← Фикх общий

Фикх общий · id 36977

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (387 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحكمة من الأذان الأول والأذان الثاني حكمة الأذان الأول أنه كانت عادة أصحاب النبي ﷺ الاقتداء بالنبي ﷺ في الصلاة، فكانوا يقومون فيصلون من الليل، إما في نصف الليل وإما في الثلث الأخير، وإذا صلى في أول الليل نام في آخر الليل، فقال لهم النبي ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم ويوتر نائمكم) يعني: حتى يستيقظ النائم ليصلي صلاة الفجر في وقتها، والأذان الثاني هو الأذان لصلاة الفجر، وبعد الأذان الثاني لا يجوز أن تصلي أكثر من ركعتين؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تصلي بعد أذان الفجر إلا ركعتي السنة فقط. وبعض الناس لعله يأتي إلى المسجد بعد الأذان الثاني فيصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ويطيل فيها، مع أن سنة النبي ﷺ صلاة ركعتين فقط بعد أذان الفجر الثاني. أما الأذان الأول فله أن يصلي بعده ما شاء أو يجلس يدعو الله ، لكن الأذان الثاني لا يصلي إلا ركعتين، وكان النبي ﷺ لا يطيل فيهما، وإنما كان يقرأ الفاتحة و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، والفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].

стр. 142

استحباب تعجيل الفطر يستحب تعجيل الإفطار، قال النبي ﷺ في الحديث: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) فدليل خيرية هذه الأمة أنهم يعجلون الفطر، ورمضان شهر أحبه الله ، فله أول وله آخر، فقبله يوم الشك وهو منهي عن صيامه، وبعده يوم العيد وهو منهي عن صيامه، ويوم رمضان بعده الليل فنهى عن مواصلة الصيام، وجاء في الحديث (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)، والله يعجبه من عبده أن يفرح وقت فطره، فأنت صمت عما منعك الله عليه، وأفطرت على ما أحل الله لك عند وقت الإفطار، فقال ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي عطية قال: (دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد ﷺ : أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله -يعني: ابن مسعود - قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ يعني: النبي ﷺ كان يعجل الإفطار، وأحياناً كان يواصل الصيام صلوات الله وسلامه عليه. وفي سنن النسائي هذا الحديث وفيه: فقال: (رجلان من أصحاب النبي ﷺ : أحدهما يعجل الإفطار ويؤخر السحور، والآخر يؤخر الإفطار ويعجل السحور، فقالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويؤخر السحور؟ قال: قلت: عبد الله بن مسعود ﵁، قالت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع) يعني: من سنن النبي ﷺ تعجيل الإفطار وتأخير السحور، يعجل الإفطار حتى يتفرغ بعد ذلك لصلاة العشاء والعشاء وقيام الليل، ويؤخر السحور ﵊ ليكون في النهار على الصيام وعلى العمل وعلى الدعوة إلى الله . أيضاً يحث المؤمنين على تعجيل الإفطار بقوله: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ فإن اليهود والنصارى يؤخرون).

стр. 143

استحباب الإفطار على رطب أو تمر إذا أفطرت فالمستحب أن تفطر على رطبات البلح الرطب، وفي حديث أنس (كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) يعني: أن النبي ﷺ عند غروب الشمس كان يفطر على رطبات، وهو البلح الأسود، فإذا كان البلح أو الرطب موجوداً أفطر عليه، فإذا لم يوجد فعلى تمرات، فإذا لم تكن حسا حسوات من ماء، والتمر أو الرطب فيه سعرات حرارية عالية، والصائم عند غروب الشمس تكون كمية السكر في مخه قليلة، والمخ يحتاج إلى سكر حتى يشتغل، فالنبي ﷺ كان يفطر على رطبات، وفيها أعلى السعرات الحرارية، أو تمرات، فإذا لم يكن هذا أو ذاك أفطر على ماء.

стр. 144

استحباب الإكثار من الدعاء للصائم والذكر عند الإفطار كان ﷺ إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) فيستحب للصائم بعدما يفطر أن يقول ذلك؛ لأن الله هو الذي أذهب عنه الظمأ، وبل له عروقه، وأعطاه الأجر إن شاء الله سبحانه. كذلك يستحب للصائم الإكثار من الدعاء؛ لأن الصائم دعوته مستجابة، فأكثروا من الدعاء، سواء بطلب حاجة، أو أنك تدعو بخيري الدنيا والآخرة، أكثر من الدعاء في وقت الرخاء حتى يستجاب لك في وقت البلاء، قال النبي ﷺ : (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) فيستحب للصائم أن يكثر من الدعاء، لعل الله يستجيب له، ومن أفضل ما يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].

стр. 145

استحباب إطعام الصائم يستحب للمسلم أن يدعو أخاه المسلم ليفطر عنده؛ فقد قال النبي ﷺ : (من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)، فالصائم أجره كامل ومضاعف عند الله لمن يشاء، والذي أطعم هذا الصائم يؤجر مثل هذا الذي كان صائماً، لذلك يستحب للإنسان أنه يعطي الصائمين طعاماً ليفطروا عليه، ويعطي للفقراء والمساكين، وأن يطعم إخوانه وأقرباءه، وأن يطعم من يحتاج إلى الطعام، فيؤجر على ذلك هذا الأجر، قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: (اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)، فحض على إطعام الطعام. إذاً: على المؤمن في رمضان وفي غير رمضان أن يعود نفسه على أن يعطي المحتاجين، فإذا فطر صائماً أعطاه طعام الإفطار، أو دعاه ليأكل عنده، فهذا فيه أجر عظيم، فإن لك صومك ولك مثل أجر صوم من أطعمته. نسأل الله أن يعيننا على الإنفاق في سبيله، وعلى ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 146

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - قضاء رمضان وحكم من مات وعليه صوم إن دين الإسلام دين يسر وليس عسراً، ولذلك إذا كان الرجل معذوراً بسفر أو مرض ونحوه وكذلك المرأة فليس عليه صيام شهر رمضان، ولكن يقضي الأيام التي أفطر فيها قبل دخول رمضان الثاني، ويستحب في رمضان الإكثار من قراءة القرآن وقيام الليل كما كان النبي ﷺ يعبد ربه في هذا الشهر الكريم.

стр. 147

أحكام قضاء من أفطر أياماً من رمضان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. إذا أفطر المسلم في رمضان بعذر كسفر أو مرض، أو المرأة بعذر الحيض أو النفاس، فالواجب عليهم أن يأخذوا عدة من أيام أخر بعد شهر رمضان، ولا يشترط أن تكون هذه الأيام متواصلة أو متتابعة، وإنما يجوز أن يقضي الأيام متتابعة، ويجوز أن يفرقها بحسب ما يستطيع، فإذا كان هذا الذي أفطر في نهار رمضان بعذر من الأعذار، كالإنسان المريض واستمر مرضه بعد رمضان، فعلى ذلك عليه القضاء حين يشفيه الله ، فإذا شفاه وجب عليه القضاء، فإذا استمر مرضه هذا حتى يموت فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء هذا الصوم، فليس عليه شيء ولا على أوليائه، فأولياؤه لا يطعمون عنه ولا يلزمهم ذلك، وإذا أطعموا فهذا خير لكن لا يجب عليهم، فلا يجب على المريض القضاء لأن العذر استمر به حتى لقي الله ، ولكن إذا كان بعد رمضان قد شفاه الله وبعد ما شفاه الله كسل وترك ولم يقض، وبقيت فترة يستطيع فيها القضاء ولم يفعل، فهنا على أوليائه أن يخرجوا عنه عن كل يوم إطعام مسكين، يعني: كل يوم من ماله الذي تركه، أو لهم الخيار بأن يصوموا عنه عن كل يوم يوماً، فإما أنه يلزمه القضاء فلا يقضي وقد ذهب عليه ما كان عليه من مرض ثم بعد ذلك مات فإنه يلزم أولياءه أن يخرجوا عنه من ماله الدين الذي عليه وهو إطعام مسكين عن كل يوم، ولهم أيضاً أن يصوموا عنه كما سيأتي، عن كل يوم يصومون يوماً سواء صام عنه واحد أو مجموعة قسموا على أنفسهم الأيام التي كانت عليه، ولو أن هذا الإنسان المريض في رمضان صحا بعد رمضان ولم يقض حتى دخل عليه رمضان الذي يليه وهو لم يقض رمضان الماضي، فالأيام التي كان مريضاً وأفطرها بعذر يلزمه قضاؤها وهي معلقة بعنقه، ولكن هل يلزمه مع هذا القضاء أنه يطعم مسكيناً باعتبار أنه دخل عليه رمضان آخر، فقصر في خلال العام مع قدرته، ذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً مع القضاء، أي: يقضي ويطعم مع كل يوم مسكيناً، لكن الراجح: أنه يلزمه أن يتوب إلى الله ويقضي عن اليوم يومه، فإذا أطعم كان حسناً أن جمع بين الإطعام والصيام، لكن لا يلزمه وجوباً، وهذا هو الراجح لعدم الدليل على ذلك، وقلنا: لا يجب أن يكون فوراً ولا متتابعاً هذا الراجح.

стр. 148

اختلاف العلماء في جواز صيام النافلة قبل القضاء عن عائشة ﵂ قالت: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان) هذا في الصحيحين، تذكر السيدة عائشة ﵂ أنه كان يكون عليها القضاء من أيام من رمضان، فلا تقدر على القضاء حتى شعبان، فيمر عليها إحدى عشر شهراً حتى تقضي هذه الأيام، لكن خلال الإحدى عشر شهراً هل صامت تطوعاً، كصيام يوم عرفة وفيه ما فيه من الثواب العظيم، وصيام يوم عاشوراء وفيه ما فيه من الثواب العظيم؟ الراجح: أنها صامت التطوع ولكن هي تتكلم هنا عن قضاء رمضان، وهذه مسألة مختلف فيها بين العلماء. هل الذي عليه أيام رمضان يجب عليه أن يبدأ بها بحيث لا يصح منه نافلة حتى يأتي بالفريضة، هذا قاله بعض أهل العلم، وهذا فيه نظر، أي: لو كان الأمر على ذلك لما كانت السيدة عائشة ﵂ تؤخر صوم رمضان إلى شعبان من العام الآتي، فصوم رمضان واجب وهي تذكر أن هذا بسبب انشغالها برسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ كان يدور على نسائه بالنهار وعلى جميع بيوته، وبالليل يبيت مع واحدة من نسائه صلوات الله وسلامه عليه، فالسيدة عائشة كانت تنتظر لعله يأتيها النبي ﷺ ولعله يطلبها، ولعله يريد حاجة الرجل من المرأة التي يدخل عليها، فلعله يأتيها بالنهار فيريد حاجته منها فهل تقول له: أنا صائمة صوم فريضة فلا يقدر أن يبطل عليها هذا الصوم، لكن صوم النافلة هو أمير نفسه كالذي يتصدق تطوعاً إن شاء أكمل صومه، وإن شاء أفطره، فإذا دخل عليها النبي ﷺ بالنهار ولعله يسألها: هل من طعام؟ فتقول له: نعم، فتقدم له الطعام فيقول لها: تعالي كلي معي، فتقول: لا، أنا صائمة، فلعله يضايقه ذلك ﷺ إذا كان فريضة، أما إذا كان تطوعاً فمن الممكن أنها تفطر وتأكل مع النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك. وشهر شعبان كان النبي ﷺ يكثر الصيام فيه تطوعاً صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك السيدة عائشة ﵂ كانت تستغل هذه الفرصة، فإن الرسول ﷺ في شهر شعبان كان يصوم أكثره أو كله، فتقضي الأيام التي كانت عليها في دورة أيام الحيض الواجب على ذلك، أما القضاء على الفور فهذا غير واجب، ولكن الواجب أن يقضيه في خلال العام قبل رمضان الذي يأتيه، وتتابع الصوم أيضاً لا يجب أن يكون متتابعاً، فله أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويصوم يومين ويفطر أسبوعاً بحسب ما تيسر له حتى يقضي ما عليه من الصيام.

стр. 149

حكم من مات وعليه قضاء من رمضان من مات وعليه قضاء رمضان أو بعض رمضان، ذكرنا أنه إما أن يكون متمكناً من الصوم فلم يصم، فهذا يلزم أولياؤه أن يخرجوا عنه إطعاماً من ماله إذا ترك مالاً، فإن هذا دين عليه لله ، فإن لم يترك مالاً فالورثة إما أن يخرجوا من عند أنفسهم اختياراً وليس وجوباً أو أنهم يصومون عنه أيضاً اختياراً واستحباباً وليس وجوباً، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ولا يجني إنسان إلا على نفسه، لا يجني على ولده ولا على والده، بل هو الذي جنى على نفسه حين ترك الصوم وهو قادر عليه بعد رمضان فلم يفعل ذلك، فعلى ذلك الأولياء لهم الخيار إما أن يصوموا عنه هذه الأيام، وإما أن يطعموا عنه عن كل يوم مسكيناً. والدليل على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ولم يقل: فليصم عنه بحيث يكون الأمر وجوباً، ولكن قال: صام، فله الخيار إن شاء صام عنه، وإن شاء لم يصم، فهذه عبادة، ورخص النبي ﷺ في مثل ذلك، ولا يجوز للذي يصوم عن المتوفى أن يصلي عنه أيضاً، بل لا أحد يصلي عنه؛ لأن الأصل في العبادة ألا يفعلها أحد عن أحد إلا لدليل، فثبت في الصدقة وثبت في الصوم وثبت في الحج وفي العمرة، فهذه الأشياء يجوز أن يفعلها إنسان عن الآخر بعد وفاته. أيضاً جاء في الحديث: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ أمه ماتت وعليها صيام شهر، ولعله شهر رمضان ولعلها نذرت، ولكن هنا في الحديث أن الرجل أخبر النبي ﷺ أن عليها صوم شهر، وفي رواية أخرى قال: وعليها صوم نذر، ففي الرواية الأولى: قال: عليها صوم شهر أفأقضيه؟ فقال النبي ﷺ : (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها) وهذا من أدلة القياس، وهو قياس علمهم النبي ﷺ أن هذا مثله، فهل هي حين ماتت وعليها دين تقضي عنها هذا الدين؟ قال: (نعم، قال: فدين الله أحق)، وبذلك عرفنا أن الصوم دين لله ، فإذا مات الإنسان وعليه دين يحاسبه الله ويحبسه عن الجنة بسبب هذا الدين، فأولياء هذا المتوفى طالما أنهم يقضون عنه ديون الآدميين، فدين الله أحق، فقال النبي ﷺ : (فدين الله أحق) وقال لامرأة سألته: (نعم، فصومي عن أمك). ولو فرضنا أن هذا المتوفى عليه صيام شهر رمضان؛ لأنه كان مسافراً مثلاً، ورجع فأقام ولم يقضه أو كان مريضاً وشفاه الله ولم يقضه، وبعد ذلك توفي وفي عنقه هذا الصوم، فلأوليائه الخيار إما أن يصوموا عنه، أو لا يصومون، وأولياؤه هم أقرباؤه سواء القريب الأدنى أو القريب الأبعد، ويستوي فيه الابن والأخ والأب وابن العم وابن الخال وابن الخالة وأيضاً الغريب لو أراد ذلك، لذا من الممكن أنه لو كان عليه صوم شهر ثلاثين يوماً يقسم هذا الشهر عليهم، وكل واحد من أوليائه يصوم يومين أو ثلاثة أيام أو يوماً واحداً، يقسم عليهم ذلك فيجزئ عنه؛ لأن النبي ﷺ لم يحدد، فهو القريب وهو الحميم وهو الإنسان الذي يتولى أمره والمسئول عنه بعد وفاته أو في حياته، فيصوم عنه أولياؤه لذلك.

стр. 150

حكم الشيخ الكبير العاجز عن الصوم والمرأة العجوز هذا إنسان آخر في حياته وقلنا: إنه عاجز عن الصوم، ويلزمه الفدية، فالشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصوم كما في حديث ابن عباس رواه أبو داود والبيهقي، وكذلك المرأة الحامل ويتكرر منها الحمل والرضاعة وهي ضعيفة لا تقدر على الصوم، قلنا: يلزمها أن تطعم، فهل من الممكن أن يقول إنسان: أنا أصوم عن زوجتي هذه الأيام؟ لا يمكن ذلك؛ لأنه لم يثبت أن إنساناً يصوم عن إنسان حي، إنما المتوفى الذي عليه الصوم، فهو دين لله ، لأن الحي له البدل، البدل من ذلك أن يطعم عن كل يوم مسكيناً ثم رحمة رب العالمين سبحانه إذا لم يقدر على الصوم ولا على الإطعام، فليس عليه شيء، فلو أن إنساناً كان عليه صوم رمضان، وكان كبيراً في السن ولا يطيق الصوم، وهو فقير ليس معه مال، ولا يرجى زوال هذه العلة التي فيه، ولا يرجى أن يكون معه مال، ولا أحد يعطيه شيئاً، فعلى ذلك لا شيء عليه، حتى لو مات فلا دين عليه؛ لأنه معذور، وهذا من رحمة رب العالمين بعباده .

стр. 151

ما يستحب في شهر رمضان

стр. 152

ما يستحب في شهر رمضان يستحب الجود والاجتهاد والإكثار من فعل الخير في شهر رمضان، فالصائم ينفق في رمضان، ويعتاد على الإنفاق في غير رمضان ويحب ذلك. لذلك جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة)، فهذا الشهر الكريم كان ينزل فيه جبريل على النبي ﷺ في كل ليلة من السماء، وكان النبي ﷺ يحب أن يلقى جبريل، ومرة قال لجبريل ﵇: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) فجبريل ﵇ ملك من أعظم ملائكة الله ومن أقربهم لربهم سبحانه، يقول له النبي ﷺ : (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) لكن نزول جبريل هو أمر من رب العالمين قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] ، فنزول جبريل إلى النبي ﷺ هذا بأمر الله ، وليس بهوى النبي ﷺ ولا بطلبه، إنما الله بحكمته ينزله في الوقت الذي يريده، فكان جبريل ينزل على النبي ﷺ ويتدارس معه القرآن في رمضان، يقرأ جبريل ويقرأ النبي ﷺ وهو في غاية الفرح بتلاوته كتاب ربه على جبريل، وبتلاوة جبريل عليه صلوات الله وسلامه عليه، فكان ينفق أكثر مما ينفق طوال العام صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس وأكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلذلك يستحب مدارسة القرآن في ليالي رمضان، والسهر في مدارسته حفظاً وتسميعاً وفهماً لمعانيه وغير ذلك. قال: (وكان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) فالريح حين تهب تهب على الناس جميعاً، فكان النبي ﷺ يعطي كل من سأله ومن لم يسأله صلوات الله وسلامه عليه فجوده عظيم وكرمه واسع صلوات الله وسلامه عليه. أيضاً في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله) هذه سنته ﷺ ، ففي أول رمضان يقوم ويجتهد ﵊، فإذا جاء العشر الأواخر يوقظ أهل بيته الذين كانوا ينامون، يوقظهم لعبادة الله ، فيتعاون الإنسان مع أهل بيته ومع إخوانه على طاعة الله في هذه الأيام وفي هذه الليالي، قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره)، فالإنسان حين يقوم ليعمل عمله ويكون العمل عملاً مجهداً تراه يربط على بطنه حزامه ليستعين بذلك على القيام بهذا العمل، فكان النبي ﷺ يشد مئزره، ويبتعد عن النساء؛ لأنه منشغل عنهن في هذه الأيام الأخيرة، شد مئزره فليس له في النساء حاجة الآن، ويجتهد بالعبادة ويقوم الليل أكثره أو كله صلوات الله وسلامه عليه. قالت: (وأحيا ليله وأيقظ أهله)، وفي رواية لـ مسلم: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)، ويلاحظ الإنسان أن هذا شهر الإحسان، فالإنسان يثاب على إحسانه عظيم الثواب في هذا الشهر، فيستغل ذلك حتى لا يضيع الشهر، فيندم على ما فرط فيه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 153

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - فضل قيام الليل إن أعمال البر التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار كثيرة، من هذه الأعمال قيام الليل، فقد حثَّ النبي ﷺ على قيام الليل، فهو مكفر للذنوب والسيئات ومنهاة للإثم، وقربة إلى الله ، ونور للعبد يوم القيامة، وأكثر ما يستحب قيام الليل في رمضان. كذلك من أعمال البر استعمال اللسان في طاعة الله، وشغلها بذكره سبحانه.

стр. 154

الحث على قيام الليل وما جاء في فضله الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا عن أحكام الصيام وهذا شق مما يكون في رمضان؛ فرمضان صيام بالنهار وقيام بالليل, وقراءة للقرآن بالليل والنهار. روى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ أنه قال (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم, وهو قربة إلى ربكم, ومكفرة للسيئات, ومنهاة عن الإثم) , قوله: (عليكم بقيام الليل) أي: الزموا قيام الليل. وقوله: (فإنه دأب الصالحين قبلكم) أي: عادة وسنة الصالحين قبلكم. وقوله: (وهو قربة إلى ربكم) أي: أنكم تتقربون به إلى الله . والإنسان يحب أن يرضى الله عنه. فقيام الليل عادة الصالحين دائماً، وكل الصالحين من عهد آدم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- عادتهم قيام الليل, وأن يصلوا لله في الليل. قوله: (ومكفرة للسيئات) مكفرة مصدر كفَّر، يعني: يكفر الله عنكم السيئات تكفيراً عظيماً, وكفر الشيء بمعنى ستره وغطاه, كأن الله يمحو عنكم هذه السيئات, وذلك بأن غطاها وألغاها وسترها وجعلها هباءً. قوله: (ومنهاة عن الإثم) أي: ينهى نهياً عن الإثم, ومنهاة: مصدر نهى. إذاً من فضل قيام الليل أنه تشبه بالصالحين, ومن تشبه بقوم فهو منهم، وهو تقرب إلى الله ، وهو مكفر للسيئات، وهو سبب في البعد عن الآثام، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, أي: صلاة الفريضة الصحيحة الخالصة لله سبحانه، وزيادة على ذلك: قيام الليل فإنه ينهى عن الآثام. ومن الأحاديث الصحيحة أيضاً ما رواه الترمذي عن عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر) , فالله قريب من عباده سبحانه, وهو مستوٍ على عرشه يقرب من العبد كما يشاء , فالله يقرب عبده إليه، وهو قريب من عبده؛ يسمعه ويبصره ويعطيه ويرحمه , فأقرب ساعة إجابة يستجيب الله فيها الدعاء يكون معه بعونه وبركته ورحمته ومعيته سبحانه, قريب منه وهو يصلي له في جوف الليل الآخر. جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) وذكر الله أعم من أن تقوم للصلاة، فلعلك تقدر على الصلاة، ولعلك تكون مريضاً في هذا الوقت ونائماً على سريرك, ولك عادة أن تقوم الليل, فإذا بك وأنت على سريرك في هذه اللحظات تقوم من الليل ذاكراً الله بلسانك, فالحديث هنا لم يخصص الصلاة ولا غيرها ولكنه عامٌّ يشمل ذكر الله وغيره، فذكر الله يكون في الصلاة, كذلك يكون بالاستغفار والدعاء، فأنت في هذه اللحظات في الثلث الأخير من الليل أقرب ما تكون من ربك، وأقرب ما يكون الله منك في هذا الوقت، فاحرص عليه.

стр. 155

الأسباب المعينة على قيام الليل هناك أسباب تعين على قيام الليل، منها أن تنام مبكراً, فلا تسهر في الليل, حتى يذهب نصف الليل، ونظم وقتك ولا تسهر بعد العشاء، ونم في رمضان بعد أن تصلي التراويح، فإن استطعت أنْ تقوم من آخر الليل ولو ساعة, أو نصف ساعة, أو أقل من ذلك أو أكثر فافعلْ. ومن الأخذ بالأسباب: أنْ تتواصى أنت وأهل بيتك أن من استيقظ في الليل يوقظ صاحبه, فقد دعا النبي ﷺ للرجل والمرأة اللذيْنِ يفعلان ذلك، فقال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى فأيقظ امرأته فصليا جميعاً, فإن أبت نضح في وجهها الماء, ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها, فإن أبى نضحت في وجهه الماء) فكل منهما يعين الآخر على أنه يقوم ويستيقظ؛ ليصلي لله من الليل, فاستحق الاثنان أن يدعو لهما النبي ﷺ برحمة الله .

стр. 156

قيام النبي ﷺ في الليل جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) أي: حتى تتشقق قدماه ﷺ , وفي حديث آخر (حتى تتورم قدماه) واتفق الحديثان في المعنى، تشققت قدماه من طول القيام, وتورمت قدماه من طول القيام, ومعلوم أن الإنسان إذا وقف فترة طويلة فالدم ينزل من رجليه, وتنتفخان من طول قيامه, فكان النبي ﷺ يفعل ذلك ويستعذبه صلوات الله وسلامه عليه, فهو القائل ﷺ : (جعلت قرة عيني في الصلاة) قالت السيدة عائشة ﵂: (لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟) يعني: أنت لست محتاجاً إلى أن تقوم الليل، فربنا قد غفر لك الذي فات, والذي سيأتي كذلك مغفور, وحاشا له ﷺ أن يقع في الذنوب؛ لأن ربنا سبحانه عصمه صلوات الله وسلامه عليه, ومع ذلك فإنه يقوم لهدف آخر, حتى وإنْ غفر الله له ذنوبه فهو يشكر ربه على الذي أعطاه، فقد قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) صلوات الله وسلامه عليه، هذا النبي ﷺ يستحي من ربه, إذا كان لم يغفر الله له ذنبه فسيقوم إلى أن يغفر له, وإذا غفر له ذنبه فسيقوم حتى يرضى الله عنه, وحتى يوفي الحق بشكر الله على هذا الصنيع العظيم من ربه سبحانه. قالت: (فلما كثر لحمه صلى جالساً) ليس معناه: أنه سمن ﵊, ولكن المعنى: أنَّه كَبُر في السن وصار عظمه لا يقدر على أن يحمل جسمه, فهذا معنى قول السيدة عائشة ﵂: (فلما كثر لحمه) فالنبي ﷺ لم يكن سميناً، بل كان يذم السمن ﵊, إنما المعنى أنه ثقل جسده ﷺ على عظمه, فلا يستطيع عظمه أن يحمل جسده في هذا القيام الطويل الذي كان يقومه, فقد كان يقوم الليل أحياناً بالسبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والأعراف والأنعام والأنفال وبراءة، فقد كان يقوم النبي ﷺ ليلهُ لله بهذه السور جميعها، قالت: (فلما كثر لحمه صلى جالساً ﵊, فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع) أي: كان يستمر ليلاً طويلاً قائماً, ثم يجلس ويصلي صلاة طويلة وهو جالس, فإذا بقي له أربعون أو ثلاثون آية, قام فقرأها وهو قائم, ونحن نقرأ في الصلاة ثلاثين آية أو أربعين آية ثم نتعب, والنبي ﷺ كان يصلي السبع الطوال يعني: كان يقرأ, ألف آية, ونحن إذا أردنا أن نصلي بألف آية نبدأ من (تبارك) إلى آخر المصحف؛ لأنَّ ذلك أسهل, وأما النبي ﷺ فقد كان يأخذ من أول القرآن إلى أن يصل إلى براءة والأنفال صلوات الله وسلامه عليه, فيقرأ قراءة متأنية ومرتَّلة, ويستمتع بها, ويتقرب بها إلى الله , وإذا مر بآية رحمة وقف وسأل الله من رحمته, وإذا مر بآية عذاب وقف وتعوذ بالله من عذابه.

стр. 157

أعمالٌ تدخل الجنة وتباعد عن النار جاء عن معاذ ﵁ -وهو حديث عظيم جميل طويل-: (أنه كان مع النبي ﷺ في سفر، قال معاذ: فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، فهو لم يطلب شيئاً من الدنيا؛ لأن معاذ بن جبل عالم من العلماء ﵁ وأرضاه, وهو سابق العلماء إلى طريق الجنة ﵁, سيسبقهم برمية حجر، فإذا دخل العلماء الجنة يكون معاذ في المقدمة ﵁, وكان عمره في عهد النبي ﷺ إحدى وعشرين سنة، وجميعُ العلماء الشيوخ ومن دونهم يأتون كلهم وراءه ﵁. فقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار)، أي: ما هو العمل الذي إذا عملته أدخلني الجنة, ونجاني من النار فقال ﷺ : (لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)، أي: تأتي بكلمة التوحيد وتأتي بحقها, فتقول: لا إله إلا الله بلسانك, ويصدق ذلك قلبك وعملك، إذا قلت: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله, فلا أتوجه بعبادة إلا إلى الله وحده لا شريك له, ولن أتوسل إلى أحد بعمل سوى الله تعالى, ولن يكون دعائي إلا إلى الله , ولن تكون عبادتي متوجهة إلا إلى الله, ولن أرائي ولن أشرك بالله ولن أوجه عملي لغير الله سبحانه, فتعبد الله بشرعه وبدينه، متابعاً للنبي ﷺ ومقتدياً به، وتعمل صالحاً وتخلص لله سبحانه. ثمَّ خصص ﷺ أشياء فقال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وهذه هي أركان الإسلام الخمسة، وكأنه قال: اعبد الله بما شرع وخاصة بأركان الإسلام. ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير -أي: بعد أن عرفت أركان الإسلام لا بد أن أدلك على أبواب الخير- قال: الصوم جنة -أي: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) فتصدق، فإذا كانت عليك خطيئة, وكأن الخطيئة توقد على صاحبها النار, وليست أي نار وإنما هي نار جهنم والعياذ بالله, فكأنه أطفأ هذه النار بماء الصدقة. ثم قال: (وصلاة الرجل من جوف الليل، وتلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]) فلا تعلم نفوس الناس مهما حاولت أن تعرف قدر صلاة الليل وقدر هذا الثواب, فهو أعظم من أن تتخيله، وما يخفيه الله سبحانه أعظم. ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله -أي: أعظم شيء في هذا الدين- وعموده وذروة سنامه, قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام) , فكل عبد في هذه الدنيا أعظم ما يتمسك به هو الإسلام, فهو رأس الأمر, (وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) فكأنه يقول: أعظم ما يكون أنْ تتمسك بالإسلام شريعة وعملاً, وأن تأخذ بأعظم ما فيه وهو الصلاة, والجهاد في سبيل الله . ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) أي: الذي يملك عليك هذا كله، فتستطيع أن تصلي صلاة صحيحة, وتجاهد جهاداً صحيحاً، وتفعل الخير بطريقة صحيحة، قال: (أمسك عليك هذا، قال: فأخذ بلسانه) كأن الإنسان إذا أراد أن يعمل طاعة ثم وقع في الإثم بسبب لسانه لا يستطيع أن يعمل تلك الطاعة, فلسان الإنسان قد يكون شؤماً على صاحبه؛ لأنه يتكلم في الحرام, ويتكلم في الزور والكذب، فكلما وقع في آفة من آفات اللسان فإن شؤمها يكون عليه, فيريد أنْ يقوم الليل فلا يستطيع, وبذلك يكون لسانه قد أخره عن أن يقوم لله في الصلاة, ويريد أن يجاهد في سبيل الله ولسانه يؤخره عن ذلك بما جره عليه من ويلات وما جره عليه من معاصٍ. إذاً: إذا أردت أن تصلي, وتجاهد جهاداً صحيحاً, وتصوم صياماً صحيحاً وأنْ يتقبل الله منك أعمالك فلا تفسد ذلك بآفات لسانك. قال: (فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ -يعني: أي شيء نقوله ربنا سيكتبه علينا؟ - فقال النبي ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ) والأم الثكلى: هي الأم التي فقدت ولدها، فهي تنوح وتبكي عليه, كأنه يقول: فقدتك أمك, وهذه الكلمة لا يقصد معناها, وإنما تقال على سبيل الترحم أو التودع لعدم فهمه, أي: ألم تفهم الذي أقصده والذي أقوله من هذا الكلام؟ ألا تعقل ذلك؟ ثم قال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) حصائد اللسان هي الآفات التي توقع الإنسان في النار والعياذ بالله، والنبي ﷺ ينصح أحد أصحابه ويقول: (أمسك عليك لسانك, وليسعك بيتك, وابك على خطيئتك) فأمسك عليك لسانك حتى تنتفع بعباداتك لله .

стр. 158

معنى الحسد والغبطة والفرق بينهما وحكمهما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا حسد إلا في اثنتين) فالحسد كله حرام, والذي ذكره النبي ﷺ مشاكلة لفظية فقط، ولم يقصد المعنى الحقيقي للحسد, إنما المعنى هنا: أن تغبط إنساناً على ما آتاه الله، وفرق بين أن تغبط أحداً وبين أن تحسده, فمعنى أن تحسده: أن تتمنى زوال نعمته، وهذا حرام لا يجوز, ولم يقصد النبي ﷺ ذلك أبداً. ومعنى الغبطة: أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لأخيك من نعمة، فتقول: بارك الله لك في نعمتك وأسأل الله أنْ يرزقني مثل ما رزقك، فقد وصف النبي ﷺ الغبطة بهذا الوصف، فكونك تحسد إنساناً على شيء لا يجوز لك، ولكن في أمرين اثنين يجوز لك أن تغبطه, وهما كما قال النبي ﷺ (رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل) أي: رجل آتاه الله القرآن بأن حفظه وقام يصلي به في الليل, وليس شرطاً أن يكون حفظ القرآن كله؛ لأن الدرجات يوم القيامة عظيمة وكثيرة، وحسب ما تحفظ يقال لك: (اقرأ وارتق) فتصل إلى مرتبة بحسب ما تحفظ, فإذا وجدت إنساناً يحفظ القرآن ويعمل به تقول في نفسك: يا ليتني أعمل مثل هذا الإنسان، ويا ليتني أحفظ مثله، فتتمنى أن تكون مثل هذا الإنسان وتأخذ بالأسباب, وقد تصل أو لا تصل، ولكن الله يعلم من نيتك أنك تريد ذلك فيعطيك؛ لأن الله كريم وعظيم , فالعبد الذي يتمنى الخير لا يحرمه الله الخير؛ لأن الله أكرم من أن يحرم عبداً من عبيده, فالغبطة هي أن تتمنى منزلة إنسان وتحبُّ أن يبقى على ما هو عليه من المنزلة، هذا الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ : (متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ : ما أعددت لها؟) أي: ما هو الذي أعددته للساعة حتى تسأل عنها, فالرجل رجع على نفسه وشعر بشيء من الأسف على نفسه، فقال (والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة, ولكني أحب الله ورسوله, فقال النبي ﷺ : المرء مع من أحب، قال أنس راوي الحديث: فما فرحنا بشيء فرحنا بسؤال هذا الأعرابي أن قال له النبي ﷺ : المرء مع من أحب، قال: أنس: فأنا أحب رسول الله ﷺ , وأحب أبا بكر وعمر , وأرجو أن أكون معهم). فينبغي للمسلم أن يحب الصالحين؛ لعل الله أن يجعله معهم. ففي الحديث السابق: (رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل) فإذا رأيت هذا الإنسان فقد تعمل مثله, أو لعله يقوم بعملٍ أكثر منك فتحاول أنْ تفعل ما يفعله، فيعطيك الله الأجر على ذلك. أما الثاني: (ورجل آتاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل والنهار) أي: أنه يتصدق في الليل والنهار، فإذا رأيته قلت: ليت الله يعطيني مالاً فأتصدق مثل هذا الإنسان, فلا حرج أن تتمنى على الله ذلك، ثم تحاول وتعمل, وليس مطلوباً منك أن تحقق هذه الأمنية؛ لأن النتيجة ليست عليك أبداً وإنما عليك السبب فقط, فقد تحاول أن تبحث عن عملٍ لعل الله يرزقك فتتصدق؛ فتذهب فلا تلقى عملاً فترجع، فنيتك هذه لن يضيعها الله أبداً؛ لأنك نويت أن تعمل ثم تتصدق، فالله يحفظ ذلك لك وكأنك فعلت. وقد روى أبو داوود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من امرئ تكون له صلاة بليل ويغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة) فانظر إلى كرم الله , فالمرء إذا كان دائماً يقوم يصلي في الليل فنام وما قام الليل، فإن الله يكتب له أجر صلاته كأنه قام الليل، ونومه عليه صدقة. إن الله كريم سبحانه, فاسألوه من فضله ومن رحمته, وأحسنوا الظن به, ومن أحسن الظن فليحسن العمل. نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكهما إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 159

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - فضل قيام الليل وصلاة التراويح إن فضل قيام الليل وصلاة التراويح عظيم، وأجرها عند الله جسيم، فذلك دأب الصالحين من قبلنا، وهي كفارة لذنوبنا، ومطهرة لقلوبنا، ومنهاة لنا عن الوقوع في معصية ربنا، وهي شرف المؤمن وعزته في الدنيا والآخرة، فهنيئاً لمن قام الليل وصلى التراويح وحافظ على ذلك، فإنه سر السعادة، ومفتاح النصر والريادة.

стр. 160

فضل قيام الليل الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. إن من أعمال رمضان العظيمة التي يحرص عليها المؤمن أن يقوم من الليل، وقيام الليل جاءت فيه عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة، ومن أعظمها قول النبي ﷺ : (إنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم). وقد كان ﷺ يحثهم عليه، وكان الصحابة يحرصون على ذلك فيصلون في بيوتهم، وإذا كان رمضان صلوا مع النبي ﷺ في المسجد صلاة الفريضة، وانصرف النبي ﷺ وصلى في بيته ما شاء من النافلة، وهم يقومون بعضهم يقوم فيصلي وحده، وبعضهم يقوم ويصلي جماعة، فلم يكونوا يتركون قيام الليل. ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الحث على ذلك قوله لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم ترك). وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل كله، ويصوم النهار، فالنبي ﷺ رده إلى ما لا يشق عليه، وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأن يقوم جزءاً من الليل، فيقسم القرآن على سبعة أيام، ووصل في النهاية إلى ثلاثة أيام، ثم قال له ﷺ : (لا تكن مثل فلان)، ولعل النبي ﷺ ذكر فلاناً باسمه فلم يذكره رواة الحديث ستراً عليه، فيكون ذلك من النبي ﷺ تنبيهاً لفلان هذا ألا يترك قيام الليل، أو أنه ذكره على الإبهام، فقال: لا تكن مثل فلان، فمن الخطأ أن يعتاد المؤمن على قيام الليل ثم بعد ذلك يتركه. إن الذي ينبغي على المؤمن كلما تقدم به العمر أن يزداد عبادة وطاعة لله سبحانه، وكلما ذاق طعم المناجاة في الليل ازداد حباً لها، وأما أنه يصلي من الليل ويقوم ويتهجد ثم بعد ذلك يتركه فهذا ليس بصواب، وإن كان قيام الليل ليس واجباً وإنما هو سنة، لكن الإنسان المؤمن كلما ازداد تقرباً ازداد استعذاباً لطعم العبادة، وازداد محاولة أن يكثر منها لا أن يتركها، فقول النبي ﷺ : (لا تكن مثل فلان) سينتشر بين الصحابة وسيصل إلى فلان هذا فيرجع ويصلي من الليل، وقال ذلك لـ عبد الله بن عمرو وكأنه يريد: لا تشدد على نفسك ثم لا تستطيع عليه فتترك. وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (لكل عابد شرة، وإن لكل شرة فترة) فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فأحياناً تأخذ الإنسان الشدة أن يعمل كل شيء، فيريد أن يقوم من الليل، ولعله يقوم الليل كله، يوماً واثنين وثلاثة، ثم يدب إليه التعب والملل فيترك، فلا هو واظب على ما كان يفعله ولا هو فعل المشروع المسنون عن النبي ﷺ ، فهنا النبي ﷺ يحثنا بأن نأخذ من الأعمال ما نستطيع عليه، وما نواظب عليه، والله لا يمل حتى تملوا. وأيضاً من الأحاديث ما رواه مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل)، والليل يبتدئ من المغرب ويستمر إلى أن يطلع الفجر، وقد كان الصحابة يقومون ما بين المغرب والعشاء، وليس هذا هو المقصود بصلاة التراويح ولا بصلاة التهجد ولا بقيام الليل الذي في رمضان، والذي كان يفعله النبي ﷺ والصحابة، وإن كان ما بين المغرب والعشاء يكتب من قيام الليل، فقد كانوا يقومونه وأنزل الله يمدحهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، فكانوا يقومون هذا في غير رمضان، ولعله في رمضان أيضاً، ولكن الصلاة التي نتكلم عنها الآن هي صلاة التراويح والقيام التي تكون بعد صلاة العشاء، فيتهجدون لله بعد ذلك في آخر الليل أو في أول الليل، وأفضله أن يكون في آخر الليل. وقال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي هريرة: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد)، فانظروا إذا ذهب الإنسان لينام فالشيطان يذهب وراءه، فلا يريده أن يقوم، ولا يريده أن يتعبد لله سبحانه، فيقف له على طريق العبادة؛ ليصده وليمنعه، فإذا نام جاء الشيطان إلى قفا الإنسان فيربط ثلاث عقد، وهذا كفعل السحرة، وقد تعلم السحرة ذلك من الشيطان، وكل عقدة يربطها يقول له فيها: عليك نوم طويل، أي: نم ولا تقم. قال ﷺ : (فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة) فالسنة أول ما تقوم من النوم أن تذكر الله سبحانه بأي نوع من الذكر، مثل: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور، الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في بدني وأذن لي بذكره، فتقول ما تحفظ من أذكار حين تقوم من الليل، وتعود نفسك على ذلك. وبعد ذلك إذا قمت فتوضأت قال ﷺ : (فإن توضأ انحلت عقدة -وهذه العقدة الثانية- فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس)، فإذا توضأت وصليت من الليل فلا يلزمك أول ما تبدأ بقيام الليل أن تصلي صلاة طويلة، ولكن صل ولو ركعتين خفيفتين كما كان يفعل النبي ﷺ ، فتحل عقدة الشيطان الثالثة، وبعد هذا تجد استعذاباً لقيام الليل، وحلاوة للمناجاة. ثم قال ﷺ : (فأصبح نشيطاً طيب النفس)، إذاً: فقيام الليل يجعلك نشيطاً، وهذا عكس ما يفهمه البعض حيث يقولون: إذا نام الإنسان الليل يكون نشيطاً في الصبح!! والنبي ﷺ يقول لك: إذا صليت أصبحت طيب النفس، تتقبل الأعمال، وتجيد أداء أعمالك، ولم يقل: صل الليل كله، ولكن قم من الليل ولو أن تصلي ركعتين من آخره، فتصبح طيب النفس. وإن لم يكن ذلك قال: (وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، وإذا لم يصل الليل فلعله أيضاً يضيع عليه الفجر، فيصبح في الصبح وهو مكتئب متضايق مهموم. ولو أنك صليت من الليل لزالت عنك هذه الهموم، وكان الله معك، وكانت ملائكة الله معك، وابتعد عنك الشيطان فأصبحت طيب النفس. وهناك حديث آخر يرويه أبو داود -وهو حديث صحيح- عن أبي سعيد أو أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا أيقض الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات)، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، وهذه أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان، حيث يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، فأعلى مرتبة يصل إليها الإنسان هي أن يكون من الذاكرين ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]. ولا يتخيل أبداً أن الذي يكثر ذكر الله لا يصلي، ومستحيل أن يكون ذلك، فكأنه وصل إلى هذه المرتبة بأدائه لأركان الإسلام، وبأدائه للفرائض التي عليه، وبأدائه للنوافل، فصار يستعذب ويستحلي ذكر الله سبحانه على لسانه، فوصل إلى هذه الدرجة: وهي درجة الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. فإذا أردت أن تكون من هؤلاء فعليك بقيام الليل، فالنبي ﷺ يحث الرجل أن يوقظ امرأته وتوقظ المرأة زوجها، فيصليا جميعاً، أو يصلي كل واحد منهما ركعتين في جوف الليل، فبالمواظبة على ذلك يكتبا عند الله من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

стр. 161

قيام الليل يمنع العبد من الفحشاء والمنكر وأيضاً من فضل قيام الليل: أن هذه الصلاة تمنع العبد من الفحشاء والمنكر إذا أجادها، فخير ما يستعين به العبد على ترك المعاصي: قيام الليل، فقم الليل فإنك بعد حين تجد نفسك تتدرج في ترك المعاصي، ولذلك كان في عهد النبي ﷺ سارقاً، وكان الناس يعرفونه، لكن لم يشهد عليه أحد عند النبي ﷺ كي تقطع يده، فهذا الرجل قام من الليل، فرآه بعض الناس يقوم الليل فتعجب كيف يسرق في النهار ويقوم في الليل! فقالوا للنبي ﷺ : فلان يقوم الليل ويسرق في النهار، قال: (سينهاه ما يقول) يعني: هذه الصلاة التي يصليها، وفعلاً انتهى الرجل عن السرقة بعد ذلك. فقد يكون في الإنسان أحياناً بعض الخصال السيئة التي يغضب بها ربه، ويحاول أن يبتعد عنها وأن يمتنع منها، كأن يكون فيه شيء من مد اليد إلى مال الغير، أو أنه يقع في بعض الكبائر، فلو أنه عمل صالحاً كقيام الليل، وواظب على الفرائض، فإن صلاته تنهاه عن هذا الذي هو فيه لو أنه كان مخلصاً لله سبحانه، تائباً إليه، راجياً من الله أن يغفر له، وأن يعينه على ترك هذا الذي هو فيه.

стр. 162

صلاة التراويح تسميتها ووقتها وفضلها إن صلاة التراويح صلاة مخصوصة في رمضان، وسميت بصلاة التراويح من الاستراحة يعني: جاءت من الراحة، فقد كانوا يصلون أربع ركعات ثم يستريحون، ثم يصلون أربع ركعات ثم يستريحون، فسميت تراويح؛ لأنها صلاة فيها استراحة بين كل أربع ركعات. قال النبي ﷺ في الحديث: (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، هذا في سنن أبي داود، وفي الصحيحين عنه ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). فقوله: (قام رمضان) أي: كل رمضان، وفضل الله سبحانه عظيم، فمن فاته شيء فليستدرك الباقي، لكن من قام رمضان فإنه يغفر له، ومن قام رمضان فإنه سيوفق إلى ليلة القدر، ولا يمكن أبداً أن يقوم الإنسان كل ليلة لله وتأتي ليلة القدر فيضرب الله عليه بالنوم فيها، فالله أعظم وأكرم من ذلك سبحانه، لذلك من قام رمضان وواظب على ذلك وفق لليلة القدر، فقام فيها فغفر الله له ما تقدم من ذنبه. ولعل الإنسان ينشغل أحياناً عن شيء من قيام رمضان فإذا قام ليلة القدر ووفق لها، فالله يغفر له أيضاً ما تقدم من ذنبه، ولكن لا يستوي من قام رمضان كله بمن قام ليلة واحدة، فمن أتعب نفسه كان له كل يوم مغفرة من الله، وكان له كل يوم فضيلة، ويعتق من النار، ويرفع درجات بهذه الصلاة العظيمة، ويستجاب له في دعواته. إن قيام الليل عظيم جداً، فعلى المؤمن أن يحرص عليه، وأن يحرص على حضور التراويح مع الإمام في جماعة. جاء عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلْتنا قيام هذه الليلة). هذا الحديث رواه الإمام أبو داود في سننه وهو حديث صحيح، وفيه أنهم صاموا مع النبي صلوات الله وسلامه ولم يقم بهم إلى أن بقي سبع، يعني: مرت ثلاثة وعشرون يوماً ولم يقم بهم، وفي ليلة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين قام بهم. فلما كانت السادسة لم يقم بهم، فلما كانت الخامسة -كأن هذه الليلة هي ليلة خمس وعشرين أو ليلة ست وعشرين- قام بهم النبي ﷺ حتى ذهب شطر الليل. (فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة) يعني: لو كنت أكملت بنا إلى فجر هذه الليلة، فقد استعذبوا الصلاة مع النبي ﷺ ، وأحبوا أن يقوم بهم إلى آخر الليل، فقال النبي ﷺ -وهذا هو موضع الشاهد-: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليل)، فانظر إلى فضل الله العظيم، فإذا صليت مع الإمام إلى أن انتهى من الصلاة سواء كان انتهى من ربع الليل أو من سدس الليل أو من نصف الليل، فإنه يكتب لك قيام الليلة. ثم إذا انصرف الإمام جاز للمسلم أن يصلي ما شاء. قال: (فلما كانت الرابعة -يعني: من آخر الشهر، فإذا كان ثلاثين فستكون ليلة سبع وعشرين- لم يقم بنا -وإذا كان الشهر تسعاً وعشرين فستكون ليلة ست وعشرين- فلما كانت الثالثة -إما ليلة ثمان وعشرين، وإما ليلة سبع وعشرين- جمع أهله ونسائه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح) إذاً فهذه ليلة سبع وعشرين قامها النبي ﷺ إلى أن خشي الصحابة أن يفوتهم السحور، وسماه الفلاح. فالنبي ﷺ قام بهم ثلاث ليالٍ، ولم يقم بهم غيرها؛ لأنه خشي أن تفرض عليهم صلاة التراويح، فهو ﷺ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهو ﵊ يخاف عليكم ألا تطيقوا هذه العبادة، مع أن الصحابة كانوا يريدون أن يقوم بهم، ووصل بهم الأمر إلى أنهم جاءوا يرمون على باب النبي ﷺ بالحصى، حتى ينبهوه إلى أن يصلي بهم، فلم يخرج ولم يصل بهم، فلما قرب الفجر خرج وقال لهم: (إنه ما خفي علي مكانكم بالأمس، ولكن خشيت أن تفرض عليكم). فانظروا فهم ينادونه ويريدون منه أن يصلي بهم قيام الليل ﷺ ، وهو يخاف أن تفرض عليهم هذه الصلاة، فلم يخرج ولم يصل بهم صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك جاء في حديث أبي هريرة: (كان ﷺ يرغِّب في قيام الليل من غير أن يأمرهم بعزيمة) يعني: من غير أن يأمرهم أمراً واجباً، وإنما يرغبهم فقط ﷺ على وجه الاستحباب.

стр. 163

مراعاة آداب المسجد عند صلاة الجماعة فيه إذا كان الإنسان يصلي الليل مع الجماعة فإنه يراعي آداب المسجد، فلا يؤذي أحداً من المسلمين، ولا يرفع صوته في القراءة إذا كان يقرأ، ولكن ليستمع للإمام، فإذا ترك له الإمام فرصة للقراءة فليقرأ في سره بفاتحة الكتاب. فإذا كان يصلي وحده: فإما أن يصلي وحده في المسجد، وإما أن يصلي وحده في البيت، فإذا كان يصلي وحده في المسجد ولا أحد في المسجد جاز له أن يرفع صوته، فإذا كان هناك أناس في المسجد فلا يزعج أحداً، فقد نهى النبي ﷺ أن يشوش بعض المصلين على البعض الآخر، وأن يؤذي بعضهم بعضاً في المسجد. وإذا كان وحده في البيت فله أن يرفع من صوته او يخفضه. وجاء في سنن أبي داود عن أبي قتادة: (أن النبي ﷺ خرج ليلة فإذا هو بـ أبي بكر ﵁ يصلي ويخفض صوته، ومر النبي ﷺ فإذا بـ عمر يصلي ويرفع صوته، ومر بالثالث وهو بلال ﵁، فقد كان يقرأ ويرفع صوته فسمعه النبي ﷺ يقرأ سورة من هنا وسورة من هنا وسورة من هنا، أو آيات من هذه السورة وآيات من هذه السورة بحسب ما يقرأ، فالنبي ﷺ في اليوم الثاني قال لـ أبي بكر: مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك، فقال أبو بكر ﵁: قد أسمعتُ من ناجيتُ). فمسجد النبي ﷺ كان مظلماً بالليل، فإذا كان فيه إضاءة خافته فلن يرى بعضهم بعضاً فيها إلا الشيء اليسير، فإذا أبو بكر في مكان مظلم في المسجد ويصلي ويخفض من صوته، فكأنما خشي النبي ﷺ عليه أن ينام وهو يصلي بهذه الصورة، فلذلك قال له: (ارفع من صوتك شيئاً)، فإذا كان الأمر كذلك وأنت على هذه الهيئة فارفع صوتك شيئاً. وعمر بن الخطاب كان يرفع صوته، لكن كأنه رفعه زيادة على الحد المطلوب، فلو كان أحد بجواره فلعله يزعجه، فسأله النبي ﷺ : (لماذا يرفع صوته؟ فكان جواب عمر ﵁: أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان) أي: أرفع صوتي من أجل أن أقيم النائم كي يصلي، وأطرد الشيطان، فقال له: (اخفض من صوتك شيئاً)، أي: ليس مطلوباً منك أن توقظ النائمين، ولكن من أراد أن يقوم للصلاة فليقم، ومن لا يريد أن يقوم فلا توقظه، لكن ارفع صوتك شيئاً من غير أن تزعج أحداً من الناس. وقال لـ بلال: (رأيتك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السور -يعني لم تقرأ سورة بأكملها، وإنما قرأت آية من سورة، ثم قرأت آية من سورة أخرى- فقال بلال ﵁: كلام طيب يجمع الله تعالى بعضه إلى بعض)، يعني: أنا انتقى منه، فالأشياء التي أعرف أقرأها أستحلي قراءتها، فقال النبي ﷺ : (كلكم قد أصاب) يعني: فيما صنعتم، ولكن افعلوا هذا الذي دللتكم عليه.

стр. 164

مشروعية حضور النساء لصلاة التراويح وصلاة التراويح يشرع أن تحضرها النساء، وإن كانت الصلوات العادية كان النبي ﷺ يقول فيها: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في مسجدها). إذاً: فصلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها مسجدها، لكن صلاة التراويح لعلها لا تصليها في بيتها كما لو صلتها في المسجد، فإذا كانت وحدها قد تنشغل بأمور البيت فلا تصليها، فيشرع للنساء أن يحضرن إلى المسجد فيصلين مع الجماعة، ولذلك جاء في حديث أبي ذر: (فلما كانت السادسة -ليلة سبع وعشرين أو ثمان وعشرين- قال: جمع أهله ونساءه والناس)، فجمعهم النبي ﷺ بما فيهم نساءه؛ حتى يصلوا معه ﷺ ، قال: (فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح). وكان عمر ﵁ يجعل للناس، إمامين: إماماً يصلي بالرجال، وإماماً آخر يصلي بالنساء، ونلاحظ أنه لم يجعل إماماً للنساء من النساء مع وجود نساء يحفظن القرآن، بل بعث لهن إماماً يصلي بهن، قال: وجعل عمر بن الخطاب للناس قارئين في رمضان، فكان أبي يصلي بالناس، وابن أبي حتم يصلي بالنساء. وكان علي بن أبي طالب أيضاً يأمر الناس بقيام رمضان، وكان يجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً، قال: فأمرني علي فقمت إمام النساء. فيجوز للمسلم -طالما قلنا إن صلاة التراويح سنة وليست فريضة- يجوز أن يصليها في جماعة، ويجوز أن يصليها وحده إن كان في البيت أو في مكان آخر، ولكن الأفضل أن يصليها في جماعة. وجاء عن عمر ﵁ أنه جمع الناس على إمام، يقول عبد الرحمن بن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون: يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. وجمعهم على سيد القراء أبي بن كعب رضي الله ﵎ عنه، الذي قرأ عليه النبي ﷺ وأمره أن يقرأ القرآن بأمر جبريل، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمة البدعة هذه. وهذه ليست البدعة المذمومة، فنحن نقول: البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، قصد بالسلوك عليها المبالغة في العبادة، وأما هذه فشرعية؛ فقد فعلها النبي ﷺ ، إذاً فـ عمر لا يقصد بالبدعة هنا البدعة الشرعية، وإنما يقصد المعنى اللغوي في ذلك، أي: نعم الأمر البديع هذا، فهذا أمر جميل أننا أرجعناهم إلى ما كان يفعله النبي ﷺ في الثلاث الليالي التي صلاها بهم. قال عمر: والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، وهذا عائد إلى الصلاة يعني: أن الصلاة التي يناموا عنها أفضل من التي يقومون، ولكن لا يستطيع عمر أن يجمعهم في آخر الليل؛ ففي أول الليل الكل موجود وذلك في صلاة العشاء، بخلاف آخر الليل. فيكون مراده: لو كانت هذه الصلاة على هذا الوضع في آخر الليل لكانت أفضل من هذه؛ لأنهم إذا صلوا في أول الليل فإنهم سينامون في آخر الليل، فإذا صلى الإنسان مع الإمام كتب له قيام الليل كله، فإذا رجع إلى بيته فيستحب أن يقوم من آخر الليل قبل الفجر ما يقدر عليه، فيصلي ركعتين أو ما قدر الله له. وكان النبي ﷺ يقول: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت)، فأفضل ما يكون من صلاة الليل والنهار ركعتان ركعتان، وإن جازت هيئات أخرى غير ذلك، فيجوز للمرء أن يصلي أربع ركعات متصلات في سنن النهار كصلاة الضحى، فيصلي أربع ركعات متصلات، لكن الأفضل أن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين. وكذلك في السنة القبلية والسنة البعدية للظهر، والسنة القبلية للعصر، فيجوز أن يصلي أربع ركعات متصلات، ولكن الأفضل هو ما فعله النبي ﷺ وحث عليه فقال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فصلاة الليل ركعتين ركعتين وتوتر بركعة واحدة، وإن كان هناك أحاديث جاءت في غير ذلك نذكرها فيما يأتي إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 165

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - صفة صلاة التراويح صلاة التراويح من النوافل التي جاء الحث عليها والندب إليها، وهي من قيام الليل، فعلى المسلم المحافظة عليها؛ لما فيها من الأجر العظيم، والثواب الجزيل. وصلاة التراويح اختلف العلماء في عدد ركعاتها، والراجح أنه لا حد فيها، فلا ينبغي أن ينكر أحد على أحد في هذا، وإن كان الأفضل هو العدد الذي واظب عليه النبي ﷺ .

стр. 166

أسماء صلاة التراويح الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فقد تكلمنا عن صلاة التراويح في رمضان، وذكرنا أن النبي ﷺ قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وكان النبي ﷺ يحث على قيام رمضان، وكان يحثهم من غير عزيمة، يعني: لم يوجبه، بل كان يخاف ﷺ أن يواظب عليها مع الناس فيكتب ويفرض عليهم، فلذلك كان يصليها في بيته صلوات الله وسلامه عليه، وخرج فصلى بالصحابة ثلاث ليال، كما ذكرنا في الحديث السابق. وهذه الصلاة تسمى بصلاة القيام، وتسمى بصلاة التراويح، وتسمى التهجد، وتسمى قيام الليل، وتسمى الوتر، وهي واحدة.

стр. 167

عدد ركعات صلاة التراويح وذكر الخلاف في ذلك وكان يصليها النبي ﷺ في رمضان وفي غير رمضان، وكان يواظب عليها سواء في رمضان أو في غير رمضان، ولكن في رمضان كان يحث عليها الناس. فالنبي ﷺ كان يصلي صلاته المعهودة في رمضان وفي غير رمضان، وما زاد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، صلوات الله وسلامه عليه. وثبت عنه ﷺ أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، ولكن أكثر الأحاديث على أنه كان يواظب على إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غير رمضان، بل كان إذا فاتته صلاة الليل صلاها في وقت الضحى شفعاً، يعني: يصليها اثنتي عشرة ركعة في النهار في وقت الضحى، وأخبر أن من فاته قيام الليل فصلاه في وقت الضحى كتب له قيام الليل، وهذا من فضل الله العظيم . فالمستحب في ذلك ما كان أسهل على الناس فيها، سواء صلى ثلاث عشرة ركعة أو صلى إحدى عشرة، أيضاً يجوز أن يصلي أكثر من ذلك، لكن أفضل الفعل هو فعل النبي ﷺ ، فقد كان يصلي إحدى عشرة ركعة ويواظب عليها. ولكن لا إنكار على من يزيد على ذلك؛ لأنه لم يثبت عنه ﷺ أنه نهى عن أكثر من ذلك، وهذه مسألة هامة جداً، فبسببها يقع إشكال بين المسلمين كثيراً, بين الذين يرى عدم الزيادة على ما فعله النبي ﷺ وبين الذي يقول: الأمر واسع في الأمر، وهذا الصواب، فالصواب في هذا الشيء: أن الأمر واسع، فإذا صليت مع الناس إحدى عشرة ركعة، ورجعت إلى البيت وأحببت أن تصلي ما شئت، فلا يوجد إنكار في ذلك، فصل ما شئت؛ لأنه لم يأمر النبي ﷺ بعدد معين لا يجوز تجاوزه. ولذلك فجماهير العلماء على أنه يجوز أن تصلي ما شئت في قيام الليل، سواء إحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك أو أقل من ذلك؛ بحسب ما يتيسر لك. وقد ذكر الإمام النووي في المجموع مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح، والغرض منها بيان أن الأمر واسع، فلا يحتاج أننا نبقى في عراك مع بعضنا، فواحد يقول: صل إحدى عشرة، وآخر يقول: صل عشرين، وآخر يقول: إحدى وعشرين، وآخر يقول: ستاً وثلاثين، فلا يحتاج الأمر لهذا الشيء، وإنما أفضل ما يكون أن تصلي إحدى عشرة ركعة كما صلى النبي ﷺ ذلك، وإذا كان يشق على الناس التطويل في الركعات جاز أن يقلل في القراءة ويزيد من عدد الركعات، وإذا صلى الإنسان في المسجد ورجع إلى بيته ورأى أن هناك وقتاً إلى الفجر، وفيه قوة أنه يقوم من الليل، فيجوز أن يصلي أكثر من ذلك، ولم يثبت المنع في ذلك. وأما قول السيدة عائشة ﵂: (ما زاد رسول ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) فهذا فعل، والفعل لا يفيد التحديد، ولا يفيد أنه لايجوز إلا إحدى عشرة، وأن أكثر من ذلك يكون بدعة، أو أن أكثر من هذا يكون ضلالة، أو يكون حراماً، فإن هذا كله لم يقله النبي ﷺ ، وجماهير أهل العلم على أن الأمر واسع، ومن أجمل الكلام في ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. يقول النووي ﵀: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود أنها عشرون ركعة، يعني: أن هؤلاء أخذوا بأن عمر بن الخطاب جمع الناس على عشرين ركعة، فعلى ذلك قالوا: نفعل كما فعل عمر ﵁. والبعض يقول: الوارد عن عمر إسناده ضعيف، ولكن هناك روايات أخرى تعضد هذا الأثر، وهذا كان مشهوراً في عهد عمر ﵁ أنه فعل ذلك. والراجح: أن الأمر واسع، فمن صلى عشرين أو صلى إحدى عشرة فكل ذلك جائز. لكن يا ترى هل الذي سيصلي عشرين الركعة سيقرأ فيها آية ويركع؟ إن هدي النبي ﷺ هو أفضل الهدي، فعليك أن تقرأ كما كان يقرأ النبي ﷺ ؛ فإن قراءته كانت قراءة معتدلة بصلاة طويلة جميلة، وهذا أفضل من أن تصلي وتقرأ في كل ركعة آية وتركع، فهذه الصلاة تجعل الناس يلهثون وراء الإمام وهو يجري في هذه العشرين ركعة. لكن إذا صلى المرء ثمانِ ركعات يحسن فيها القيام، ويفهم الناس القرآن، ويختم فيهن كلام رب العالمين ، فهذا أفضل من أنه يصلي ركعات كثيرة، وتكون في النهاية المحصلة أنه قرأ ربعاً أو ربعين في خلال العشرين الركعة. يقول النووي: مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود -يعني: الظاهري - أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات: ركعتين ركعتين ركعتين ركعتين وذلك خمس ترويحات. وسميت تراويح لأنهم كانوا يتروحون بين كل أربع ركعات، فيصلون أربع ركعات ومن ثم يأخذون راحة، ثم يصلون أربع ركعات ومن ثم يتروحون، يعني: يستريحون بعد الأربع ركعات. وجاء عن الأسود بن يزيد أنه كان يقوم بأربعين ركعة، ويوتر بسبع ركعات. وقال مالك: التراويح تسع ترويحات، وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج مالك على ذلك بأن أهل المدينة يفعلون ذلك. وقال نافع وهو مولى عبد الله بن عمر وشيخ مالك في الحديث أدرك التابعين وبقايا أصحاب النبي ﷺ ، يقول: أدركت الناس في المدينة وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث. وهذا عدد كبير جداً، ولعلهم كانوا يصلون الليل كله، فهل يطيق المسلم ذلك؟ ولو قيل: إنهم كانوا يصلون ركعات كثيرة لكنهم يقرءون في كل ركعة آية أو آيتين، ف الجواب أنهم لم يكونوا يفعلون هذا الشيء، بل كانوا يصلون صلاة طويلة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عدداً معيناً، يعني: لم يحدد أنه لازم أن يكون كذا، فلم يقل: صل إحدى عشرة ركعة ولا تزد على ذلك، فتكون الزيادة على ذلك ممنوعة، كما قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين)، فيمنع أن تصلي بعد الفجر، فبعد أن يؤذن المؤذن للفجر الصادق لا يجوز لك أن تصلي أكثر من ركعتين، وهما سنة الفجر، فهذا توقيت وقته النبي ﷺ . لكن في قيام الليل الأمر مفتوح، فلم يقل: لا تصل أكثر من كذا، فيجوز للإنسان أن يصلي ما شاء. يقول ابن تيمية ﵀: لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عدداً معيناً، بل كان ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات، وكان يستمتع بهذه الصلاة ﷺ ، فكان يقوم من النوم فيصلي ركعتين يطيل فيهما ما شاء الله ، ثم ينام إلى أن يأخذ قسطاً من النوم، ثم يقوم مرة أخرى فيصلي ركعتين ويطيل ما شاء الله له أن يطيل. إذاً: فهو يقوم يصلي صلاة رغبة ورهبة، صلاة إقبال على الله وليست صلاة مستعجلة وكأنه يقول: متى ننتهي منها؟ ليس كذلك، بل كان يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، وقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فهذه صلاة النبي ﷺ . يقول ابن تيمية ﵀: فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة ويوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة. يعني: فكأنه يعوض، فإذا كانت الإحدى عشرة ركعة ستأخذ ساعتين أو ثلاث ساعات، فيصلي العشرين في نفس المقدار، إذاً: فيقلل في عدد الآيات التي في كل ركعة، لكن في النهاية هو نفس الوقت الذي كان سيصلي فيه الإحدى عشرة ركعة. يقول ابن تيمية: وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من ركعات؛ لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة، ثم كانت طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين وأوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ. هذا كلام فقيه عظيم عالم، وقد جمع بين علم العقيدة وعلم الأصول وعلم الفقه وعلم الحديث، فتكلم كلام العلماء الراسخين، فقال: الأمر واسع في ذلك، ولكن أحب ما يكون هو فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، من غير تبديع لمن زاد على ذلك. قال: والأفضل في ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام -أي: يستطيعون أن يصلوا صلاة طويلة- فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي ﷺ يصلي بنفسه في رمضان وغيره، وهو الأفضل على رواية؛ لأن الروايات المشهورة إحدى عشرة ركعة. وإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشر وبين الأربعين. قال في آخر كلامه: ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ. هذا كلام جميل جداً، وكلام طيب يجمع المسلمين ولا يجعل بينهم خلافاً، ولا يجعلهم يشتم بعضهم بعضاً، ويبدع بعضهم بعضاً، فالأمر واسع في ذلك، لكن أفضل ما يكون هو أن يصلي كما صلى النبي ﷺ إحدى عشرة ركعة، ويطيل فيها بما لا يشق على الناس، كما يفعل الكثيرون من أئمة المساجد الذين يقتدون بهدي النبي ﷺ في ذلك. هذا مختصر لكلام ابن تيمية ﵀.

стр. 168

ذكر بعض الأحاديث الواردة في صفة قيام النبي ﷺ في الليل ومما جاء في ذلك ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (إن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته -تعني: بالليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية)، والخمسون آية ممكن أن تكون ربعين في القرآن، هذا الغالب، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك. قالت: (قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر). هنا ذكرت أنه صلى إحدى عشرة ركعة بالليل، وركعتين، فاحتمل أن تكون الركعتان هم اللتان قبل الفجر، سنة الفجر القبلية، واحتمل أن تكونا من ضمن قيامه، وأنه بعدما انتهى وأوتر ﷺ كأنه قام بعد ذلك فركع ركعتين بعدها، وسيأتي الكلام على ذلك. لكن تقول هنا في الحديث توضح أنها سنة الفجر: (يركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة). فقام الليل بهذه الصفة التي السجدة فيها بقدر خمسين آية، وهذا يدل على أنها طويلة، فإذا كان سيسجد السجدات قدر خمسمائة آية فكم سيكون قدر الركوع؟ والقراءة نفسها كم ساعة ستكون؟ إذاً: فهذه الصلاة الطويلة تحتاج إلى راحة، فكان ﷺ يرتاح بعد هذه الصلاة، فلما أذن المؤذن للفجر صلى ركعتين سنة الفجر. ثم يضطجع إلى أن يجتمع الناس إلى بيت الله ، وهذا الاضطجاع سنة في مثل هذه الحال. فعائشة ﵂ تحكي أن النبي ﷺ قام الليل قياماً طويلاً، وعند الفجر صلى ﷺ سنة الفجر، ثم اضطجع قليلاً ﷺ . وأحياناً كان يجد زوجته السيدة عائشة أو أم سلمة أو غيرهما من زوجاته قاعدة فكان يحدثهن، وأحياناً تكون هي أيضاً تنتظر صلاة الفجر، فكان النبي ﷺ يضطجع ولا ينام، ولكن يضطجع ليستريح، وهذا معروف طبياً، فإن الإنسان إذا قام قياماً طويلاً ينسحب الدم من رأسه إلى أطرافه، فلا يصل إلى المخ، فيمكن أن يدوخ، فإذا نام على الأرض يصل الدم إلى المخ؛ لذلك إذا أغمي على إنسان فإنك تضعه على الأرض، فترفع رجليه من أجل أن الدم يصل إلى دماغه، وأما إذا وضعته على كرسي وجعلت تضرب فيه من أجل أن يصحو فلن يصحو؛ لأن الدم لن يصل إلى دماغه، فأول شيء أن تجعله ينام على الأرض، وترفع رجليه إلى الأعلى، فتجعل رجليه أعلى من دماغه؛ من أجل أن الدم يصل إلى الدماغ. فالإنسان إذا قام الليل وتعب فإنه ينام ويضطجع. إذاً: فهذه سنة النبي ﷺ ، لكن إذا كان الواحد حاله مثل حالتنا قد نام الليل كله، وقبل الفجر قام وصلى ركعتين فلا يضطجع؛ لأنه قد نام الليل كله، فلا ينم؛ فإن هذا وقت إجابة دعاء، ولذلك البعض يتشدد ويقول: هي سنة، وأما ابن حزم رحمة الله عليه فيقول: تجب هذه الضجعة. والصحيح أن هذه ضجعة استراحة، وليست عبادة، لكن ابن حزم يقول: هي واجبة، حتى إنك لو ذهبت للمسجد وكان الإمام في الصلاة فاضطجع، ثم قم وادخل في الصلاة، وهذا الكلام بعيد جداً عن الحقيقة وبعيد عن الواقع، ومن يقبل مثل هذا الشيء؟! إذ كيف أدخل وأجد الإمام في الصلاة فأذهب اضطجع وأقوم؟! فسيقول: فعلها بعض الصحابة، فنقول: وإن فعلها بعض الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم؛ فإنهم فعلوها بسبب الأعياء والتعب؛ لأنهم قاموا الليل كله، ولما وصلوا إلى المسجد وكان الواحد منهم مجهوداً اضطجع، أما إذا جئت والإمام في الصلاة وقد أمرك النبي ﷺ : (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا)، ولم يقل: نم واضطجع قليلاً وقم وادخل معه، وإنما قال: (فاسجدوا)، مع أن السجدة ليست محسوبة، ولذا قال: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة). وهذا الحديث معناه: أنك أول ما تدخل المسجد افعل كما يفعل الإمام؛ بنص كلام النبي ﷺ ، فإن خالف بعض الصحابة فنقول: هو فهم هذا الشيء ﵁ لكن النبي ﷺ لم يقل هذا الشيء، هو فهم أن النبي ﷺ أمر بهذا الاضطجاع، وهو ﷺ أمر من قام الليل أن يضطجع، كما قام النبي ﷺ وتعب. وأما أن يأتي المسجد وهو قد بات نائماً في وقت أخبر النبي ﷺ أن الدعاء فيه مستجاب ويترك الدعاء من أجل أن يضطجع فلا، ولماذا يفعل هذا الشيء وهو غير تعبان؟ فهنا الضجعة نحملها على ما فعله النبي، كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها. ونحن نحكي هذا لأن في الاعتكاف تجد بعض الإخوة يعملون حاجات غريبة، ومن ثم يقولون: هي سنة، فنريد أن نقيم السنة، وتجد آخرين يردون عليهم، ويحصل خلاف بينهم، فنقول: ابعدوا عن الخلاف، فالخلاف كله شر. وأيام الاعتكاف أيام عبادة لله ، وتقرب إلى الله ، فلا تشذ عن الناس بفعل تفعله، ولا تلفت إليك الناس بحيث تقول: الناس ينظرون إلي، والناس يعملون مثل ما أنا أعمل، فيخشى عليك من الرياء بفعلك الذي تفعل. وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)، ونلاحظ الفرق بين: (كان يفعل كذا)، فهذا دليل على الاستحباب، وبين: (لا تفعلوا كذا)، فهذا دليل على الأمر والنهي، فهنا كان يفعل، والتي تقول هذا هي السيدة عائشة وليس النبي ﷺ . فالسيدة عائشة ﵂ تقول: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) تعني: لا تسأل عن جمال هذه الصلاة التي يصليها، وعن حسن الصلاة التي يصليها النبي ﷺ ، والله يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، فلا تجهر بصلاتك فتوقظ النائمين، ولا تخافت بها، فلعل أحداً يريد أن يسمعك وأنت تقرأ، فكان يقرأ قراءة لا يوقظ بها النائمين، فكانت تسمع له، ويعجبها قراءة النبي ﷺ ، ويعجبها جمال صلاة النبي ﷺ ، فتقول: (لا تسأل) أي: لا يوجد بعد ذلك حسن؛ فصلاة النبي ﷺ التي يصليها بالليل وهو في بيته ﵊ أحسن وأجمل صلاة. قالت: (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) تعني: يوتر بعد ذلك بركعتين ثم بواحدة، قالت: (فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟) كأنه كان يصلي أربع ركعات وينام، ثم يقوم، فيصلي أربع ركعات أخرى وينام، ثم يوتر، فهي تسأله وتقول: أنت تقوم من النوم فتصلي الوتر من غير أن تتوضأ؟ فقال: (يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) فقلبه صلوات الله وسلامه عليه لا ينام، بل قلبه معلق بالله سبحانه، فيستشعر بكل ما حوله، والعين تنام وتستريح، وأما القلب فلا، فهو يقظ ليلاً ونهاراً، فصلوات الله وسلامه عليه لا يغيب عن ربه ، وكان النبي ﷺ إذا نام يستشعر نفسه أنه أحدث أو لم يحدث، والعادة أنه لم يحدث في النوم فيصلي ﷺ ، فإن أحدث توضأ وصلى صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث آخر في صحيح مسلم أن عائشة ﵂ سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر)، وكأنها هنا أجملت الحديث، وفي الحديث الأول ذكرت أنه كان يصلي أربعاً ثم أربعاً، تعني: يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم فيصلي ركعتين ويوتر ﵊، فهذا تفصيل: أربعاً وأربعاً وثلاثاً. وهنا قالت: (ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) أي: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، فيصلي ثمان ركعات ثم يوتر، وكأنها تقصد أنه يوتر بثلاث، فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، ثم يصلي ركعتين. قالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح). وهذا الحديث محتمل أنه على هذا الظاهر، أي: أنه ﷺ صلى ثمان ركعات، لكن يحتمل أنه أوتر بواحدة، ويحتمل أنه أوتر بثلاث. فإن كان أوتر بواحدة فيكون صلى تسع ركعات، وبعدما صلى التسع ركعات صلى ركعتين وهو جالس ﵊. إذاً: نأخذ من هذا أنك إذا أوترت مع الإمام وأحببت أن تصلي في البيت فيجوز لك أن ترجع فتصلي شفعاً شفعاً، فليس لازماً أنك إذا كنت مع الإمام وأوتر وسلم أن تقوم وتأتي بركعة، بل من الممكن أنك أيضاً تسلم مع الإمام في الوتر، وإذا رجعت إلى بيتك وأحببت أن تصلي فصل، لكن صل شفعاً ولا توتر مرة ثانية بعد ذلك. وفعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز، وصلى ثمان ركعات وأوتر بواحدة ﷺ ، فأصحبت تسعاً، ثم صلى ركعتين وهو جالس ﵊؛ وكأنه تعب، فأصبحت إحدى عشرة ركعة. قالت: (فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: صلى الركعتين وهو جالس وقرأ فيها ما شاء الله أن يقرأ، فإذا أراد أن يركع قام وكمل القراءة وهو قائم، وركع ﵊ من قيام، وهذا في الركعتين اللتين بعد الوتر وليس في الركعتين اللتين بعد أذان الفجر. قالت: (ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة)، فإذاً: الثلاث عشرة ركعة فيها ركعتا سنة الفجر القبلية. فعلى الحديث الأول يحتمل أنه صلى ركعتين من ضمن ركعات قيام الليل، وعلى هذا فيكون قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وإن كان الغالب من كلامها الاحتمال الثاني، وهو أنها

стр. 169

جمع عمر ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة التراويح روى الإمام مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وكان القارئ يقرأ بالمئين. والمئين: السور التي تعدت المائة آية، وسور القرآن كانوا يقسمونها إلى: السبع الطوال، وهي أول سبع سور في القرآن، تليها المئون، وهي السور التي تجاوزت المائة آية كسورة يونس، وسورة هود، وسورة الكهف، وسورة الإسراء، وغيرها من السور التي تجاوزت المائة آية. يليها ما هي أقصر منها وهي: المثاني، وهي أقصر من ذلك، يليها المفصل التي في آخر القرآن، ويقسم المفصل إلى ثلاثة أقسام: طوال المفصل، وأوساط المفصل، وقصار المفصل. فكان القارئ يقرأ بالمئين، يعني: بالسور التي عدت مائة آية، ونحن ربما صلينا بسورة الكهف في أربع ركعات، بينما كان القارئ في زمانهم يقرأها في ركعة، فيقرأ في ركعة بالمئين، يقرأ بسورة يونس، أو سورة هود، أو سورة الكهف، أو سورة الإسراء، يقرأها في ركعة واحدة. قال: حتى كنا نعتمد على العصي من التعب. يعني: يعتمد الواحد على العصا أو العكاز من التعب من طول القيام. قال: وما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر. هذا في عهد عمر ﵁، فإذا جاء عن عمر أنه جعل التخفيف بأنه يصلي بهم عشرين ركعة فالمعنى أنهم كانوا يصلون الليل كله، ومعنى هذا أن هذه الصلاة طويلة جداً، فكان يأمر القارئ بأن يقرأ بالعشرين الآية والثلاثين آية كما سيأتي بعد ذلك في قول عمر ﵁، وأمر أنه يقرأ القارئ بالعشرين آية أو الثلاثين بحسب سرعة القارئ، وهذا هو الذي جعل عدد ركعات الصلاة أطول من أجل أن يعوض القيام الطويل، والله أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 170

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - صلاة الوتر وما يقرأ فيها وأحكام القنوت إن صلاة الوتر من النوافل الرواتب، وفضلها عظيم، والأحاديث والآثار فيها كثيرة، فيجوز أن يصليها ركعة ويجوز أن يوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع. فإذا أوتر بثلاث فإنه يقرأ فيها في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الكافرون، وفي الثالثة بسورة الإخلاص.

стр. 171

استحباب صلاة الوتر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا عن صلاة التراويح سابقاً وذكرنا أنها تسمى بصلاة التراويح، وتسمى بصلاة القيام، وهي نفسها صلاة الوتر، وإن إذا ذكرنا أنه كان النبي ﷺ يصلي ركعتين ركعتين ويوتر بواحدة فنقصد هنا بالواحدة الوتر، وهي آخر ما يصليها ﷺ ، أو الثلاث الوتر آخر ما يصليها ﷺ ، والوتر عكس الشفع. فصلاة التروايح وإن كانت إحدى عشرة ركعة أو ثنتي عشرة ركعة إلا أنها تسمى بصلاة الوتر لأنها تختم بالوتر، فكان النبي ﷺ يصلي ثمان ركعات ويختم بثلاث وهي الوتر، وكان الغالب من حاله ﷺ أن يصلي ركعتين ركعتين في صلاة القيام، ويوتر بركعة واحدة صلوات الله وسلامه عليه. روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدع الناس العتمة)، وهذا التفسير لأن البعض كان يسمي المغرب العشاء، ويسمي العشاء العتمة، وهؤلاء الأعراب، فكأنها أرادت أن تبين من أجل ألا يخطئ أحد فيظن أن العشاء هي المغرب، قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ الناس من صلاة العشاء وهي التي يدع الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة). وقال: ابن عمر ﵁: (كان رسول الله ﷺ يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة، ويسمعناها). يجوز أن تقول: الوِتر والوَتر، ففيها لغتان، فله في صلاة أن يوتر بثلاث وخمس ولا يجلس ولا يسلم إلا في الأخيرة، وهذا جاء عنه ﷺ فيما رواه أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (الوتر حق)، وكأنه يقول: لا تتركها، ولكن لم يقل ذلك على وجه الإلزام فإن النبي ﷺ سأله الأعرابي وسأله غيره عن الصلوات المفروضات، فأخبر أنها خمس صلوات في اليوم والليلة. وذهب معاذ إلى اليمن في آخر حياة النبي ﷺ ولم يرجع إلا بعدما مات النبي ﷺ ، فكان آخر ما بعثه النبي ﷺ به أن يقول للناس: إن الواجب والفرض الذي عليكم هو الصلوات الخمس، فليس هناك فرض آخر إلا أن يكون بسبب كصلاة الجنازة مثلاً أو نحو ذلك، وأما صلاة النوافل كلها من رواتب وغير رواتب فهي نافلة، والوتر أيضاً من ضمن السنن، ولكن لا ينبغي أن تترك، وقد واظب النبي ﷺ عليها حضراً وسفراً، فكان وهو حاضر يصلي سنة الفجر والوتر، وكذلك وهو مسافر أيضاً، مع أن الرواتب الأخرى كان يسقطها ولا يصليها في السفر ﷺ ، لكن صلاة الليل، وسنة الفجر، وصلاة الوتر ما كان يتركها ﷺ لا في السفر ولا في الحضر. قال ﷺ : (الوتر حق على كل مسلم)، لو جاء هذا الحديث فقط لكان الوتر لازماً على كل مسلم، ولكن يمنعنا من القول بالوجوب هنا -وإن كان الأحناف قد قالوا بالوجوب- أنه قد جاءت صوارف لهذا الوجوب كقول النبي ﷺ للأعرابي: (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال الرجل: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع)، فدل على أن غيرها تطوع، وهذا الوتر من التطوع الذي لا يلزم، وإنما يتأكد استحبابه. وأيضاً من الأدلة على عدم الوجوب قضاء الله سبحانه المبرم المحكم في ليلة المعراج، حيث قال: (هن خمس، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، إذاً فليس هناك زيادة على الخمس الصلوات التي فرضها الله على النبي ﷺ . فقوله هنا: (الوتر حق) مصروف عن الوجوب والإلزام إلى الاستحباب، وفيه تأكيد الاستحباب. ومما يدل على الاستحباب أيضاً قوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)، فدل على الاستحباب لأنه راجع إلى مشيئة العبد.

стр. 172

عدد الركعات في صلاة الوتر يجوز أن يصلي المسلم الوتر ثلاث ركعات متصلات، أو خمس ركعات متصلات، أو ركعة واحدة فقط، فهذا كله جائز. روى النسائي عن ابن عباس عن أم سلمة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع أو خمس لا يفصل بينهن بتسليم). إذاً: كان ﷺ إذا زاد على ثلاث كأن يصلي خمس أو سبع ركعات كان لا يفصل بينهن بتسليم، فكان يصلي النافلة بعد العشاء ثمان ركعات: ركعتين وركعتين وركعتين، ثم يوتر بخمس متصلات يجلس في الرابعة والخامسة، وكذلك إذا صلى سبع ركعات متصلات فإنه يجلس للتشهد في السادسة والسابعة، وإذا صلى تسع ركعات فإنه يجلس في الثامنة والتاسعة، وكان إذا صلى سبعاً متصلات أو تسعاً متصلات فإنه يصلي بعدهن ركعتين، لبيان جواز ذلك. ويجوز إذا أوتر بخمس ركعات متصلات ألا يجلس إلا في الخامسة فقط كما في حديث عائشة ﵂، ويجوز أن يجلس في الأخيرة وقبل الأخيرة، فقد جاء أنه ﷺ كان يفعل ذلك. روى النسائي عن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي الركعة الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ولا يسلم إلا في آخرهن، ويقول - يعني: بعد التسليم -: سبحان الملك القدوس ثلاثاً)، فهذه سنة من سننه. وفي حديث آخر: كان يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، والأمر واسع. وأيضاً روى الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب). هذا الحديث يؤخذ منه أن الأفضل ألا يوتر بثلاث ركعات متصلات، وهذا جائز، فقد جاء من فعله ﷺ ، فهنا يقول: لا تجعل الوتر مثل صلاة المغرب، فصلاة المغرب تجلس فيها بعد الركعة الثانية، ثم تقوم للثالثة، ثم تجلس في الثالثة، فهنا يقول: لا تشبه الوتر بصلاة المغرب، أي: لا تصلي ثلاث ركعات، ولكنه ﷺ قد فعل هذا. فالمعنى الآخر: أنك لا تجلس في الركعة الوسطى منها، ويجوز أن تجلس في الأخيرة والتي قبل الأخيرة في الخمس ركعات والسبع الركعات. وله أن يوتر بسبع وبتسع متصلات لا يجلس إلا في الأخيرتين، فقد جاء عن السيدة عائشة ﵂ أنها أخبرت بذلك، فقالت: (كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة، ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة)، وهذه الصلاة كان يصليها وحده ﷺ ، ولم يكن يصليها بالناس. فإذا كنت إماماً للناس فلا يستحب لك ذلك، بل المستحب أن تصلي ركعتين ركعتين، ولو كان فعل هذا مستحباً بالناس لفعله النبي ﷺ بالناس، وإنما فعل هذا وحده، ولذلك أخبرت السيدة عائشة عن ذلك، فكان ﷺ يصلي صلاة طويلة، وأما مع الناس فيصلي تسع ركعات، فلعل الإنسان يحدث في الصلاة فإذا صلى الإمام ركعتين ركعتين يذهب المحدث ليتوضأ، ولو صلى الإمام أكثر فإن المأموم سيتحسر على ما فاته فيها، فلذلك قال النبي ﷺ : (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، إذاً: فالمستحب أن تصلي هذه الصلاة في البيت، فيجلس الإنسان في الثامنة والتاسعة إذا كانت تسع ركعات، وإذا كانت سبع ركعات جلس في السادسة والسابعة، وسلم في الأخيرة. قالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: إذا صلى تسع ركعات متصلات وقد تعب من التسع الركعات المتصلات، فإنه يقوم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك إذا صلى سبع ركعات، قالت: (ولم يقرأ القرآن في ليلة قط) تعني: لم يقرأ القرآن كله في ليلة، لكن أقصاه أنه كان يقرأ بالسبع السور الطوال من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة، يقرأ هذا كله في قيام الليل، أي: أنه يقرأ بأكثر من ألف آية ﵊، لكنه لم يكن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره في ركعة كما جاء عن بعض أصحابه أنه فعل ذلك، كـ عثمان وعبد الله بن عمرو، فهو نفسه ﷺ لم يفعل ذلك؛ حتى لا يشق على أمته صلوات الله وسلامه عليه. تقول عائشة ﵂: (ولم يصم شهراً يتمه غير رمضان)، فالشهر الوحيد الذي صامه تاماً هو رمضان، وهذا يشكل عليه ما جاء عنها هي: (أنه كان يصوم أكثر شعبان أو كان يصومه كله) فلم يكن يداوم كل سنة على صيام شعبان كله، فأحياناً كان يصوم شعبان كله وأحياناً كان يكثر من الصوم في شعبان، (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها)، (كان أحب العمل إليه أدومه وإن قل) ﷺ ، (وكان إذا غلبته عيناه من الليل بنوم صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة).

стр. 173

من نام عن صلاة الوتر أن نسيها كان ﷺ إذا غلبته عيناه يعني: إذا تعب بالنهار في الإصلاح بين الناس، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في أمر من الأمور فتعب ﷺ فجاء آخر الليل ولم يستطع أن يقوم فنام وغلبته عيناه، فهنا كان يصلي في النهار ثنتي عشرة ركعة مكان صلاة الليل وهي إحدى عشرة، فالنهار ليس فيه وتر إلا المغرب، فكان يصلي في وقت الضحى ثنتي عشرة ركعة صلوات الله وسلامه عليه. وقد حث النبي ﷺ على صلاة الوتر قبل طلوع الصبح وقال: (أوتروا قبل أن تصبحوا)، رواه مسلم. وقال: (من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ)، فإذا كان الإنسان متعوداً أن يصلي صلاة الوتر، ثم نسيه في مرة من المرات أو نام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه يستحب له إذا قام من الليل أن يصلي ركعة الوتر، سواء قام قبل الفجر أو بعد أن يؤذن الفجر، ثم يصلي سنة الصبح، ثم صلاة الصبح بعد ذلك. وروى ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبحت ولم أوتر، فقال: إنما الوتر بالليل)، هذا ليبين له أن الأمر ليس بالتشهي، وكأن الرجل اعتاد أن يوتر كل يوم، وهذه المرة غلبته عيناه، فذهب إلى النبي ﷺ يخبره بذلك، وقد صعب عليه هذا الذي وقع فيه فبعدما ألح الرجل في السؤال مرة واثنتين وثلاثاً وأربعاً قال له النبي: (فأوتر). وفي حديث آخر رواه ابن خزيمة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له)، فهذا الحديث مع الحديث الذي قبله فيهما تضييق في أمر الوتر، فإذا تركته عمداً إلى أن طلع الصبح، فقد انتهى وقته، ولا وتر بعد ذلك، لكن من كانت عادته أن يصلي الوتر فغلبته عيناه يوماً فهذا يأخذ بالحديث الذي فات على شيء من التضييق؛ لأن النبي ﷺ لم يأذن له إلا بعدما ألح الرجل ثلاث مرات أو أربع مرات، إذاً فالأصل هو عدم تضييع الوتر، فإذا أخرت الوتر متعمداً إلى أن طلع الفجر فقد انتهى وقته.

стр. 174

القراءة في صلاة الوتر وقد ذكرنا سابقاً ما هو الذي يقرأه في الوتر، وأيضاً روى الترمذي عن عبد العزيز بن جريج قال: سألنا عائشة: (بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين). وكان أحياناً يوتر بغير ذلك، فروى النسائي عن أبي مجلز: (أن أبا موسى الأشعري ﵁ كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها، فقرأ فيها بمائة آية من النساء، ثم قال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ قدميه وأنا أقرأ بما قرأ به رسول الله ﷺ . وأيضاً يجوز أن يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]، في الثانية، ويقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦]. إذاً: فأمر الوتر واسع فسواء قرأ بآية في الأولى بعد الفاتحة وآية في الثانية بعد الفاتحة، وختم في الأخيرة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، أو قرأ بآية واحدة من ذلك، أو قرأ بمائة آية من سورة النساء، وأفضل شيء أنه يقرأ بما واظب عليه النبي ﷺ ، فقد كان يقرأ ﵊ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]. وجاء أن القراءة بـ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران:٦٤]، وقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، كان يقرأ بها في ركعتي الفجر، وكذلك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لأن هذه الآيات بالليل لها فضيلة، فقرها النبي ﷺ في سنة الفجر، وقرأ في الوتر بمائة من النساء، وقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وبالمعوذتين. ويستحب لمن فاته قيام الليل أن يصلي بدله من النهار كما ذكرنا عن النبي ﷺ ، فقد جاء عنه: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل). وملخص ما مضى في الوتر وفي سنة الفجر: أما الوتر فهو إحدى عشرة ركعة، وما جاء أنه صلى ثلاث عشرة فهو محمول على أنها سنة الفجر، أو أنهما ركعتان زائدتان كان يصليهما النبي ﷺ ، ويجوز أن يصلي أكثر من ثلاث عشرة. والوتر يقرأ فيها بما شاء من القرآن، ولكن أفضل شيء فعله النبي ﷺ ، أنه كان يقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وهذا في الركعة الوحيدة للوتر، وإذا كان في الثلاث الركعات فيقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] في الأولى، والثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، والثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، أو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين يقرأهما. فإذا أطال في ركعة الوتر جاز أن يقرأ من سورة طويلة كأن يقرأ سورة النساء، وجاز أن يقرأ أقل من ذلك بما يتيسر له، لكن هذه سنته ﷺ . وإذا كان في رغيبة الفجر، وهما الركعتان بعد الوتر، فقرأ النبي ﷺ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، في الشفع وأيضاً في الوتر، وفي سنة الفجر كذلك: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦] وسنة الفجر تعتبر من صلاة الليل لأنها في الغلس. والقراءة في التراويح يقرأ بما شاء من القرآن، ولكن استحب جماهير العلماء أن يختم القرآن في صلاة التراويح ولو مرة في رمضان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة الإسلام، بل إن من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن كله فيها كي يسمع المسلمون كلام الله إذا وهذا له نظير في السنة أن المسلم يسمع القرآن كله ولو مرة، كما كان النبي ﷺ يذاكره جبريل القرآن كله فيه، وبعض الناس يقول: لماذا تقرأ القرآن كله ولم يفعله النبي ﷺ ؟ و الجواب أن النبي ﷺ لم يصل بالمسلمين رمضان كله، ولو صلى بهم لعرف ذلك، فنقول: إن هذا ليس واجباً، لكن يستحب له أن يسمع الناس القرآن كله. يقول ابن تيمية ﵀: إن شهر رمضان فيه نزل القرآن، وفيه كان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن، وكان النبي ﷺ من أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. يقول: وقد ذهب الحنابلة وأكثر الحنفية إلى أن السنة أن يختم القرآن الكريم في صلاة التراويح يسمع الناس جميع القرآن، قال الحنفية: السنة الختم مرة، فلا يترك الإمام الختم لكسل القوم. فإذا كان هذا الختم يشق على الناس فيقرأ بحسب ما يتيسر ولا يشق على الناس. روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: دعا عمر القراء في رمضان فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين أية، والوسط خمساً وعشرين، والبطيء عشرين آية. وروى مالك في الموطأ عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف. وكأنه زاد الركعات من أجل ألا يشق على الناس بالقراءة الطويلة، فيقرأ سورة البقرة في ثنتي عشرة ركعة فلا يشق عليهم. وروى مالك عن السائب بن يزيد ﵁ قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين. وسور المئين هي السورة التي تتعدى آياتها المئة آية، مثل: سورة الكهف، وسورة هود، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وغيرها. يقول: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. أي: قرب طلوع الفجر.

стр. 175

حكم الصلاة في وقت الترويح إذا صلى الإمام ركعتين وجلس للاستراحة هل يقوم الناس ليصلوا ركعتين؟ الجواب أن الإمام أحمد كره التطوع بين التراويح، فهذا الوقت وقت راحة من أجل أن تستعد وتنتبه لصلاتك بعد ذلك، فلا معنى أن تصلي بين الركعتين ركعتين أخريين، فإذا انتهى الإمام ورجعت إلى بيتك فصلي ما شئت، فإذا كنت في المسجد فأنت في صلاة سواء كنت تصلي الآن مع الإمام أو كنت جالساً. إذاً: فاجلس بين الركعتين واسترح حتى تهيئ نفسك للقيام بعد ذلك. فقد كره الإمام أحمد التطوع بين التراويح وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ . يعني: ثلاثة من الصحابة منعوا من ذلك، وهم: عبادة وأبو الدرداء وعقبة بن عامر ﵃، فقد منعوا من أن يقوم الإنسان بين التروايح ليصلي ركعتين، فإنما سميت التراويح لأنهم بين الركعات يجلسون ويستريحون حتى يقوموا بعد ذلك.

стр. 176

استحباب قراءة القرآن في التراويح من الحفظ ويجوز من المصحف المستحب في قراءة القرآن في التراويح أن يقرأ القارئ من حفظه، فهذا فعل النبي ﷺ ، وفعل أصحابه، ولكن مع وجود - أحياناً - الزحمة في المسجد والإمام قد يخطئ فيرد عليه عشرون أو ثلاثون ممن خلفه ويفتحون عليه، فربما لا يفهم مرادهم ولا يستطيع أن يكمل القراءة فبعض القراء يجعل أمامه مصحفاً؛ من أجل أن يراجع بدلاً من أن يفتح عليه شخص من خلفه فيضطرب. وهذا فعله ذكوان مولى عائشة ﵂، ولم ينكر عليه أحد في ذلك، فيجوز للإمام أن يفتح المصحف لكن الأفضل ترك ذلك. وأما المأموم فلا معنى أن يفتح المصحف وهو يصلي، فبعض المأمومين يفعلون ذلك ويفتحون المصاحف أثناء الصلاة، فنقول لهم: لا تفعل ذلك، ولكن عود نفسك أن تسمع القرآن وتنتبه له، فالبعض يقول: عندما أسمع القرآن أسهو ويذهب فكري بعيداً، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، فعليك أن تحضر قلبك في الصلاة ولا تنشغل بشيء، لا بمصحف ولا بغيره، فهذا غير مطلوب من المأموم. وأما كون الإمام يخطئ في القراءة فو أمر عادي لا ضير فيه، فليفتح عليه من وراءه من الحفاظ فلنعود أنفسنا أنه إذا صلى الإمام وكان يقرأ من حفظه وأخطأ الإمام فليترك من خلفه هم الذين يردون عليه، والنبي ﷺ يقول: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فيبقى الحفاظ للقرآن خلف الإمام، ويكفي أن يفتح عليه واحد ولا يكثر الفاتحون حتى لا يشوشوا عليه، فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي تقرب إلى الله، فيكون فيها خشوع وإخبات. وننبه هنا أن مسألة فتح المصحف والقراءة منه يكون صلاة النافلة فقط، وأما الفريضة فلا يجوز أن تفتح المصحف وتقرأ منه، وليس هناك أحد من العلماء جوز ذلك، إنما جوزوا ذلك في صلاة التراويح أو صلاة الوتر، وهو قول بعض العلماء أخذاً بفعل ذكوان مولى عائشة حين كان يؤم بـ عائشة رضي الله ﵎ عنها.

стр. 177

حكم القنوت في الوتر يستحب دعاء القنوت بعد الرفع من الركوع في الوتر، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قنت قبل الركوع، والأمر واسع، لكن الأفضل حتى لا يضطرب الناس أن يكون بعد الركوع، فالناس قد تعودوا على ذلك. وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ . ودعاء القنوت ليس في رمضان فقط، بل في السنة كلها، يقول الحسن بن علي ﵁: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت). فيجوز الدعاء في رمضان وفي غير رمضان بهذا الدعاء وأن تزيد عليه، وإنما هذا والذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي أن يدعو به. وكان في عهد عمر ﵁ يدعون فيلعنون الكفرة في النصف. يعني: كانوا يدعون، فإذا جاء نصف رمضان لعنوا الكفرة ودعوا على الكفرة، فيقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك. فهذا من دعاء الأئمة في عهد عمر، وجاء عن النبي ﷺ قريباً من ذلك، وليس بنفس النص، ولم يكن في الوتر، وإنما دعا النبي ﷺ في يوم أحد بعدما حصلت الهزيمة للمسلمين، فوقف يثني على الله ويمدح الله وذكر قريباً من هذا الدعاء صلوات الله وسلامه عليه، فيجوز أن تدعو بذلك. فهم كانوا يدعون في النصف، والآن المصائب عندنا كثيرة في بلاد المسلمين، ففي كل بلاد المسلمين مصائب، ففي كل يوم اليهود يعملون مصيبة في فلسطين، إذاً فليس هناك وجه لتخصيص النصف من رمضان بذلك، فيجوز أن تدعو وتلعن الكفار في جميع رمضان وفي غير رمضان، والصحابة لعلهم كان إخوانهم يخرجون للجهاد في هذه الأيام وهم يصلون، فكانوا يفعلون ذلك، وأما الآن فالمسلمون مبتلون في كل مكان، ومستضعفون، ومقتلون في الشرق وفي الغرب، فهنا تدعو للمسلمين أن ينصرهم الله ، وأن يكون معهم، في رمضان وفي غير رمضان.

стр. 178

الدعاء بعد الوتر تقول بعدما تنتهي من صلاة الوتر وأنت جالس: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، وتدعوا الله : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، فيجوز أن تقوله وأنت ساجد في الصلاة، ويجوز أن تقوله بعدما تنتهي من صلاة الوتر، لكن الذي كان يفعله النبي ﷺ أن يقول: (سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس). أسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 179

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ليلة القدر وفضل قيامها ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، ففيها يقدر الله على العباد ما يكون في السنة المقبلة. وتكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ولها علامات ذكرها النبي ﷺ في أحاديثه. ويستحب للمسلم في هذه الليلة أن يدعو الله ويسأله العفو والعافية.

стр. 180

حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. مسألة: ما حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك؟ الجواب من نذر اعتكافاً ومات قبل أن يوفيه فيستحب لأوليائه أن يعتكفوا عنه, لقول سعد بن عبادة ﵁ قال: إن أمي ماتت وعليها نذر، وكان نذرها صوماً، فقال له النبي ﷺ : (اقضه عنها) فيستحب لأولياء المتوفى أن يصوموا عنه ما وجب عليه ولم يفعله من نذر أو من فريضة فرضها الله عليه من صيام أو حج مثلاً, فإذا نذر شيئاً من ذلك أو كان فرضاً عليه وكان قادراً عليه ولم يفعل ذلك في حياته فعله عنه أولياؤه وهذا استحباباً وليس فرضاً واجباً.
следующие страницы →