Полный текст (266 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
شرح حديث: (إنما الماء من الماء في الاحتلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن أبي الجحاف عن عكرمة عن ابن عباس قال: (إنما الماء من الماء في الاحتلام)].
الحديث باقٍ في الاحتلام، وكذلك في اليقظة، فإذا أنزل المني يجب عليه الغسل للإنزال، وإذا استمنى كذلك وجب عليه الغسل مع التوبة، سواء استمنى باليد أو بغيرها، وهو ما يسمى بالعادة السرية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عيسى: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك.
قال أبو عيسى: وأبو الجحاف اسمه داود بن أبي عوف، ويروى عن سفيان الثوري قال: حدثنا أبو الجحاف وكان مرضياً.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير وطلحة وأبي أيوب وأبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (الماء من الماء)].
стр. 142
ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللاً ولا يذكر احتلاماً
стр. 143
شرح حديث عائشة في رؤية البلل بغير ذكر الاحتلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللاً ولا يذكر احتلاماً حدثنا أحمد بن منيع حدثنا حماد بن خالد الخياط عن عبد الله بن عمر -هو العمري - عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللاً، قال: لا غسل عليه.
قالت أم سلمة: يا رسول الله! هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال: نعم؛ إن النساء شقائق الرجال).
قال أبو عيسى: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر حديث عائشة في الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث].
عبد الله بن عمر المكبر ضعيف، والمصغر ثقة، وعبد الله بن عمر يروي عن أخيه عبيد الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، إذا استيقظ الرجل فرأى بلة أنه يغتسل، وهو قول سفيان الثوري وأحمد.
وقال بعض أهل العلم من التابعين: إنما يجب عليه الغسل إذا كانت البلة بلة نطفة، وهو قول الشافعي وإسحاق.
وإذا رأى احتلاماً ولم ير بلة، فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم].
هذا هو الصواب والمعتمد، وهو أنه إذا استيقظ ووجد بللاً، وتيقن أنه مني وجب عليه الغسل، ولو لم يذكر احتلاماً.
أما إذا احتلم ولم ير بللاً في ثوبه أو في فخذيه فلا يجب عليه الغسل.
وحال النوم يختلف عن حال اليقظة، ففي اليقظة إذا جامع وجب عليه الغسل ولو لم ينزل، وفي النوم إذا جامع ولم يجد بللاً لا يجب عليه الغسل، وإن وجد بللاً وجب عليه الغسل إذا تحقق أنه مني.
وعبد الله بن عمر بن حفص العمري المذكور في السند ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث، قال الذهبي في الميزان: صدوق في حفظه شيء، روى عن نافع وجماعة.
روى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال الدارمي: قلت لـ ابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة.
قال الشارح: حديث عائشة في الرجل يجد البلل قال عنه في المنتقى بعد أن ذكر هذا الحديث: رواه الخمسة إلا النسائي.
وقال في النيل: رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن عمر العمري، وقد اختلف فيه، ثم ذكر أقوال الجرح والتعديل فيه، ثم قال: وقد تفرد به المذكور عند من ذكره المصنف من المخرجين له، ولم نجده عن غيره.
وهكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه، فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور.
والثانية: التفرد وعدم المتابعة، فقصر عن درجة الحسن والصحة، انتهى.
وقال الخطابي (في معالم السنن): ظاهر هذا الحديث - أي: حديث عائشة - المذكور في الباب يوجب الاغتسال إذا رأى بلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق.
وروي هذا القول عن جماعة من التابعين، منهم عطاء والشعبي والنخعي، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إلي أن يغتسل.
وقال أكثر أهل العلم: لا يجب، قاله النسائي في سننه.
قلت: ما مال إليه الجماعة الأول من أن مجرد رؤية البلة موجب للاغتسال هو أوفق بحديث الباب، وبحديث أم سلمة ﵂ الذي أخرجه الشيخان بلفظ: (إذا رأت الماء)، وبحديث خولة بنت حكيم بلفظ: (ليس عليها غسل حتى تنزل).
فهذه الأحاديث تدل على اعتبار مجرد وجود المني، سواء ضم إلى ذلك الدفع والشهوة أم لا، وهذا هو الظاهر، وبه قال أبو حنيفة، والله تعالى أعلم.
والمهم أنه إذا تحقق أنه مني وأنه ليس بمذي وجب عليه الغسل، فإذا رآه في ثوبه أو في فخذيه وجب عليه الغسل.
стр. 144
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [١١]
ركب الله تعالى في المرء غريزة شهوة الفرج، وبهذه الغريزة تتعلق جملة من أحكام التكليف، ومنها كيفية تطهير المذي، وإزالة المني، ومنها ما يصنعه الجنب إذا أراد الأكل أو الشرب أو النوم، ومنها ما يعامل به الجنب من اعتبار طهارة بدنه من عدمها، وغير ذلك من الأحكام المهمة.
стр. 145
ما جاء في المني والمذي
стр. 146
شرح حديث علي في سؤاله النبي عن المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المني والمذي.
حدثنا محمد بن عمرو السواق البلخي حدثنا هشيم عن يزيد بن أبي زياد، ح: وحدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: (سألت النبي ﷺ عن المذي، فقال: من المذي الوضوء ومن المني الغسل).
قال: وفي الباب عن المقداد بن الأسود وأبي بن كعب.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ من غير وجه: (من المذي الوضوء ومن المني الغسل).
وهو قول عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، وبه يقول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق].
هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري ومسلم مختصراً.
وفي إسناد الترمذي يزيد بن أبي زياد، وقد عرفت ما فيه من الكلام، وقد صحح الترمذي حديث يزيد هذا في مواضع وحسنه في مواضع كما عرفت في المقدمة، فلعل تصحيحه وتحسينه بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند من اشتهار المتون ونحو ذلك، وإلا فـ يزيد ليس من رجال الحسن، فكيف الصحيح، ثم إن الحديث من رواية ابن أبي ليلى عن علي، وقد قيل: إنه لم يسمع منه، فيكون الحديث منقطعاً، وعلى هذا فالحديث ضعيف، ولكن المعنى صحيح دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهو أن من المني الغسل ومن المذي الوضوء.
والمني هو أصل الولد، وهو أبيض يخرج بقوة وبلذة بدفق ودفعات، وهو طاهر، ويجب فيه الغسل.
وأما المذي فهو ماء لزج أصفر يخرج عند الملاعبة واشتداد الشهوة، وهو يوجب الوضوء فقط، ويوجب -أيضاً- غسل الذكر والأنثنين، وهما الخصيتان، كما جاء في الحديث: (اغسل ذكرك وأنثييك) ولعل الحكمة -والله أعلم- أن يتقلص الخارج، ولا يجب فيه الغسل، وأما من البول فيغسل طرف الذكر، وموضع الخارج فقط.
أما المني فإنه يوجب الغسل، وهو طاهر، والمذي نجس، ونجاسته مخففة كبول الصبي الذي لم يأكل الطعام، فيكفي فيه الرش، كما جاء في الحديث: (فانضحه)، فلما كان الأمر بالنضح كانت نجاسته مخففة، وهو يوجب الوضوء.
فمعنى الحديث صحيح، لكن سنده ضعيف، ففيه زياد بن أبي زياد ضعيف، وفيه انقطاع بين عبد الرحمن بن أبي ليلى وعلي بن أبي طالب ﵁ ويزيد بن أبي زياد الهاشمي يروي عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وأبي جحيفة، ويروي عنه زائدة بن قدامة وأبو عوانة وابن فضيل، وكان من أئمة الشيعة الكبار.
وقال ابن عدي: يكتب حديثه.
وكذلك أبو زرعة، وقال الحافظ شمس الدين الذهبي: هو صدوق بطيئ الحفظ، وقال ابن معين: ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه، وقال أبو داود: لا أعلم أحداً ترك حديثه، وغيره أحب إلي منه، قال ابن القيم: مات سنة سبع وثلاثين ومائة، روى له مسلم مقروناً.
والحديث كأنه حسنه الترمذي للشواهد الأخرى، وإلا فهو ضعيف، والمعنى صحيح، وهو أن المني يوجب الغسل والمذي يوجب الوضوء.
والترمذي إذا قال في الحديث: (حسن)، وسكت فالغالب أنه يكون ضعيفاً، وإذا قال: (حسن صحيح) فمعناه أنه لا بأس به.
وهو يتساهل ﵀ في تقوية بعض الضعفاء، مثل علي بن زيد بن جدعان، ومثله الشيخ أحمد شاكر ﵀، فكلاهما يتساهلان في علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف عند الجمهور، ومع ذلك حسن حديثه الترمذي والشيخ أحمد شاكر، وكذلك عبد الله بن عقيل سيئ الحفظ، ومع ذلك يحسنه الترمذي.
وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الأوسي أبو عيسى الكوفي روى عن عمر ومعاذ وبلال وأبي ذر، وأدرك مائة وعشرين من الصحابة الأنصاريين، وروى عنه ابنه عيسى ومجاهد وعمرو بن ميمون أكبر منه والمنهال بن عمرو وخلق.
قال عبد الله بن الحارث: ما ظننت أن النساء ولدن مثله، وثقه ابن معين، قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وثمانين.
وقيل: إنه غرق في لجين مع محمد بن الأشعث.
والحديث حسن من أجل الوجوه والطرق الأخرى.
وقد قال أحمد شاكر: وقد أخطأ الشوكاني خطأً شديداً فيما قال؛ فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى سمع من علي كما صرح به ابن معين فيما نقله في التهذيب.
وأيضاً: فإن في رواية أحمد في المسند التي أشرنا إليها فيما مضى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت علياً ﵁ يقول، وابن أبي ليلى ولد قبل وفاة عمر بست سنين، كما نقله ابن أبي حاتم في المراسيل بإسناده، وعمر قتل سنة ثلاث وعشرين، فيكون ابن أبي ليلى ولد سنة سبع عشرة تقريباً، وعلي قتل سنة أربعين، فكان سن ابن أبي ليلى إذ ذاك نحو ثلاث وعشرين سنة.
قال الشوكاني في نيل الأوطار في إسناد الحديث الذي صححه الترمذي يزيد بن أبي زياد، قال علي ويحيى: ضعيف لا يحتج به.
وعلي ويحيى هما علي بن المديني ويحيى بن معين.
وقال ابن المبارك: ارم به، وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث كل أحاديثه موضوعة وباطلة، وقال البخاري: منكر الحديث ذاهب، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: صدوق، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، وكان يتلقن ما لقن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح.
والترمذي قد صحح حديث يزيد المذكور في مواضع هذا أحدها، وحديث: (أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم)، وحديث: (أن العباس دخل على النبي ﷺ مغضباً) وقد حسَّن -أيضاً- حديثه (أدخلت العمرة في الحج) فلعل التصحيح والتحسين بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند من اشتهار المتون ونحو ذلك، وإلا فإن يزيد ليس من رجال الحسن، فكيف بالصحيح؟! ثم إن الحديث من رواية ابن أبي ليلى عن علي، وقد قيل فيه: إنه لم يسمع منه.
وقد أخطأ الشوكاني خطأ شديداً فيما قال هذا كلام للشيخ أحمد شاكر.
قال: إن عبد الرحمن بن أبي ليلى سمع من علي كما صرح به ابن معين.
فيكون على هذا قد سمع منه، ويبقى فيه علة يزيد بن أبي زياد.
قال: وأما ما نقله الشوكاني في الطعن في يزيد بن أبي زياد فإن أكثره لم نجده في كتب الرجال، وأظن أنه اشتبه عليه الأمر فنقل كلام بعضهم في يزيد بن زياد، ويقال: ابن أبي زياد القرشي الدمشقي وهو خطأ؛ فإن الذي معنا يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي أبو عبد الله الكوفي ويزيد هذا ضعفه بعضهم من قبل أنه شيعي، ومن قبل أنه اختلط في آخر حياته، والحق أنه ثقة.
وعلى كل حال فإنه يكفي أنه من الشيعة وأنه اختلط في آخره، والشيخ أحمد شاكر ﵀ كان من المتساهلين في هذا مع الترمذي.
стр. 147
حكم المذي إذا أصاب الثوب
стр. 148
شرح حديث سهل بن حنيف في سؤاله عن التطهر من المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المذي يصيب الثوب.
حدثنا هناد حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن عبيد -هو ابن السباق - عن أبيه عن سهل بن حنيف ﵁ قال: (كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ وسألته عنه، فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء.
فقلت: يا رسول الله! كيف بما يصيب ثوبي منه؟! قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه أصاب منه).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق في المذي مثل هذا.
وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغسل، وهو قول الشافعي وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح بالماء].
الصواب النضح؛ لأن النبي ﷺ قال: (يكفيك أن ترش) وهو حديث جابر، والحديث هذا أخرجه الشيخان وغيرهما أن علياً ﵁ أصابه شدة من المذي وأنه استحيا من النبي ﷺ وأمر المقداد فسأله، فقال: (فيه الوضوء).
فهو يدل على أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، وإذا أصاب الثوب فيكيفه النضح بدون غسل وبدون فرك.
وهذا الحديث حسن صحيح، وقد أخرجه أيضاً أبو داود وابن ماجه، وأخرجه الدارمي وأحمد بهذا السند، وأخرجه الشيخان من طريق أخرى عن علي ﵁.
стр. 149
حكم المني يصيب الثوب
стр. 150
شرح حديث عائشة في فرك المني من الثوب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المني يصيب الثوب.
حدثنا هناد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: (ضاف عائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء فنام فيها فاحتلم، فاستحيا أن يرسل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، مثل: سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا في المني يصيب الثوب: يجزئه الفرك وإن لم يغسل.
وهكذا روي عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عائشة مثل رواية الأعمش.
وروى أبو معشر هذا الحديث عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂، وحديث الأعمش أصح].
وهذا هو الصواب، وهو أن المني طاهر وليس بنجس، والرطب منه يغسل من باب النظافة واليابس يفرك، ولهذا قالت عائشة في الحديث الآخر: (كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً) وفي الحديث الآخر: (كنت أغسله من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإني لأرى بقع الماء في ثوبه).
فلهذا يغسل الرطب ويفرك اليابس، والغسل من باب النظافة لا لأنه نجس، والمني أصل الإنسان وأصل الولد، وهذا هو الصواب، خلافاً لمن قال بنجاسة المني، فهو طاهر، لكن يغسل من باب النظافة.
стр. 151
ما جاء في غسل المني من الثوب
стр. 152
شرح حديث عائشة في غسلها منياً من ثوب رسول الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: غسل المني من الثوب.
حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا أبو معاوية عن عمرو بن ميمون بن مهران عن سليمان بن يسار عن عائشة: (أنها غسلت منياً من ثوب رسول الله ﷺ .
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن ابن عباس، وحديث عائشة أنها غسلت منياً من ثوب رسول الله ﷺ ليس بمخالف لحديث الفرك؛ لأنه وإن كان الفرك يجزئ فقد يستحب للرجل أن لا يرى على ثوبه أثراً.
قال ابن عباس: المني بمنزلة المخاط، فأمطه عنك ولو بإذخر].
هذا هو الصواب، وهو أن الغسل ليس لأنه نجس، بل من باب الاستحباب ومن باب النظافة، والحديث أخرجه الأئمة الستة.
стр. 153
ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل
стр. 154
شرح حديث: (كان رسول الله ينام وهو جنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل.
حدثنا هناد حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب ولا يمس ماء).
حدثنا هناد حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق نحوه.
قال أبو عيسى: وهذا قول سعيد بن المسيب وغيره، وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ : (أنه كان يتوضأ قبل أن ينام) وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود، وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق].
الأرجح أنه غلط من أبي إسحاق، وهو يخالف الأحاديث الصحيحة، فالمعروف أن النبي ﷺ كان إذا كان عليه جنابة وأراد أن ينام توضأ، وثبت في صحيح البخاري أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ فقال: (أينام أحدنا وهو جنب؟! قال: نعم، إذا توضأ)، فينبغي للجنب أن يفعل أحد أمرين: الأول: أن يغتسل، وإذا أراد أن يؤجل الغسل إلى آخر الليل فليتوضأ وضوءه للصلاة، وكونه ينام بدون وضوء أقل أحواله الكراهة.
وأما هذا الحديث: (ولم يمس ماء) فهو رواية أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس، ولكن بعض المتأخرين صححه، وبعضهم حمله على الغسل فقال: (ولم يمس ماء)، أي: ولم يمس ماء للغسل.
وبعضهم قال: إن هذا حديث مستقل عن الأحاديث الأخرى، والأرجح أنه غلط من أبي إسحاق.
وفيه دليل على أن الجنب يجوز له أن ينام قبل أن يغتسل وقبل أن يتوضأ، لكن الحديث فيه مقال، والحديث أخرجه -أيضاً- أبو داود والنسائي.
وقد تكلم على هذا الحديث غير واحد من الحفاظ.
قال أحمد: ليس بصحيح، وقال أبو داود: هو وهم، وقال يزيد بن هارون: هو خطأ، وقال مهنا عن أحمد بن صالح: لا يحل أن يروى هذا الحديث، وفي علل الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكفى.
قال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من أبي إسحاق، قال الحافظ: وتساهل في نقل الإجماع، فقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه.
والعمدة ما ذكره المتقدمون والأئمة أنه خطأ، فما كان معروفاً عن النبي ﷺ أنه ينام ولا يمس ماء، وتأوله بعضهم فقال: ولم يمس ماء للغسل، ولكن هذا بعيد.
قال ابن العربي في العارضة: تفسير غلط أبي إسحاق هو أن هذا الحديث الذي رواه أبو إسحاق هاهنا مختصراً اقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه، ونص الحديث الطويل ما رواه ابن غسان: حدثنا زهير بن حرب حدثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد -وكان لي أخاً وصديقاً- فقلت: يا أبا عمر! حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ .
فقال: قالت: (كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول وثب - وربما قالت: قام فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل -وأنا أعلم ما تريد، وإنما نام جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة).
قلت: وهناك حديث كذلك، وهو قوله في البخاري لـ عمر: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم.
إذا توضأ).
فكيف يقول له: (نعم إذا توضأ) وهو ينام ولا يتوضأ! قال: فهذا يدلك على أن قوله: (فإن كانت له حاجة قضى حاجته ثم ينام قبل أن يمس ماء) أنه يحتمل أحد وجهين: إما أن يريد بالحاجة حاجة الإنسان من البول والغائط فيقضيها ثم يستنجي ولا يمس ماء وينام، فإن وطئ توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة حاجة الوطء، وبقوله: (ثم ينام ولا يمس ماء) أي: ماء الاغتسال، ومتى لم يحمل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة هي الوطء فنقل الحديث على معنى ما فهم، والله أعلم.
وهذا هو الأقرب، وهو أنه وهم.
والمقصود أنه إذا توضأ زال الإشكال، وأنه خفف الجنابة، وكونه يغتسل أولى وأفضل، لكن قد تدعو الحاجة إلى أن ينام قبل أن يغتسل.
стр. 155
ما جاء في الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام
стр. 156
شرح حديث: (أينام أحدنا وهو جنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام.
حدثنا محمد بن مثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر (أنه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ).
قال: وفي الباب عن عمار وعائشة وجابر وأبي سعيد وأم سلمة.
قال أبو عيسى: حديث عمر أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا أراد الجنب أن ينام توضأ قبل أن ينام].
وهذا هو السنة، والحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأحمد وابن خزيمة.
وقوله: (نعم إذا توضأ) أمر لا شك فيه، ولا شك في أن الوضوء متأكد، وترك الوضوء مكروه كراهة شديدة، وقوله: (إذا توضأ) هذا الشرط كأن ظاهره الدلالة على الوجوب.
وذهب داود وجماعة إلى الوجوب.
وقوله: (نعم، إذا توضأ) المراد به الوضوء الشرعي لا اللغوي؛ لما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة).
قال الحافظ في الفتح: أي: توضأ وضوءاً كما يتوضأ للصلاة، وليس المعنى أنه توضأ لأداء الصلاة، وإنما المراد توضأ وضوءاً شرعياً لا لغوياً.
انتهى.
وقد اختلف العلماء هل هو واجب أو غير واجب؟ فالجمهور قالوا بالثاني، واستدلوا بحديث عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ ينام وهو جنب ولا يمس ماء).
وقد تقدم أن فيه مقالاً لا ينتهض معه للاستدلال، وبحديث طوافه ﷺ على نسائه بغسل واحد ويتوضأ بين كل جماعين، ولا يخفى في أنه ليس فيه على المدعى هنا دليل.
وبحديث ابن عباس مرفوعاً: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) وليس فيه -أيضاً- دليل على المدعى كما لا يخفى، وذهب داود وجماعة إلى الأول لورود الأمر بالوضوء، ففي رواية البخاري ومسلم: (ليتوضأ ثم لينم)، وفي رواية لهما: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم).
وعلى هذا تبين أن هذا هو الظاهر والصواب، وقول الجمهور بعدم الوجوب، وقوله: (إذا توضأ) ليس بصريح، لكن قوله: (ليتوضأ ثم لينم) أمر صريح، فالصواب القول بالوجوب.
قال الشوكاني: يجب الجمع بين الأدلة بحمل الأمر على الاستحباب، ويؤيد ذلك أنه أخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما من حديث ابن عمر: (أنه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، ويتوضأ إن شاء)، انتهى.
وهذا السند الذي فيه (إن شاء) حسنه ابن خزيمة، وهذا السند ليس فيه أمر بالوجوب، والأصل في الأوامر الوجوب، لكن لو ثبت صارف للأمر إلى الاستحباب فيصرف ويحتاج إلى ثبوته.
وقوله: (قال داود)، لا شك في أنه قول قوي، والأمر فيه واضح، وهو (ليتوضأ ثم لينم).
قال النووي في شرح مسلم: وأما حديث أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء)، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم فهو ضعيف، ولو صحح لم يكن مخالفاً.
يعني: لحديث ابن عمر المذكور في الباب وما في معناه، بل كان له جوابان: أحدهما: جواب الإمامين الجليلين أبي العباس بن شريح وأبي بكر البيهقي أن المراد لا يمس ماء للغسل.
والثاني - وهو عندي حسن- أن المراد أنه كان في بعض الأوقات لا يمس ماء أصلاً لبيان الجواز؛ إذ لو واظب عليه لتوهم وجوبه، انتهى.
стр. 157
ما جاء في مصافحة الجنب
стр. 158
شرح حديث أبي هريرة في انخناسه من رسول الله لجنابته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في مصافحة الجنب.
حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ لقيه وهو جنب، قال: فانخنست، أي: فانخنست فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت؟ أو أين ذهبت؟ قلت: إني كنت جنباً، قال: إن المسلم لا ينجس).
قال: وفي الباب عن حذيفة وابن عباس.
قال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة أنه لقي النبي ﷺ وهو جنب حديث حسن صحيح، وقد رخص غير واحد من أهل العلم في مصافحة الجنب، ولم يروا بعرق الجنب والحائض بأساً.
ومعنى قوله: (فانخنست) يعني: تنحيت عنه].
هذا الحديث أخرجه الشيخان، وهو دليل على أن مصافحة الجنب لا بأس بها، والجنب طاهر عرقه وثيابه وسؤره، والسؤر: بقية الأكل والشرب، فالجنابة حدث وليست نجاسة، وكذلك الحائض طاهرة إلا في خصوص الدم.
وفي قوله: (ينجس) قال النووي: يقال بضم الجيم وفتحها لغتان، وفي ماضيه لغتان: نجس ونجس بكسر الجيم وضمها، فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضاً.
اهـ.
تقول: نجَِسَ يَنْجَسُ، أو نَجُسَ يَنْجُسُ.
قال الحافظ: تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، فقال: إن الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨].
وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد.
والنجاسة في الكفر معنوية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] أما بدن المشرك فطاهر.
وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك لم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين؛ إذ لا فرق بين النساء والرجال.
стр. 159
استحباب وضوء الجنب إذا أراد النوم
стр. 160
شرح حديث عمر في نوم المرء وهو جنب
وأخرج ابن خزيمة في باب استحباب وضوء الجنب إذا أراد النوم قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن عبدة أخبرنا أبو بكر أخبرنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر: (أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: ينام ويتوضأ إن شاء).
قال الأعظمي المحقق: إسناده صحيح، وقال شيخ الإسلام ابن حجر ﵀: وهو في صحيح مسلم بمعناه، وينظر في قوله: (إن شاء)، قال الأعظمي: هذه الرواية موجودة في مسند ابن حنبل بتحقيق الشيخ أحمد شاكر، ولفظها: (يتوضأ وينام إن شاء).
وذكر ابن خزيمة إسناداً آخر، وهو: أخبرنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي نا سفيان بهذا الإسناد فقال: (إن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا أراد أن ينام فليتوضأ)، وما فيه ذكر (إن شاء).
اختار المؤلف أنه يستحب، وهو قول الجمهور.
стр. 161
ما جاء في المرأة ترى في المنام مثلما يرى الرجل
стр. 162
شرح حديث وجوب الغسل على المرأة من رؤية ماء الاحتلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المرأة ترى في المنام مثلما يرى الرجل.
حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة ﵂ قالت: (جاءت أم سليم ابنة ملحان إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة -تعني غسلاً- إذا هي رأت في المنام مثلما يرى الرجل؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء فلتغتسل)].
وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم، وفيه دليل على أن المرأة تحتلم، وأنه يجب عليها الغسل كالرجل.
فالنساء شقائق الرجال، لكن بشرط (إذا رأت الماء)، والمراد بالماء المني، فإذا احتلم الإنسان -رجلاً أو امرأة- ورأى المني فإنه يجب عليه الغسل.
وقد أنكرت عائشة وأم سلمة هذا، ولعل سبب الإنكار أن الاحتلام قليل في النساء، ولهذا قالت أم سلمة: (وهل تحتلم؟!).
стр. 163
شرح حديث أم سلمة في حكم رؤية المرأة الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة ﵂ قالت: (جاءت أم سليم بنت ملحان إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة -تعني غسلاً- إذا هي رأت في المنام مثلما يرى الرجل؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء فلتغتسل، قالت أم سلمة: قلت لها: فضحت النساء يا أم سليم).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول عامة الفقهاء، أن المرأة إذا رأت في المنام مثلما يرى الرجل فأنزلت أن عليها الغسل، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي.
وفي الباب عن أم سليم وخولة وعائشة وأنس ﵃ أجمعين].
والحديث أخرجه الشيخان.
قوله: (هذا قول عامة الفقهاء) هذا هو الصواب، وظاهر كلام الترمذي أن فيه خلافاً، لكن كأنه خلاف ضعيف، وكأن هؤلاء الذين خالفوا لم يبلغهم الحديث، أو أنهم تأولوا فخالفوا في الصواب الذي يدل عليه الحديث الصحيح، وهو أن المرأة إذا احتلمت ورأت المني وجب عليها الغسل كالرجل.
أما إذا احتلم الإنسان ولم ير شيئاً -أي: لم ير الماء- فلا يجب عليه الغسل؛ لحديث: (إنما الماء من الماء)، وهذا بخلاف الجماع في اليقظة، فإنه إذا جامع ولم ينزل ولم يُمن وجب عليه الغسل، وهذا قد يحصل لبعض الناس ويشتبه عليهم، لا سيما الشباب، فقد يظن أنه إذا جامع ولم ينزل لا يجب عليه الغسل، بل يجب عليه الغسل في الجماع حتى ولو لم ينزل، ويجب عليه الغسل بالإنزال حتى ولو لم يجامع، أي: إذا اشتد عليه المني وأمنى وجب عليه الغسل ولو لم يجامع، وإذا جامع ولم يُمنِ وجب عليه الغسل، أما الاحتلام فإنه إذا احتلم ورأى أنه يجامع المرأة ولم ينزل ولم يجد بللاً في ثيابه ولا في فخذيه فهذا لا يجب عليه الغسل، وأما إذا وجد البلل أو أثر المني فيجب عليه الغسل.
стр. 164
ما جاء في الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل
стр. 165
شرح حديث استدفاء النبي بعائشة بعد الغسل من الجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل.
حدثنا هناد قال حدثنا وكيع عن حريث عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: (ربما اغتسل النبي ﷺ من الجنابة، ثم جاء فاستدفأ بي فضممته إلي ولم أغتسل).
قال أبو عيسى: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، أن الرجل إذا اغتسل فلا بأس بأن يستدفئ بامرأته وينام معها قبل أن تغتسل المرأة، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق].
قال الشارح: وقوله: (ثم جاء فاستدفأ بي).
أي: طلب الحرارة مني، بأن وضع أعضاءه الشريفة على أعضائي من غير حائل، وجعلني مكان الثوب الذي يستدفأ به ليجد السخونة من بدني، كذا في اللمعات، وفي المرقاة: قال السيد جمال الدين: أي: يطلب مني الحرارة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل:٥] أي: ما تستدفئون به، وفيه أن بشرة الجنب طاهرة؛ لأن الاستدفاء إنما يحصل من مس البشرة، كذا قال الطيبي، وفيه بحث انتهى، قال القاري: ولعله أراد الاستدفاء مع الثوب أيضاً، والحديث رواه ابن ماجه، ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل).
ولا حرج في الاستدفاء بجسد الجُنب، ولا يوجب ذلك الغسل مرة أخرى، فإن الغسل لا يوجبه إلا الجماع أو الإنزال.
وفي هذا الحديث قال أحمد شاكر: قد ضعفه أكثر العلماء، قال البخاري: فيه نظر، وقال مرة أخرى: ليس بالقوي عندهم.
والبخاري إذا قال: (فيه نظر)، فمعناه أنه ضعيف؛ لأن البخاري لطيف العبارة ﵀، وكلمة (فيه نظر) عند البخاري تساوي كلمة (ضعيف) عند العيني.
والحديث فيه كلام من أجل حريث، لكن المعنى صحيح، وهو أن الاستدفاء لا يوجب الغسل، حتى لو لم يصح الحديث.
стр. 166
ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء
стр. 167
شرح حديث: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء.
حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير).
وقال محمود في حديثه: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم).
وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين.
قال أبو عيسى: وهكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر، وقد روى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر عن أبي ذر ولم يسمعه.
وهذا حديث حسن، وهو قول عامة الفقهاء، أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء تيمما وصليا، ويروى عن ابن مسعود أنه كان لا يرى التيمم للجنب وإن لم يجد الماء، ويروى عنه أنه رجع عن قوله فقال: يتيمم إذا لم يجد الماء، وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق].
وهذا هو الصواب، وقد حصلت مناظرة في هذا بين عمار وعمر، واشتبه الأمر على عمر وقال: إنه لا يتيمم حتى يجد الماء، فذكّره عمار بالقصة التي حصلت له، وأنه كان معه في سفر فأصابتهما جنابة، فأما عمر فلم يتيمم، وأما عمار فتمرغ كما تمرغ الدابة، ثم أتيا النبي ﷺ فقال: (إنما يكفيك أن تقول هكذا)، فنسي عمر ﵁ وقال: اتق الله يا عمار.
فقال: إن شئت تركت، قال: نوليك ما توليت.
وكذلك حصل لـ ابن مسعود ﵁ مع أبي موسى الأشعري مناظرة في هذا رواها الشيخان، وفيها أن ابن مسعود ﵁ اشتبه عليه الأمر، وأنه قال: إذا لم يجد الماء يجلس حتى يجد الماء، فاشتبه الأمر على عمر وعلى ابن مسعود مع أنهما من علماء الصحابة ومن كبارهم، ومع أن هذا الأمر واضح في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، وهذا يدل على أن العالم الكبير قد يخفى عليه الأمر مع وضوحه.
ولما قيل لـ ابن مسعود في ذلك قال: لو قلنا بهذا إذا أوشك أن يبرد عليهم الماء تيمموا وتركوا الماء.
والصواب في هذا أنه إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ولا إشكال في هذا، وإن خفي هذا على بعض كبار الصحابة، فإن الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والحديث حسن، وقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال الشوكاني في النيل: ورواه ابن حبان والحاكم والدارقطني وصححه أبو حاتم، وعمرو بن بجدان قد وثقه العجلي.
قال الحافظ: وغفل ابن القطان وقال: إنه مجهول.
وقد اختلفت نسخ الترمذي هاهنا، فوقع في النسخ الموجودة عندنا: (هذا حديث حسن)، وقال المنذري في تلخيص السنن: قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال المجد ابن تيمية في المنتقى بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد والترمذي وصححه].
وفي هذا الحديث سمى التيمم وضوءاً، واحتج به جمع من المحققين على أن التيمم يقوم مقام الماء، وأنه لا يبطل بخروج الوقت، ولا يبطل إلا بوجود الماء أو وجود ناقض من نواقض الوضوء، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي وجمع من المحققين، أي أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وإنما يبطل بوجود الماء أو بوقوع الحدث؛ لأن النبي ﷺ سماه وضوءاً، والوضوء طهارة كاملة، وذهب الجمهور إلى أن التيمم يبطل بخروج الوقت، وأنه لا يصلي بالتيمم أكثر من فريضة، وإذا خرج الوقت بطل التيمم، ويتيمم للصلاة الأخرى، ويرون أنه مبيح للصلاة لا رافع للحدث.
стр. 168
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [١٢]
للاستحاضة أحكام شرعية منها أنها تستثفر بثوب وتتوضأ لكل صلاة، ومنها مشروعية اغتسالها لكل صلاتين، وجواز جمعها بين الصلاتين لعذر مرض الاستحاضة، ومنها معرفة أيام الحيض من أيام الاستحاضة، وغير ذلك من الأحكام.
стр. 169
ما جاء في المستحاضة
стр. 170
شرح حديث: (إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المستحاضة.
حدثنا هناد حدثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).
قال أبو معاوية في حديثه: (وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت).
وفي الباب عن أم سلمة.
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي؛ أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها اغتسلت وتوضأت لكل صلاة].
هذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما، وهذا هو الصواب، وهو أن المستحاضة إذا كانت تعرف عادتها فإنها تجلس عادتها ثم تغتسل وتصلي وتتلجم -أي: تتحفظ- وتتوضأ لكل صلاة، والمستحاضة قد تكون معتادة، وقد تكون مميزة، وقد تكون متحيرة.
فالمعتادة هي التي تعرف عادتها، فتجلس عادتها من أول الشهر أو من وسطه، فإذا انتهت العادة والدم مطبق عليها فإنها تتحفظ وتتلجم وتغتسل وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة، وإن كانت نسيت العادة ولها تمييز فإنها تعمل بالتمييز، فإذا رأت الدم ثخيناً منتناً فإنها حائض، وإذا ذهب وجاءت الصفرة أو الكُدّرة أو الحمرة فإنها تصلي.
أما المتحيرة التي لا تمييز لها ولا عادة؛ فإنها تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام من أول كل شهر، فتجلس من الشهر ستة أيام أو سبعة، وتصلي ثلاثة وعشرين يوماً.
قوله: (قال أبو معاوية في حديثه: (وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)).
قال بعضهم: هذا مدرج، وقد رد هذا الحافظ في الفتح عليه، وجزم بعضهم أنه موقوف على عروة، وقد رد الحافظ عليه أيضاً وقال: ولم ينفرد أبو معاوية بذلك؛ فقد رواه النسائي من طريق حماد بن زيد عن هشام وادعى أن حماداً تفرد بهذه الزيادة، وأومأ مسلم أيضاً إلى ذلك، وليس كذلك، فقد رواها الدارمي من طريق حماد بن سلمة والسراج من طريق يحيى بن سليم كلاهما عن هشام.
اهـ.
وفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت منه، ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة، لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤادة أو مقضية؛ لظاهر قوله: (ثم توضئي لكل صلاة)، وبهذا قال الجمهور.
وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، فعلى قولهم يكون المراد بقوله: (توضئي لكل صلاة) أي: لوقت كل صلاة، ففيه مجاز بالحذف، ويحتاج إلى دليل.
وعند المالكية: يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحدث آخر.
وقال أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكل فرض فهو أحوط.
قال الحافظ في الفتح: وقال ابن عبد البر: ليس في حديث مالك ذكر الوضوء لكل صلاة على المستحاضة، وذكر في حديث غيره، فلذا كان مالك يستحبه لها ولا يوجبه كما لا يوجبه على صاحب السلس.
والأحوط أن تتوضأ لكل صلاة، وذكر الحافظ أن حماد بن زيد انفرد بهذه الزيادة؛ ولهذا ما ذكرها مسلم في الحديث، وعلى هذا لا تتوضأ لكل صلاة كما قال الإمام مالك، والجمهور على أنها تتوضأ لكل صلاة، والحافظ يرى أن زيادة ذكر الوضوء لم ينفرد بها حماد بن زيد، بل هو متابع عليها.
يقول أحمد شاكر: وهذا التعليل من مسلم والنسائي لهذا الحرف في رواية حماد بن زيد ليس بجيد؛ لأن أبا معاوية تابعه عليه كما ترى عند الترمذي والبخاري، وأيضاً: فقد تابع الليث حماد بن سلمة، ورواه الدارمي من طريق حماد بن سلمة عن هشام، وقال فيه: (فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الماء وتوضئي وصلي).
قال هشام: فكان أبي يقول: تغتسل الغسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك فإنها تفطر وتصلي.
لأن أبا معاوية يتابع عليه كما ترى عند الترمذي والبخاري، وأيضاً: فقد تابعهما عليه حماد بن سلمة ورواه الدارمي.
وعلى هذا تزول علة انفراد حماد بن زيد، فلا تكون شاذة، والأرجح أن تتوضأ لكل صلاة.
وقد تابعهم عليه أبو حمزة السكري، وذكر الزيلعي في نصب الراية أن ابن حبان رواه في صحيحه من حديث محمد بن علي بن الحسن بن شقيق سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة عن هشام بن عروة.
والمستحاضة لها أن تغتسل وأن تجمع الصلاتين؛ لأن الاستحاضة تعتبر من المرض، فهي مريضة، لكن تجمع الصلاتين جمعاً صورياً، فتؤخر الأولى وتقدم الثانية، والواقع أن كل صلاة تكون في وقتها.
ومن نزلت الحيضة فوق عادتها بثلاثة أيام وهي متقطعة فالأحوط في مثل هذا أنها تصلي حتى تتحقق في الشهر الثاني والثالث من أنها قد تقدمت العادة.
стр. 171
ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة
стр. 172
شرح حديث: (تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.
حدثنا قتيبة حدثنا شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﵌ أنه قال في المستحاضة: (تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي).
حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا شريك نحوه بمعناه.
قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان.
قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده -جد عدي - ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لـ محمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به.
وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها، وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل واحد أجزأها].
قوله: (وسألت محمداً) أي: البخاري؛ لأنه شيخه فهو يسأله.
والواجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، فإن اغتسلت لكل صلاة فلا بأس، وإن جمعت جمعاً صورياً جاز لها؛ لأنها مريضة، فإن الاستحاضة نوع من المرض، كما جاء في بعض الأحاديث أنها تؤخر الظهر إلى قريب العصر، وتغتسل لهما غسلاً، وتصلي الظهر ثم العصر بعده، وتؤخر المغرب إلى قريب العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتصلي المغرب والعشاء، وتغتسل للفجر، وليس بواجب الغسل إلا مرة واحدة عند الطهر من الحيض، ويجب أن تتوضأ لكل صلاة.
وأبو اليقظان اسمه عثمان بن عمير بالتصغير، وهو ضعيف جداً، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وذكر أنه حضره فروى عن شيخ، فقال له شعبة: كم سنك؟ فقال: كذا، فإذا قد مات الشيخ وهو ابن سنتين.
وشريك أيضاً ضعيف.
قوله: (عن أبي اليقظان).
اسمه عثمان بن عمير بالتصغير، ويقال ابن قيس، والصواب أن قيساً جد أبيه، وهو عثمان بن أبي حميد البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى، ضعيف واختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع، كذا قي التقريب، وقال في الخلاصة: ضعفه أحمد وغيره، وتركه ابن مهدي.
قوله: (عن عدي بن ثابت).
هو عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وهو ثقة، رمي بالتشيع، من رجال الستة.
قوله: (عن أبيه).
هو ثابت، قال الحافظ في التقريب: ثابت الأنصاري والد عدي، قيل: هو ابن قيس بن الخطيم، هو جد عدي لا أبوه، وقيل: اسم أبيه دينار، وقيل: عمرو بن أخطب، وقيل: عبيد بن عازب، فهو مجهول الحال.
وقد أطال الحافظ الكلام في ترجمة ثابت الأنصاري في تهذيب التهذيب، ثم قال: من يشأ الوقوف على ذلك فليرجع إليه.
قوله في المستحاضة: (تدع الصلاة أيام أقرائها).
الأقراء: جمع قُرْء، وهو مشترك بين الحيض والطهر، والمراد به هاهنا: الحيض.
قوله: (التي كانت تحيض فيها) أي: قبل الاستحاضة.
قوله: (ثم) أي: بعد فراغ زمن حيضها باعتبار العادة.
(تغتسل) أي: مرة.
قوله: (عند كل صلاة) متعلق بـ (تتوضأ) لا بـ (تغتسل)، وفيه دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة، والحديث ضعيف، لكن له شواهد ذكرها الحافظ الزيلعي والحافظ ابن حجر في تخريجهما، ومنها حديث عائشة المذكور في الباب المتقدم، وقد جاء الوضوء في هذا الحديث، لكنه حديث ضعيف.
قوله: (هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان، وأخرجه أبو داود وضعفه، وأخرجه ابن ماجة أيضاً.
وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده -جد عدي - ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لـ محمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به).
قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: وقد قيل: إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخطمي.
قال الدارقطني: ولا يصح من هذا كله شيء، وقال أبو نعيم: وقال غير يحيى: اسمه قيس الخطمي.
قوله: وقال (أحمد وإسحاق في المستحاضة: إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها، وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل أجزأها).
فالاغتسال لكل صلاة ليس بواجب على المستحاضة عند أحمد وإسحاق، وهو قول الجمهور، وروي عن بعض الصحابة أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، والقول الراجح المعول عليه هو قول الجمهور.
стр. 173
ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد
стр. 174
شرح حديث: (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد.
حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها قد منعتني الصيام والصلاة؟! قال: أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجمي، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوباً، قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً، فقال النبي ﷺ : سآمرك بأمرين أيهما صنعت أجزأ عنك، فإن قويتِ عليهما فأنتِ أعلم، فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حين تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي وصومي إن قويت على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : هو أعجب الأمرين إلي).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي وابن جريج وشريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران عن أمه حمنة، إلا أن ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، والصحيح: عمران بن طلحة.
قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن.
وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح.
وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره -فإقباله أن يكون أسود وإدباره أن يتغير إلى الصفرة- فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش.
وكذلك قال أبو عبيد.
وقال الشافعي: المستحاضة إذا استمر بها الدم في أول ما رأت فدامت على ذلك فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يوماً، فإذا طهرت في خمسة عشر يوماً أو قبل ذلك فإنها أيام حيض، فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يوماً فإنها تقضي صلاة أربعة عشر يوماً، ثم تدع الصلاة بعد ذلك أقل ما تحيض النساء، وهو يوم وليلة.
قال أبو عيسى: واختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقال بعض أهل العلم: أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يأخذ ابن المبارك، وروي عنه خلاف هذا، وقال بعض أهل العلم -منهم عطاء بن أبي رباح -: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً.
وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد].
وهذا هو مذهب الحنابلة، وهو أن أقله يوم وليلة، وأكثرة خمسة عشر يوماً، قال شيخ الإسلام: لا حد لأقله ولا لأكثره، وقول الشافعي ﵀ أنه إذا استمر الدم إلى خمسة عشر يوماً قول وجيه، فإذا استمر الدم معها وتجاوز الخمسة عشر يوماً نصف الدهر فإنها تغتسل وتصلي.
يعني أنها قد تحيض إلى خمسة عشر يوماً، وأما إذا تجاوزت خمسة عشر يوماً فهو استحاضة, وهذا الحديث -حديث حمنة - فيه حكم المتحيرة، كما قال الإمام أحمد ﵀: المستحاضات على ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: المعتادة التي تعرف عادتها، فتعرف زمنه وعدده، فتحيض -مثلاً- في كل شهر سبعة أيام، تبدأ من الخامس إلى الثاني عشر، ثم أطبق عليها الدم، فهذه عليها أن تعمل بالعادة، فكلما جاء اليوم الخامس تجلس إلى اليوم الثاني عشر، كما قال النبي ﷺ : (فدعي الصلاة أيام أقرائك)، فالعادة مقدمة، فإذا كانت تعرف العادة وكان هو زمنها ثم أطبق عليها الدم فإنها تجلس العادة من كل شهر، فإذا استمر الدم وهي تعرف عادتها من قبل فإنها تعمل بالعادة.
الحالة الثانية: التي لا تعرف العادة، لكن لها تمييز صالح، فهي تعرف الدم بإقباله وإدباره، فهذه تعمل بالتمييز الصالح، فتجلس إذا جاء الدم منتناً أسود وغليظاً له رائحة؛ لأن هذا دم الحيض، وإذا صار الدم أحمر أو أصفر رقيقاً فهذه استحاضة، لكن لو كانت تعرف العادة فإن العادة مقدمة على التمييز، لكنها إذا نسيت العادة أو لم يكن لها عادة وعندها تمييز فإنها تعمل بالتمييز الصالح، كما في هذه الحالة.
الحالة الثالثة: المتحيرة، فإن هذه ليس لها تمييز ولا عادة، أي: لا تعرف العادة ولا تعرف التمييز، فهذه تتحيّض على حسب حالة نسائها، أي: أخواتها وعماتها وخالاتها، فإن كن يحضن سبعة أيام فإنها تجلس سبعة أيام، وإن كن يحضن ستة أيام فإنها تجلس ستة أيام وتصلي بقية الشهر أربعة وعشرين يوماً، أو تجلس سبعة أيام وتصلي ثلاثة وعشرين يوماً، وتبدأ -إذا كانت تعرف الحيض- من بدء الحيض، وإن كانت لا تعرف فإنها تجلس من أول كل شهر هلالي على حسب عادة نسائها.
والحديث أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم.
قال المنذري في تلخيصه: قال الخطابي: قد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك، وقال أبو بكر البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به.
هذا آخر كلامه.
وقد أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال أيضاً: وسألت محمداً -يعني البخاري - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال أحمد: هو حديث حسن صحيح.
اه.
قال صاحب (سبل السلام) بعد نقل كلام المنذري هذا: فعرفت أن القول بأنه حديث غير صحيح غير صحيح، لقد صححه الأئمة.
وعبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه، وقد تقدم في (باب مفتاح الصلاة الطهور) أن الترمذي قال: سمعت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري - يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد: هو مقارب الحديث.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمته بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدلين: حديثه في مرتبة الحسن.
اه.
وعلى هذا يحسن الحديث، وأحمد شاكر ما تكلم عليه، وأظنه متساهلاً، وقد قال معلقاًَ على هذا الحديث: اختلفت أقوالهم في هذا الحديث، فقال أبو داود في السنن: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء.
وهذا يخالف ما نقله الترمذي عنه هنا من تصحيحه، ولعله يريد أن في نفسه شيئاً من جهة الفقه والاستنباط والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحاً ثابتاً عنده من جهة الإسناد.
وقال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل عن إبراهيم بن محمد عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض فوهّنه ولم يقوّ إسناده.
وقال الخطابي في معالم السنن: وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك.
وقال البيهقي: بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه سمع محمد بن إسماعيل البخاري يقول: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح، أما ابن عقيل فقد قدمنا أنه ثقة صحيح الحديث، ولا حجة لمن تكلم فيه.
اه.
قال الحافظ في التلخيص في حديث: (تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي) لا أصل له بهذا اللفظ، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده فيما حكاه ابن دقيق العيد في الإلمام عنه: ذكر بعضهم أن هذا الحديث لا يثبت بوجه من الوجوه.
وقال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا، وقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب الحديث، أو لم أجد له إسناداً.
وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا لهوٌ يذكره أصحابنا ولا أعرفه، وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقهاء.
стр. 175
ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة
стр. 176
شرح حديث: (إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة.
حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ ، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل لكل صلاة).
قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
قال أبو عيسى: ويروى هذا الحديث عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ .
وقد قال بعض أهل العلم: المستحاضة تغتسل عند كل صلاة.
وروى الأوزاعي عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة].
وبنات جحش الثلاث: زينب أم المؤمنين زوج النبي ﷺ ، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد الله، كلهن مستحاضات وأم حبيبة بنت جحش كانت تغتسل من نفسها دون أن يأمرها النبي ﷺ بذلك، والصحيح استحبابه.
стр. 177
ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة
стр. 178
شرح حديث: (قد كانت إحدانا تحيض فلا تؤمر بقضاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة.
حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة قالت: أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ فقالت: أحرورية أنت؟! قد كانت إحدانا تحيض فلا تؤمر بقضاء.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن عائشة من غير وجه أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة].
هذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه بيان أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأن الله قد خفف عنها؛ وذلك أن الحيض يتكرر في كل شهر، فمن رحمة الله تعالى أن خفف عنها، بخلاف الصيام؛ فإنه لا يكون إلا في السنة مرة، فلذلك وجب عليها القضاء، وهذا هو الصواب الذي عليه أهل العلم، خلافاً للخوارج الذين من علاماتهم أنهم يرون أن الحائض تقضي الصلاة.
فلما جاءت هذه المرأة وسألت عائشة هذا السؤال ظنت عائشة أنها تعترض، ولهذا قالت لها: أحرورية أنت؟ يعني: هل أنت من الخوارج؟! لأن بلدة حروراء هي التي تجمع فيها الخوارج، وهي تقع في العراق، وقد تجمع فيها الخوارج، فنسبوا إليها.
وفي رواية: (فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ قالت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: قد كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
فدل هذا على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لأن الحكمة ظاهرة، فالصوم لا يأتي إلا في السنة مرة، والصلاة تتكرر في كل شهر، بل في كل يوم، وهذا من بركة الله وإحسانه ولطفه بالمرأة.
стр. 179
ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأان القرآن
стр. 180
شرح حديث: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأان القرآن.
حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن).
قال: وفي الباب عن علي.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض).
وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام.
وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح من بقية، ولـ بقية أحاديث مناكير عن الثقات.
قال أبو عيسى: حدثني بذلك أحمد بن الحسن قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ذلك].
ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الشام جيدة؛ لأنهم أهل بلده، بخلاف روايته عن أهل الحجاز، فهي ضعيفة.
وقول البخاري: (إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام) أي أن البخاري يرى أن حديث إسماعيل بن عياش الذي هو صحيح وصالح للاحتجاج إنما هو ما يرويه عن أهل الشام، قال في الخلاصة: إسماعيل بن عياش العنسي الحمصي عالم الشام، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين، وقال في التقريب: صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم.
اه.
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة إسماعيل بن عياش: قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن إسماعيل وبقية، فقال: بقية أحب إلي.
وقال في ترجمة بقية: قال أحمد: هو أحب إلي من إسماعيل بن عياش.
اهـ.
وموسى بن عقبة هو الأسدي مولاهم المدني، روى عن أم خالد بنت خالد وعروة وعلقمة بن الوقاص وطائفة، وروى عنه يحيى الأنصاري وابن جريج ومحمد بن خليف، قال مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة؛ فإنه ثقة، فهي أصح المغازي، وقال ابن معين: ثقة، في روايته عن نافع شيء، وكان يحيى يضعفه بعض التضعيف، ووثقه أحمد وأبو حاتم، فهو جيد في المغازي.
وقال القطان: مات سنة إحدى وأربعين ومائة.
والحديث أخرجه ابن ماجة أيضاً من هذا الطريق، وهو حديث ضعيف؛ لأن إسماعيل بن عياش قد وثقه أئمة الحديث في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين، وقد روى هذا الحديث عن موسى بن عقبة، وهو من أهل الحجاز، قال البيهقي في المعرفة: هذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها، قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من الحفاظ، وقد روى هذا من غيره وهو ضعيف.
انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في علله: سمعت أبي وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا فقال: أخطأ، إنما هو من قول ابن عمر.
كذا في نصب الراية.
فهذا الحديث ضعيف، والترمذي ﵀ جزم بأن الحائض والجنب لا يقرأان القرآن، وهذا ما ذهب إليه الجمهور، فالجمهور يرون أن الحائض والجنب لا يقرأان القرآن، أما الجنب فقد جاء في حديث علي: (فأما الجنب فلا ولا آية)، وأما الحائض فهذا الحديث في حقها ضعيف، والمراد النهي عن قراءة القرآن عن ظهر قلب، أما مس المصحف فواضح أنه لا يمس المصحف، وقال آخرون من أهل العلم: إن الحائض ليست كالجنب، ولا تقاس عليه؛ لأمرين: الأمر الأول: أن الجنب صح فيه حديث عن علي، وأما الحائض فلم يصح في شأنها حديث.
الأمر الثاني: أن الجنب مدته لا تطول، فهو يستطيع أن يغتسل ويقرأ القرآن، أما الحائض فليس الأمر باختيارها، وليس بيدها ذلك، ومثلها النفساء، فإن النفاس قد يطول إلى أربعين يوماً، وكذلك الحائض قد تكون مدتها أربعة عشر يوماً، وقد تكون حافظة للقرآن، فلا نستطيع أن نمنعها في هذه المدة من قراءة القرآن بغير دليل واضح.
فقالوا: لا بأس أن تقرأ الحائض القرآن عن ظهر قلب، وقد تكون مُدرسة أيضاً، وقد تكون طالبة تحتاج إلى قراءة القرآن، لكنها لا تمس المصحف، وإن احتاجت إلى ذلك فيكون من وراء القفازين.
والبخاري عقد باباً في صحيحه يدل على أنه قائل بجواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فإنه قال: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية، ولم ير ابن عباس للقراءة للجنب بأساً، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
وذكر آثاراً أخرى، ثم ذكر فيه حديث عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف حضت) الحديث، وفيه قال: (فافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)].
ومما يفعل الحاج أنه يقرأ القرآن في قلبه.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال وغيره: إن مراد البخاري الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة؛ لأنه ﷺ لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب، لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إن كان لكونها ذكراً لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبداً فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عن المصنف -يعني البخاري - شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره، لكن أكثرها قابل للتأويل، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره -كـ الطبري وابن المنذر وداود - بعموم حديث: (كان النبي ﷺ يذكر الله على أحيانه)؛ لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة، وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، لكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه.
واستدل الجمهور على المنع بحديث علي: (كان رسول الله ﷺ لا يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان، وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد، فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعاً بين الأدلة، وأما حديث ابن عمر مرفوعاً: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) فضعيف من جميع طرقه.
اه.
وقد ورد في الجنب أحاديث خاصة، والقرآن ذكر خاص، فالمراد ذكر الله على كل أحيانه غير القرآن، فأما الجنب (فلا ولا آية)، وذهب بعض العلماء إلى أن الحائض والجنب يقرأان جميعاً.
والقول الوسط -ولعله هو الأقرب والأرجح- أن الجنب لا يقرأ، وأما الحائض والنفساء فإنها تقرأانه عن ظهر قلب.
следующие страницы →