← Фикх общий

Фикх общий · id 36977

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (387 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكم صوم المسافر في رمضان عن غير رمضان [ولا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوم في رمضان عن غيره] فلا يصح في رمضان الصيام لقضاء نذر أو كفارة، فصوم رمضان يلزمك نية لصيام رمضان الذي أنت فيه، وعندما ينتهي رمضان اقض ما عليك، سواء كان عن قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، فإن صام أحدهما شيئاً من ذلك لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى له. فالمعنى: أن الإنسان إذا نوى من الليل أنه سيصوم قضاء للأيام التي أفطرها في السنة الماضية، فهو لم ينو صيام اليوم وإنما نوى صيام شيئاً آخر، فلا يصح أن يصوم في هذا اليوم غيره؛ لأن اليوم لا يستوعب إلا شيئاً واحداً، بخلاف وقت الصلاة فهو يستوعب صلوات كثيرة، فإذا جاء وقت صلاة الظهر فصلى فيه صلاة الظهر التي فاتته في اليوم السابق، ثم نوى صلاة الظهر لليوم الذي هو فيه أو ضاعت منه صلاة الصبح، فيصليها الآن في وقت صلاة الظهر، ويصح ذلك؛ لأن الوقت يستوعب صلوات كثيرة لكن وقت الصوم لا يستوعب إلا صوماً واحداً، والصائم يلزمه أمران: النية والإمساك، فهو ممسك ولكن النية ليست نية صحيحة، فقد نوى أن يصوم شيئاًً غير صيام رمضان، فلا تصح هذه النية، وعلى ذلك لا يصح هذا الصوم لا عن اليوم ولا عن الصوم الذي نواه.

стр. 107

حكم المسافر إذا قدم من سفره فوجد امرأته طهرت من الحيض فجامعها في رمضان [إذا قدم المسافر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس أو برئت من مرض وهي مفطرة فجامعها فليس عليه كفارة؛ لأنه مفطر بعذر] أي: كان مسافراً وقدم وهو مفطر، وامرأته كانت حائضاً وطهرت من حيضها، فلا يجب عليه الصوم وهي لا يجب عليها الصوم، فإذا اغتسلت فجامعها فلا شيء عليه ولا عليها إلا القضاء بالأصل؛ لأنه كان مفطراً في أول اليوم وهي كانت مفطرة بعذر.

стр. 108

حكم الحامل والمرضع [الحامل والمرضع إن خافتا من الصوم على أنفسهما أو على ولدهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض]. المرأة الحامل قد تخاف على نفسها وقد تخاف على جنينها، والمرضع قد تخاف على نفسها وقد تخاف على ولدها، فعلى ذلك يجوز لها أنها إذا خافت على نفسها أو على ولدها الإفطار، ويلزمها القضاء عند الجميع، واختلف العلماء في وجوب الفدية من عدم وجوبها، ففي حديث أنس بن مالك الكعبي أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) حديث حسنه الترمذي، وقال الألباني: حديث حسن صحيح، وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، أي: أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان. وراوي الحديث هو أنس بن مالك الكعبي وهذا ليس خادم رسول الله ﷺ ؛ لأن خادم النبي ﷺ اسمه أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي ﵁، فلو ذكر أنس بن مالك فقط، فسيكون خادم النبي ﷺ الخزرجي الأنصاري ﵁، ولكن لا بد من بيانه لأن الإطلاق ينصرف إلى أنس بن مالك ﵁ الصحابي الأنصاري خادم النبي ﷺ ، فحديث أنس الكعبي: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) الحامل: يطلق على المرأة الحامل الخائفة على نفسها أو الخائفة على ولدها، وهذا إطلاق، والتقييد يحتاج لدليل، والتقييد أن الحامل هي التي خافت على نفسها أو خافت على ولدها فيحتاج لدليل، وإذا وجدنا الدليل عملنا به، والمرضع مطلق فأي امرأة مرضع يجوز لها أن تفطر طالما أنها مرضع وأن هذه الرضاعة قد تؤثر عليها أو تؤثر على ولدها، فهذا الحديث فيه أن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم. يقول الترمذي: قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وهذا قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد. سفيان من أهل الكوفة، ومالك في المدينة، والشافعي في الحجاز مكي، وأحمد ﵀، فهؤلاء الأربعة أجمعوا على ذلك، يقول: [أكثر العلماء يقولون: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان. وقال بعضهم: الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحاق]، ولم يذكر قول أبي حنيفة فهو أوجب القضاء فقط وهو الراجح في هذه المسألة. قال البخاري في صحيحه: باب قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]. وقال الحسن وإبراهيم في المرضع أو الحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان. يذكر البخاري: باب قول الله تعالى:: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يكون مريضاً أو على سفر عليه عدة من أيام آخر. (وعلى الذين يطيقونه) أي: كبار السن ونحوه ممن لا يقدرون على الصوم إلا بمشقة شديدة تجهدهم، فعليهم فدية طعام مسكين، ولا صيام عليهم، والمسافر والمريض إذا أفطرا فعليهما الصيام. وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما. فكأنه يميل لهذا القول، أن المرضع سواء خافت على نفسها أو خافت على الجنين، والحامل سواء خافت على نفسها أو خافت على جنينها فإنهما تفطران ثم تقضيان فألحقهما بالمريض والمسافر. وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما عن كل يوم مسكين، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) الحديث رواه الإمام أبو داود ولكن اخترنا رواية البيهقي؛ لأنها طويلة وصحيحة، ورواية أبي داود صحيحة ولكنها مختصرة اختصاراً موهماً، ذكر ذلك الشيخ الألباني ﵀ وقال: إنها مختصرة اختصاراً مخلاً، وسنرى الفرق بين الروايتين، فرواية البيهقي عن ابن عباس: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكين ولا قضاء عليهما)، وهذا أول ما فرض الصيام، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فإذا كانا يقدران على الصيام لهما أن يصوما ولهما أن يفطرا، وإذا أفطر فإنه يطعم مسكيناً ولا يقضي بعد ذلك ولا شيء عليه. (ثم نسخ ذلك بهذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم عليهما الإطعام)، فالصوم يحتاج لمجهود شديد منهما وهما لا يطيقانه فلهما الإفطار وعليهما الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم. (والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) فهو يقول: أن الحبلى والمرضع تلحقان بالشيخ والشيخة إذا خافتا، ولم يقيد الخوف فيكون الخوف على الإطلاق، الخوف على النفس أو الخوف على الصبي أو الجنين. (أفطرتا وأطعمتا)، وهذا قول مطلق حتى إذا كانتا قادرتين على الصيام بعد ذلك، وهذا قول ابن عباس ومذهبه ﵁، وهو يرى أنه إذا أفطرت المرضع أو الحامل فعليها أن تطعم كل يوم مسكيناً، وكذلك ابن عمر قال ذلك، وإن كان الراجح في ذلك أن نفرق بين من أفطرت بسبب الرضاعة أو بسبب الحمل وتقدر على الصيام فبعد ذلك يلزمها؛ لأن حكمها حكم المريض، والمريض يلزمه أن يصوم قضاء، أو أنها لا تقدر لا على الصيام ولا تقدر بعد ذلك على القضاء بسبب الحمل والرضاعة المتكرر، فعلى ذلك تفطر وتطعم ولا شيء عليها أكثر من ذلك كما سيأتي. ولفظ الإمام أبي داود عن ابن عباس: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما). فنلاحظ هنا أنه قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما)، ولم يذكر أنه بعد ذلك نسخ هذا الشيء، فكأن هذا الأمر باقٍ، بخلاف لفظ البيهقي فقد ذكر وزاد رواية ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فمن شهد منكم الشهر فليصمه وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان، لذلك ذكرنا أن لفظ البيهقي أوضح في هذه المسألة، ولفظ الإمام أبي داود أخصر، والاختصار يوهم أن الحكم القديم معمولٌ به. وروى الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً) أي: ومن يحتج بقول ابن عباس من الأئمة رضوان الله عليهم يقول: ابن عباس قال: تطعمان والآية تقول: إنهما تقضيان، فنجمع بين القضاء مع الإطعام. لكن ابن عباس هنا نص على أنهما تفطران وتطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا تقضيان صوماً. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه رأى أم ولد له حاملاً، وأم الولد هي أمة كان يملكها ابن عباس واستولدها فصارت أم ولد له، وجدها حاملاً أو مرضعاً، قال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، فعليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك، وفي رواية أن هذا إذا خافت على نفسها، ورواه الدارقطني بلفظ: أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء وليس عليك القضاء. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن عمر قالا: الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي. وعن ابن عمر أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي. وعن نافع قال: كانت بنت لـ ابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً. فهذه الآثار عن ابن عباس وعن ابن عمر فيها أنه لم يفرق بين إذا خافت على النفس أو خافت على الولد. إذاً: الحامل والمرضع تفطران فإذا قدرتا على القضاء يلزمهما ذلك، فليسا بأولى من الإنسان المريض والمسافر، فالمرأة الحامل بعد أن تضع وهي ترضع تقدر على الصيام فيلزمها قضاء رمضان، وكذلك المرأة المرضع إذا كانت في رمضان والصيام يمنع اللبن أن ينزل وستتعب تعباً شديداً بسبب ذلك، ج

стр. 109

تلخيص مذاهب العلماء في حكم الحامل والمرضع في الصيام والفطر لخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الحامل والمرضع في كتابه المجموع على أربع مذاهب: المذهب الأول: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وهذا ذكرناه عن ابن عمر وعن ابن عباس وأيضاً سعيد بن جبير فيه، وهو أن المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها أو تخاف على الجنين إذا خافتا فأفطرتا فعليهما الإفطار والفدية، فتفدي عن كل يوم بإطعام مسكين، وليس عليها القضاء، وهذا هو القول الأول. المذهب الثاني وهو قول الإمام مالك: يفرق بين الحامل والمرضع، فالحامل تفطر وبعد ذلك عليها القضاء، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، فعلى المرضع كلا الأمرين. المذهب الثالث: قول مجاهد والشافعي وأحمد يفرقون بين أن تخاف المرأة الحامل أو المرضع على النفس أو تخاف على الولد، فإذا خافت على نفسها عليها أن تفطر ثم بعد ذلك تقضي ولا فدية، وإذا خافت على الجنين أو على الولد، فتفطر وعليها القضاء مع الفدية. المذهب الرابع: قول عطاء بن أبي رباح والحسن والزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي -يعني: الأحناف-: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية وحكمهما كالمريض وبه قال ابن المنذر، وهو أوجه الأقوال وأقواها، لكون المرأة الحامل أو المرضع مشبهة بالمريض، والمريض يلزمه أن يقضي، فهذه يلزمها القضاء، فإذا تعذر عليها القضاء، لها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمها القضاء، فإذا احتاطت المرأة بذلك وأخذت بقول الشافعي وأحمد ومن قبلهما مجاهد أنها إذا خافت على الجنين أو على الطفل أفطرت ثم قضت وأطعمت فهذا طيب؛ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]، فيكون من باب التطوع أما أنه واجب، فالراجح أنه لا يجب إلا الصوم، وإذا تعذر ذلك فتطعم مكانه كل يوم مسكيناً.

стр. 110

وجوب صيام رمضان برؤية الهلال لا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غمي عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وفي لفظ مسلم: (فإن غمي عليكم فأكملوا العدد). إذاً: إذا لم يظهر الهلال نتم شعبان، فإذا كنا في شهر شعبان ولم يظهر رمضان فنكمل شعبان ثلاثين يوماً، ولذلك جاء في رواية أخرى: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)، فالألفاظ: (غم)، (غبي)، (غمي)، كلها بمعنى واحد وهو عدم ظهور الهلال لسبب من الأسباب. وجاء في السنن عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فلا تصم قبل رمضان احتياطاً. والذي ليس متعوداً على أن يصوم في شعبان ولا في غير شعبان ويأتي ليصوم يوم الشك، ويقول: سوف أصوم هذا اليوم فربما يكون من رمضان فهذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: لا تصم احتياطاً لرمضان ولكن إذا ثبتت الرؤيا فصم، (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، وهذا الحديث فيه (فإن حالت دونه غياية -يعني: سحابة- فأكملوا ثلاثين يوماً) يعني: ليس مطلوباً أن نبحث ونفتش وراء السحاب عن الهلال، فإذا ظهر الهلال ثبت الشهر، وإذا لم يظهر الهلال فعلى ذلك (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته). وفي رواية للنسائي قال ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها -أي تعبدوا-، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) فيكون الأصل في الرؤيا أن يشهد شاهدان، وهذا في رؤية هلال رمضان أو في غيره، وسيأتي أنه في رمضان يجوز الشاهد الواحد؛ لفعل ابن عمر وأخذ النبي ﷺ بشهادته وحده رضي الله ﵎ عنه. وقوله: (صوموا لرؤيته) هذا يحتمل أن يكون ليلاً أو نهاراً، فإذا كان بالليل فيكون الصوم باليوم الذي يليه، وإذا كان بالنهار فيكون باليوم الذي يليه أيضاً. قال جمهور العلماء في قول النبي ﷺ : (فإن غم عليكم، فاقدروا له) المعنى: احسبوا أول الشهر والرواية الأخرى توضحها (فأتموا عدة شعبان ثلاثين، واحتاطوا لشهر شعبان من أوله)؛ لأنك ستبني صيام رمضان عليه إذا لم تر الهلال، فمعنى (اقدروا له) أي: انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين لقوله ﷺ : (فأكملوا العدة ثلاثين). وروى أبو داود من حديث عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان)، والمعنى أنه كان يهتم برؤية هلال أول شعبان؛ لأنه سيبني عليه رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين. (فإن غم عليه عد ثلاثين) أي: عد ثلاثين من شعبان ثم صام ﷺ .

стр. 111

النهي عن صيام يوم الشك روى النسائي عن سماك قال: (دخلت على عكرمة في يوم قد أشكل هل هو من رمضان أو من شعبان وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم). سماك يقول: (دخلت على عكرمة) وهو شيخه. (في يوم قد أشكل) أي: يوم الشك. قال: (وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم) أي: تعال كل. (فقلت: إني صائم) وكأن سماكاً قد احتاط فصام هذا اليوم فلعله يكون رمضان. (فقال: وحلف بالله لتفطرن) أي: فأقسم عليه أن أفطر. قال: (قلت: سبحان الله! مرتين، فلما رأيته يحلف لا يستثني) لا يستثني أي: لا يقول: إن شاء الله، أي: لم يقل له: والله! إن شاء الله افطر، ولكن قال: والله لتفطرن، أقسم عليه. قال: (تقدمت، فقلت: هات الآن ما عندك) أي: بعدما أكلت سألته: لماذا حلفت علي؟! قال: (سمعت ابن عباس ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حاله بينكم وبينه سحابة أو ظلمة فأكملوا عدة شعبان). إذاً: إذا لم تروا الهلال فأكملوا عدة شعبان. (ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً) أي: لا تقدموا قبل الشهر، وتقولوا: سوف نصوم يوماً قبله احتياطاً، وحين يأتي العيد تقولون: نصوم يوماً احتياطياً فتجعلون رمضان اثنين وثلاثين يوماً أو واحداً وثلاثين يوماً، ولكن لا تحتاط قبله ولا بعده. قال: (ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان). إذاً: على ذلك الشهر ينفصل عن غيره من الشهور. يقول ابن المنذر في كتاب الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجوز بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته. وقال الحافظ ابن حجر: هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، أي: الذي يعمل بالحساب أو بغير الحساب يكره عليه صيام هذا اليوم طالما أنه لم ير الهلال. فمن فرق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله. والمقصود أنه ليس هناك فرق بين من يحسب وبين من لا يحسب، والحساب في الماضي كان حساباً ظنياً أما إذا كان الحساب مبنياً على المراصد وعلى تصوير الهلال في ليالي الهلال، وأنه في يوم كذا سوف يكون في مكان كذا، وغداً سيكون في مكان كذا، وإذا كان الاعتماد على هذه الآلات الدقيقة ففي هذه الحالة لن يصلح الهلال أن يكون أمارة لتصديق الشاهد أو لتكذيب الشاهد، فعلى ذلك لا يصح الاعتماد على الرؤية الفلكية أو الحساب الفلكي ولكن الأصل هي الرؤية البصرية فإذا جاء إنسان وقال: رأيت الهلال، والحساب والمراصد تقول: إنه يستحيل أن يرى، فعلى ذلك يقال: هذا الإنسان لم ير، فعلى هذا يصلح الحساب الفلكي من المراصد ونحوها لنفي قول صحة الشاهد، وربما أنه قد يكون رأى شيئاً آخر ولم ينتبه وكان على عينه شيء، وسوف نبين هذا الكلام. والحساب موجود في الماضي، فقد كان الناس يحسبون الشهور، وعلى عدد الأيام يوقتون لشهر رمضان، يقول الحافظ ابن حجر: لا يعتمد على مثل هذا الحساب. فإذا كان الحساب وصل إلى أمر قطعي وأنه معتمد على مراصد وغيرها فعلى ذلك نقول: الأصل الرؤية كما قال النبي ﷺ ولكن هذا الحساب يصلح لتصديق شهادة الشاهد أو ردها. قال ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا) يعني: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. قال ابن حجر: المراد بالحساب المنفي هنا حساب النجوم وتسييرها فلم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، أي أن الصحابة لم يكونوا يعرفون حساب النجوم ولا الحساب الفلكي، فلا يقيد الأمر بشيء لا يعرفونه. يقول ابن حجر الهيتمي: وقع تردد فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية وأنه مستحيل أن يرى الهلال هذه الليلة، فكيف رآه هذا الإنسان؟! يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي: والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة وإلا فلا.

стр. 112

وقت بداية رؤية الهلال العلماء يقولون: إن الرؤية تبدأ وقت غروب الشمس وذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، حيث يتوجه النظر إلى نقطة غروب الشمس؛ لأن الذي سيبحث عن الهلال لن يبحث عنه في السماء كلها، ولكن عندما تغرب الشمس فإنه سينظر في المكان الذي غربت منه الشمس لكي يرى الهلال هل هو موجود بعد الغروب أو غير موجود. وعلماء الفلك يقومون بتحديد مركز وهمي عند نقطة الغروب بمساحة خمس درجات فلكية يميناً وشمالاً، ويحسب ثمان درجات لأعلى وثمان درجات لأسفل، ولا تزيد فترة الرؤيا على نصف ساعة بعد الغروب، فيكون مع التحرز والرصد أصبح يقيناً عندهم أن الرؤية لهذا الهلال الذي هو لليوم الثاني إلا في خلال نصف ساعة بعد غروب الشمس، فإذا لم يظهر الهلال خلال نصف ساعة بعد الغروب يتم استكمال الشهر ثلاثين.

стр. 113

حالات رؤية الهلال تنقسم رؤية الهلال إلى حالات منها: غروب القمر يوم التاسع والعشرين قبل غروب الشمس، فالمقصود أن الشمس تغرب والأرض تغرب، وكما نعلم أن الأرض تدور والقمر يدور حول الأرض، ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، فالأرض تدور في مدار الشمس فعلى ذلك فإن القمر يدور حول الأرض، وعندما يأتي القمر بين الأرض وبين الشمس ستكون أشعة الشمس على جزء من القمر وهو الذي يراه الإنسان بحسب حركة القمر مع الشمس، فإذا تحرك فوقها فإنه يظهر على شكل حرف نون، وإذا تحرك وانزاح بجوارها فإنه يظهر على شكل حرف راء، فهنا يقولون لنا: إذا كان غروب القمر ليلة تسع وعشرين قبل غروب الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن رؤية أي جزء من القمر بعد الغروب وذلك يعني استكمال الشهر، وحساب المراصد يقول: إن القمر سيغرب هذه الليلة فسوف يغرب هذا النهار الساعة الرابعة والنصف، قبل غروب الشمس وإذا كان القمر على ذلك وجاء واحد وقال: أنا رأيت الهلال هذا النهار، نقول له: أنت كاذب فليس هذا من الممكن. فهذا مبني على أشياء يقينية عندهم، فالأمر ليس له علاقة بالحساب، وإنما من خلال الدراسة لسنين طويلة وصلوا إلى هذا الشيء مستعينين بالرصد والتصوير والكمبيوتر وغير ذلك بحيث يقول لك متى سيغرب الهلال هذه الليلة، فإذا غرب الهلال قبل الشمس، فعلى ذلك مستحيل أن يرى الهلال ويكون غداً المتمم لشهر شعبان. إذاً: الأصل يكون الاعتماد على الرؤية البصرية والمراصد تصدق هذا أو ترد شهادته. حالة أخرى: وهي ظهور الهلال بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين بفترة، وهذه مسألة حسابية، فمثلاً يقال: هذه الليلة ستغرب الشمس الساعة السادسة، والقمر من المفروض أن يغرب بعد الشمس بعدة ساعات، فمن المستحيل هنا أن يرى القمر؛ لأنه لا يرى إلا بعد ثمان ساعات من ميلاده. فلو جاء إنسان في هذه الليلة وقال: أنا رأيته، فنقول له: يستحيل أن تراه، لأن فترة ولادته كان محجوباً بالشمس فليس من الممكن أن يرى، وعلى هذا فإن المراصد والحساب الفلكي هي أمارة على نفي ما أثبته الشاهد، لكن إذا جاء الشاهد وقال: أنا رأيته، والحساب يثبت أنه فعلاً يمكن أن يرى في هذه الليلة، فعلى ذلك يكون العمل على رؤية الهلال. أما مفهوم ولادة القمر أو الهلال فنقول: إن القمر أثناء دورانه حول الأرض يمر بوضعية ينطبق فيها ظاهرياً على الشمس، فإذا كان ينطبق ظاهرياً على الشمس فهذا يوافق المحاق، والمحاق هي الليالي التي لا يرى فيها القمر، فيكون منطبقاً على الشمس ويقع بينها وبين الأرض، فإذا انطبق في وقت الليل أمام الشمس فالشمس تجعله لا يظهر، وفي هذه الحالة يكون المحاق الذي يكون في آخر الشهر، فإذا علا التمر قليلاً عن الشمس، يكون الجزء الأسفل من القمر هو الذي يرى، وشعاع الشمس يسقط عليه فيظهر على شكل حرف نون، وهذا هو الهلال، لكن هذا لا يحدث إلا نادراً وذلك عندما تقع الأرض والقمر على استقامة واحدة والتي هي في حالة كسوف الشمس. أما في الحالة العامة فيكون القمر منزاحاً إلى أحد جانبي الشمس، فيكون إما يميناً وإما يساراً فيظهر على شكل حرف الراء، فإذا صار القمر أثناء دورانه على خط أفقي واحد مع الشمس فيكون في المحاق. [بيد أن العين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات]، فميلاد القمر معناه انزياح القمر عن الشمس في نظر الرائي، وفي هذه الحالة يكون القمر بين الشمس وبين الأرض، أما إذا انزاح عن الشمس يميناً أو إلى أعلى فهنا يقال: ولد، ووقت ميلاد القمر لا يرى القمر فالشمس تمنعك من رؤيته، وضوء الشمس العادي يمنع من ذلك، فإذا انزاح وبعد عن الشمس فيمكن أن تراه، ففي هذا الوقت يمكنك أن تراه بعد ميلاده بثمان ساعات، والعين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات؛ وذلك لشدة قربه من الشمس وتأثير ضوئها على وضوحه، ورؤية القمر لا تتم إلا إذا كان عمره قبل الغروب ثمان ساعات أو أكثر.

стр. 114

اختلاف العلماء في حكم رؤية الهلال في بلد دون بلد آخر ظهور الهلال يكون برؤية شاهد أو شاهدين له، فإذا قبل القاضي أو مفتي البلد شهادتهما فعندها يصوم الناس، والآن يعتمدون في رؤية الهلال على المراصد، فعلى ذلك يقول النبي ﷺ : (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون) فالصوم يكون مع الجماعة. فإذا رؤي الهلال في بلد من البلدان وقرر مفتي البلد بأن هذه الرؤية رؤية صحيحة وألزم الناس بها فالراجح أنه يلزم الجميع أن يصوموا، وإذا كان هذا البلد يأخذ بتقرير المرصد فعلى ذلك يكون صيامنا مع أهل بلدنا، فالذي يلزم المفتي شرعاً أنه إذا تأكد من رؤية الهلال في منطقة يجتمع فيها مجموعة من البلدان في ليل واحد يلزمه أن يأخذ بهذه الرؤية، وأن يأمر الناس بالصيام، فعلى ذلك هذا الأمر أو الحكم متعلق بمن يفتي للناس، أما التأكد من أن الشاهد رأى أم لم ير فهذه ليست من اختصاصنا وليست من اختصاص آحاد الناس، وإنما اختصاص القاضي أو المفتي في هذا المكان، فالذي يلزمنا أننا نصوم مع الناس ونفطر مع الناس لحديث النبي ﷺ : (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) فيكون صيام كل المسلمين معاً وإفطار كل المسلمين معاً أو على الأقل أهل البلد الواحد، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، والجمهور على أنه إذا ظهر الهلال في بلد يلزم باقي البلدان أن يصوموا طالما أنهم صدقوا رؤية هذا الرائي. وذهب الشافعية إلى أنه لا يلزم أهل بلد رؤية بلد أخرى، وإنما يلزمهم رؤية بلدهم فقط، لما جاء عن ابن عباس ﵄ في هذا المعنى، يقول كريب فيما رواه مسلم: (أن أم الفضل بنت الحارث التي هي أم ابن عباس ﵄ بعثت كريباً إلى معاوية في الشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة) أي: يوم الخميس المغرب رأوا الهلال وكريب رأى الهلال مع من رآه. قال: (ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ﵄ ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته، فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فـ ابن عباس اجتهد في هذه المسألة على ما قاله النبي ﷺ ، ولكن لم يذكر ابن عباس ما الذي قاله النبي ﷺ ، والواضح أن ابن عباس كان عمره في آخر حياة النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، وليس من الممكن أن يسمع ما لم يسمعه غيره خاصة في هذا، ولعله أخذ بقول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فقال: هذا ما قاله النبي ﷺ ، فنزله كفتوى منه في هذا الشيء، ولعله قصد أنه قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين يوماً) فجعله محمولاً على رؤية أهل البلد، فلذلك قال: نصوم على رؤية المدينة ونفطر على رؤية المدينة ولا يلزمنا ما رآه معاوية، حتى وإن كان كريب الذي يحدث ابن عباس قد رآه رضي لله عنهما، وقد أخذ بذلك الشافعية وقالوا: إنه يلزمنا رؤية البلد التي نحن فيها. يقول ابن تيمية في هذه المسألة: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا، يعني: مطلع الهلال على مجموعة من البلدان بامتداد الأفق قد يتفق وقد لا يتفق، فيمكن أن تراه هذه المجموعة كلها وقد يراه بعضها ولا يراه البعض الآخر، فإذا قلنا: إنه خلال نصف ساعة يظهر الهلال في هذا المكان والأرض تدور خلال هذه الفترة فيكون في هذا الوقت يظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، ويظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، وبهذا يطلع الهلال على مجموعة من البلاد في هذه الليلة. وعلى ذلك نقول: إذا طلع الهلال في بلد هنا الساعة الخامسة والربع، وفي الآخر الساعة الخامسة وستة عشر دقيقة، وفي الآخر الساعة الخامسة وثمانية عشر دقيقة، فنقول: اتفقت المطالع هنا. قال: فإذا اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا. وهذا قول الشافعية وقول في مذهب أحمد. وقال في مجموع الفتاوى: (مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها فيها اضطراب) يعني: أنه إذا ظهر في بلد فإنه يلزم الكرة الأرضية كلها الصيام، قال: هذا فيه اضطراب. قال: (فإنه قد حكى ابن عبد البر أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر) يعني: إذا رؤي في الليل وفي المكان الآخر ما زال الوقت نهاراً، فلا يلزم الآخرين هذه الرؤية ولن يصوموا معهم في هذا اليوم، هذا كلامه. ثم قال: (فالصواب في هذا ما دل عليه قوله ﷺ : (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون) فإن شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم، والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد) هذا اختياره، يريد أن يقول: إن كريباً على مسافة كبيرة عن المدينة لما كان بالشام فهذه الرؤية التي رآها لن تفيدهم الآن، لكن الرؤية التي تكون في مكان بحيث تبلغ للبلدان الأخرى ويتفقون في مطلع واحد، فعلى ذلك يلزم أنهم يأخذون بذلك، فالمسألة مختلف فيها على أقوال للعلماء، فالجمهور على أن الرؤية في بلد تتفق في المطلع مع بلد أخرى أو مع بلدان أخرى إذا وثق فيها يلزم الصيام ويلزم الإفطار. فقول الشافعية: إن كل بلد إذا رأت الهلال يلزمها أن تصوم، وإذا لم تر الهلال فلا يلزمها الصيام برؤية غيرها إذا كانت بعيدة عنها، فعلى ذلك الراجح فيها: إذا أقر مفتي البلد بالرؤية فنصوم مع الناس ولا يكون البعض صائماً، والبعض مفطراً. ويقول في آخر بحثه ﵀: فتلخص أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك، ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع. الآن في البلدان لا يتركون لآحاد الأفراد أن يقول: رأيت الهلال فيلزمنا الصوم، وإنما يقومون بأخذ الإنسان الذي رآه وينظرون هل كلامه صواب أو غير صواب بناء على ما يحسبونه في هذه البلدة، هل يمكن أن يرى الهلال أو غير ممكن.

стр. 115

نقصان الشهر لا يلزم منه نقصان الأجر سواء في رمضان أو ذي الحجة أجر الصائم تام عند الله سواء كان الشهر ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين لقول النبي ﷺ : (شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة) حديث متفق عليه من حديث أبي بكرة ﵁، فسواء نقص العدد أم لم ينقص العدد يكون الأجر كاملاً. قال ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً) سواء كان رمضان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً (غفر له ما تقدم من ذنبه). كذلك قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر) فالسنة ثلاثمائة وستون يوماً، فيكون رمضان ثلاثين ومعها ست من شوال والحسنة بعشر أمثالها، فيكون إجمالي ذلك ثلاثمائة وستين يوماً، ولو كان رمضان تسعاً وعشرين، فلا تحتسب بطريقة الحسنة بعشر أمثالها، بل أجر رمضان كامل والله يغفر فيه الذنوب، سواء كان ثلاثين أو تسعاً وعشرين. قال: (شهرا عيد لا ينقصان)، فالأول هو شهر رمضان، لكن ما الذي سينقص في الشهر الآخر وهو ذو الحجة؟ أول هذا الشهر أيام العمل الصالح، وسواء كانت رؤية الهلال صحيحة، أو أنهم أخطئوا فيها فكان دخول الهلال قبل أو بعد، فعلى ذلك لا نقول: لو أنهم أخطئوا فينبغي أن نحتاط ونجعل الأيام أحد عشر يوماً، بل هي العشرة الأيام في شهر ذي الحجة سواء كانت الرؤية صواباً أو خطأً فلك الأجر فيها، وأنه ما من أيام عند الله أعظم من هذه الأيام العشر، وهي من أول شهر ذي الحجة، والعبادة فيها أفضل عند الله من غيرها من الأشهر كما عرفنا في حديث النبي ﷺ ، فعلى ذلك سواء أخطئوا في رؤية الهلال أو أصابوا فيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه المسلمون على عرفة، ولهم الأجر التام على ذلك، لقول النبي ﷺ : (شهرا عيد لا ينقصان). فإن أصبحوا يوم الثلاثين من شعبان وقد أفطروا وهم يظنون أنه من شعبان ثم تبين: أنه من رمضان فإنه يلزمهم قضاء صومه مع الإمساك بقية ذلك.

стр. 116

حكم النية المترددة لمن لم يتبين له دخول رمضان من ليلته إن بات المرء ليلة الثلاثين من شعبان وهو ينوي الصيام إن كان يوم غد من رمضان نفعته نيته إن تبين أنه من رمضان ولم يكن قد أكل وهذا الراجح. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (تصح النية المترددة) وهذا غاية ما يقدر عليه الإنسان، وهي أيضاً إحدى الروايات عن أحمد ﵀. والمعنى: لو كانت الليلة ليلة الثلاثين من شعبان وأردت أن تنام ولم تظهر الرؤية ويمكن أن تظهر بعد قليل، فلك أن تنوي أنه إذا كان يوم غد من رمضان فإنك صائم، فهذه النية تجزئ الإنسان، إذا ظهر أنه المتمم لشعبان فلا بد له أن يفطر. وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت: (أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم) وهذا دليل على أن صوم عاشوراء كان واجباً في العام الثاني من الهجرة، ثم نسخ وجوبه بعد ذلك لتشريع رمضان في هذا العام، فالنبي ﷺ أمرهم أن الذي أصبح صائماً على أنه صوم تطوع فليتم، لأنه أخبرهم بالنهار، فقال لهم: الذي أصبح صائماً فليمسك وينوي الآن من النهار أنه صائم، طالما أنه لم يأكل، (من أصبح مفطراً فليمسك بقية يومه)، فعلى ذلك من كان بالليل ولم يدر هل يوم غد هو من رمضان أو هو المتمم لشعبان فله أن ينوي: إذا كان يوم غد من رمضان فإني صائم، ويصح منه الصوم على ذلك. وإن رأى الناس الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، فقد جاء في حديث شقيق بن سلمة قال: (أتانا كتاب عمر ﵁ ونحن بخانقين -اسم مكان في العراق قريب من بغداد - أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس) المعنى: أنه إذا رؤي الهلال بالنهار فهو لليوم المقبل وليس لليوم الذي هو فيه.

стр. 117

حكم من سافر إلى بلد واختلف مع أهله في عدة أيام رمضان زيادة أو نقصاً لو شرع المرء في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول فاستكمل ثلاثين من حين صام، فالراجح أنه يفطر سراً) يعني: إنسان صام في هذا البلد وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول، فهو صام في البلد الأول بناء على رؤية الهلال، وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى ووصل في صيامه لليوم الثلاثين، وأهل هذه البلد الأخرى صاموا بعده بيوم، وسوف يكملون الصيام لعدم رؤية هلال شوال، فالراجح فيه أن هذا قد أكمل ثلاثين يوماً، فلا نقول له: صم واحداً وثلاثين يوماً؛ لأنه صام بناءً على رؤية شرعية في أول الشهر حتى أكمل الثلاثين، فله أن يفطر ولكن سراً ولا يجهر بالإفطار، قال النبي ﷺ : (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا) فهذا أكمل ثلاثين فلا يلزمه أكثر من ذلك. ولو سافر من بلد لم يروا فيه الهلال فأكملوا شعبان حتى رأوا الهلال فيكون صيامه أقل منهم بيوم، فلو كان عندهم رمضان تسعة وعشرين يوماً فسيكون عنده ثمانية وعشرين يوماً فيلزمه أن يفطر طالما أنهم رأوا الهلال ويقضي يوماً مكانه. ولو رأى الهلال في بلد وأصبح معيداً معهم ثم ركب طيارة وسافر إلى بلد آخر وكانوا ما زالوا صائمين فلا شيء عليه؛ لأنه أفطر إفطاراً صحيحاً بناءً على رؤية الهلال، فالآن يكمل إفطاره ولا شيء عليه.

стр. 118

ثبوت دخول رمضان بشهادة عدل واحد واشتراط الشاهدين فيما سوى ذلك تثبت رؤية هلال رمضان بشهادة عدل واحد من المسلمين، فقد جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود وهو حديث صحيح: (رأى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه) فدل ذلك على أن النبي ﷺ قبل شهادة الواحد في دخول رمضان، وقد قال النبي ﷺ : (إن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) ومن هذين الحديثين نفهم أنه في كل الشهور لا بد من شهادة اثنين إلا في أول رمضان فإنه يكفي شاهد واحد، ولا بد أن يكون عدلاً، أما الكافر أو الفاسق أو المغفل أو كثير الخطأ والذي لا ينتبه للفرق بين شيء وشيء، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم، ويشترط العدالة الظاهرة فيمن نقبله في رؤية الهلال ولا نبحث عن باطنه. ومن رأى هلال رمضان وحده مثل أهل البادية فيلزمه الصوم؛ لأنه رأى وتيقن، وشهادة الواحد تقبل في إثبات أول رمضان.

стр. 119

استحباب الدعاء عند رؤية الهلال إذا رؤي الهلال فيستحب عند رؤيته الدعاء، فقد كان النبي ﷺ إذا رآه يدعو ويقول: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله) وهذا الحديث رواه الترمذي، ورواه أحمد بنفس اللفظ، ورواه الدارمي بلفظ: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)، فهلال رمضان لو أن أحداً رآه وحده له أن يصوم، لكن هلال شوال لو رآه الواحد وحده فلا يفطر؛ لأن النبي ﷺ قيد الإفطار بشهادة رجلين، ولذلك جاء في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدثوني: (أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا له، فإن غم عليكم فأكملوا الثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا). فقلنا: في أول رمضان أجاز شهادة الواحد لكن في آخر رمضان لا يثبت خروجه إلا بشهادة الاثنين، وعلى ذلك فلو رآه واحد وحده فلا يصح أن يفطر.

стр. 120

حكم صيام الأسير الذي لا يتبين له وقت دخول شهر الصوم لو أن إنساناً كان أسيراً محبوساً في سجن، فإن اشتبهت الشهور عليه لزمه أن يتحرى ويصوم، لأن المسلم حين يكون في سجون الكفار فالغالب أنهم لا يخبرونه بدخول الليل أو النهار أو الأيام والشهور، فإذا كان الإنسان في هذه الحالة فإنه يتحرى، ويحسب بقدر المستطاع بحيث إنه يصوم رمضان، فإذا تبين له بعد ذلك أنه صام رمضان أو ما بعده أجزأه، وإن تبين أنه صام ما قبله لم يجزئه، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 121

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الفطر في رمضان ومن لا يرخص له فيه وأحكام الكفارة يجب على المسلم أن يعرف أحكام العبادات التي يتعبد بها ويتقرب بها إلى ربه ، حتى تكون هذه العبادات صحيحة فيقبلها رب العالمين، ومن أهم العبادات فريضة الصيام فهي الركن الرابع من أركان الإسلام، ومع أهمية الصيام ومكانته في دين الله، فإنك تجد كثيراً من الناس يجهل بعض أحكامه، فيجب علينا أن نتنبه لهذا الأمر.

стр. 122

مسائل في الصيام

стр. 123

حكم من أفطر ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فإن الصائم إذا أفطر ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فإن صومه صحيح، وعليه أن يكمل صومه ذلك، والدليل على ذلك في النسيان قول النبي ﷺ : (إذا نسي الصائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، وكذلك ما جاء في سنن ابن ماجة أنه ﷺ قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أخطأ الإنسان فأكل، أو نسي فأكل، أو أكره على ذلك فأكل مكرهاً، فإنه مجرد ما يرجع إلى حالته الأولى يلزمه أن يمسك ويتم صومه. فإذا كان جاهلاً بالصيام، وهذا لا يتصور في إنسان يعيش في بلد إسلامي، ولكن في بلاد الكفر قد يتُصور ذلك، فقد يصوم كما يصوم أهل الكتاب، فهذا جاهل، فلا يجب عليه إلا أن يمسك، والأحوط له أن يعيد ما أفطره، لكن إن لم يعد فلا شيء عليه؛ لأنه جاهل. كذلك المكره، ففي الحديث قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا أكره إنسان من قبل قوم بأن جعلوا بداخل فمه ماء أو طعاماً أو أدخلوه في الماء بحيث أنه يضطر أن يشرب من هذا الماء، فهذا كله لا يبطل صومه، بل ويكمله بعد ذلك إن استطاع. أيضاً النبي ﷺ ذكر أن من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وذرعه أي: غلبه القيء، فهذا إكراه من نفسه؛ لأن المعدة هاجت فأفرغت ما فيها، فمن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وإنما القضاء على من استقاء عمداً، وكذلك الحكم في الطعام والشراب ونحو ذلك، فإن الإنسان إذا أكره عليها ولا يد له في ذلك، أي: أكره إكراهاً ملجئاً بآلة أو سلاح أو نحوها، فلا شيء عليه وليكمل صومه. كذلك إذا أكره إنسان على الوطء، بأن قيل له: جامع في نهار رمضان وإلا قتلناك، لو حدث هذا الشيء وفعل المكره ما أكره عليه فالراجح أيضاً أنه لا يفطر ولا قضاء عليه في ذلك.

стр. 124

حكم المضمضة والاستنشاق للصيام المضمضة والاستنشاق مشروعان للصائم باتفاق العلماء، وجاء في حديث النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر) ولم يقيد لغير رمضان فهو على إطلاقه، فهذا يعني: أنه إذا كان الإنسان في رمضان أو في غير رمضان وأراد الوضوء، فليجعل في أنفه ماءً أي: يدخل ماء في أنفه، ثم لينتثر، يعني: يخرج بقوة الزفير هذا الماء الذي دخل في أنفه. لكن قال النبي ﷺ في حديث لقيط: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فهنا استثناء واحتراز وهو أنك إذا كنت صائماً فلا تبالغ في المضمضة أو الاستنشاق، فنهى عن المبالغة فيها، ولم ينه عنها بالكلية، وأما حكمها فقد قدمناه فيما مضى.

стр. 125

حكم من أفطر بلا عذر في نهار رمضان لو أن إنساناً أفطر في نهار رمضان، بطعام أو بشراب أو بجماع وكان معذوراً مريضاً أو مسافراً، فعليه أن يقضي هذه الأيام ولا إثم عليه في ذلك؛ لأنها رخصة من الله سبحانه ﵎، ولكن الذي يفطر بغير عذر فهذا إثمه عظيم جداً، وسمعنا في حديث النبي ﷺ عقوبة هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم، فإنهم يعلقون كالذبيحة من أعقابهم في نار جهنم والعياذ بالله، منكوس، مشققة أشداقه تسيل دماً، والسبب هو أنه كان يفطر متعمداً في نهار رمضان بغير عذر، فإذا أفطر وجب عليه أن يتوب من هذا اليوم الذي أفطر فيه، ويجب عليه أن يمسك؛ لأنه ليس من حقه أن يفطر طالما أنه قادر على الصيام ولا رخصة له ولا عذر، ويجب عليه أن يقضي يوماً مكان هذا اليوم، ولكن هل يجب عليه مع القضاء الكفارة؟ أي: هل يجب عليه مع هذا القضاء أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو بإطعام ستين مسكيناً؟ الراجح أن الدليل خص حالة واحدة من حالات الإفطار وهي الإفطار بالجماع في نهار رمضان، ولا يلحق غيره به، فمن جامع في نهار رمضان فهذا الذي جاء فيه نص النبي ﷺ في الأمر بالقضاء مع الكفارة. فالذي تعمد الإفطار في نهار رمضان يلزمه أن يمسك بقية يومه، وإن كان إمساكه ليس صوماً، ولكن لمراعاة حرمة اليوم.

стр. 126

حكم الجماع في نهار رمضان الذي يفطر بجماع، هذه الصورة الوحيدة التي يلزمه فيها القضاء والكفارة، سواء جامع أهله أو جامع غيرها، أي: وقع في الزنا أو في اللواط وإن كانا حراماً في رمضان وفي غيره لكن كلامنا هنا فيما يجب على من فعل ذلك، فيجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يمسك بقية هذا اليوم، وعليه القضاء والكفارة أيضاً، والدليل على ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! هلكت، قال ﷺ : مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ فقال: لا، -بدأ النبي ﷺ بذكر الرقبة فدل على أن الكفارة على هذا الترتيب الذي ذكره ﷺ فقال للرجل: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال الرجل: لا، - لم يقل له: حاول لعلك تستطيع؛ لأن الشخص أدرى بنفسه إن كان يقدر أو لا يقدر - ثم قال ﷺ : فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، فمكث النبي ﷺ أي: سكت وانتظر - فبينما نحن على ذلك، أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذها فتصدق بها، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك). هنا أمره النبي ﷺ بالكفارة، ولم يذكر زوجة الرجل وما الحكم بالنسبة لها، ولذلك اختلف العلماء هل الكفارة خاصة بالرجل فقط أم أنها تجب على كل من الرجل والمرأة؟ فالبعض يقول: تجب على الاثنين؛ لأن الرجل سأل عن حكم نفسه، فأمره النبي ﷺ بذلك، والمرأة تقاس على الرجل فيها، والبعض يقول: لا؛ لأن النبي ﷺ أمر الرجل بكفارةٍ واحدة، وقد علم أنه جامع أهله، ومع ذلك لم يذكر الكفارة على الزوجة، والراجح في هذه المسألة أن الشخص إذا أكره امرأته على ذلك فوافقته خوفاً منه، فيكون عليه القضاء والكفارة وهي عليها القضاء فقط، وإذا دعته هي إلى ذلك، فتكون هي مطيعة ومريدة للمعصية، فيلزم الاثنين القضاء والكفارة. فالرجل إن استطاع أن يعتق رقبة فليفعل وعليه مع ذلك أن يقضي يوماً مكان اليوم الذي جامع فيه، وإذا لم يقدر على عتق رقبة ينتقل إلى صيام شهرين متتابعين، فإذا لم يكن يقدر على ذلك ينتقل إلى إطعام ستين مسكيناً، فإذا لم يقدر في الوقت الحاضر يصبر وينتظر حتى يقدر، وإذا لم يقدر فإنه مع العجز الدائم يسقط عنه ذلك. والمرأة إذا كانت تقدر على العتق لزمها، وإذا كانت لا تقدر على العتق وتقدر على الصيام لزمها، فلا تعلق لكفارة الرجل بكفارة المرأة، فقد يكون الرجل فقيراً والمرأة غنية؛ ولذلك جاز إذا كان الزوج فقيراً والمرأة غنية ولها مال أن تعطي زكاة مالها لزوجها، ولم يجز العكس، فالرجل إذا كان غنياً لا يجوز أن يعطي زكاة ماله لامرأته؛ لأنه يجب عليه أن ينفق عليها، فالمقصود أن الشخص يكفر عن نفسه، سواء أكان الرجل أم المرأة بما يقدر عليه، على الترتيب الذي ذكر في الحديث. وإذا كان الشخص متزوجاً أربع نسوة، ووطئ الأربع في نهار رمضان، فالراجح أن عليه كفارة واحدة مع القضاء، وعليه ذنب عظيم لانتهاك حرمة اليوم بذلك، والنساء فيهن التفصيل الذي ذكرناه آنفاً، وهو أن المطاوعة له في ذلك عليها القضاء والكفارة، أما المغلوبة على أمرها فإن عليها أن تقضي فقط. لكن لو أن المرأة قاومت ولم ترد هذا الشيء فأجبرها بالقوة، فنرجع إلى حكم الإكراه، وهو أنها إذا كانت مكرهة لا تقدر على الفكاك ولا المقاومة، فإنها تبقى على صيامها وليس عليها القضاء إلا أن تخاف منه فتمكنه، أي: إذا ألجأها لذلك فليس عليها شيء، ففرق بين أن تكره إكراهاً ملجئاً وبين أن لا تكون كذلك.

стр. 127

حكم من طلع عليه الفجر وهو مجامع من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع مع العلم بذلك، فإن عليه القضاء والكفارة؛ لأنه أفطر بجماع في يوم من أيام رمضان وهو يعلم بحرمة ذلك، أما إذا كان مجامعاً وأذن الفجر فنزع، فلا شيء عليه.

стр. 128

الجهل عذر في عدم وجوب الكفارة من المهم أن نعلم أن الجهل يكون عذراً في عدم الكفارة، ومثال ذلك إذا أكل شخص في نهار رمضان ناسياً، وجهل أن الأكل ناسياً لا يبطل الصوم، فظن أنه قد أفطر بذلك، فذهب وجامع أهله، فهنا عليه القضاء فقط وليس عليه كفارة في هذه الحالة؛ لأنه يجهل أن النسيان لا يبطل الصوم.

стр. 129

حكم من جهل تحريم الجماع في نهار رمضان إذا وطئ في نهار رمضان وقال: جهلت تحريمه، ففي هذه الحالة: نفرق بين إنسان في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين، ففي غير بلاد المسلمين قد يسمع عن الصيام بأنه الامتناع عن الأكل والشرب، ولم يسمع عن الجماع وحكمه في نهار رمضان، فأمسك عن الطعام والشراب وجامع في نهار رمضان، فالراجح أن هذا الإنسان ليس عليه شيء لجهله، ولكن الأحوط أن يقضي يوماً مكان هذا اليوم، أما الكفارة فليس عليه شيء، أما في بلاد المسلمين فلا عذر بالجهل بذلك؛ لأنه معلوم واضح.

стр. 130

ترتيب الكفارة وكيفيتها الكفارة على الترتيب، إما أن يعتق رقبة إذا وجدها وقدر عليها، فإذا لم يقدر على ذلك أو لم يجدها، فيصوم شهرين متتابعين، بحيث لا يفصل بينهما ولو بيوم، فإن فصل بينهما استأنف من جديد إلى أن يكمل الشهرين، فإذا بدأ من نصف الشهر فيكمل ستين يوماً، وإذا بدأ من أول شهر عربي فيكمل شهرين عربيين، سواء كان أحد الشهرين تسعة وعشرين يوماً والثاني ثلاثين يوماً أو كان كلاهما ثلاثين يوماً. فإذا لم يقدر على العتق ولا على الصيام، فيطعم ستين مسكيناً، والراجح أن الإطعام يكون وجبة لكل مسكين، فيعطي كل مسكين مداً، والمد يقدر بربع صاع إذا كان من تمر، ففي التمر يكون الصاع كيلو وربع الكيلو، إذاً فالمد من التمر سيكون أربعمائة جرام تقريباً، فإذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون أكثر من نصف كيلو بقليل، فإذا أعطى كل مسكين نصف كيلو من الأرز أو من القمح أو نحو ذلك، فالراجح أنه يجزئ عنه ذلك، وإن كان الأفضل أنه يعطي للمساكين من جنس الذي يأكل.

стр. 131

حكم من جامع وهو صائم قضاءً عن رمضان لو أن إنساناً كان يصوم عن رمضان في أي شهر من الشهور، فأفطر بجماع، فهذا يأثم؛ لأنه انتهك حرمة صوم الواجب، والواجب عليه في مثل هذه الحالة قضاء الأصل؛ لأن صيام هذا اليوم قد فسد بالجماع، ولا يلزمه الكفارة؛ لأنها لحرمة رمضان.

стр. 132

حكم النوم والإغماء والجنون في نهار رمضان لو أن إنساناً نام في نهار رمضان أو أغمي عليه أو جن، نقول: لو نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل أنه سيصوم غداً، فالراجح أن هذا صومه صحيح؛ لأن النائم يستشعر الجوع والعطش ويستشعر من حوله، ولو أيقظته استيقظ، فهو يختلف عن المغمى عليه، ومن باب أولى إذا نام بعض النهار، فإنه لا شيء عليه. فقد أجمع العلماء على أنه لو استيقظ لحظة من النهار -مهما كانت قليلة ولو دقيقة واحدة- ونام بقية يومه صح صومه، وأما إذا نام جميع النهار فهنا المسألة فيها خلاف باعتبار أنه لم يستيقظ وأن حكمه حكم المغمى عليه، ولكن الراجح -كما قلنا- إن هناك فرقاً بين المغمى عليه وبين النائم، فالمغمى عليه لا يشعر مهما عملت معه ومهما حاولت أن تصحيه إلا أن يشاء الله سبحانه ﵎؛ لأنه فاقد العقل، أما الإنسان النائم فعقله موجود وإنما ذهبت بعض أحاسيسه فقط. فالمغمى عليه لو نوى الصيام من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار، لم يصح منه صوم؛ لأنه لم يوجد منه إلا النية فقط، أما الشعور فلا يوجد؛ لأنه ذاهب العقل بسبب هذا الإغماء، فيقضي يوماً مكان هذا اليوم الذي أغمي عليه فيه. ولو أن إنساناً تصيبه نوبات من الجنون في النهار كالصرع ونحو ذلك، فالراجح أنه لو كان جزءاً من النهار فلا شيء عليه طالما أنه نوى بالليل الصيام وبعض النهار كان صائماً ممسكاً، وإنما عرض له الجنون في جزء من النهار، وكذلك الحكم بالنسبة للإغماء في جزء من النهار. أما من جن وذهب عقله النهار كله، فهذا ذاهب العقل غير مكلف، فلا يلزمه القضاء ولا يجب عليه، فنفرق بين هؤلاء الثلاثة: النائم اليوم كله، والمغمى عليه اليوم كله، والمجنون اليوم كله. فالنائم اليوم كله: صومه صحيح طالما نوى الصيام من الليل. والمغمى عليه اليوم كله: صومه باطل، ويلزمه القضاء؛ لأن حكمه حكم المريض. والمجنون اليوم كله: يعتبر فاقد أهلية التكليف؛ لعدم وجود العقل، فلا يخاطب وهو في حالة جنون، ولا يلزم بالقضاء، بخلاف ما إذا ذهب عقله في بعض اليوم فإن صومه في باقي اليوم صحيح.

стр. 133

حكم المرأة إذا حاضت أو نفست في أثناء الصيام لو حاضت الصائمة في أثناء النهار أو نفست بطل صومها، ولو ولدت ولم تر دماً، وهذا نادر جداً، فصومها صحيح، فعليها أن تبقى صائمة ولا شيء عليها.

стр. 134

حكم صيام من ارتد وهو صائم ثم تاب لو أن إنساناً صائماً ارتد، فقد أبطل عمله، فلذلك يبطل صومه وعليه القضاء إذا تاب وعاد إلى الإسلام، فإذا كان الطعام أو الشراب في نهار رمضان معصية يبطل بها الصوم، فكيف بالكفر بالله ؟! نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 135

حكم من ذهب عقله بفعل نفسه في نهار رمضان لو نوى الصوم من الليل ثم شرب دواءً فزال عقله نهاراً بسبب هذا الدواء، فهذا حكمه حكم المغمى عليه فيلزمه القضاء إذا ذهب عقله جميع النهار، أما إذا زال عقله بعض النهار فإنه يكمل صومه ولا قضاء عليه. ولو أن إنساناً شرب مسكراً بالليل وبقي سكره إلى النهار، فهذا لا يصح منه صيام ويلزمه التوبة إلى الله والقضاء.

стр. 136

جواز غطس الصائم في الماء يجوز للصائم أن ينزل إلى الماء يغطس فيه إذا احتاج إلى ذلك؛ لأن ذلك قد ورد عن النبي ﷺ ، كما روى أبو بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: (تقووا لعدوكم)، وصام رسول الله ﷺ ، فقال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج -مكان قرب مكة- يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر، فهذا يدل على أن الصائم له أن يغسل رأسه للتبرد أو لتقليل شدة العطش، وله كذلك أن ينزل في الماء ويغطس فيه، فلو أنه نزل في ماء ودخل بعض الماء -رغماً عنه- إلى أنفه أو إلى فمه، فالراجح أنه يلزمه إخراج هذا الماء، فإن لم يقدر فصومه صحيح؛ لأنه أكره على ذلك أو دخل وهو مخطئ غير متعمد، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 137

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الوصال في الصيام لقد نهى النبي ﷺ أصحابه عن الوصال في الصوم؛ إبقاء عليهم، ورحمة بهم، ورخص لهم في ذلك إلى السحر، وقد كان ﷺ يواصل اليومين والثلاثة، فقد أعطاه الله قوة الطاعم والشارب. وقد جاءت الأحاديث الدالة على استحباب تعجيل الفطور وتأخير السحور، وذلك دليل على خيرية هذه الأمة، وظهورها على أعدائها.

стр. 138

حكم الوصال في الصوم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، فقال ﷺ : إني لست مثلكم؟! إني أطعم وأسقى) وفي رواية قال ﷺ : (وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) وهذا عن أبي هريرة ﵁. ومعنى الوصال: أنه يظل صائماً يوماً مع الليل لا يفطر ويجمع إليه اليوم التالي، وهذا الفعل فعله النبي ﷺ ، ونهى أصحابه أن يفعلوا ذلك؛ إبقاء عليهم وشفقة عليهم، ورحمة بهم، فهو بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا يحبون النبي ﷺ ويحبون ما يفعله، فيريدون أن يقتدوا به في كل شيء، فبين لهم وقال: (إني لست مثلكم) فالنبي ﷺ مخصوص بهذا الشيء، فإنه عند ربه يطعمه ويسقيه، فالله يجعل له طعاماً وشراباً محسوساً، وفي رواية ابن عمر قال: (إني أطعم وأسقى) وقال ﷺ في رواية أبي هريرة في الصحيحين أيضاً: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، فالله أعطاه قوة الإنسان الطاعم الساقي، فبعض العلماء قال: إن الله يطعمه ويسقيه حقيقة. فقوله ﷺ : (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) يعني: أن الله يعطيه قوة الطاعم الشارب صلوات الله وسلامه عليه، ويعينه على ذلك ﵊، فهو يصوم ويجمع أياماً وليالي من غير أن يفطر، فالصحابة أحبوا أنهم يقلدون النبي ﷺ ، فجاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال) يعني: كان ذلك في آخر شهر رمضان. فأصحاب النبي ﷺ لما وصلوا إلى آخر الشهر، وجدوا النبي ﷺ يواصل الصيام، فإذا بهم يريدون أن يواصلوا في آخر الشهر معه ﷺ ، ومن رحمة رب العالمين لهذه الأمة أن النبي ﷺ نهاهم عن الوصال، ولكن الظاهر أن النهي منه ﷺ لم يكن للتحريم؛ لأنه لو كان على التحريم لفهموا ذلك، ولما صام الصحابة مع النبي ﷺ ليله مع نهاره، ولكن كأنهم فهموا أنه نهاهم ﷺ ولم يعزم عليهم، فأرادوا أن يواصلوا، فصام النبي ﷺ يوماً فصاموا معه، فواصل بهم اليوم الذي يليه فرأوا الهلال، فقال لهم النبي ﷺ : (لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا)، ولو كان ذلك معصية لقال لهم: إن هذه معصية، فيسلمون لذلك، ولكن لم يفعل ﷺ وإنما واصل بهم يوماً ويوماً ويوماً فظهر الهلال رحمة من رب العالمين، فكان العيد فأفطروا رضوان الله تعالى عليهم. فهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ لم يحرم ذلك عليهم، وإنما رحمهم وأشفق عليهم ﷺ بذلك، فأمرهم أن يصوموا ويفطروا كما أمر الله، وهذه الزيادة له ﷺ ، زيادة قربى إلى الله . وهنا في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة بهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني). وفي الصحيحين عن أنس قال: (واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال لهم: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) يعني: لو زاد الشهر لكنا واصلنا وصالاً حتى يدع المتعمقون تعمقهم، ثم قال: (إنكم لستم مثلي أو فإني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)، ففيه الذي ذكرناه. إذاً: الوصال المنهي عنه: هو أن تواصل يوماً وليلة وتصبح صائماً، لكن الوصال الجائز: هو أنك تؤخر الإفطار إلى السحور، فذلك لك، وإن كان الأفضل أنك تفطر وقت الإفطار بعد غروب الشمس، لما سيأتي من حديث عنه ﷺ . وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، فقالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي طاعم يطعمني وساق يسقيني) يعني: الله يجعل له قوة الطاعم الشارب، أو يجعل له من يطعمه، وهذا شيء معنوي له صلوات الله وسلامه عليه، وفي الحديث الآخر: (إني أظل) يعني: لو كان يطعم حقيقة من عند الله، لأفطر في نهار رمضان ﷺ ، ولكن جعل الله له قوة الطاعم الشارب ﵊.

стр. 139

حكم السحور وبيان وقته وفضله السحور سنة، جاء في الصحيحين عن أنس قال النبي ﷺ : (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) والسحور: هو طعام السحور، وفي رواية لـ أحمد عن أبي سعيد: (السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)، لذلك جاز لك إذا أردت الوصال ألا تفطر، لكن تأكل عند السحر، فلا تضيع هذه الفضيلة، وهي أن الله يصلي ويسلم على المتسحرين. وفي سنن أبي داود عن العرباض بن سارية قال: (دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان، فقال: هلم إلى الغداء المبارك)، وهنا واضح من قوله: (هلم إلى الغداء) أنه قرب الصلاة، فكان سحور النبي ﷺ قرب الفجر، ولذلك كان يتسحر ويخرج إلى صلاة الفجر صلوات الله وسلامه عليه. كذلك حث عليه كما في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر). أما وقت السحور فقد ورد في الصحيحين عن أنس (أنهم تسحروا عند النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة، قال: انظر كم بينهما؟ قال: قدر قراءة خمسين أو ستين آية) إذاً: يستحب أن يكون السحور في آخر الليل.

стр. 140

مشروعية اتخاذ مؤذنين لصلاة الفجر في رمضان جاء في الصحيحين: (أن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) يعني: أن بلالاً كان يؤذن الأذان الأول، وكان يقول فيه: الصلاة خير من النوم، وهو الذي كان يقيم الصلاة للنبي ﷺ ، فـ بلال كان يؤذن بليل، فلكم أن تأكلوا وتشربوا، أما ابن أم مكتوم فكان إذا أذن امتنعوا عن الأكل والشرب. نقول لو أنك سمعت الأذان الأول أو سمعت الأذان الثاني وشككت هل المؤذن أذن قبل الوقت؟ فلك أن تشرب، لكن لو عرفت أن الفجر قد طلع فليس لك أن تأكل ولا أن تشرب. ثم قال: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) لم يكن الأذان من فوق المسجد، إنما كان من فوق بيت قريب من المسجد، وهذا البيت هو لامرأة من الأنصار، وكان بلال يصعد فوق هذا البيت ويؤذن، فإذا نزل بلال من فوق البيت صعد ابن أم مكتوم وأذن الأذان الثاني، وذهاب ابن أم مكتوم وصعوده على البيت يكون في حوالى ربع ساعة أو ثلث ساعة أو عشر دقائق، ولكن هذا قد يرجع في البلاد إلى حاجة الناس؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد الوقت بينهما، وإنما يكون بحسب مصلحة الناس، ففي بعض البلاد مثل: السعودية الفرق بين الأذان الأول والثاني ساعة تقريباً، حتى يتجهز الناس لذلك لكن في بعض المساجد يكون الفرق بين الأذانين قدر ربع ساعة أو ثلث ساعة، وهذا بحسب حاجة الناس، فلا يقال: إن الساعة هي السنة؛ لأن الذي جاء في هذا الحديث أن الزمن ما بين الأذانين قليل، وهو أن ينزل هذا ويصعد هذا، فالسنة أن الوقت قليل.

стр. 141

الحكمة من الأذان الأول والأذان الثاني حكمة الأذان الأول أنه كانت عادة أصحاب النبي ﷺ الاقتداء بالنبي ﷺ في الصلاة، فكانوا يقومون فيصلون من الليل، إما في نصف الليل وإما في الثلث الأخير، وإذا صلى في أول الليل نام في آخر الليل، فقال لهم النبي ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم ويوتر نائمكم) يعني: حتى يستيقظ النائم ليصلي صلاة الفجر في وقتها، والأذان الثاني هو الأذان لصلاة الفجر، وبعد الأذان الثاني لا يجوز أن تصلي أكثر من ركعتين؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تصلي بعد أذان الفجر إلا ركعتي السنة فقط. وبعض الناس لعله يأتي إلى المسجد بعد الأذان الثاني فيصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ويطيل فيها، مع أن سنة النبي ﷺ صلاة ركعتين فقط بعد أذان الفجر الثاني. أما الأذان الأول فله أن يصلي بعده ما شاء أو يجلس يدعو الله ، لكن الأذان الثاني لا يصلي إلا ركعتين، وكان النبي ﷺ لا يطيل فيهما، وإنما كان يقرأ الفاتحة و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، والفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].

стр. 142

استحباب تعجيل الفطر يستحب تعجيل الإفطار، قال النبي ﷺ في الحديث: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) فدليل خيرية هذه الأمة أنهم يعجلون الفطر، ورمضان شهر أحبه الله ، فله أول وله آخر، فقبله يوم الشك وهو منهي عن صيامه، وبعده يوم العيد وهو منهي عن صيامه، ويوم رمضان بعده الليل فنهى عن مواصلة الصيام، وجاء في الحديث (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، والله يعجبه من عبده أن يفرح وقت فطره، فأنت صمت عما منعك الله عليه، وأفطرت على ما أحل الله لك عند وقت الإفطار، فقال ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي عطية قال: (دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ : أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله -يعني: ابن مسعود - قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ يعني: النبي ﷺ كان يعجل الإفطار، وأحياناً كان يواصل الصيام صلوات الله وسلامه عليه. وفي سنن النسائي هذا الحديث وفيه: فقال: (رجلان من أصحاب النبي ﷺ : أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور، والآخر يؤخر الإفطار ويعجل السحور، فقالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويؤخر السحور؟ قال: قلت: عبد الله بن مسعود ﵁، قالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع) يعني: من سنن النبي ﷺ تعجيل الإفطار وتأخير السحور، يعجل الإفطار حتى يتفرغ بعد ذلك لصلاة العشاء والعشاء وقيام الليل، ويؤخر السحور ﵊ ليكون في النهار على الصيام وعلى العمل وعلى الدعوة إلى الله . أيضاً يحث المؤمنين على تعجيل الإفطار بقوله: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ فإن اليهود والنصارى يؤخرون).

стр. 143

استحباب الإفطار على رطب أو تمر إذا أفطرت فالمستحب أن تفطر على رطبات البلح الرطب، وفي حديث أنس (كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) يعني: أن النبي ﷺ عند غروب الشمس كان يفطر على رطبات، وهو البلح الأسود، فإذا كان البلح أو الرطب موجوداً أفطر عليه، فإذا لم يوجد فعلى تمرات، فإذا لم تكن حسا حسوات من ماء، والتمر أو الرطب فيه سعرات حرارية عالية، والصائم عند غروب الشمس تكون كمية السكر في مخه قليلة، والمخ يحتاج إلى سكر حتى يشتغل، فالنبي ﷺ كان يفطر على رطبات، وفيها أعلى السعرات الحرارية، أو تمرات، فإذا لم يكن هذا أو ذاك أفطر على ماء.

стр. 144

استحباب الإكثار من الدعاء للصائم والذكر عند الإفطار كان ﷺ إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) فيستحب للصائم بعدما يفطر أن يقول ذلك؛ لأن الله هو الذي أذهب عنه الظمأ، وبل له عروقه، وأعطاه الأجر إن شاء الله سبحانه. كذلك يستحب للصائم الإكثار من الدعاء؛ لأن الصائم دعوته مستجابة، فأكثروا من الدعاء، سواء بطلب حاجة، أو أنك تدعو بخيري الدنيا والآخرة، أكثر من الدعاء في وقت الرخاء حتى يستجاب لك في وقت البلاء، قال النبي ﷺ : (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) فيستحب للصائم أن يكثر من الدعاء، لعل الله يستجيب له، ومن أفضل ما يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].

стр. 145

استحباب إطعام الصائم يستحب للمسلم أن يدعو أخاه المسلم ليفطر عنده؛ فقد قال النبي ﷺ : (من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)، فالصائم أجره كامل ومضاعف عند الله لمن يشاء، والذي أطعم هذا الصائم يؤجر مثل هذا الذي كان صائماً، لذلك يستحب للإنسان أنه يعطي الصائمين طعاماً ليفطروا عليه، ويعطي للفقراء والمساكين، وأن يطعم إخوانه وأقرباءه، وأن يطعم من يحتاج إلى الطعام، فيؤجر على ذلك هذا الأجر، قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: (اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)، فحض على إطعام الطعام. إذاً: على المؤمن في رمضان وفي غير رمضان أن يعود نفسه على أن يعطي المحتاجين، فإذا فطر صائماً أعطاه طعام الإفطار، أو دعاه ليأكل عنده، فهذا فيه أجر عظيم، فإن لك صومك ولك مثل أجر صوم من أطعمته. نسأل الله أن يعيننا على الإنفاق في سبيله، وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
следующие страницы →