Полный текст (387 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
استحباب قراءة القرآن في التراويح من الحفظ ويجوز من المصحف
المستحب في قراءة القرآن في التراويح أن يقرأ القارئ من حفظه، فهذا فعل النبي ﷺ ، وفعل أصحابه، ولكن مع وجود - أحياناً - الزحمة في المسجد والإمام قد يخطئ فيرد عليه عشرون أو ثلاثون ممن خلفه ويفتحون عليه، فربما لا يفهم مرادهم ولا يستطيع أن يكمل القراءة فبعض القراء يجعل أمامه مصحفاً؛ من أجل أن يراجع بدلاً من أن يفتح عليه شخص من خلفه فيضطرب.
وهذا فعله ذكوان مولى عائشة ﵂، ولم ينكر عليه أحد في ذلك، فيجوز للإمام أن يفتح المصحف لكن الأفضل ترك ذلك.
وأما المأموم فلا معنى أن يفتح المصحف وهو يصلي، فبعض المأمومين يفعلون ذلك ويفتحون المصاحف أثناء الصلاة، فنقول لهم: لا تفعل ذلك، ولكن عود نفسك أن تسمع القرآن وتنتبه له، فالبعض يقول: عندما أسمع القرآن أسهو ويذهب فكري بعيداً، فالصلاة صلة بينك وبين ربك، فعليك أن تحضر قلبك في الصلاة ولا تنشغل بشيء، لا بمصحف ولا بغيره، فهذا غير مطلوب من المأموم.
وأما كون الإمام يخطئ في القراءة فو أمر عادي لا ضير فيه، فليفتح عليه من وراءه من الحفاظ فلنعود أنفسنا أنه إذا صلى الإمام وكان يقرأ من حفظه وأخطأ الإمام فليترك من خلفه هم الذين يردون عليه، والنبي ﷺ يقول: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فيبقى الحفاظ للقرآن خلف الإمام، ويكفي أن يفتح عليه واحد ولا يكثر الفاتحون حتى لا يشوشوا عليه، فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي تقرب إلى الله، فيكون فيها خشوع وإخبات.
وننبه هنا أن مسألة فتح المصحف والقراءة منه يكون صلاة النافلة فقط، وأما الفريضة فلا يجوز أن تفتح المصحف وتقرأ منه، وليس هناك أحد من العلماء جوز ذلك، إنما جوزوا ذلك في صلاة التراويح أو صلاة الوتر، وهو قول بعض العلماء أخذاً بفعل ذكوان مولى عائشة حين كان يؤم بـ عائشة رضي الله ﵎ عنها.
стр. 177
حكم القنوت في الوتر
يستحب دعاء القنوت بعد الرفع من الركوع في الوتر، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قنت قبل الركوع، والأمر واسع، لكن الأفضل حتى لا يضطرب الناس أن يكون بعد الركوع، فالناس قد تعودوا على ذلك.
وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
ودعاء القنوت ليس في رمضان فقط، بل في السنة كلها، يقول الحسن بن علي ﵁: (علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت).
فيجوز الدعاء في رمضان وفي غير رمضان بهذا الدعاء وأن تزيد عليه، وإنما هذا والذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي أن يدعو به.
وكان في عهد عمر ﵁ يدعون فيلعنون الكفرة في النصف.
يعني: كانوا يدعون، فإذا جاء نصف رمضان لعنوا الكفرة ودعوا على الكفرة، فيقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك.
فهذا من دعاء الأئمة في عهد عمر، وجاء عن النبي ﷺ قريباً من ذلك، وليس بنفس النص، ولم يكن في الوتر، وإنما دعا النبي ﷺ في يوم أحد بعدما حصلت الهزيمة للمسلمين، فوقف يثني على الله ويمدح الله وذكر قريباً من هذا الدعاء صلوات الله وسلامه عليه، فيجوز أن تدعو بذلك.
فهم كانوا يدعون في النصف، والآن المصائب عندنا كثيرة في بلاد المسلمين، ففي كل بلاد المسلمين مصائب، ففي كل يوم اليهود يعملون مصيبة في فلسطين، إذاً فليس هناك وجه لتخصيص النصف من رمضان بذلك، فيجوز أن تدعو وتلعن الكفار في جميع رمضان وفي غير رمضان، والصحابة لعلهم كان إخوانهم يخرجون للجهاد في هذه الأيام وهم يصلون، فكانوا يفعلون ذلك، وأما الآن فالمسلمون مبتلون في كل مكان، ومستضعفون، ومقتلون في الشرق وفي الغرب، فهنا تدعو للمسلمين أن ينصرهم الله ، وأن يكون معهم، في رمضان وفي غير رمضان.
стр. 178
الدعاء بعد الوتر
تقول بعدما تنتهي من صلاة الوتر وأنت جالس: سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، وتدعوا الله : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، فيجوز أن تقوله وأنت ساجد في الصلاة، ويجوز أن تقوله بعدما تنتهي من صلاة الوتر، لكن الذي كان يفعله النبي ﷺ أن يقول: (سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس).
أسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 179
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ليلة القدر وفضل قيامها
ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة، ففيها يقدر الله على العباد ما يكون في السنة المقبلة.
وتكون ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ولها علامات ذكرها النبي ﷺ في أحاديثه.
ويستحب للمسلم في هذه الليلة أن يدعو الله ويسأله العفو والعافية.
стр. 180
حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
مسألة: ما حكم من نذر أن يعتكف فمات قبل ذلك؟
الجواب
من نذر اعتكافاً ومات قبل أن يوفيه فيستحب لأوليائه أن يعتكفوا عنه, لقول سعد بن عبادة ﵁ قال: إن أمي ماتت وعليها نذر، وكان نذرها صوماً، فقال له النبي ﷺ : (اقضه عنها) فيستحب لأولياء المتوفى أن يصوموا عنه ما وجب عليه ولم يفعله من نذر أو من فريضة فرضها الله عليه من صيام أو حج مثلاً, فإذا نذر شيئاً من ذلك أو كان فرضاً عليه وكان قادراً عليه ولم يفعل ذلك في حياته فعله عنه أولياؤه وهذا استحباباً وليس فرضاً واجباً.
стр. 181
فضل ليلة القدر
ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة, والعبد المؤمن يستحب له أن يتحرى هذه الليلة قدر المستطاع، فهي ليلة واحدة في العام، فإذا أحياها كان له فضل قيام ألف شهر, وكأن الله سبحانه عوض هذه الأمة لقصر أعمارها بعبادات لها أجور كثيرة، وكانت الأمم التي قبلنا أعمارها طويلة, فقد عاش نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ألف سنة, فهذه الأمة فيها قال النبي ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) فربنا عوض هذه الأمة بهذه الليلة, فمن أراد عبادة سنين طويلة لم يعشها فقد جعل الله له هذه الليلة العظيمة وحدها بعبادة ثلاث وثمانين سنة, تخيل لو أنك تعيش ثلاث وثمانين سنة هل تقدر أن تعبد الله في الثلاث والثمانين سنة؟ هذا بعيد وصعب جداً, فالإنسان لا يقدر أن يعبد ربنا يوماً كاملاً ليل نهار، فكيف بألف شهر؟! والله جعل لك عبادة ثلاث وثمانين سنة أي: أجر ألف شهر كاملة، إذا قمت ليلة واحدة وهي ليلة القدر ولم يقل يوماً وليلة.
لذلك على المؤمن أن يتحرى هذه الليلة بالعبادة لينال فيها عبادة ألف شهر خالصة, كما ذكر ربنا سبحانه ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].
قال ابن عباس: (العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر بصيام نهارها وقيام ليلها) أي: خير من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
стр. 182
سبب تسمية ليلة القدر بليلة القدر
سميت ليلة القدر بليلة الحكم, لأن الله يحكم فيها بما يشاء, فهي ليلة قدر، قال الله فيها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:٤ - ٦] فالله يقدر في هذه الليلة بما في أيدي الملائكة من صحف ما قدره قبل أن يخلق الخلق, فينسخ من اللوح المحفوظ ما يكون من أعمال السنة, فتكتب الملائكة ما قدره الله على العباد في خلال هذه السنة في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] قال العلماء: معناه أن الله تعالى يأمر الملائكة فيها أن تكتب في تلك السنة، وما يكون فيها من الأرزاق والآجال وغير ذلك, ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك قد سبق في علم الله سبحانه وتقديره, فسميت ليلة القدر بليلة الأقدار.
وليلة القدر هي الليلة العظيمة القدر التي لها شأن عظيم عند الله وعند خلق الله , قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١ - ٢] أي: ما أعظم هذه الليلة، فهي ليلة عظيمة ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٣ - ٤] الملائكة تنزل من السماء, والروح هو جبريل فهو روح القدس، فينزلون جميعاً من السماء إلى الأرض, ويسلمون على المؤمنين كما ذكر في أثر عن ابن عباس أنه قال: (يسلمون على كل مؤمن ومؤمنة -أو على كل مؤمن- إلا مدمن خمر أو مصراً على معصية أو كاهناً أو مشاحناً) فمن أصابه السلام غفر له ما تقدم من ذنبه.
فالملائكة تنزل ونحن لا نراها، لكن نؤمن بما قاله ربنا سبحانه ﵎.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من قام ليلة القدر مؤمناً بأنها الليلة التي ذكرها الله في كتابه، -والله ذكر كلاماً صدقاً يعلمنا ويحثنا على العبادة- فهو مؤمن بذلك ومصدق أن هناك ليلة قدر في رمضان, وهي ليلة من ليالي هذا الشهر العظيم كما أخبر النبي ﷺ ، فإذا قامها مؤمناً بها، وأنها خير من ألف شهر محتسباً أجرها, أي: طالباً الأجر من الله, لم يقم رياء وسمعة, وإنما قام يطلب من الله أن يؤجره على ذلك, غفر الله له ذنوب السنين الماضية كلها.
فرحمة الله عظيمة واسعة, فالصيام يكفر الله به الذنوب, كصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين.
وصيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة, وقيام ليلة القدر يكفر الذنوب من ساعة ما يولد الإنسان حتى هذه الليلة, أي: ما تقدم من الذنوب، فمن قامها راجياً فضل الله سبحانه, تائباً إليه مؤمناً مصدقاً غفر له ما تقدم من ذنبه.
стр. 183
متى تكون ليلة القدر
وليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر، وجبريل أخبر النبي ﷺ بذلك, لأن النبي ﷺ كان يعتكف من رمضان في أوله وفي وسطه فجاءه جبريل، وقال: أنت تطلب ليلة القدر وليست في الأول ولا في الوسط, إنما هي في آخر الشهر، فاعتكف النبي ﷺ في آخر الشهر، فعرف الصحابة أنها في ليلة من ليالي العشر الأخيرة من الشهر.
стр. 184
علامات ليلة القدر
هنالك علامات لهذه الليلة، فقد جاء ذلك من أحاديث النبي ﷺ , هذه العلامات لا تعرف قبلها ولكن تعرف بعدها, فمنها: أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة, أي: أنها ليلة سهلة طيبة لا حارة شديدة الحرارة، ولا باردة عظيمة البرودة، ولكنها وسط بين الاثنين, والملائكة في تلك الليلة يكونون في الأرض مع العباد أكثر من عدد الحصى على الأرض, وتطلع الشمس صبيحة هذه الليلة بيضاء ليس لها كثير شعاع, أي: في وقت الشروق، فإنها تشرق قرصاً أبيضاً طالعاً أو قرصاً أحمراً طالعاً لا شعاع لها.
ففي صحيح مسلم عن زر بن حبيش قال سمعت أبي بن كعب ﵁ وقيل له: (إن عبد الله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر -كأنه يحث الناس على قيام السنة كلها- فقالوا ذلك لـ أبي بن كعب ﵁, فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان فهو يحلف ولم يستثن، وابن مسعود شدد قليلاً من أنها في العام كله, ثم قال: ووالله إني لأعلم أي ليلة هي, هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها).
كأنه لم يسمع أن النبي ﷺ قال: (هي ليلة سبع وعشرين) فهو أخذ بما أمرهم به النبي ﷺ من قيام تلك الليلة إلى طلوع الفجر، فكانت ليلة سبع وعشرين, فظن أبي بن كعب أنها الليلة هذه فقط.
والراجح في ذلك أنها ليلة متنقلة في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ لأن النبي ﷺ قال: (أنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان) ففي ليلة أربع وعشرين أنزل القرآن إلى السماء الدنيا، والكتب السماوية كصحف إبراهيم نزلت في أول رمضان، وتوراة موسى في ستة من رمضان, وإنجيل عيسى في ثلاثة عشر من رمضان, والقرآن العظيم نزل في أربع وعشرين من رمضان, وقول النبي ﷺ أنها في ليلة أربع وعشرين، وفي ليلة سبع وعشرين فقط.
والراجح في ذلك أنها تتنقل في هذه الليالي الأخيرة من شهر رمضان, أما حديث أبي فواضح من كلامه أنه ليس نصاً عن النبي ﷺ ، وإنما هو ما فهمه من النبي ﷺ لما حثهم على أن يقوموا هذه الليلة فقاموها كلهم، وفي الصبح عرفوا أنها كانت ليلة القدر، فكانت ليلة سبع وعشرين وهذا لا ينافي أن تكون غير هذه الليلة.
قال أبي بن كعب ﵁: هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها: أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها, ولعل البعض من الناس يقوم في صبيحة سبع عشرين ويرى الشمس وهي طالعة وهو ليس متعود أن يرى الشمس قبل ذلك في وقت الشروق، فإذا به يرى الشمس طالعة شعاعها خفيف أو أن لونها أحمر، فيقول: كانت الليلة ليلة القدر, فلا يعرف هذا إلا بمقارنة صبيحة كل ليلة, أي: صبيحة ليلة واحد وعشرين واثنين وعشرين إلى آخر الشهر، فإذا أصبحت والشمس بيضاء وشعاعها أخف ما يكون، فاعلم أن هذه الليلة كانت ليلة القدر, فلعلك ترى الشمس طالعة بيضاء وهي ومحجوبة وراء سحابة خاصة في فصل الشتاء، فتقول: ليلة البارحة هي ليلة القدر، وتترك القيام بعد ذلك.
فإذا فعلت ذلك فقد ضيعت على نفسك وفرطت في أمرك, وحتى لو عرفت أن ليلة القدر كانت هذه الليلة التي أنت فيها، هل يكفي أن تقومها وتترك قيام ما بعدها؟ لا، فالنبي ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) فالمؤمن يتعلم من هدي النبي ﷺ , فلو أن الله أرانا ليلة القدر فقمنا فيها لكان ينبغي علينا أن نقوم بعد ذلك شاكرين الله على ما وفقنا له, لا أن نسهو ونترك ونغفل ونرجع إلى اللعب مرة أخرى.
ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك، حديث ابن عباس ﵁ وهو في الطيالسي قال: (ليلة القدر ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء) وفي رواية لـ أبي داود: (تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطست ليس لها شعاع حتى ترتفع)، وفي حديث آخر قال: (إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين) أي: توقعوها ما بين ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين من شهر رمضان.
والملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى, والنبي ﷺ ذكر أن القرآن نزل ليلة أربع وعشرين, وكأنه لما خاف أن الناس يتحروا هذه الليلة فقط, قام النبي ﷺ الليالي الأخرى وحثهم على الاجتهاد فقد تكون ليلة سبع وعشرين أو ليلة تسع وعشرين, وقد تكون آخر الشهر.
стр. 185
ما يستحب في هذه الليلة
الذي يقوم هذه الليلة يستحب له أن يدعو الله سبحانه كما علم النبي ﷺ عائشة بأن تقول: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)، ويستحب للإنسان أن يكون هذا الدعاء على لسانه لأن النبي ﷺ حثنا على سؤال الله سبحانه العفو والعافية فقال: (سلوا الله العفو والعافية).
стр. 186
الأحاديث التي فيها تحري ليلة القدر
وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر, فذهبوا إلى النبي ﷺ ليخبروه بذلك، فقال النبي ﷺ : (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) ولو كان يعرف أي ليلة هي لأخبرهم ﷺ ، ولكنه مرة رأى رؤيا منامية فلما أصبح ذهب ليخبرهم بها فنسيها.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ كان يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر, فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه) ومعنى يجاور: يعتكف، أي: كأنه كان يبقى معتكفاً, من يوم عشرة من الشهر إلى يوم عشرين, وليلة واحد وعشرين يكون في بيته ﵊، فكان يعتكف العشر الوسطى من الشهر, قال أبو سعيد الخدري: (وأنه أقام في شهر جاور الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس) أي: في ليلة واحد وعشرين كان يرجع إلى بيته إلا في هذه السنة فإنه اعتكف، فخطب بالناس فقال: (كنت أجاور هذه العشر ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر -أي: العشر الأخيرة من رمضان- فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة) فالعلة في الاعتكاف من أجل ألا تضيع عليه ليلة القدر.
وقال لأصحابه: (قد أريت هذه الليلة ثم نسيتها) أي: أنه ﷺ رأى في المنام أن ليلة كذا هي ليلة القدر, فلما أصبح الصبح وهو ذاهب إلى أصحابه يحدثهم بها، فرأى اثنان يتعاركان فرفع عنه علم هذه الليلة في هذه السنة, ثم قال النبي ﷺ : (فابتغوها في العشر الأواخر -أي: العشر الأواخر شفعاً ووتراً- وابتغوها في كل وتر -أي: أكثروا من العبادة خاصة في الليالي الوترية- وقد رأيتني أسجد في ماء وطين) أي: أنه رأى في المنام أنه ساجد في هذه الليلة في ماء وطين ﷺ ، وكان قد أخبر عن هذه الليلة في هذا العام فلما خرج نسيها ﵊ لأنه قال في رواية: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان) أي: يتعارك كل واحد مع الآخر، فيقول الأول: هذا حقي، ويقول الثاني: هذا حقي, فاختصما أمام النبي ﷺ ، وجاء معهما الشيطان فنسي النبي ﷺ هذه الليلة في ذلك العام, ولكن ذكر في الرؤيا أن هذه الليلة سيقوم فيها من سجوده وعلى جبهته أثر ماء وطين, فاستهلت السماء ليلة من ليالي العشر الأواخر من رمضان أي: أمطرت، (فبصرت عيني رسول الله ﷺ ونظرت إليه -أي: بعدما انتهى من صلاة الصبح- ووجهه ممتلئ طيناً وماء) يعني أن النبي ﷺ سجد على أرض المسجد, وكان فيه حصى ولم يكن فيه سجاد ولا موكيت، فحولت السماء أرض المسجد من تراب إلى طين، فسجد النبي ﷺ على الأرض, فانصرف من صلاته وعلى وجهه أثر الماء والطين فعرفوا أن البارحة كانت ليلة القدر, لأن النبي ﷺ أخبر أنه رأى في المنام أنه على جبهته في صبيحتها الماء والطين.
وكانت هذه الليلة كما قال ﵁: (ليلة إحدى وعشرين)، والصواب من قول أهل العلم أنها ليلة متنقلة وليست ثابتة, فهي ليست ليلة سبع وعشرين فقط، بل هي ليلة متنقلة من ليلة إحدى وعشرين إلى آخر الشهر شفعاً ووتراً كما جاء عن النبي ﷺ في أحاديثه.
وقال ﷺ : (هي في تسع يمضين أو في سبع يبقين -يعني: ليلة القدر-).
وفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر من رمضان، في تاسعة تبقى, في سابعة تبقى, في خامسة تبقى) هذه الليالي يكون عدها من آخر الشهر إلى أول الشهر, فتاسعة تبقى إذا كان الشهر ثلاثين يوماً وستكون ليلة إحدى وعشرين, وإذا كان تسعة وعشرين يوماً ستكون ليلة عشرين, أو إذا كان الشهر ثلاثين يوماً ستكون ليلة اثنين وعشرين, والتاسعة الباقية منها، فكأنه جعلها بين الشفع والوتر, فمن تحري ليلة إحدى وعشرين، فليتحر معها ليلة اثنين وعشرين, وسابعة تبقى أي: يتحرى ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، فكأن النبي ﷺ أراد أن تقام جميع الليالي الأخيرة ولا يفرط فيها لكي تدرك هذه الليلة.
وقوله ﷺ في التاسعة تبقى والسابعة والخامسة يكون العد فيها من أول العشر، أي: من واحد وعشرين، فتلتمس ليلة خمسة وعشرين وسبعة وعشرين وتسعة وعشرين, أو ليلة واحد وعشرين وثلاث وعشرين وخمسة وعشرين.
وجاء عنه ﷺ في حديث آخر في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أنيس ﵁ قال: (فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) هذه ليلة القدر للمرة الثانية وكانت في سنة أخرى, وفي الحديث الذي مضى كانت في ليلة إحدى وعشرين, وفي هذا الحديث الذي في صحيح مسلم كانت في ليلة ثلاث وعشرين, وجاء عنه ﷺ أن نزول القرآن كان ليلة أربع وعشرين.
نذكر هذا حتى لا يتحرى المتحري ليلة سبع وعشرين فقط فيضيع على نفسه خيراًً كثيراً، ولكن الحرص يكون على الليالي الأخيرة كلها بالصلاة لله , سواء كان ذلك في المسجد أو في البيت.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ فقال: أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة) أي: أنهم كانوا يتذاكرون ليلة القدر بعد أن انتهى رمضان فقال لهم: إنها في الليلة التي طلع القمر فيها مثل شق الجفنة.
وفي حديث آخر قال: (التمسوها في العشر الأواخر لتسع يبقين أو لسبع يبقين أو لخمس يبقين أو لثلاث أو آخر ليلة) أي: أنها تلتمس في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين وليلة ثلاثين؛ فيمكن أن تكون هي ليلة القدر, ولأن المسلم قد يقول: رمضان انتهى فلماذا أقوم؟ فأخبر النبي ﷺ أنها قد تكون في آخر ليلة, فالمؤمن يحرص على أن يصلي هذه الليلة من أجل أن يصيبها، وليواظب على قيام العشر الأواخر من رمضان.
وجاء عن بعض الصحابة وهو عبد الله بن أنيس أنه سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها -له إبل في البادية ولا يستطيع أن يتركها كل يوم ويقعد مع النبي ﷺ فأخبرني عن ليلة آتي أصلي معكم في المسجد، فقال له النبي ﷺ انزل ليلة ثلاث وعشرين) فكانت هذه الليلة في ذلك العام هي ليلة القدر، وواظب الرجل على هذه الليلة في كل عام.
وقال غيره من الصحابة: إنه كان يجتهد في العشرين من رمضان، فإذا دخل العشر اجتهد، قال أبو بكرة ﵁: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من النبي ﵌ إلا في العشر الأواخر, أي: لن يلتمسها في أول رمضان بل في آخر رمضان, قال: فإني سمعته يقول: (التمسوها في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين أو في ثلاث أو آخر ليلة) أي: سيكون حساب الشهر من ليلة واحد وعشرين إلى آخر ليلة، وكان أبو بكرة راوي هذا الحديث يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة, أي: أنهم كانوا متعودين على قيام الليل في السنة كلها, فإذا كان في العشر أو دخل العشر اجتهد فيها، وهذا هو ما علمهم النبي ﷺ ، (فقد كان ﷺ إذا دخل العشر شد المئزر) وهذا كناية عن اعتزاله النساء في هذه العشر الأواخر من رمضان.
стр. 187
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - صيام التطوع
صيام التطوع من أفضل الطاعات التي يتقرب بها إلى الله ، ويكون سبباً لتحصيل محبة الله للعبد.
وهنا لك أيام يستحب صيامها، فهي تزيد من الطاعات، وتكفر من المعاصي والسيئات، فمن هذه الأيام: الست من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض من كل شهر، ويوم الإثنين ويوم الخميس وثلاثة أيام من كل شهر سواءً في أوله أو في وسطه أو في آخره.
стр. 188
فضيلة صيام التطوع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
صوم الفريضة وهو الصوم الذي فرضه الله على عباده كصوم رمضان، ويكون الصوم في غير رمضان نافلة إلا ما افترضه الإنسان على نفسه، كأن يكون عليه نذر أو كفارة أو قتل صيداً في الحرم، أو عليه هدي التمتع فإذا لم يجده فعليه أن يصوم وهكذا.
وقد أخبرنا النبي ﷺ في الحديث عن رب العزة سبحانه ﵎ أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).
فهذا الحديث العظيم فيه أن أحب الأعمال التي يتقرب بها إلى الله هي الفرائض التي فرضها الله سبحانه، فمن ذلك صلاة الفريضة، فمن تقرب إلى الله بصلاة الفريضة على النحو الذي يحبه الله، فإن صلاته تكون مقبولة عند الله فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتعينه على البر والتقوى، وعلى طريق الجنة، ويجعل الله في قلبه نوراً بهذه الصلاة، ويجعل صلاته ذخراً له في الدنيا والآخرة، ثم الإكثار من صلاة النوافل فإن ذلك يقرب العبد إلى الله ، حتى يكون سبباً في حبه الله تعالى.
كذلك مما فرض الله صيام رمضان على النحو الذي يحبه الله ، بأن يمتنع الصائم عن الطعام، والشراب، والشهوة، ولا يؤذ أحداً من المسلمين بلسانه ولا بفعله، ولا يغضب ولا يسب إنساناً قد سبه، ولا يشتم، ولا يقع في إثم من الآثام، ليكون صومه صوماً مقبولاً، فلا يزال يتقرب إلى الله بالنوافل في الصوم حتى يحبه .
وصوم التطوع له فضيلة عظيمة، ويكفي أن صيام ثلاثة أيام في كل شهر يذهب وحر الصدر وما فيه من غش وغل وحقد وحسد، فالصوم ينقي القلب ويجعله يحب الله يحب طاعته، ويذهب منه آفات القلوب وآثامها، فعلى المؤمن أن يتحرى ذلك ما استطاع.
وصوم النبي ﷺ للنافلة كثير، فما من يوم من أيام الأسبوع إلا وصامه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، ويصوم السبت والأحد والإثنين، ويصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، وكان يكثر من صوم الجمعة، فكان على مدار عمره يصوم أيام الأسبوع كلها صلوات الله وسلامه عليه.
والذي يطيق أن يفعل ما فعله النبي ﷺ أو بعضه فليأخذ بما لا يشق على نفسه وبما لا يجهد نفسه، وهذا الصوم الذي هو صوم التطوع ليس مطلوباً منا أن نصومه كله، فمن لم يصمه فلا شيء عليه، وأفضل صوم التطوع صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء.
стр. 189
فضلة صوم الست من شوال
ومن صيام التطوع صيام ستة أيام من شوال، وكثير من الناس يسمونها أيام البيض وهذا خطأ، فليست أيام البيض إنما اسمها الست من شوال، ويستحسن أن يكون صيامها بعد رمضان مباشرة حتى لا تنسى ولا تضيع، ولكن سواء كانت بعده مباشرة أو بعده بفترة فهي الستة التي ذكرها النبي ﷺ .
ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، أو ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)، أي: كأنه صام العمر، وهذا للمواظب عليها وعلى صيام رمضان، فإن الحسنة أقل ما يكون فيها بعشر أمثالها، فصيام رمضان يكون بعشرة شهور، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، وهذا كصيام العام كله، فمن واظب على ذلك كأنه صام الدهر كله أي: عمره كله، وهذه الست من شوال يجوز للمسلم أن يصومها بعد رمضان مباشرة حتى ولو كان عليه صوم من رمضان بأن كان مسافراً أو مريضاً فأفطر أو أفطرت المرأة بسبب حيضها أو نفاسها أو إرضاعها أو حملها ونحو ذلك، فإذا أرادت أنها تصوم الست من شوال ابتداء يجوز ذلك، ولا دليل على المنع، وإن كان بعض أهل العلم يقولون: إنه لا يقع صوم شوال حتى يقع صوم الفريضة، ولكن لا دليل عليه أصلاً، بل الدليل على خلافه، فالسيدة عائشة ﵂ تقول: (كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، ويستحيل أن السيدة عائشة تعرف فضيلة يوم عاشوراء وفضيلة يوم عرفة وتضيع صيامها، ولا تصوم إلا في شعبان، فهي هنا تقصد بصيامها: الفريضة على ما فسرناه في الحديث السابق.
وصيام ستة أيام من شوال يجوز أن تكون متتابعة ويجوز أن تكون متفرقة.
стр. 190
فضلة صوم يوم عرفة
ومن التطوع صوم يوم عرفة، فقد روى مسلم عن أبي قتادة: (سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية)، أي: السنة التي فاتت، وهي التي فيها يوم عرفة.
والسنة الباقية التي ستأتي بعد السنة الماضية.
إذاً: هي كفارة لذنوب قد وقعت ومغفرة لذنوب قد تقع، والمقصود بها صغائر الذنوب، وفي الصحيحين أيضاً عن أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ -هذا في حجة الوداع- فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم قالت: فأرسلت إليه بقدح فيه لبن وهو واقف على بعيره فشربه)، أرادت أن تعرف هل النبي ﷺ الذي كان يصوم يوم عرفة سيصومه وهو في حجة الوداع؟ إذاً آخر عام من عمر النبي ﷺ شهر فيه يوم عرفة ولم يصمه؛ لأنه كان حاجاً صلوات الله وسلامه عليه، فلا يستحب للحاج أن يصومه، والعمل الذي يقوم به في هذا اليوم أعظم من أجر صيام يوم عرفة، فإن صيامه يكفر ذنوب سنتين، ويوم عرفة يكفر ذنوب العمر كله، لأن الحج عرفة، فالحاج سيرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ليس عليه ذنوب.
فإذا صام الحاج يوم عرفة من أجل تكفير ذنوب سنتين فإنه سيتعب فلعله لا يقدر أن يصلي وأن يدعو، فليس مطلوباً منه صيام هذا اليوم، فهذا اليوم يوم الدعاء بالمغفرة التي هي أعظم بكثير من صيام هذا اليوم، لذلك أفطر فيه النبي ﷺ .
إذاً الحجاج في عرفة لا يستحب لهم الصوم، ولغيرهم يجوز إلا أن يكون هذا الحاج متمتعاً وعليه هدي التمتع وهو غير واجد للهدي أو لثمنه، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فهذه الثلاثة الأيام قد تكون يوم السابع أو الثامن أو التاسع من ذي الحجة، فإذا لم يقدر على ذلك فسيكون الثاني من أيام العيد والثالث والرابع هي الثلاثة الأيام التي في الحج، والسبعة الأيام إذا رجع.
стр. 191
فضلة صيام يوم عاشوراء
صيام يوم عاشوراء يستحب صيامه مع صيام يوم تاسوعاء، والنبي ﷺ كان يصوم يوم عاشوراء في مكة قبل الهجرة، فلما هاجر إلى المدينة صامه، ووجد اليهود يصومونه لأجل أن الله نجى فيه موسى، فقال: (نحن أولى بموسى منكم)، فصوم النبي ﷺ له في المدينة لم يكن لأول مرة وإنما كان يصومه من قبل، وكانت قريش تصوم هذا اليوم أيضاً، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة صامه أيضاً، وهذا فيه نوع من التأليف لليهود، قال النبي ﷺ : (نحن أولى بموسى منهم)، وأمر النبي ﷺ المؤمنين بصوم يوم عاشوراء في العام الثاني من الهجرة، ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم، وفي هذا العام فرض فيه صيام رمضان، وفي يوم عاشوراء أصبح النبي ﷺ صائماً، وأمر الناس بصيامه على أنه فريضة، فأمر من لم يكن قد طعم طعاماً أن يصوم، ومن طعم أيضاً أن يمسك، ثم نسخ بعد ذلك بشهر رمضان وثبت إلى أن توفي النبي ﷺ .
وفي صحيح مسلم: (وسئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: يكفر السنة الماضية)، فصوم عاشوراء يكفر سنة كاملة، والله عظيم وكريم ، فقد جعل المكفرات كثيرة، ولذلك من غلبت سيئاته حسناته فإنه يستحق دخول النار لأن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها ويعفو ، والله جعل مكفرات للسيئات منها الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة، والحج يكفر ذنوب العمر كله، وجعل الله أياماً تكفر السيئات مثل: صوم يوم عرفة، فإنه يكفر ذنوب سنتين، وصوم يوم عاشوراء، فإنه يكفر ذنوب سنة، وهذا بالإجماع عند العلماء، وهو من فضل الله ، فإذا كان العبد يستكبر على ربه أن يعبده -وربنا بهذه الرحمة العظيمة الواسعة يكفر عنه ذنوبه- ثم تغلب سيئاته حسناته فإنه يستحق النار، فلا يهلك على الله إلا هالك، فالذي يهلك يوم القيامة ويدخل النار فإنه يستحقها.
قال النبي ﷺ : (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، فهذا الكلام في آخر سنة من حياته صلوات الله وسلامه عليه، فإنه شهد حجة الوداع في ذي الحجة ثم بقي محرم وصفر وربيع وهو الشهر الذي مات فيه، أي أنه بقي من عمره أربعة أشهر بعد حجة الوداع، ثم توفي ﵊.
وصام آخر محرم وقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن تاسوعاء)، أي: يصوم تسعة وعشرة من محرم مخالفة لليهود الذين كانوا يصومون يوم عاشوراء، فأراد أن يخالفهم بأنه يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وتاسوعاء فيه فضيلة الصيام، وفضيلة مخالفة اليهود، لكن ليس معنى ذلك أنه يكفر ذنوب السنة، إنما يكفرها يوم عاشوراء كما جاء عنه ﷺ ، والأحاديث كثيرة في هذا المعنى، فمنها: ما رواه البخاري عن ابن عمر: (كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية فلما نزل رمضان قال النبي ﷺ : من شاء صامه ومن شاء لم يصمه).
إذاً: كان أهل الجاهلية يصومونه والنبي ﷺ في مكة كان يصومه كما قالت عائشة ﵁ الله عنها كما في الصحيحين: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية -والنبي ﷺ من قريش- ثم قالت: وكان النبي ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه).
إذاً: صامه في مكة، فلما هاجر إلى المدينة صامه أيضاً، وفي رواية كما قالت عائشة: (كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تستر فيه الكعبة) إذاً كان أهل مكة يصومونه وكان عندهم يوم عيد ويوم عبادة، فكانوا يجملون فيه الكعبة ويسترونها فيضعون الكسوة عليها، فلما فرض الله رمضان كما قالت السيدة عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : (من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليترك).
أيضاً جاء في الصحيحين عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك -وكأن المسلمين سألوا اليهود: لماذا تصومون يوم عاشوراء؟ - فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون)، فهو يوم النجاة لبني إسرائيل مع موسى ﵊ وهم خارجين من مصر هاربين من فرعون أنجاهم الله وأهلك فرعون في يوم عاشوراء.
فصامه النبي ﷺ تعظيماً له، وقال: (نحن أولى بموسى منكم)، ثم أمر بصومه ﷺ على وجه الاستحباب، ثم أمر به على وجه الوجوب في العام الثاني، ثم نسخ الوجوب بقوله: (فمن شاء صامه ومن شاء تركه).
ولذلك جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه صام يوم عاشوراء وكذلك المسلمون، ثم أخبر كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ لما فرض رمضان: (من شاء صام) ففي هذا أنه كان واجباً في السنة الثانية ثم بعد ذلك رجع الأمر إلى ما كان عليه من الاستحباب في صومه.
стр. 192
فضلة صيام أيام البيض
ويستحب صيام أيام البيض، وهي أيام الليالي البيض أو الأيام ذوات الليالي البيض، وهي الأيام التي تكون لياليها بيضاء وهي الليالي القمرية، والليالي القمرية هي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر من كل شهر، فهذه الليالي البيض وأيامها أيام البيض، وهنا حذف تقديره: الأيام ذوات الليالي البيض.
فيوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر يستحب صومها، وكان النبي ﷺ يصومها وأخبر عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر فقال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر)، وفضل صوم ثلاثة أيام كصوم سنة كلها، فثلاثة أيام من كل شهر في إحدى عشر شهراً، والثلاثة الأيام بشهر، أي: بأجر صيامه كله، ثم يأتي شهر رمضان فيصير أعظم ما يكون من الأجر والثواب.
стр. 193
فضل صيام يوم الإثنين والخميس
ويستحب صوم يوم الإثنين والخميس، وقد أخبر النبي ﷺ عندما سئل عن ذلك فقال: (إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)، أي: تعرضها الملائكة على الله ، وإن كان الله أدرى وأعلم بأعمال العباد وما تكتبه الملائكة قبل أن يخلق العباد، ولكن الله سجل على العباد بعد فعلهم حتى تكون شاهداً عليهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤].
والكتاب هو ما كتبته الملائكة على بني آدم.
وأيضاً في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين)، أي: في كل أسبوع مرتين، فإن الملائكة تعرض الأعمال وترفع بها إلى الله في يوم الإثنين ويوم الخميس (فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء)، والنبي ﷺ جعل للمسلم في غضبه ومخاصمته لأخيه المسلم ثلاثة أيام فقط، فلا يزيد عليها، فإن بين الاثنين والخميس ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فلا تطول الخصومة بينهما، ويرتفع في يوم الاثنين والخميس العمل ولا يغفر للمتشاحنين؛ لقوله ﷺ : (فيغفر لكل عبد مؤمن -يعني: في يوم الإثنين والخميس- إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا).
هذا إذا كان الغضب على الدنيا أو مخاصمة بين إنسان وآخر على الدنيا، فإذا كان هذا يستحق الهجر في الله فإنه يهجر؛ كأن يكون ظالماً أكل حقك ولا يريد أن يعطيك حقك فيهجر على ذلك، أما إذا كان لأمر من أمور الدنيا فلا يهجر أكثر من ثلاثة أيام كما قال النبي ﷺ : (فيلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
وأيضاً جاء عنه ﷺ قال: (تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، هذا النبي ﷺ وعمله كله خير صلوات الله وسلامه عليه ويريد أن تعرض أعماله في يوم الإثنين والخميس وهو صائم ويرفع عمله إلى الله .
كذلك جاء عنه في يوم الإثنين قال: (ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت وأنزل علي فيه)، فقد ولد النبي ﷺ يوم الإثنين ولم يعمل ضجة بين الصحابة، وكذلك الصحابة لم يعملوا هذه الضجة فاحتفال النبي ﷺ بهذا اليوم شكراً لله سبحانه ﵎ أن جعله عبداً له وجعله رسولاً ومن عليه وأكرمه سبحانه، ورباه وأدبه ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، فكان يحتفل بصيام اليوم الذي ولد فيه صلوات الله وسلامه عليه، لكن الناس تناسوا هذا الشيء وإذا بهم يحتفلون بيوم الميلاد ويعملون ضجة ليكسبوا ذنوباً، وليقلدوا الكفار في ذلك، نسأل الله العفو والعافية.
وأيضاً يستحب صيام ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر، سواء كان في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره؛ لقوله ﷺ : (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر)، وأيضاً (سئل النبي ﷺ عن رجل يصوم الدهر قال: وددت أنه لم يطعم الدهر)، فنهى النبي ﷺ عن صوم الدهر؛ لأن الدهر فيه خمسة أيام وهي: يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى وثلاث أيام التشريق، وهذه الأيام يحرم الصوم فيها، فإذا صام الإنسان الدهر كله فإنه يأثم بذلك، (قالوا: فثلثيه -أي: ثلثي الدهر- فقال: أكثر -أي: هذا كثير قد يضعف العبد فيه نفسه ويتعبها- قالوا: فنصفه؟ قال: أكثر -يعني: إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولكن هذا كثير- ثم قال: ألا أخبركم بما يذهب وحر الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر)، وهذا من رأفته بالأمة ﷺ .
وأيضاً جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى ونوم على وتر)، فأوصى أبا هريرة بصوم ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر.
وجاء عن ابن مسعود ﵁ -كما رواه الترمذي - (كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة، -غرة الشهر أوله- كل شهر ثلاثة أيام)، فصيام الثلاثة الأول من كل شهر حسن، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة، فهذا بعض من صيام النبي ﷺ .
стр. 194
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - صيام التطوع وما لا يجوز صيامه من الأيام
الصيام فريضة مقدسة شرعت على كل أمة من الأمم السابقة على اختلاف كيفياته، وبجانب ذلك الفرض رغب الشارع في صيام أيام بعينها فتحاً لباب التنافس بين العباد في التقرب إلى الله، كصيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عرفة أو تسع ذي الحجة جميعها وخيرها صيام يوم وإفطار يوم، كما حرم الشارع صيام أيام كالعيدين وأيام التشريق وصوم الدهر، وكره صيام أيام كإفراد يوم الجمعة.
стр. 195
الأيام التي يستحب صيامها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكرنا في الحديث السابق أن الله يحب من عبده أن يتقرب إليه بالنوافل، بعد أن يتقرب بأحب شيء إليه وهي الفرائض، فإذا تقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض أحبه الله ﵎.
فالصلاة مثلاً فيها الفريضة وفيها النافلة، وكذلك الصوم فيه الفريضة، وهو صوم رمضان الذي أوجبه الله سبحانه، وفيه صوم النافلة، فما استطعت منه بغير أن تشق على نفسك أو أن تضيق عليها تضييقاً لا يطاق فإذا استطعت أن تصوم يوماً في كل شهر فحسن، أو يومين أو ثلاثة فحسن أيضاً، وإذا صمت ثلاثة أيام من كل شهر فهذا صوم الدهر، ولكن واظب إن استطعت على ذلك، فذلك من أفضل ما تصوم، أي: أيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر.
وهناك صيام آخر، وهو صوم عرفة وصوم عاشوراء وتاسوعاء، وصيام ست من شوال، وقد كان النبي ﷺ يصوم الإثنين والخميس، ويذكر أن الله يرفع فيها الأعمال إليه، فهذا من الصوم المستحب.
كذلك يستحب الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم، وفيه يوم عاشوراء يكفر الله به ذنوب سنة، ودليل استحباب الإكثار من الصوم في محرم ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل).
وكذا شهر ذي الحجة أي: في أوله عشرة أيام يستحب فيها العمل الصالح، ومن ذلك الصيام.
إذاً: فكل شهر من الشهور يستحب ألا يغفل المسلم عن صيام فيه، ولو يوماً واحداً، والنبي ﷺ عندما يحث على صوم شهر محرم، كان كذلك يكثر من صوم شعبان، وشعبان بين رجب وهو شهر من الأشهر الحرم -وكانت العرب تعظمه كثيراً- وبين شهر رمضان، والمسلمون يعرفون فضله، بإنزال الله فيه القرآن وغير ذلك، فبين هذين الشهرين شهر يغفل عنه الناس وهو شعبان، وهو شهر عجيب، ترفع فيه الأعمال إلى لله ، كما أن يوم الإثنين والخميس ترفع فيهما الأعمال، فكذلك هذا الشهر كأن أعمال العام ترفع فيه، فكان النبي ﷺ يكثر من الصوم فيه.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: (لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان) فأحياناً كان يصوم شعبان كله.
وعرفنا الحكمة والعلة من تأخير السيدة عائشة قضاء صوم رمضان إلى شبعان؛ وهي أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله، فإذا أرادت أن تصوم الأيام الواجبة عليها، وهي مطمئنة أن النبي ﷺ لن يحتاج إليها في النهار، صامت في هذا الشهر، قالت: وكان يقول ﵊: (خذوا من العمل ما تطيقون)، وإذا ذكرنا صيام النافلة هنا، فليس المعنى أن كل صيام النافلة ينبغي أن تفعله، بل خذ من العمل ما تطيقه: (وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) كما قال النبي ﷺ ، فطالما أنك مواظب على شيء من صوم النافلة، كأن تواظب على صيام ستة من شوال في كل عام، أو على صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة أو مقيدة، فكل ذلك حسن، فما استطعت من الصوم من غير أن تشق على نفسك، فافعل اقتداء بما كان النبي ﷺ يفعله أو يحث عليه على جهة الندب، وهو القائل ﷺ : (خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، قوله: فإن الله لا يمل حتى تملوا، أي: أن الإنسان إذا مل من العمل انقطع عنه الثواب، فقد يقول الإنسان: أنا تعبت، ولا ينبغي أن يقول: أنا مللت؛ لأن العبادات لا تورث الملل، وقد عبر النبي ﷺ عمن عجز أو كسل، بالملل، فجعله كأنه مل، مع أن الإنسان لم يحصل له ملل، لأنه يحب العبادة، لكن لم يستطع أن يفعلها لمرض، أو شغل، أو غيره، فلذا يكون معنى قوله: تملوا في الحديث: انقطاع العمل بسبب أو بغير سبب، فيكون معنى الحديث: إذا انقطعت عن العمل، منع عنك الثواب، إذ الجزاء من جنس العمل، وقوله: (الله لا يمل حتى تملوا)، ليس معناها أن يثبت صفة الملل لله ، حاشاه ، ولكن هذا من المشاكلة اللفظية، فالأسلوب أسلوب نفي، والمعنى: إذا انقطعت عن العمل انقطع عنك الثواب، أو إذا انقطعت عن العمل، فقد حرمت نفسك من الثواب.
وقد كانت أحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دوم عليها، وإنما كانت الصلاة المداوم عليها حبيبة إليه ﷺ ؛ لأنها أحب العمل إلى الله، فقد جاء في حديث آخر: (أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، فما واظب عليه العبد أحبه الله، وفي الحديث دليل على أن الإنسان يحب العمل، ولذلك جاء في الحديث: (من أنفق زوجين نودي من أبواب الجنة، يا عبد الله هذا خير).
وقوله: (أنفق زوجين)، كأنه من باب قول الإنسان: دخلوا مثنى مثنى، وليس المعنى اثنين واثنين فقط، فقوله: (زوجين) أي: كأنك تري من نفسك أنك تحب هذا العمل، أنفقته وكررته، فلما داومت عليه كان ذلك دليل على أنك تحب هذا العمل، حينها تناديك أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، ادخل من هذا الباب من أبواب الجنة، فإذا كنت من أصحاب الصدقة دخلت من باب الصدقة، وإذا كنت من أصحاب الصوم دخلت من باب الريان، وإذا كنت من أصحاب القرآن دخلت بفضل الله ورحمته من باب القرآن.
وجاء في الحديث: أن عائشة ﵂ قالت: (وكان إذا صلى صلاة داوم عليها ﷺ ، وفي حديثها عن صومه ﷺ ذكرت منه أنه كان يصوم شعبان، وفي رواية: (كان يصوم شعبان إلا قليلاً).
стр. 196
صوم النبي ﷺ
روى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسردها حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة)، وفيه أنه كان من عادة النبي ﷺ أن يصوم أياماً كثيرة حتى يظن من رآه أنه لا يفطر ويفطر بعد ذلك ﷺ أياماً كثيرة إلا يومين في الأسبوع، فقد كان يواظب عليهما، وهما يومين الإثنين ويوم الخميس، قال أسامة ﵁ فقلت: (يا رسول الله! إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، وذكر الإثنين والخميس، فقال النبي ﷺ : ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين)، فكان ﵊ يصوم الإثنين والخميس؛ لأن الأعمال تعرض على الله سبحانه في هذه الأيام، فيغفر للمؤمنين من عباده إلا المتشاحنين أو المتهاجرين، قال أسامة: (ولم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان -أي: تصوم من شعبان كثير- فقال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
стр. 197
صوم عشر ذي الحجة
يستحب أيضاً صيام أيام العشر، وحقيقة الصيام فيها تسعة أيام وليس عشرة؛ لأن أيام العشر تبدأ من أول يوم في ذي الحجة حتى العاشر منه، ويكون العاشر هو يوم العيد، والصيام في هذه الأيام ليس متأكداً كما هو متأكد في يوم عرفة، فإن شئت صمت يوم عرفة فقط، وإن شئت صمت التسعة الأيام كلها أو بعضها، وهذا كله من العمل الصالح.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام -يريد أيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خاطر أو خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)، أي أن العبادة من صلاة، وصوم، وإنفاق وغيرها، في هذه الأيام أفضل حتى من الجهاد، إلا من وصفه النبي ﷺ في الحديث أنه خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء، كأن الذي يساوي الأعمال المتعبد بها في هذه الأيام هو المجاهد الذي خرج يجاهد بماله، فأخذ منه ماله وقتل شهيداً، فدل ذلك على أنها أيام عظيمة جداً، وقد اختلف أيهما أفضل هذه الأيام أم العشر الأواخر من رمضان، والصحيح أن ليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل الليالي وأن أيام العشر من ذي الحجة أفضل الأيام.
روى أبو داود عن هنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر أول إثنين من الشهر والخميس).
قولها: (كان النبي ﷺ يصوم تسعة ذي الحجة) أي: التسعة الأيام التي في ذي الحجة، وقد تقصد بقولها: تسعة ذي الحجة يوم عرفة، فهو اليوم التاسع، ولكن ليست العادة أن يوم عرفة يسمى اليوم التاسع، أو يوم تسعة ذي الحجة؛ لأنه يوم مشهور بأنه يوم عرفة، وهو دائماً يذكر بما اشتهر به لا بما يخفى، فالظاهر أن زوجة النبي ﷺ أرادت أنه كان يصوم الأيام التسعة من شهر ذي الحجة.
стр. 198
استحباب مخالفة أيام الصيام من شهر إلى شهر
يستحب أن يصوم المسلم السبت والأحد والإثنين من شهر، ويصوم الثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر، فمعلوم أنه ما من يوم من أيام الأسبوع، إلا وقد صامه النبي ﷺ ، لكنه لم يكن يصوم السنة كلها، إنما كان يحب أنه ما من يوم إلا ويأتي يوم القيامة يشهد له، فيأتي يوم السبت ويشهد له أنه صامه، وكذا يوم الأحد، ويوم الإثنين، وكل أيام الأسبوع، ولكنها تشهد له بنظام معين، وبطريقة شرعية، شرعها النبي ﷺ ، فكان يصوم مثلاً من شهر: السبت، والأحد، والإثنين، ويصوم من شهر آخر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وبذلك علم أنه كان يواظب ما استطاع أن يصوم الإثنين والخميس ﵊، كما كان ﷺ قلما أن يفطر يوم الجمعة، وإذ كان يصوم الخميس ثم يتبعه الجمعة؛ وكان يكره أن يصوم يوم الجمعة وحده، وإنما استحب يوم الجمعة منفرداً لمن كان يصوم فوافق يوم الجمعة يوم صيامه.
стр. 199
أفضل صيام التطوع
إن أفضل صيام التطوع لمن استطاع هو صوم داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وجاء عن النبي ﷺ أنه ذكر: (أن أفضل الصلاة، صلاة داود)، وهي صلاة التهجد أي: صلاة الليل.
ووردت قصة في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه زوجه من امرأة من الفضليات من النساء، وذهب يسأل عن ابنه، فسأل امرأته، فذكرت فيه مدحاً هو في حقيقته ذم، فقالت: (إنه يقوم الليل ويصوم النهار)، ففهم عمرو بن العاص وكان ذكياً ﵁ أنها تقدح ولا تمدح، فذهب إليه وأنبه وعنفه، ثم ذهب يشكوه إلى النبي ﷺ ، فأتى به النبي ﷺ فقال: (ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي؟ ثم قال النبي ﷺ : صم وأفطر وقم ونم، فإن لعينك عليك حقاً، وإن لنفسك وأهلك عليك حقاً، فقال عبد الله بن عمرو إني أطيق أكثر من ذلك، فقال النبي ﷺ في النهاية: فصم صوم داود)، وفي رواية أخرى، قال: (وتقرأ القرآن كل ليلة)، وكأن عبد الله بن عمرو يقرأ القرآن كل ليلة، وهذا صعب جداً، فقال له النبي ﷺ : (ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة)، وكأن النبي ﷺ كره ذلك، ومع ذلك فهو لا يحرم؛ لأن عبد الله بن عمرو فعله، ولم يأثمه النبي ﷺ ، ولكن وجهه لما هو أرفق به، فقال: (بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، قال: فقلت: يا نبي الله! إني أطيق أكثر من ذلك، فقال له النبي ﷺ : إن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فصم صوم داود).
والإنسان ليس مخلوقاً للصوم فقط، ولا للصلاة فقط، بل هو مخلوق لإقامة شرع الله كله، عاملاً على أداء كل الحقوق، كحقوق الله ، وحقوق خلقه من أهلٍ وأولاد وغيرهم.
وقوله: (إن لزورك عليك حقاً)، أي: لضيفك عليك حقاً، من هنا عُلمَ أن الحقوق ينبغي أن تعطى لأصحابها، إذ لو أنك تصوم على الدوام، وتقوم على الدوام، فإنك لا شك ستتعب، وقد لا تستطيع أن تعمل، فتعجز عن أن تنفق على عيالك، أو من لزمتك نفقتهم، فتكون قد فرطت وقصرت، وهذا هو سر توجيه النبي ﷺ لـ عبد الله حيث وجهه بصيام ثلاثة أيام من الشهر، ولما أبى، وظل يراود النبي ﷺ قال له: (أفضل الصوم صيام داود، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان لا يفر)، وكأنه يشير إلى أن هناك شيء مطلوب منكم أيضاً، وهو أن تجاهدوا في سبيل الله ، فإنك حين تكثر من الصيام ستكون ضعيفاً، وإذا قابلت أعداءك لعلك تفر من الزحف، ومعلوم أن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، كما أنك لو داومت على الصوم فإن نفعه مقتصر على نفسك، لكن الجهاد نفعه متعد إلى الأمة، فكيف تظل هزيلاً ضعيفاً وأنت ستقابل عدوك بالسيف لتقاتله؟ فنبه النبي ﷺ أن داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولكن كان لا يفر، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وبذلك علم أن من كان صيام النافلة يضعفه عن واجب من الواجبات، فلا داعي له، ولهذا السبب قال النبي ﷺ في الصحابة الذين صاموا وهم مصبحين العدو، في يوم فتح مكة: (أولئك العصاة، أولئك العصاة)، وكأنه يقول لهم: الوقت الآن وقت جهاد في سبيل الله ، فلو أنك أفطرت الآن، فلك عذرك في الإفطار، وليس عليك قضاء، ولا يلزم أحد من أهلك القضاء، أو الإطعام عنك، فلماذا تشق على نفسك؟ فجاهد في سبيل الله، وقاتل أعداء الله، فذلك أولى من الصيام، إذ أن نفع الصوم لنفسك، ولكن نفع الجهاد للمؤمنين جميعهم ولدين الله .
ثم قال النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (اقرأ القرآن -في رواية- في أربعين يوماً، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: في شهر، قال: أكثر من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشرين، قال: يا نبي الله: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك)، فندبه أن يختم في أسبوع؛ لأن ذلك أفضل ما يكون عليه المرء من قراءة القرآن ثم قال: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: (فشد فشددت، فشدد عليّ)، وكان النبي ﷺ قد قال له: (إنك لا تدري لعلك يطول بك عُمر)، يريد: إنك سوف تكبر وتصير شيخاً، فلا تستطيع على الذي تقوله، فيقول عبد الله بن عمرو: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وددت أني قبلت رخصة النبي ﷺ ، وقد يتساءل القارئ لماذا لم يقبل عبد الله الرخصة بعدما ضعف؟ والجواب أن الصحابة رضوان الله عليهم يحبون أن يلقوا النبي ﷺ يوم القيامة غير مبدلين، فكأنه عاهد النبي ﷺ على شيءٍ، فلا يستجيز لنفسه تركه حتى ولو كبر سنه، ولذلك ظل عبد الله بن عمرو يفعل ما حدث به النبي ﷺ إلى أن توفاه الله .
وقد روي عنه أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ذلك يشق عليه جداً وهو شيخ كبير، فكان يجمع أياماً يفطرها، ثم يعوض مكانها أياماً يصومها، فكان يتقوى بهذه على تلك ويقول: يا ليتني أخذت برخصة النبي ﷺ .
وقد جاء في رواية أخرى أنه قال: إني أطيق أكثر من ذلك، عند مراجعته النبي له على قراءة القرآن -يريد أن يختم القرآن في أقل من سبعة أيام- فقال له النبي ﷺ : (لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)، وليس في هذا دلالة على تحريم قراءة القرآن في أقل من ثلاث، ولكن أخبر أن العادة: أن الإنسان الذي يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، لن يفهم ما يقرأ، وإن كان له ثواب القراءة.
وبذلك علم أن ثمة فرق بين من يقرأ ويفقه ما يقرؤه، وبين من يقرأ قراءة سريعة لا يفقه فيها ما يقرؤه، وإن كان هذا يثاب وهذا يثاب.
فعلى ذلك تكون قراءة القرآن في سبعة أيام أفضل من قراءته في ثلاثة أيام، وإذا كان يطيق في ثلاثة أيام فذلك خير، ولكن لا يقل عن ذلك، فلو فعل فهو مثاب؛ لأنه إن ينشغل بقراءة القرآن، أفضل من أن ينشغل باللهو وغير ذلك، ولكن القراءة بتركيز وفهم، أفضل من القراءة السريعة التي لا فهم معها، وفي كل خير.
стр. 200
الأيام التي حرم الشارع صومها
يحرم صوم يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى)، وفي رواية: (نهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى وقال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله).
ولذلك لا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم الأضحى، ولا أيام التشريق، فهذه خمسة أيام في السنة يحرم صومها، أما بقية الأيام، فإنه إذا جاء فيها نهي فهو محمول على الكراهة، فالنهي عن صوم الدهر معناه حرمة الصيام في هذه الأيام، فإذا لم يصم هذه الأيام يبقى جاز له أن يصوم غيرها، وإن كان أفضل الصوم صيام يوم وإفطار يوم.
أما المتمتع وهو الحاج الذي يعتمر في أشهر الحج، ثم ينتهي من عمرته ويتحلل، ثم يبدأ في أعمال الحج بعد ذلك في أيام المناسك، فإنه يلزمه هدي، فإذا لم يجد الهدي كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، والأفضل أن يصومها إذا بدأ إحرامه، ولو أنه قدم الإحرام شيئاً خرج من خلاف أهل العلم في ذلك، فيصوم يوم السابع والثامن والتاسع، وهذه ثلاثة أيام في الحج وهو متلبس بالمناسك، فإذا لم يقدر على ذلك جاز له أن يصوم في أيام التشريق، وكانت هذه بمثابة رخصة، وإن كان الأصل أن أيام التشريق يحرم صومها إلا في هذه الحالة فقط، يدل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيح، وحديث عائشة أيضاً: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي).
стр. 201
النهي عن صوم الدهر
نهى النبي ﷺ عن صوم الدهر، وقال: (لا صام من صام الأبد)، وقال: (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا)، صيام الدهر معناه: أن يصوم طوال العمر، وهو حين يفعل ذلك لا شك أنه سيدخل فيها أياماً حرم الله صومها.
فإذا كان الله قد أمرك أن تفرح في يوم العيد، ثم صمته، فإنك تعصي الله سبحانه؛ لأنك تخترع وتدعي أن العبادة التي تعملها أفضل مما أمر الله بها، فاستحق من يفعل ذلك العقوبة، ولذا ينبغي على الإنسان أن يحافظ على نفسه في الدنيا وفي الآخرة، ويتعبد الله بما شرع ولا يخترع ولا يبتدع، ولا يفعل شيئاً نهي عنه.
أما إذا لم يصم أيام الأعياد فجاز له أن يصوم السنة، وإن كان أفضل الصوم أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الحديث: قال النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام).
فالإنسان المؤمن يحرص على أن يكون له صوم نافلة في العام، ولو كان حتى صيام الست من شوال، أو زاد معها يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإذا كان له في كل شهر يوم أو يومان أو ثلاثة يصومها كان شيئاً حسناً، وكان مواظباً على الصوم، واستحق فضل الله .
стр. 202
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ما جاء في صيام النذر والصيام الممنوع
إن الدنيا بكل ما فيها من نعم لا تساوي شيئاً أمام الجنة التي أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.
إن من الصيام ما لم يوجبه الله، لكن الإنسان قد يوجبه على نفسه بنذر أو نحوه، فيجب عليه أن يفي به، وإذا لم يطقه أو كان في معصية فليكفر كفارة يمين، وإذا كانت المرأة مع زوجها فلا تصم تطوعاً إلا بإذنه، وإن الله لما شرع هذه العبادة العظيمة وهي الصيام، جعل لها ضوابط، فمنه كإفراد الجمعة بالصيام، وجعل فيها محرمات كصيام يوم الشك، ليتعبد العبد لله بفعل الحلال واجتناب الحرام.
стр. 203
من فضائل الصيام
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
تكلمنا أن في صيام النافلة ثواب عظيم جداً, وجاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى والناس نيام)، هذا الحديث الصحيح العظيم عن النبي ﷺ يجعلنا نتذكر ونعتبر أن الإنسان مخلوق في هذه الدنيا لهدف عظيم وهو عبادة الله ، ولغاية عظيمة وهي أن يصل إلى جنة الله , والحديث المذكور فيه تبشير للمؤمنين وتذكير لهم, ويجعل الإنسان كأنه بعقله وقلبه في جنة الله سبحانه ﵎, يريد أن يصل إليها بأي عمل من الأعمال يرضي به ربه سبحانه, ويغتنم الأيام والليالي العظيمة التي في شهر رمضان وغيرها من الليالي والأيام التي يستحب فيها الإكثار من الخير.
стр. 204
عظمة بناء الجنة وغرفها
قال ﷺ : (إن في الجنة غرفة -وفي حديث آخر-: غرفاً) أي: ليست غرفة واحدة، فكلمة (غرفاً) اسم جنس، وهذه الغرف أعدها الله للمؤمنين، ومعنى الغرفة: المنزلة العالية في الجنة, وهذه المنزلة العالية فيها القصور, وفيها البساتين, وفيها مالا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, وأعد الله للمؤمن هذا النوع من أنواع الثواب: وهو الغرف العالية التي يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها, ولعلك وأنت تبني بيتاً تتمنى أن يكون هذا البيت بيتاً عظيماً، وتتمنى وأنت خارج هذا البيت أن ترى ما بداخله أنت وحدك فقط, فالجنة قصورها لبنة من ذهب ولبنة من فضة, وإذا نظرنا إلى الذهب والفضة في الدنيا فإنه شيء ثقيل كثيف يحجب ما وراءه, لكن في الجنة يكون البيت من لؤلؤة, بل يكون من ذهب أو فضة, ويجعل الله العبد المؤمن يرى ما بداخله وهو في خارجه, فيستمتع وهو في الخارج بالثمار والبساتين وبما يشاء، وإذا أراد أن ينظر إلى زوجته من الحور العين بداخل القصر ينظر إليها ويراها, وهذا نعيم مقيم عظيم وهو لمن كان من المؤمنين من الرجال أو من النساء الذين يفعلون ما ذكر النبي ﷺ , حيث قال: (أعدها الله لمن أطعم الطعام)، أي: لمن يطعم الفقراء والمساكين، ويهدي لأصدقائه وأحبائه، ويصل أرحامه، ويطعم الصائمين فيفطرهم ويفعل الخير, وقوله: (وألان الكلام)، أي: وكان كلامه ليناً طيباً لا تنفير فيه, بل كلامه يحبب الخلق فيه, تراه منشغلاً بطاعة الله , وبذكر الله , فهو يكثر من الصيام, ويكثر من الصلاة.
وقوله: (وتابع الصيام) بمعنى: صام نوافل كثيرة, وقوله: (وصلى والناس نيام)، أي: قام لله مصلياً, وفي شهر رمضان قد تصلي مع الناس وترجع إلى بيتك, فانتهز الليل وصل فيه ركعات ولو خفيفات تصليها وحدك وأنت في جوف الليل لا يراك أحد, حتى تحصل على هذا الثواب وهذا الأجر, ولا تقل: أنا لست حافظاً للقرآن, بل اقرأ ولو بـ (قل هو الله أحد) , فهذه سورة عظيمة وهي ثلث القرآن, فاقرأها مع الفاتحة, فهي سبع آيات، وهي المثاني وهي القرآن العظيم الذي أوتيه النبي ﷺ ، وهي أعظم سورة في كتاب الله , أو اقرأ الفاتحة مع (قل يا أيها الكافرون) , أو افتح المصحف واقرأ فيه إن شئت وأنت في صلاة الليل, فإذا فعلت ذلك فقد قمت بالليل والناس نيام، وحصلت على مثل هذا الأجر العظيم.
فصلاة الليل صلاة عظيمة سواء صليت في أول الليل, أو في آخره, مع الناس أو والإنسان وحده، فهذا كله خير وحسن.
стр. 205
تعظيم أماكن العبادة
احرص على أن تستعين بالله على الطاعة وأن تعين غيرك, وإذا وقفت في الصلاة فلا تضايق الناس ولا تزاحمهم, ولا تجعل الناس يقفون في الصف وهم متضايقون منشغلون لا يستطيعون الصلاة، صل صلاة طيبة واجعل غيرك كذلك, ولا تأت بأولادك إلى بيت الله إلا إذا كانوا يفهمون الصلاة كأن يكونوا في سن ست أو سبع سنوات، ويعرفون كيف يصلون، وأدبهم بآداب الصلاة، وعلمهم أن إذا وقفوا أن يصلوا مع الناس, وإذا تعبوا قعدوا, ولا تحضر بهم من أجل أن يلعبوا, وعلى النساء إذا جئن للصلاة فليصلين، وإذا لم يأتين للصلاة فلا يأتين المسجد, فإن المسجد والمصلى لم يعد للكلام الذي لا فائدة منه، بل أعد لذكر الله, فاقعدي لذكر الله أو لقراءة القرآن، واقرئي مثلاً (قل هو الله أحد) عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة, أو قولي سبحان الله وبحمده مائة مرة تغفر لك ذنوبك ولو كانت مثل زبد البحر, وقولي سبحان الله وبحمده تغرس لك نخلة في الجنة, فإنما هي ساعة ونصف أو ساعتين تقعد بها في بيت الله من أجل أن تأخذي أجراً لا أن ترجعي بوزر وآثام, فاتقي الله في نفسك وفي أولادك وفي أخواتك، واحذري من غضب الله سبحانه ﵎.
وقد جاء في الحديث أن هناك منزلة عظيمة في الجنة لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام, وستأتي فيما بعد إن شاء الله الأحاديث التي تتحدث عن صلاة التراويح وصلاة التهجد.
стр. 206
صيام النذر
стр. 207
أنواع النذر
إن من أنواع الصيام المفروض ما يكون الإنسان هو الذي فرضه على نفسه بنذر أو نحوه, وصوم النذر: هو أن المسلم أو المسلمة قد ينذران لله سواء كان النذر لشيء يحدث، أو بدون تعليقه على شيء، وهو ما يسمى بنذر التبرر, وهو جائز، كأن يقول المرء: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، هذا هو النوع الأول من أنواع النذر.
وهناك نذر آخر يكون على وجه كأن فيه معاوضة، فيقول الإنسان: يا رب لو شفيت لي مريضي صمت لك ثلاثة أيام, وهذا النذر من النذر المكروه الذي يستخرج به من البخيل, لكن على كل لو أن الإنسان نذر لزمه أن يصوم النذر الذي نذره, وإذا نذرت المرأة صوماً فإما أن تكون قد نذرت بإذن زوجها وإما أن تكون قد نذرت بغير إذن زوجها, فإذا نذرت بإذن زوجها فيلزمها الوفاء في الوقت الذي نذرت فيه, وإذا كان النذر بغير إذن زوجها فيلزمها الوفاء أيضاً، وتستأذنه في الوقت، فإذا أبى في هذا اليوم تأخرت إلى يوم آخر تؤدي فيه هذا النذر الذي نذرته.
стр. 208
نذر ما لا يطيق
إن نذر صوم الدهر شيء مكروه، ففيه مشقة على المسلم، فلو أن إنساناً نذر صوم الدهر, واستحال عليه هذا الشيء لمرضه وضعفه، فهو هنا قد نذر ما لا يطيق، فليكفر كفارة يمين, وإذا أطاقه فيلزمه ذلك, وله أن يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصوم, فهو أفضل من صوم الدهر كله.
ولو أن المرأة نذرت هذا الشيء، فللزوج أن يمنعها؛ لأنه لم يتزوجها من أجل أن تصوم كل يوم, فإذا منعها فلا شيء عليها, فلو أن الزوج توفي لزمها الوفاء بهذا النذر, ولو كان الزوج حياً لكنه غير موجود بسبب سفر فيلزمها نذرها, وإذا طلقها الزوج رجع النذر مرة ثانية عليها, لكن إذا كان الإنسان لا يطيق النذر الذي نذره ولا يقدر عليه؛ لأنه مصاب بمرض في الكلى، أو مصاب بمرض السكر بحيث لا يقدر معه على الصوم, أو مريض بمرض في الكبد لا يقدر معه على الصوم، والأطباء منعوه من الصوم، فيلزمه كفارة يمين.
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵁ قال: (من نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليف به).
وهذا الصيام الذي تكلمنا عنه هو صيام النذر الواجب الذي يلزم الوفاء به، ولابد فيه من إذن الزوج قبل النذر, فلو نذرت وأذن لها الزوج أن تصوم لزمها الوفاء, ولو أنها نذرت نذراً طويلاً كنذر صوم الدهر فللزوج أن يمنعها من الوفاء به.
стр. 209
صيام التطوع للمرأة
صوم التطوع لابد فيه من إذن الزوج, وله أن يأمر زجته بالإفطار، ولها أجر نيتها, فلو أذن لها الزوج فقال: صومي تطوعاً، ثم بعد ذلك قال لها: إني أريدك اليوم فأفطري فأفطرت فلها أجر نيتها، وإن كان الأفضل ألا يفعل ذلك.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه -وزوجها شاهد: أي: حاضر موجود- ولا تأذن في بيته إلا بإذنه, وما أنفقت من نفقة من غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره)، أي: أن المرأة إذا أرادت أن تنفق من مال زوجها فلابد من إذنه ولو إذناً عاماً, والإذن العام مثل أن يقول: لو فاض عندك أكل فتصدقي به, فإذا أنفقت وتصدقت فهي تؤجر وزوجها أيضاً يؤجر, مع أن الزوج قد لا يذكر هذا الذي قاله، ولكن الله يأجره على ما نواه قبل ذلك.
стр. 210
المتطوع إذا بدا له أن يفطر
ومن دخل في صوم تطوع من رجل أو امرأة فيستحب له إتمامه، ويجوز له أن يأكل في هذا اليوم كما قدمنا أن النبي ﷺ (أصبح صائماً ثم قدمت له عائشة حيساً وقالت: هذا أهدي إلينا -والحيس: التمر المختلط بالسمن- فأكل النبي ﷺ ، فيجوز للإنسان إذا كان صائماً صوم تطوع كصوم الإثنين والخميس, أو أي يوم من الأيام المستحبة، ثم بدا له أن يفطره أو كان مدعواً للذهاب عند إنسان ضيفاً فيجوز أن يفطر وله الأجر في ذلك, لأنه أكرم أخاه وأكل معه، وأجر على الصيام، ولكن يستحب ابتداء أن يقول: إني صائم, فإن رضي فليكمل صومه, وإذا كان قد تكلف من أجل حضور الضيف فليجبه إلى الطعام، كما قال النبي ﷺ للصحابي الذي تكلف له الناس وقال إني صائم: (تكلف لك أخوك وتقول إني صائم)، فإذا تكلف لك فالأفضل أن تأكل عنده حتى لا يحزن، وهذا في صوم التطوع.
стр. 211
أثر النية الصالحة على الأعمال المباحة
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي جحيفة يقول: (آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء).
كان أبو الدرداء ﵁ فقيهاً، ولكن سلمان كان أفقه منه, وإن سلمان نزل ضيفاً عند أبي الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة أي: في ثياب مهنتها وغير متزينة لزوجها، وكان هذا قبل أن يؤمر بالحجاب, فقال لها: ما شأنك, فقالت: أخوك أبو الدرداء ليست له حاجة في الدنيا, ولما جاء أبو الدرداء وصنع لـ سلمان طعاماً، فقال له سلمان: كل, فقال: إني صائم, فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل, فلما أصر سلمان وهو ضيف إذا بـ أبي الدرداء يفطر ويأكل مع سلمان , ثم جاء الليل فذهب أبو الدرداء من أول الليل يصلي، وكان من عباد الصحابة ﵁، فقال له سلمان: نم ليس هذا وقته, ثم ذهب ليصلي, فقال: نم ليس الآن, فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن فصل -وكان سلمان يقصد بهذا الشيء أن يقول له: إذا كنت صمت اليوم كله وقمت من أول الليل إلى آخره فمتى ستتفرغ لزوجتك؟ ثم قال: إن لربك عليك حقاً, ولنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, فأعط كل ذي حق حقه، فأنت مخلوق لعبادة الله, وعبادة الله تكون بالصلاة وبالصوم, وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبإعطاء الحقوق لأصحابها, ومن ضمن الحقوق حقك أنت، فجسدك له عليك حق, وزوارك لهم عليك حق, وزوجتك وعيالك لهم عليك حق, فأعط كل ذي حق حقه, وكأن هذا الأمر ضاق منه أبو الدرداء فذهب يشكو إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال له النبي ﷺ (صدق سلمان , صدق سلمان)، أي: إن الذي قاله سلمان هو الصحيح, فالإنسان إذا أراد أن يتعبد فلا ينسى أن حياته كلها عبادة, كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فحياتك كلها لله, فأنت وأنت في بيتك تعبد الله, وفي مسجدك تعبد الله, وفي عملك تعبد الله, وفي الشارع وفي الطريق تعبد الله, فالحياة كلها تصبح عبادةً لله سبحانه بنية الإنسان, فإذا كنت تمشي في الطريق وغيرك يمشي فيها كذلك، وأنت ناوٍ أنك كلما قابلت إنساناً مسلماً, ألقيت ﵇, تعرفه أو لا تعرفه, فهذه عبادة لله سبحانه وتؤجر على ذلك, أو في نيتك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتغض بصرك فهذه أيضاً عبادة لله , وأنت تمشي في الطريق وتراجع ما تحفظه من القرءان أو تسبح الله وتحمده لتأنس بالله سبحانه ﵎ فهذه عبادة لله, وإذا ذهبت إلى عملك لتقضي بين الناس وتنظر في مصالح الناس وتعينهم وتتقن عملك فهذه عبادة، وقد قال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) وإذا رجعت إلى بيتك تحمل الخضروات والخبز وأنت ناوٍ أن تطعم أهلك بها فتلك عبادة، (حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك لك فيها أجر) وأنت تضحك مع أهلك ومع عيالك وتدخل السرور على قلوبهم, وتتبسم في وجه أخيك المسلم عبادة لله أيضاً، قال النبي ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك صدقة).
كذلك وأنت تأتي أهلك فأنت في عبادة, (قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إن جعلها في حلال كان له أجر) فأنت في الليل أو في النهار لك أجر من الله سبحانه لأنك تعبد الله, تنام حين تنام وأنت على وضوء، وتنام على جنبك الأيمن تذكر الله سبحانه والملك بجوارك، فإذا فزعت من النوم ذكرت الله سبحانه ﵎ ودعوت الله وأمن الملك على ما تدعو، فأنت في عبادة لله في الليل والنهار، وأنت قائم أو نائم أو في الطريق أو في عملك, حياتك كلها عبادة بفضل الله وبرحمته وبالنية الحسنة منك, لذلك اعبد ربك في كل مكان كما أمرك, وأعط الحقوق لأصحابها فهي عبادة تتعبد بها لله .
стр. 212
الصيام الممنوع
стр. 213
صيام يوم الشك
إن من الصيام الممنوع: صيام يوم الشك, فقد نهى النبي ﷺ عن صومه، فيحرم صيامه, فقد روى أبو داود عن عمار ﵁ قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، وقال النبي ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين, إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه).
ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان, لأنه يُشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان, فنهى النبي ﷺ عن صومه، والعلة في ذلك: أن رمضان لابد أن يتميز فقبله لا يوجد صيام وبعده يوم العيد لا يوجد صيام, فيوم العيد حاجز بينه وبين ما بعده، ويوم الشك حاجز بينه وبين ما قبله, ولكن من كانت له عادة في صيام يوم الإثنين والخميس، أو يوم السبت والأحد والإثنين, أو الثلاثاء والأربعاء والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً فجاء يوم الشك في هذا اليوم فله أن يصوم هذا اليوم, أو كان عليه يوم من رمضان السابق ونسيه فلم يذكره إلا هذا اليوم فله أن يصومه, أما من غير سبب فليس له أن يصوم هذا اليوم.
стр. 214
صوم يوم الجمعة
ويكره أن يصوم الإنسان يوم الجمعة, أما يوم الشك فيحرم إلا أن تكون هناك عادة للإنسان في صيامه؛ لقول النبي ﷺ : (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده)، فيكره صوم يوم الجمعة وحده، لكن لو أنك تصوم يوماً وتفطر يوماً فوافق يوم صومك يوم الجمعة فيجوز أن تصومه, وكذلك لو أنك تصوم الخميس مع الجمعة أو الجمعة مع السبت فيجوز لك ذلك, وجاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي, ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، فيوم الجمعة لا يخصص بصيام, وإن شئت صومه فصم معه يوماً قبله أو يوماً بعده, ولا مانع من ذلك, وقد جاء عن النبي ﷺ (أنه دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة فوجدها صائمة فقال: أصمت أمس، قالت: لا، فقال: تريدين أن تصومي غداً, فقالت: لا, فقال: فأفطري)، فأمرها أن تفطر؛ لأنها لم تصم يوم الخميس ولن تصوم يوم السبت, وجاز صيام يوم الجمعة بسبب من الأسباب كأن يكون قضاء، أو نذراً.
وأما الحكمة في كراهية صيام يوم الجمعة فهي أن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وفيه أعمال قد يشغلك الصوم عنها إذا لم تكن معتاداً على الصوم, فيوم الجمعة تريد أن تذهب للمسجد مبكراً، ولعلك إن كنت صائماً ترغب أن تنام قليلاً فيضيع عليك التبكير إلى المسجد, والتبكير إلى المسجد فيه أجر عظيم جداً, وحضور صلاة الجمعة, وسماع الخطبة من الإمام تؤجر عليها، فيغفر لك ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة عشرة أيام, وفي ذهابك إلى صلاة الجمعة سواء كان المسجد قريباً أو بعيداً أجر عظيم كما في الحديث عن يوم الجمعة: (من بكر وابتكر, وغسل واغتسل, ومشي فلم يركب, وصلى ما كتب الله له إلا كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)، وهذا أجر عظيم جداً, فإذا خطوت ألف خطوة كتب لك أجر ألف سنة.
وبعد أن تصلي صلاة الجمعة وترجع إلى بيتك وتقرأ سورة الكهف سواء قبلها أو بعدها، وتكثر من الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها, ثم تأتي الساعة التي بعد صلاة العصر قبل المغرب وهي آخر ساعة من الجمعة, فهي ساعة إجابة للدعاء.
إذاً: فيوم الجمعة فيه انشغال بطاعات أخرى فلعلك إن انشغلت بالصوم أن تضيع الكثير من هذه الطاعات, ولذلك كره النبي ﷺ أن تصوم يوم الجمعة وحده, فإن شئت فصم يوماً قبله معه أو يوماً بعده معه, وكان النبي ﷺ يفعل ذلك، ويكثر من صوم يوم الجمعة، وقلما يفطر فيها؛ لأنه كان يكثر من صوم يوم الخميس، والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر, وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 215
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الحث على قراءة القرآن وتعاهده
لقد حض النبي ﷺ على تعاهد القرآن وحفظه وتدبره، فقام الصحابة الكرام بذلك خير قيام، فقد كانوا قرآناً يمشي على الأرض؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يحفظوها ويتدبروها ويعملوا بها، ومن اهتمامهم بالقرآن أن قام أبو بكر الصديق بمشورة عمر ﵄ بجمع القرآن وكتابته في مصحف واحد، ثم جمعه بعد ذلك عثمان ﵁.
следующие страницы →