا رأى بلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق. وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، منهم عطاء والشعبي والنخعي، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إلي أن يغتسل. وقال أكثر أهل العلم: لا يجب، قاله النسائي في سننه. قلت: ما مال إليه الجماعة الأول من أن مجرد رؤية البلة موجب للاغتسال هو أوفق بحديث الباب، وبحديث أم سلمة ﵂ الذي أخرجه الشيخان بلفظ: (إذا رأت الماء)، وبحديث خولة بنت حكيم بلفظ: (ليس عليها غسل حتى تنزل). فهذه الأحاديث تدل على اعتبار مجرد وجود المني، سواء ضم إلى ذلك الدفع والشهوة أم لا، وهذا هو الظاهر، وبه قال أبو حنيفة، والله تعالى أعلم. والمهم أنه إذا تحقق أنه مني وأنه ليس بمذي وجب عليه الغسل، فإذا رآه في ثوبه أو في فخذيه وجب عليه الغسل.

стр. 144

شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [١١] ركب الله تعالى في المرء غريزة شهوة الفرج، وبهذه الغريزة تتعلق جملة من أحكام التكليف، ومنها كيفية تطهير المذي، وإزالة المني، ومنها ما يصنعه الجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم، ومنها ما يعامل به الجنب من اعتبار طهارة بدنه من عدمها، وغير ذلك من الأحكام المهمة.

стр. 145

ما جاء في المني والمذي
следующие страницы →