Полный текст (266 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
شرح حديث: (إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة.
حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ ، فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي، فكانت تغتسل لكل صلاة).
قال قتيبة: قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
قال أبو عيسى: ويروى هذا الحديث عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ .
وقد قال بعض أهل العلم: المستحاضة تغتسل عند كل صلاة.
وروى الأوزاعي عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة].
وبنات جحش الثلاث: زينب أم المؤمنين زوج النبي ﷺ ، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد الله، كلهن مستحاضات وأم حبيبة بنت جحش كانت تغتسل من نفسها دون أن يأمرها النبي ﷺ بذلك، والصحيح استحبابه.
стр. 177
ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة
стр. 178
شرح حديث: (قد كانت إحدانا تحيض فلا تؤمر بقضاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة.
حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة قالت: أتقضي إحدانا صلاتها أيام محيضها؟ فقالت: أحرورية أنت؟! قد كانت إحدانا تحيض فلا تؤمر بقضاء.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن عائشة من غير وجه أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء، لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة].
هذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه بيان أن الحائض لا تقضي الصلاة، وأن الله قد خفف عنها؛ وذلك أن الحيض يتكرر في كل شهر، فمن رحمة الله تعالى أن خفف عنها، بخلاف الصيام؛ فإنه لا يكون إلا في السنة مرة، فلذلك وجب عليها القضاء، وهذا هو الصواب الذي عليه أهل العلم، خلافاً للخوارج الذين من علاماتهم أنهم يرون أن الحائض تقضي الصلاة.
فلما جاءت هذه المرأة وسألت عائشة هذا السؤال ظنت عائشة أنها تعترض، ولهذا قالت لها: أحرورية أنت؟ يعني: هل أنت من الخوارج؟! لأن بلدة حروراء هي التي تجمع فيها الخوارج، وهي تقع في العراق، وقد تجمع فيها الخوارج، فنسبوا إليها.
وفي رواية: (فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ قالت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: قد كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
فدل هذا على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لأن الحكمة ظاهرة، فالصوم لا يأتي إلا في السنة مرة، والصلاة تتكرر في كل شهر، بل في كل يوم، وهذا من بركة الله وإحسانه ولطفه بالمرأة.
стр. 179
ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأان القرآن
стр. 180
شرح حديث: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرأان القرآن.
حدثنا علي بن حجر والحسن بن عرفة قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن).
قال: وفي الباب عن علي.
قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض).
وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام.
وقال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح من بقية، ولـ بقية أحاديث مناكير عن الثقات.
قال أبو عيسى: حدثني بذلك أحمد بن الحسن قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ذلك].
ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الشام جيدة؛ لأنهم أهل بلده، بخلاف روايته عن أهل الحجاز، فهي ضعيفة.
وقول البخاري: (إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام) أي أن البخاري يرى أن حديث إسماعيل بن عياش الذي هو صحيح وصالح للاحتجاج إنما هو ما يرويه عن أهل الشام، قال في الخلاصة: إسماعيل بن عياش العنسي الحمصي عالم الشام، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين، وقال في التقريب: صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم.
اه.
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة إسماعيل بن عياش: قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن إسماعيل وبقية، فقال: بقية أحب إلي.
وقال في ترجمة بقية: قال أحمد: هو أحب إلي من إسماعيل بن عياش.
اهـ.
وموسى بن عقبة هو الأسدي مولاهم المدني، روى عن أم خالد بنت خالد وعروة وعلقمة بن الوقاص وطائفة، وروى عنه يحيى الأنصاري وابن جريج ومحمد بن خليف، قال مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة؛ فإنه ثقة، فهي أصح المغازي، وقال ابن معين: ثقة، في روايته عن نافع شيء، وكان يحيى يضعفه بعض التضعيف، ووثقه أحمد وأبو حاتم، فهو جيد في المغازي.
وقال القطان: مات سنة إحدى وأربعين ومائة.
والحديث أخرجه ابن ماجة أيضاً من هذا الطريق، وهو حديث ضعيف؛ لأن إسماعيل بن عياش قد وثقه أئمة الحديث في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين، وقد روى هذا الحديث عن موسى بن عقبة، وهو من أهل الحجاز، قال البيهقي في المعرفة: هذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها، قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من الحفاظ، وقد روى هذا من غيره وهو ضعيف.
انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في علله: سمعت أبي وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا فقال: أخطأ، إنما هو من قول ابن عمر.
كذا في نصب الراية.
فهذا الحديث ضعيف، والترمذي ﵀ جزم بأن الحائض والجنب لا يقرأان القرآن، وهذا ما ذهب إليه الجمهور، فالجمهور يرون أن الحائض والجنب لا يقرأان القرآن، أما الجنب فقد جاء في حديث علي: (فأما الجنب فلا ولا آية)، وأما الحائض فهذا الحديث في حقها ضعيف، والمراد النهي عن قراءة القرآن عن ظهر قلب، أما مس المصحف فواضح أنه لا يمس المصحف، وقال آخرون من أهل العلم: إن الحائض ليست كالجنب، ولا تقاس عليه؛ لأمرين: الأمر الأول: أن الجنب صح فيه حديث عن علي، وأما الحائض فلم يصح في شأنها حديث.
الأمر الثاني: أن الجنب مدته لا تطول، فهو يستطيع أن يغتسل ويقرأ القرآن، أما الحائض فليس الأمر باختيارها، وليس بيدها ذلك، ومثلها النفساء، فإن النفاس قد يطول إلى أربعين يوماً، وكذلك الحائض قد تكون مدتها أربعة عشر يوماً، وقد تكون حافظة للقرآن، فلا نستطيع أن نمنعها في هذه المدة من قراءة القرآن بغير دليل واضح.
فقالوا: لا بأس أن تقرأ الحائض القرآن عن ظهر قلب، وقد تكون مُدرسة أيضاً، وقد تكون طالبة تحتاج إلى قراءة القرآن، لكنها لا تمس المصحف، وإن احتاجت إلى ذلك فيكون من وراء القفازين.
والبخاري عقد باباً في صحيحه يدل على أنه قائل بجواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فإنه قال: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية، ولم ير ابن عباس للقراءة للجنب بأساً، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
وذكر آثاراً أخرى، ثم ذكر فيه حديث عائشة ﵂ قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف حضت) الحديث، وفيه قال: (فافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)].
ومما يفعل الحاج أنه يقرأ القرآن في قلبه.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال وغيره: إن مراد البخاري الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة؛ لأنه ﷺ لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب، لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إن كان لكونها ذكراً لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبداً فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عن المصنف -يعني البخاري - شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره، لكن أكثرها قابل للتأويل، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره -كـ الطبري وابن المنذر وداود - بعموم حديث: (كان النبي ﷺ يذكر الله على أحيانه)؛ لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة، وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، لكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه.
واستدل الجمهور على المنع بحديث علي: (كان رسول الله ﷺ لا يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان، وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد، فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعاً بين الأدلة، وأما حديث ابن عمر مرفوعاً: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) فضعيف من جميع طرقه.
اه.
وقد ورد في الجنب أحاديث خاصة، والقرآن ذكر خاص، فالمراد ذكر الله على كل أحيانه غير القرآن، فأما الجنب (فلا ولا آية)، وذهب بعض العلماء إلى أن الحائض والجنب يقرأان جميعاً.
والقول الوسط -ولعله هو الأقرب والأرجح- أن الجنب لا يقرأ، وأما الحائض والنفساء فإنها تقرأانه عن ظهر قلب.
стр. 181
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [١٣]
كرم الله تعالى في شرعه العظيم المرأة، فشرع في حقها جملة من الأحكام في حال حيضها، وحاصلها أن للرجل أن يخالطها أكلاً وشرباً ومعاشرة في غير الفرج، وحرم الله تعالى على الرجل أن يأتيها في موضع الحيض تكريماً له ولها، وعد فاعل ذلك مرتكباً لكبيرة عظيمة، وكل ذلك من الأحكام الشرعية التي لا ينبغي للأزواج التقصير في علمها.
стр. 182
ما جاء في مباشرة الحائض
стр. 183
شرح حديث عائشة: (كان رسول الله إذا حضت يأمرني أن أتزر ثم يباشرني)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في مباشرة الحائض.
حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا حضت يأمرني أن أتزر ثم يباشرني).
قال: وفي الباب عن أم سلمة وميمونة.
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق].
والحديث رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.
وقول عائشة (يباشرني): مأخوذ من المباشرة، وهي الملامسة، من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد المباشرة بمعنى الجماع، والمراد هاهنا هو المعنى الأول بالإجماع.
واستدل أبو حنيفة ومالك والشافعي بهذا الحديث، وقالوا: تحرم ملامسة الحائض من السرة إلى الركبة، وعند أبي يوسف ومحمد! -وفي وجه لأصحاب الشافعي - أنه يحرم المجامعة فحسب، ودليلهم قوله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) رواه مسلم من حديث أنس.
كذا نقله الطيبي، ولعل قوله ﷺ لبيان الرخصة، وفعله عزيمة تعليماً للأمة؛ لأنه أحوط، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ويؤيده ما ورد عن معاذ بن جبل قال: (قلت: يا رسول الله! ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل)، رواه أبو داود وغيره، كذا في المرقاة.
وقال الحافظ في الفتح: وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية، وأحد القولين أو الوجهين للشافعية، واختاره ابن المنذر، وقال النووي: هو الأرجح دليلاً؛ لحديث أنس في مسلم: (اصنعوا كل شيء إلا الجماع)، وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعاً بين الأدلة.
اهـ.
وهذا هو الأقرب؛ لحديث أنس عند مسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وكونه يأمرها أن تتزر لما بين السرة والركبة أحوط وأبعد عن الوقوع في الإثم، وإلا فالممنوع هو الجماع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].
قال ابن دقيق العيد: ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار؛ لأنه فعل مجرد.
اه.
ويدل على الجواز -أيضاً- ما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ : (أنه كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً).
وقال العيني في عمدة القاري: النوع الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر.
فعند أبي حنيفة حرام، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو الوجه الصحيح للشافعية، وهو قول مالك وقول أكثر العلماء، منهم سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة، وعن محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية: يتجنب شعار الدم فقط، وممن ذهب إليه عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود، وهذا أقوى دليلاً؛ لحديث أنس: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، واقتصار النبي ﷺ في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وقول محمد هو المنقول عن علي وابن عباس وأبي طلحة رضي الله تعالى عنهم.
انتهى كلام العيني.
стр. 184
ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها
стр. 185
شرح حديث إباحة النبي ﷺ مؤاكلة الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها.
حدثنا عباس العنبري ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن معاوية عن عمه عبد الله بن سعد ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ عن مواكلة الحائض فقال: واكلها).
قال: وفي الباب عن عائشة وأنس.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب، وهو قول عامة أهل العلم، لم يروا بمواكلة الحائض بأساً، واختلفوا في فضل وضوئها، فرخص في ذلك بعضهم، وكره بعضهم فضل طهورها].
حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب، أخرجه أحمد، وأخرجه -أيضاً- أبو داود، ورواته كلهم ثقات، وإنما غربه الترمذي لأنه تفرد به العلاء بن الحارث عن حكيم بن حرام، وحكيم بن حرام عن عمه عبد الله بن سعد، قاله الشوكاني.
قوله: (باب ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها) فـ (سؤرها): بقية طعامها وشرابها، والوَضوء -بفتح الواو- هو الماء الذي يتوضأ به، والوُضوء -بالضم- هو الفعل.
قوله: (واختلفوا في فضل وضوئها، فرخص في ذلك بعضهم وكره بعضهم طهورها).
الراجح هو عدم الكراهة، وحديث عائشة المذكور يدل على أن ريق الحائض طاهر، وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب، قال الشوكاني: ولا خلاف فيهما فيما أعلم.
وهذا هو الصواب، أي أن الحائض سؤرها طاهر وعرقها طاهر وبدنها طاهر، وقد كان النبي ﷺ يأكل وزوجاته، وكانت عائشة تتعرق العرق -وهو العظم فيه شيء من اللحم- فتعطيه النبي ﷺ فيضع فمه على مكان فمها، وكذلك قدح الشراب، كان يضع فاه مكان فمها ﵊، وكان يضاجع نساءه وهن طوامث، فلا حرج في مؤاكلة الحائض ومضاجعتها؛ لأن بدنها طاهر وعرقها طاهر وريقها طاهر وسؤرها طاهر، والنجاسة تكون في دم الحيض، وإذا أصاب الثوب منه شيء فإنه يغسل، وإلا فهي طاهر، وهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.
قال أحمد شاكر: في هذا الإسناد في الأصول حرام بن معاوية، ويظهر أنه هكذا في رواية الترمذي، وفي نسخة عند الشارح حرام بن حكيم، وهي مقاربة لما في الأصول، وإن كان هذا هو الراجح؛ فإنه حرام بن حكيم بن خالد بن مسعد بن الحكم الأنصاري، وسماه بعض الرواه حرام بن معاوية، وظنهما البخاري شخصين ففصل بينهما، والصحيح أنه هو هو، وقد وثقه العجلي والدارقطني وغيرهما، وضعفه البعض من غير مستند.
стр. 186
ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد
стр. 187
شرح حديث: (إن حيضتك ليست في يدك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد.
حدثنا قتيبة حدثنا عبيدة بن حميد عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد قال: قالت لي عائشة: (قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: قلت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك).
قال: وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك، بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئاً من المسجد].
هذا الحديث رواه الشيخان، ولا حرج على الحائض أن تتناول شيئاً من المسجد أو تمر في المسجد، لكنها لا تمكث فيه، بل تمر مروراً، والجنب كذلك يجوز له أن يمر ليأخذ شيئاً من المسجد أو يمر من باب إلى باب، قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] فمرور الجنب والحائض في المسجد لا حرج فيه.
والحديث أخرجه أحمد ومسلم.
стр. 188
ما جاء في كراهية إتيان الحائض
стр. 189
شرح حديث (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض.
حدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وبهز بن أسد قالوا: حدثنا حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد).
قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة.
وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ.
وقد روي عن النبي ﷺ قال: (من أتى حائضاً فليتصدق بدينار)، فلو كان إتيان الحائض كفراً لم يؤمر فيه بالكفارة.
وضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد].
مراده أن الكفر هنا ليس كفراً أكبر، وإنما هو الكفر الأصغر، فقوله: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد) يعني الكفر الأصغر، بدليل أنه في الحديث الآخر أمر من أتى حائضاً أن يتصدق بدينار أو نصف دينار، فلو كان كافراً لما نفعته الصدقة، فدل هذا على أنه يكفر كفراً أصغر.
قوله: (وضعف محمد هذا الحديث) أي أن البخاري ضعف هذا الحديث.
والظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد كما قاله الترمذي، وقيل: إن كان المراد الإتيان باستحلال وتصديق، فالكفر محمول على ظاهره، وإن كان بدونهما فهو محمول على كفران النعمة.
أي: إذا كان المراد أنه مستحل لذلك وصدق الكاهن في ادعائه علم الغيب يكون ذلك كفراً أكبر، وإلا فهو محمول على كفران النعمة.
قال الذهبي في الميزان في ترجمة حكيم الأثرم: قال البخاري: لم يتابع على حديثه.
يعني حماد بن سلمة عنه عن أبي تميمة عن أبي هريرة مرفوعاً: (من أتى كاهناً).
وقال الحافظ عن حكيم الأثرم البصري: لين، وقال الخزرجي في الخلاصة: ليس به بأس.
وأبو تميمة بفتح التاء الفوقانية وكسر الميم، والهجيمي: بضم الهاء وفتح الجيم، مصغرة، هو طريف بن مجالد الهجيمي البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع وتسعين أو قبلها أو بعدها.
стр. 190
ما جاء في كفارة وطء الحائض
стр. 191
شرح حديث كفارة وطء الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الكفارة في ذلك.
حدثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس (عن النبي ﷺ في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بنصف دينار).
حدثنا الحسين بن حريث قال أخبرنا الفضل بن موسى عن أبي حمزة السكري عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار).
قال أبو عيسى: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق.
وقال ابن المبارك: يستغفر ربه ولا كفارة عليه، وقد روي نحو قول ابن المبارك عن بعض التابعين منهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، وهو قول عامة علماء الأمصار].
قوله: (عن خصيف) بضم الخاء المعجمة، وفتح الصاد المهملة، مصغراً، وهو ابن عبد الرحمن الجزري، صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، ورمي بالإرجاء، كذا في التقريب.
وقال في الخلاصة: ضعفه أحمد ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال ابن عدي: إذا حدث عنه ثقة فلا بأس به.
قوله: (عن مقسم) بكسر الميم وإسكان القاف وفتح السين المهملة، وهو ابن بجرة أو نجدة، ويقال له مقسم مولى ابن عباس؛ للزومه له، وإنما هو مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقد ضعفه بعضهم بغير حجة، قال أحمد بن صالح المصري: ثقة ثبت لاشك فيه.
وقال العجلي: مكي تابعي ثقة.
ووثقه -أيضاً- يعقوب بن سفيان والدارقطني وغيرهم.
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: قوله: (إذا كان دماً أحمراً فدينار، وإن كان دماً أصفراً فنصف دينار)، قال المنذري: هذا الحديث قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه، فروي مرفوعاً وموقوفاً ومرسلاً ومعضلاً.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لـ شعبة: إنك كنت ترفعه؟ قال: إني كنت مجنوناً فصححت، وأما الاضطراب في متنه فروي بدينار أو نصف دينار على الشك، وروي: يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار، وروي: إذا كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار، وروي: إن كان الدم عبيقاً فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار.
انتهى كلام المنذري.
وقال الحافظ في التلخيص: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير.
انتهى.
قلت: لا شك أن في إسناد هذا الحديث ومتنه اختلافاً كثيراً، لكن مجرد الاختلاف قليلاً كان أو كثيراً لا يورد الاضطراب القادح في صحة الحديث، بل يشترط له استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجحت رواية من الروايات المختلفة من حيث الصحة قدمت، ولا تعل الرواية الراجحة بالمرجوحة، وهاهنا رواية عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس بلفظ: (فليتصدق بدينار أو بنصف دينار) صحيحة راجحة، فكل رواتها مخرج لهم في الصحيح، إلا مقسماً الراوي عن ابن عباس فانفرد به البخاري، لكن ما أخرج له إلا حديثاً واحداً، وقد صحح هذه الرواية الحاكم وابن دقيق العيد وقال: ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس، فقيل: تذهب إليه؟ فقال: نعم.
ورواية عبد الحميد هذه لم يخرجها الترمذي وأخرجها أبو داود، قال: حدثنا مسدد أخبرنا يحيى عن شعبة حدثني الحسن عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار)، قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار، ولم يرفعه شعبة، فرواية عبد الحميد هذه صحيحة راجحة، وأما باقي الروايات فضعيفة مرجوحة، لا توازي رواية عبد الحميد، فلا تعل رواية عبد الحميد هذه بالروايات الضعيفة.
قال الحافظ في التلخيص: قد أمعن ابن قطان القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه، وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن قطان وقواه في (الإلمام)، وهو الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به وفيه من الاختلاف أكثر مما في هذا الحديث، كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين ونحوهما، وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في شرح المهذب والتنقيح والخلاصة أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع في بعض ذلك ابن الصلاح.
انتهى كلام الحافظ.
وبالجملة فإن رواية عبد الحميد صحيحة، لكن وقع الاختلاف في رفعها ووقفها، فرفعها شعبة مرة، ووقفها مرة، قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر هذه الرواية المرفوعة: صححه الحاكم وابن القطان ورجح غيرهما وقفه، قال الشوكاني في النيل: ويجاب عن دعوى الاختلاف في رفعه ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي رفعوه عن شعبة، وكذلك وهب بن جرير وسعيد بن عامر والنضر بن شميل وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف قال ابن سيد الناس: من رفعه عن شعبة أجل وأكثر وأحفظ ممن وقفه، وأما قول شعبة: أسنده لي الحكم مرة ووقفه مرة، فقد أخبر عن المرفوع والموقوف أن كلاً عنده، ثم لو تساوى رافعوه مع واقفيه لم يكن في ذلك ما يقدح فيه.
وقال أبو بكر الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع لا يؤثر في الحديث ضعفاً، وهو مذهب أهل الأصول؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة وهي واجبة القبول.
انتهى.
قلت: يؤيد ترجيح وقفها قول عبد الرحمن بن مهدي: قيل لـ شعبة: إنك كنت ترفعه؟ قال: إني كنت مجنوناً فصححت وبين البيهقي في روايته أن شعبة رجع عن رفعه، والله تعالى أعلم.
وعلى العموم نقول: السند الأول الذي ذكره المؤلف فيه خصيف وشريك، فهي رواية ضعيفة، والسند الثاني فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، لكن رواية عبد الحميد التي أخرجها أبو داود صحيحه، والاختلاف في وقفه ورفعه لا تضر، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فالموقوف لا يعارض المرفوع، والحديث فيه اختلاف كثير في السند وفي المتن، فمن العلماء من صححه، ومنهم من ضعفه، ومنهم من وصله، ومنهم من رفعه، والصواب أنه صحيح ثابت، فعلى هذا فإن من جامع زوجته وهي حائض فعليه أن يتصدق بدينار أو بنصف دينار، فهو على الخيار.
وعلى هذا فإنه يكون مخيراً بين الدينار وبين نصف الدينار، والدينار أربعة أسباع الجنيه، فإذا كان الجنيه سبعين فيكون عليه أربعين - قيمة الدينار - أو عشرين، على التخيير بينهما، وإذا كان الجنيه سبعمائة، فتكون قيمة الدينار أربعمائة، ونصف الدينار مائتين، فيتصدق بأيهما شاء, وهذا هو الصواب، أن عليه كفارة مع التوبة.
стр. 192
الأسئلة
стр. 193
حكم من جامع زوجته بعد أن طهرت ثم وجد أثر الدم
السؤال
إذا جامع رجل زوجته بعد أن طهرت، وقد سألها فقالت: أنا طاهر، ولكنه وجد أثر الدم في ذكره، فما الحكم، وهل عليه الصدقة؟
الجواب
ما دام أنه لم يتعمد ذلك فهو معذور، ولا حرج عليه، لكن إن تصدق احتياطاً فهذا حسن.
стр. 194
الدليل على تحديد مسافة القصر بثمانين كيلو متر
السؤال
تحديد مسافة القصر بثمانين كيلو متراً هل عليه دليل؟ أم أن كل ما أطلق عليه أنه سفر يأخذ أحكام السفر؟
الجواب
نعم عليه دليل، وهو حديث: (من سافر مسافة يوم وليلة)، واليوم والليلة مرحلتان، والمرحلة تقارب أربعين كيلو متراً، وهذه المسافة هي التي تقطعها الإبل المحملة خلال يوم وليلة، كما في الحديث: (مسافة يوم وليلة) وفي بعضها: يومين، ولهذا قال الجمهور: إن مسافة القصر يومان قاصدان بالإبل المحملة دبيب الأحمال والأثقال.
وقد جاء عن أنس في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان إذا سافر مسيرة ثلاثة فراسخ قصر الصلاة.
стр. 195
حكم التعامل بالأسهم
السؤال
ما حكم التعامل بالأسهم وأخذ أرباحها؟
الجواب
الحكم يختلف باختلاف نوع هذه الأسهم، فإذا كانت أسهم مرابحة ومضاربة، بمعنى أنه يشترى فيها أشياء أو أراضي أو عقارات فلا بأس، وهذا من باب المضاربة، أما إذا كانت دراهم؛ فإن المسألة تحتاج إلى نظر في نوع هذه الأسهم وما يتم التبادل فيه، فإن الدراهم إذا بيعت بالدراهم كانت الزيادة غير جائزة، والمسألة تحتاج إلى تأمل، فيراجع الإفتاء في هذا.
стр. 196
حكم دراسة القوانين الوضعية
السؤال
ما حكم دراسة القوانين الوضعية؟ وما حكم الشهادة التي يحصل عليها الطالب بعد تخرجه؟ وإذا كان حكم دراستها محرماً، فبماذا تنصحون الطلاب الذين يدرسونها الآن؟
الجواب
ننصحهم بدراسة الأحكام الشرعية والدراسة في المعاهد والكليات الشرعية.
стр. 197
المقصود بقوله ﵊ (فيصدقون مرة ويكذبون مائة)
السؤال
في قول رسول الله ﷺ : (فيصدقون مرة ويكذبون مائة)، هل المراد الشياطين أم الكهان؟
الجواب
المراد الكهان، فإن الكاهن إذا ألقى الشيطان إليه الكلمة في أذنه كذب مائة كذبة.
стр. 198
ما يجزئ عن تحية المسجد
السؤال
من دخل مسجداً في الليل، وأراد أن يوتر بركعة واحدة، فهل تجزئ عن تحية المسجد؟
الجواب
الأقرب أنها لا تجزئ، فيصلي قبلها ركعتين، أي: يوتر بثلاث؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فتحية المسجد أقلها ركعتان.
стр. 199
إلحاق بول الكلب بلعابه
السؤال
هل يلحق بول الكلب بلعابه حيث يغسل سبع مرات؟ وهل بول الهر ولعابه طاهر؟
الجواب
النص ورد في لعاب الكلب بأنه إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات، والأقرب أن البول مثله لا ينقص عنه.
أما الهر فإن سؤره طاهر، أما لعابه وبوله فهما نجسان، لكن جسم الهر نفسه طاهر، فإذا أمسكته بيدك وهو جاف فلا شيء في ذلك؛ لأنه طاهر، أو إذا أكل أو شرب من شيء فلا ينجس؛ لأن سؤره طاهر.
стр. 200
حكم من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً
السؤال
ما هو القول الفصل في حكم من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً، في ضوء قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]؟
الجواب
الأقرب إلى الصواب أنه معذور إلا في الجماع، فإن الجماع فيه خلاف، فالجمهور على أنه لا يعذر به؛ لأن الصحابة لم يفرقوا بين الجاهل والناسي فيه.
والقول الثاني للعلماء أنه يعذر؛ للنصوص التي فيها العذر بالجهل، كما في الآية المذكورة في السؤال.
ومن العلماء من فرق بين النسيان والجهل فقال: الناسي لا حيلة له، أما الجاهل فإنه يمكن ألاّ ينسى.
والقول بأن الناسي معذور قول قوي.
стр. 201
الرد في الفرائض
السؤال
من يأخذ الباقي بعد أن تأخذ البنت النصف إذا كانت ترث لوحدها؟
الجواب
يأخذه أولى رجل ذكر؛ لقول النبي ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فإن لم يوجد رد على البنت، فتأخذه فرضاً ورداً.
стр. 202
حكم إحياء المناسبات الوطنية والقبلية
السؤال
ما حكم إحياء المناسبات الوطنية أو القبلية وما كان من باب العادات والتقاليد، سواء كانت هذه المناسبات مئوية أم سنوية، وما الضابط في المحظور منها؟
الجواب
الأصل أن الاحتفالات والأعياد تضبط بضوابط الشرع، فما دل عليه الشرع يفعل، وما زاد عما جاء به الشرع فإنه لا يفعل، هذا هو الأصل.
стр. 203
حكم تحريم الرجل زوجته
السؤال
إذا حرم الرجل زوجته، فهل يقع ذلك طلاقاً؟
الجواب
الأصل أن تحريم الزوجة بالخصوص يكون ظهاراً، وإذا قصد ونوى الطلاق فإنه يقع طلاقاً.
стр. 204
شرح جامع الترمذي_ أبواب الطهارة [١٤]
تعم أحكام الشريعة كل أحوال المكلفين، ولا يخرج عن حكمها حال من أحوالهم، فهي التي جاءت بما يتصل بدم الحيض والنفاس من الأحكام، كما جاءت بما يتصل بشهوة الرجل حال إرادته العود في الجماع والدوران على نسائه، كما جاءت بما يتصل بواجد ألم مدافعة الأخبثين حال قصده الصلاة، كما جاءت بما يتصل بطين الشوارع وأقذارها حين تصيب الثياب، وغير ذلك في سائر الأحوال.
стр. 205
باب ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب
стр. 206
شرح حديث: (حتيه ثم أقرصيه بالماء ثم رشيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في غسل دم الحيض من الثوب.
حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر: (أن امرأة سألت النبي ﷺ عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة؟ فقال رسول الله ﷺ : حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه وصلي فيه).
قال: وفي الباب عن أبي هريرة وأم قيس بنت محصن.
قال أبو عيسى: حديث أسماء في غسل الدم حديث حسن صحيح، وقد اختلف أهل العلم في الدم يكون على الثوب فيصلي فيه قبل أن يغسله، قال بعض أهل العلم من التابعين: إذا كان الدم مقدار الدرهم فلم يغسله وصلى فيه أعاد الصلاة، وقال بعضهم: إذا كان الدم أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة، وهو قول سفيان وابن المبارك، ولم يوجب بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم عليه الإعادة وإن كان أكثر من قدر الدرهم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال الشافعي: يجب عليه الغسل وإن كان أقل من قدر الدرهم وشدد في ذلك].
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف في هذا الباب فيه دليل على جوب غسل دم الحيض وأنه نجس، وقوله: (حتيه) يعني: حكيه، أي: تحكه بعود أو بغيره حتى تزيل عين النجاسة.
وقوله ﵊: (ثم اقرصيه بالماء ثم رشيه) فيه دليل على أن دم الحيض نجس، وهذا بالإجماع، أما غير دم الحيض ففيه خلاف، وقد نقل النووي الإجماع على أن الدم نجس، فأما الدم المسفوح من الذبيحة وقت الذبح فلا إشكال فيه، وأما ما يكون في العروق فهذا معفو عنه في اللحم.
فالدم الذي يصيب الشخص إذا كان دم حيض فلا شك في نجاسته، أما إذا كان غير دم الحيض فالأحوط الغسل، والتحديد بدرهم أو بأقل من درهم ليس عليه دليل، ولكن الشيء اليسير يعفى عنه، وهذا يرجع إلى العرف، وما زاد على ذلك يغسل.
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: قوله: (فقال بعض أهل العلم من التابعين إذا كان الدم مقدار الدرهم فلم يغسل وصلى فيه أعاد الصلاة) جاء فيه حديث أخرجه الدارقطني في سننه عن روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم).
، وفي لفظ: (إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم غسل الثوب، وأعيدت الصلاة)، قال البخاري: حديث باطل، وروح هذا منكر الحديث.
وقال ابن حبان: هذا حديث موضوع لا شك فيه، لم يقله رسول الله ﷺ ، ولكن اخترعه أهل الكوفة، وكان روح بن غطيف يروي الموضوعات عن الثقات، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وذكره -أيضاً- من حديث نوح بن أبي مريم عن يزيد الهاشمي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، وأغلظ في نوح بن أبي مريم، كذا في تخريج الزيعلي.
(وقال بعضهم: إذا كان الدم أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة، وهو قول سفيان وابن المبارك) وهو قول الحنفية.
وقال صاحب الهداية: قدر الدرهم وما دونه من النجاسة المغلظة -كالدم والبول والخمر وخرء الدجاج وبول الحمار- جازت الصلاة معه، وإن زاد لم يجز، قال لنا: إن القليل لم يمكن التحرز عنه، فيجعل معفواً، وقدرناه بقدر الدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء.
انتهى.
قال العيني في شرح البخاري: وأما تقدير أصحابنا القليل بقدر الدرهم فلما ذكره صاحب الأسرار عن علي وابن مسعود أنهما قدرا النجاسة بالدرهم، وكفى بهما حجة في الاقتداء.
وروي عن عمر -أيضاً- أنه قدره بظفره، وفي المحيط: وكان ظفره قريباً من كفنا، فدل على أن ما دون الدرهم لا يمنع.
انتهى.
قلت: لا بد للحنفية أن يثبتوا صحة آثار علي وابن مسعود وعمر ﵃ المذكورة، وبمجرد ذكر صاحب الأسرار هذه الآثار لا يصح الاستدلال بها، وإني قد فتشت كثيراً لكن لم أقف على أسانيدها ولا على مخرجيها، فالله تعالى أعلم كيف حالها.
وأما قول الحنفية: إن ظفر عمر كان قريباً من كفنا، فهذا ادعاء محض لم يثبت بدليل صحيح، نعم ثبت أنه ﵁ كان طويل القامة، قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه (التلقيح) ما لفظه: تسمية الطوال عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وقيس بن سعد وحبيب بن مسلمة وعلي بن عبد الله بن عباس.
انتهى، ومن المعلوم أن كون عمر من طوال الصحابة لا يستلزم أن يكون ظفره قريباً من كفنا.
وأما تقديرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء فيه -أيضاً- كلام لا يخفى على المتأمل).
هذا القول يحتاج إلى دليل، وقد ذكرنا أن تقدير اليسير يرجع إلى العرف، فدم الحيض لا شك في نجاسته، ويجب غسل قليله وكثيره.
стр. 207
ما جاء في كم تمكث النفساء
стр. 208
شرح حديث: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله أربعين يوماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في كم تمكث النفساء.
حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا شجاع بن الوليد أبو بدر عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مسة الأزدية عن أم سلمة قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً، فكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مسة الأزدية عن أم سلمة.
واسم أبي سهل: كثير بن زياد قال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمد هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل، وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، ويروى عن الحسن البصري أنه قال: إنها تدع الصلاة خمسين يوماً إذا لم تطهر.
ويروى عن عطاء بن أبي رباح والشعبي ستين يوماً].
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: (قوله: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل إلخ).
قال الحافظ في التلخيص: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم.
وأبو سهل وثقه البخاري وابن معين، وضعفه ابن حبان.
ومسة مجهولة الحال، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان: لا يعرف حالها، وأغرب ابن حبان فضعفه في كثير بن زياد ولم يصب.
وقال النووي: قول جماعة من مصنفي الفقهاء: إن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، وله شاهد أخرجه ابن ماجه من طريق سلام عن حميد عن أنس: (أن رسول الله ﷺ وقت للنفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك) قال: لم يروه عن حميد غير سلام وهو ضعيف، ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن أنس مرفوعاً.
وروى الحاكم من حديث الحسن عن عثمان بن أبي العاص قال: (وقت رسول الله ﷺ للنساء في نفاسهن أربعين يوماً)، وقال: صحيح إن سلم من أبي هلال.
قلت: وقد ضعفه الدارقطني، والحسن عن عثمان بن أبي العاص منقطع، والمشهور عن عثمان موقوف عليه.
انتهى ما في التلخيص.
وقد ذكر الحافظ حديث الباب في (بلوغ المرام) وقال: صححه الحاكم وأقر تصحيحه ولم ينكر عليه، وقد قال في (التقريب) في ترجمة مسة الأزدية: إنها مقبولة كما عرفت.
وقال صاحب (عون المعبود): وأجاب في (البدر المنير) عن القول بجهالة مسة فقال: ولا نسلم جهالة عينها، وجهالة حالها مرتفعة، فإنه روى عنها جماعة: كثير بن زياد والحكم بن عتيبة وزيد بن علي بن الحسين، ورواه محمد بن عبيد الله العزرمي عن الحسن عن مسة أيضاً، فهؤلاء رووا عنها، وقد أثنى على حديثها البخاري، وصحح الحاكم إسناده، فأقل أحواله أن يكون حسناً، انتهى.
هذا الحديث في سنده مسة، ومسة هذه فيها كلام من حيث الجهالة، لكنه قد روى عنها عدد فارتفعت جهالتها، ثم إن الحديث له شواهد، وهو معتمد عند أهل العلم في مكث النفساء أربعين يوماً، فهذا هو المعتمد عند الجماهير، وهو أنها تمكث أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر، أي: إذا انقطع الدم قبل الأربعين فإنه يلزمها أن تغتسل وتصوم وتصلي، ثم إذا عاد الدم في الأربعين فإنها تجلس ولا تعيد صيامها في الأيام التي مضت وقد رأت الطهر، وإذا تمت الأربعين فإنها تغتسل وتصوم وتصلي، وإن جاءها الدم بعد الأربعين فينظر، فإن كان وافق عادتها قبل النفاس؛ فإنها تجلس وقت عادتها، ويكون هذا حيض جاءها، وأما إذا لم يوافق العادة فإنها تغسل الدم، وتصوم وتصلي، هذا هو المعتمد الذي عليه الفتوى، والذي اعتمده بعض أهل العلم.
وقال بعض العلماء: إن أكثر مدة النفاس خمسون يوماً.
وقال بعضهم: ستون يوماً.
والصواب: أن أكثر مدة النفاس أربعون يوماً إذا لم تر الطهر قبل ذلك، وهذا الحديث هو العمدة، أعني حديث أم سلمة الذي فيه مسة، وهي مقبولة الحال، لكن الحديث له شواهد كما قلنا، وقال أحمد شاكر: وقد زعم ابن حزم في (المحلى) أن أكثر النفاس سبعة أيام فقط، وهذا من الغرائب، وقد قاس ذلك على أيام الحيض، وإن لم يعترف بأنه قياس، بل أغرب فزعم أن دم النفاس دم حيض، وهذا الذي قاله لم نجد مثله عن أحد من العلماء.
وهذا من أغرب الأقوال؛ فإن دم الحيض ليس سبعة أيام، وإنما غالبه سبعة أيام، لكنه قد يكون عشرة أيام إلى خمسة عشر يوماً.
стр. 209
باب ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد
стр. 210
شرح حديث: (كان يطوف على نسائه بغسل واحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل واحد.
قال: حدثنا بندار محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان عن معمر عن قتادة عن أنس: (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد).
قال: وفي الباب عن أبي رافع.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث صحيح: (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد)، وهو قول غير واحد من أهل العلم، منهم الحسن البصري، أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ.
وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان فقال: عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أنس وأبو عروة هو معمر بن راشد وأبو الخطاب: قتادة بن دعامة.
قال أبو عيسى: ورواه بعضهم عن محمد بن يوسف عن سفيان عن ابن أبي عروة عن أبي الخطاب، وهو خطأ، والصحيح عن أبي عروة].
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: حديث أنس حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري، كذا في المنتقى.
وقال في (النيل): الحديث أخرجه البخاري -أيضاً- من حديث قتادة عن أنس بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قال: قلت: لـ أنس بن مالك: أوكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين) ولم يذكر فيه الغسل.
انتهى].
يعني: قوة ثلاثين رجلاً، وهذا من خصائصه ﵊، فإنه مع قلة الطعام والشراب، ومع انشغاله أعطاه الله هذه القوة، وهي قوة ثلاثين رجلاً.
ثم قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: قوله: (وهو قول غير واحد من أهل العلم، منهم الحسن البصري، أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ) في كلام الترمذي هذا شيء، فإن حديث الباب لا يدل على هذا، بل يدل على أن لا بأس أن يعود قبل أن يغتسل، فتفكر، وأما مسألة العود قبل أن يتوضأ فتأتي في الباب الآتي).
فهذا الحديث - كما ذكر المؤلف - رواه الجماعة - أصحاب الكتب الستة -: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو دليل على أنه لا بأس بأن يطوف الرجل على نسائه بغسل واحد إذا كان هناك عدد من النساء، ولا يعتبر هذا من الجور، لكن عليه أن يتوضأ بعد كل جماع، ويكره في حقه أن يعود بدون وضوء، وكذلك إذا أراد أن ينام، كما جاء في الصحيح أن عمر ﵁ قال لرسول الله ﷺ : (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ)، يعني: لا بد من أن يتوضأ، وكذلك إذا أراد أن يأكل أو يشرب، وإذا كان يريد جماع زوجة أخرى فيتأكد الوضوء.
أما قول الحسن هذا فليس بشيء، فالصواب أنه لا بد من الوضوء بعد كل جماع، ومعلوم أن الإنسان يضعف بعد الجماع، لكن الأنبياء أعطاهم الله هذه القوة الكبيرة، وسليمان ﵊ -كما في الصحيح- دار على تسعين امرأة في ليلة واحدة، فقد ورد أنه قال: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة -وفي لفظ: على سبعين- فتلد كل واحدة غلاماً يجاهد في سبيل الله) فانظر إلى الهمة العالية (فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل - وفي لفظ: - فلم يقل ونسي)، وذلك لحكمة بالغة، (فطاف عليهن فلم تلد إلا واحدة أتت بشق إنسان، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال (إن شاء الله) لكان دركاً لحاجته، ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين)، أو كما قال ﵊.
والحديث رواه البخاري ومسلم، فهذه قوة عظيمة، فإنه دار على تسعين امرأة في ليلة واحدة؛ لأن الأنبياء لهم خصائص خصهم الله بها.
стр. 211
باب ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ
стр. 212
شرح حديث: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الجنب إذا أراد أن يعود توضأ.
حدثنا هناد حدثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً).
قال: وفي الباب عن عمر.
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح، وهو قول عمر بن الخطاب، وقال به غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا جامع الرجل امرأته ثم أراد أن يعود فليتوضأ قبل أن يعود، وأبو المتوكل اسمه علي بن داود، وأبو سعيد الخدري اسمه: سعد بن مالك بن سنان].
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: قوله: (فليتوضأ بينهما) أي: بين الإتيانين (وضوءاً) أي: كوضوء الصلاة، وحمله بعض أهل العلم على الوضوء اللغوي، وقال: المراد به غسل الفرج، ورد عليه ابن خزيمة بما رواه في هذا الحديث فقال: (فليتوضأ وضوءه للصلاة).
واختلف العلماء في الوضوء بينهما، فقال أبو يوسف: لا يستحب، وقال الجمهور يستحب.
وقال ابن حبيب المالكي وأهل الظاهر: يجب، واحتجوا بحديث الباب، وقال الجمهور: إن الأمر بالوضوء في هذا الحديث للاستحباب لا للوجوب، واستدلوا على ذلك بما رواه الطحاوي عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ).
واستدل ابن خزيمة على أن الأمر فيه بالوضوء للندب بما رواه في هذا الحديث فقال: (فإنه أنشط للعود)، فدل على أن الأمر للإرشاد أو الندب، وحديث الباب حجة على أبي يوسف.
والذي أراه أن القول بالوجوب قول قوي، مع أن الجمهور على أنه للاستحباب، لكن نقول بالوجوب لأن الأصل في الأوامر الوجوب.
стр. 213
ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء
стр. 214
شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء.
حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم قال: (أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه، وكان إمام قومه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء).
قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح، هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم.
وروى وهيب وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق، قالا: لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئاً من الغائط والبول، وقالا: إن دخل في الصلاة فوجد شيئاً من ذلك فلا ينصرف ما لم يشغله، وقال بعض أهل العلم: لا بأس أن يصلي وبه غائط أو بول ما لم يشغله ذلك عن الصلاة].
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: قوله: (هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ) كـ زهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث وغيرهم (عن هشام بن عروة عن أبيه) عن عبد الله بن الأرقم، فلم يزيدوا بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلاً.
(وروى وهيب وغيره) كـ أنس بن عياض وشعيب بن إسحاق (عن هشام بن عروة عن رجل عن عبد الله بن الأرقم) فزاد هؤلاء بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلاً.
ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى.
وقال: قوله: (حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح، وأخرج مالك وأبو داود والنسائي نحوه.
وعن الصحابي راوي الحديث قال ابن حجر في (الإصابة): عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري قال البخاري: عبد يغوث جده، وكان خال النبي ﷺ ، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ﷺ ولـ أبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر، وكان أميراً عنده، حدثت حفصة أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم، وقال السائب بن يزيد: ما رأيت أخشى لله منه.
وأخرج البغوي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وآله سلم استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك.
وعبد الله بن الأرقم هو شقيق زيد بن الأرقم.
قال صاحب كتاب (تحفة الأحوذي) ﵀: قال عروة: (فأخذ) أي: عبد الله بن الأرقم، (فقدمه) أي: فقدم الرجل ليؤم القوم، (وكان) أي: عبد الله بن الأرقم، (ووجد أحدكم الخلاء) أي: الحاجة إلى الخلاء.
وفي رواية الشافعي: (ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط)، (فليبدأ بالخلاء) وجاز له ترك الجماعة بهذا العذر، وفي رواية مالك: (إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة).
قوله: (وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة) أما حديث عائشة فأخرجه مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)).
أي: إذا كان يدافع الأخبثين - البول والغائط - فلا صلاة، قيل: لا صلاة كاملة، وقيل: لا صلاة صحيحة.
وعلى هذا فإذا صلى وهو يدافع الأخبثين فلا تصح صلاته على أحد الأقوال.
والقول الثاني: أنها صحيحة إذا لم تشغله مع الكراهة؛ لما فيه من التشويش، وكذلك إذا كانت حرارة الطعام فيه شديدة، وتتوق نفسه إليه، فلا بد من أن يأكل، وفي هاتين الحالتين هو معذور، فله ترك صلاة الجماعة.
قال الشارح: ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام عن عروة قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري فأقام الصلاة ثم قال: صلوا وذهب لحاجته، فلما رجع قال: (إن رسول الله ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط).
فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة بتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان، ذكره الزرقاني نقلاً عن ابن عبد البر.
إذاً: لا يدخل الشخص الصلاة وهو حاقن أو حاقب أو حاسر، والحاقن: مدافع البول، والحاقب: مدافع الغائط، والحاسر: مدافع الريح.
стр. 215
ما جاء في الوضوء من الموطئ
следующие страницы →