Полный текст (387 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أثر النية الصالحة على الأعمال المباحة
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي جحيفة يقول: (آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء).
كان أبو الدرداء ﵁ فقيهاً، ولكن سلمان كان أفقه منه, وإن سلمان نزل ضيفاً عند أبي الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة أي: في ثياب مهنتها وغير متزينة لزوجها، وكان هذا قبل أن يؤمر بالحجاب, فقال لها: ما شأنك, فقالت: أخوك أبو الدرداء ليست له حاجة في الدنيا, ولما جاء أبو الدرداء وصنع لـ سلمان طعاماً، فقال له سلمان: كل, فقال: إني صائم, فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل, فلما أصر سلمان وهو ضيف إذا بـ أبي الدرداء يفطر ويأكل مع سلمان , ثم جاء الليل فذهب أبو الدرداء من أول الليل يصلي، وكان من عباد الصحابة ﵁، فقال له سلمان: نم ليس هذا وقته, ثم ذهب ليصلي, فقال: نم ليس الآن, فلما كان من آخر الليل قال له سلمان: قم الآن فصل -وكان سلمان يقصد بهذا الشيء أن يقول له: إذا كنت صمت اليوم كله وقمت من أول الليل إلى آخره فمتى ستتفرغ لزوجتك؟ ثم قال: إن لربك عليك حقاً, ولنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, فأعط كل ذي حق حقه، فأنت مخلوق لعبادة الله, وعبادة الله تكون بالصلاة وبالصوم, وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبإعطاء الحقوق لأصحابها, ومن ضمن الحقوق حقك أنت، فجسدك له عليك حق, وزوارك لهم عليك حق, وزوجتك وعيالك لهم عليك حق, فأعط كل ذي حق حقه, وكأن هذا الأمر ضاق منه أبو الدرداء فذهب يشكو إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال له النبي ﷺ (صدق سلمان , صدق سلمان)، أي: إن الذي قاله سلمان هو الصحيح, فالإنسان إذا أراد أن يتعبد فلا ينسى أن حياته كلها عبادة, كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فحياتك كلها لله, فأنت وأنت في بيتك تعبد الله, وفي مسجدك تعبد الله, وفي عملك تعبد الله, وفي الشارع وفي الطريق تعبد الله, فالحياة كلها تصبح عبادةً لله سبحانه بنية الإنسان, فإذا كنت تمشي في الطريق وغيرك يمشي فيها كذلك، وأنت ناوٍ أنك كلما قابلت إنساناً مسلماً, ألقيت ﵇, تعرفه أو لا تعرفه, فهذه عبادة لله سبحانه وتؤجر على ذلك, أو في نيتك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتغض بصرك فهذه أيضاً عبادة لله , وأنت تمشي في الطريق وتراجع ما تحفظه من القرءان أو تسبح الله وتحمده لتأنس بالله سبحانه ﵎ فهذه عبادة لله, وإذا ذهبت إلى عملك لتقضي بين الناس وتنظر في مصالح الناس وتعينهم وتتقن عملك فهذه عبادة، وقد قال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) وإذا رجعت إلى بيتك تحمل الخضروات والخبز وأنت ناوٍ أن تطعم أهلك بها فتلك عبادة، (حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك لك فيها أجر) وأنت تضحك مع أهلك ومع عيالك وتدخل السرور على قلوبهم, وتتبسم في وجه أخيك المسلم عبادة لله أيضاً، قال النبي ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك صدقة).
كذلك وأنت تأتي أهلك فأنت في عبادة, (قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إن جعلها في حلال كان له أجر) فأنت في الليل أو في النهار لك أجر من الله سبحانه لأنك تعبد الله, تنام حين تنام وأنت على وضوء، وتنام على جنبك الأيمن تذكر الله سبحانه والملك بجوارك، فإذا فزعت من النوم ذكرت الله سبحانه ﵎ ودعوت الله وأمن الملك على ما تدعو، فأنت في عبادة لله في الليل والنهار، وأنت قائم أو نائم أو في الطريق أو في عملك, حياتك كلها عبادة بفضل الله وبرحمته وبالنية الحسنة منك, لذلك اعبد ربك في كل مكان كما أمرك, وأعط الحقوق لأصحابها فهي عبادة تتعبد بها لله .
стр. 212
الصيام الممنوع
стр. 213
صيام يوم الشك
إن من الصيام الممنوع: صيام يوم الشك, فقد نهى النبي ﷺ عن صومه، فيحرم صيامه, فقد روى أبو داود عن عمار ﵁ قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، وقال النبي ﷺ : (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين, إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه).
ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان, لأنه يُشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان, فنهى النبي ﷺ عن صومه، والعلة في ذلك: أن رمضان لابد أن يتميز فقبله لا يوجد صيام وبعده يوم العيد لا يوجد صيام, فيوم العيد حاجز بينه وبين ما بعده، ويوم الشك حاجز بينه وبين ما قبله, ولكن من كانت له عادة في صيام يوم الإثنين والخميس، أو يوم السبت والأحد والإثنين, أو الثلاثاء والأربعاء والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً فجاء يوم الشك في هذا اليوم فله أن يصوم هذا اليوم, أو كان عليه يوم من رمضان السابق ونسيه فلم يذكره إلا هذا اليوم فله أن يصومه, أما من غير سبب فليس له أن يصوم هذا اليوم.
стр. 214
صوم يوم الجمعة
ويكره أن يصوم الإنسان يوم الجمعة, أما يوم الشك فيحرم إلا أن تكون هناك عادة للإنسان في صيامه؛ لقول النبي ﷺ : (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده)، فيكره صوم يوم الجمعة وحده، لكن لو أنك تصوم يوماً وتفطر يوماً فوافق يوم صومك يوم الجمعة فيجوز أن تصومه, وكذلك لو أنك تصوم الخميس مع الجمعة أو الجمعة مع السبت فيجوز لك ذلك, وجاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي, ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)، فيوم الجمعة لا يخصص بصيام, وإن شئت صومه فصم معه يوماً قبله أو يوماً بعده, ولا مانع من ذلك, وقد جاء عن النبي ﷺ (أنه دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة فوجدها صائمة فقال: أصمت أمس، قالت: لا، فقال: تريدين أن تصومي غداً, فقالت: لا, فقال: فأفطري)، فأمرها أن تفطر؛ لأنها لم تصم يوم الخميس ولن تصوم يوم السبت, وجاز صيام يوم الجمعة بسبب من الأسباب كأن يكون قضاء، أو نذراً.
وأما الحكمة في كراهية صيام يوم الجمعة فهي أن يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وفيه أعمال قد يشغلك الصوم عنها إذا لم تكن معتاداً على الصوم, فيوم الجمعة تريد أن تذهب للمسجد مبكراً، ولعلك إن كنت صائماً ترغب أن تنام قليلاً فيضيع عليك التبكير إلى المسجد, والتبكير إلى المسجد فيه أجر عظيم جداً, وحضور صلاة الجمعة, وسماع الخطبة من الإمام تؤجر عليها، فيغفر لك ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة عشرة أيام, وفي ذهابك إلى صلاة الجمعة سواء كان المسجد قريباً أو بعيداً أجر عظيم كما في الحديث عن يوم الجمعة: (من بكر وابتكر, وغسل واغتسل, ومشي فلم يركب, وصلى ما كتب الله له إلا كتب له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)، وهذا أجر عظيم جداً, فإذا خطوت ألف خطوة كتب لك أجر ألف سنة.
وبعد أن تصلي صلاة الجمعة وترجع إلى بيتك وتقرأ سورة الكهف سواء قبلها أو بعدها، وتكثر من الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها, ثم تأتي الساعة التي بعد صلاة العصر قبل المغرب وهي آخر ساعة من الجمعة, فهي ساعة إجابة للدعاء.
إذاً: فيوم الجمعة فيه انشغال بطاعات أخرى فلعلك إن انشغلت بالصوم أن تضيع الكثير من هذه الطاعات, ولذلك كره النبي ﷺ أن تصوم يوم الجمعة وحده, فإن شئت فصم يوماً قبله معه أو يوماً بعده معه, وكان النبي ﷺ يفعل ذلك، ويكثر من صوم يوم الجمعة، وقلما يفطر فيها؛ لأنه كان يكثر من صوم يوم الخميس، والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر, وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 215
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الحث على قراءة القرآن وتعاهده
لقد حض النبي ﷺ على تعاهد القرآن وحفظه وتدبره، فقام الصحابة الكرام بذلك خير قيام، فقد كانوا قرآناً يمشي على الأرض؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يحفظوها ويتدبروها ويعملوا بها، ومن اهتمامهم بالقرآن أن قام أبو بكر الصديق بمشورة عمر ﵄ بجمع القرآن وكتابته في مصحف واحد، ثم جمعه بعد ذلك عثمان ﵁.
стр. 216
نماذج من تعاهد الصحابة للقرآن وحفظهم له
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل)، ﵄.
وفي الصحيحين أيضاً عن أنس ﵁ قال: (جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار، أبي ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، قال الراوي: قلت لـ أنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي).
هذه أحاديث من ضمن أحاديث كثيرة جاءت عن أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يحفظون القرآن في عهده ﷺ ، وأمر النبي ﷺ باستقراء القرآن من هؤلاء، قال: (استقرئوا القرآن من أربعة)، من هؤلاء الذين كانوا يحفظون القرآن حفظاً متقناً: عبد الله بن مسعود ﵁، وسالم مولى أبي حذيفة، وكان سالم ذا صوت حسن غاية في الجمال رضي الله تعالى عنه، سمعته السيدة عائشة مرة وهو يقرأ ودخل عليها النبي ﷺ فقالت: إني سمعت رجلاً من أصحابك يقرأ القرآن فذكرت من قراءته، فخرج النبي ﷺ واستمع إليه ثم رجع وهو يذكر من جمال صوته، وأن قراءته قراءة حسنه، وكان هذا الرجل سالم مولى أبي حذيفة، وكان يتقن حفظ القرآن، وأمر النبي ﷺ باستقراء القرآن منه ومن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل ﵃.
فهؤلاء كانوا يحفظون القرآن في عهد النبي ﷺ ، وغيرهم كانوا يحفظون القرآن، ففي حديث أنس بن مالك قال: (جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أربعة كلهم من الأنصار)، فهذه معرفة أنس ﵁، وهؤلاء الأربعة من الأنصار هم: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد واحد من أعمام أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، فهؤلاء أيضاً حفظوا القرآن كله في عهد النبي ﷺ .
والصحابة كلهم حافظوا على القرآن، فهذا يحفظ مجموعة من السور، وهذا يحفظ مجموعة أخرى من السور، وهذا يحفظ آيات، وهذا يحفظ، وهذا يكتب، فكان كل منهم يأخذ من النبي ﷺ فيحفظ، ومنهم من كتب في صحيفة عنده حتى يحفظه، ولذلك لما طُلِبَ من زيد بن ثابت ﵁ أن يجمع القرآن، جمع القرآن من صدور الرجال وهو يحفظه، والنبي ﷺ ذكر لنا في الحديث أربعة يحفظون القرآن، وهم: ابن مسعود وسالم وأبي ومعاذ، وأخبر أنس بن مالك أن ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ زيد بن ثابت ﵁، وكانت له فضيلة أنه كان يكتب الوحي رضي الله تعالى عنه.
стр. 217
عمل الصحابة بالقرآن وتناصحهم فيما بينهم على ذلك
هؤلاء الذين حفظوا القرآن في عهد النبي ﷺ ، وجمعوه في صدورهم، وكتبوا القرآن في ألواح وفي صحائف عندهم، كانوا يأخذون هذا القرآن ويقومون به بالليل ويقرءونه بالنهار، ويعملون به رضوان الله ﵎ عليهم.
فانظر مثلاً من هؤلاء معاذ بن جبل، ومنهم أبو موسى الأشعري فقد كان ممن يحفظ القرآن، ففي الصحيحين عن أبي بردة قال: (بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن) أرسلهما باعتبارهما يحفظان القرآن ليعلما أهل اليمن، وكان حفظ الصحابة للقرآن غير حفظنا نحن، نحن نهتم بحفظ القرآن وبعد أن نتم حفظ القرآن ثم نتعلم المعاني التي فيه والفقه، أما الصحابة فكان حفظهم عجيباً جداً، كانوا يأخذون عشر آيات، ويتقنون هذه العشر الآيات حفظاً وتلاوة وعلماً وعملاً وفهماً، فحافظ القرآن منهم له شأن عظيم جداً؛ لأنه يحفظ القرآن بما فيه من معان، وبما فيه من فقه، وبما فيه من أحكام، ويعمل بهذا الذي حفظ، ولذلك كانت لهم منزلة وقدر عظيم.
فكان النبي ﷺ يبعث بهؤلاء القراء الذين يحفظون القرآن ليعلموا الناس، فأرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن حتى يعلما أهل اليمن، كل منهما كان على مخلاف، كأن تقول: هذه محافظة وهذه محافظة ثانية، أو هذه بلدة وهذه بلدة ثانية، فـ معاذ على مخلاف وأبو موسى الأشعري على مخلاف آخر، فقال معاذ: يا عبد الله بن قيس! كيف تقرأ القرآن؟ أبو موسى من قراء القرآن ومن أجمل الناس قراءة للقرآن، فقد قال عنه النبي ﷺ : (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود).
فقد كان صوته غاية في الجمال ﵁، وكان عمر بن الخطاب عندما يحب أن يسمع القرآن يقول: يا أبا موسى! ذكرنا، فيجلس أبو موسى ويذكرهم ويقرأ القرآن، فيبكي عمر ويبكي الحضور من قراءته ومن جمال قراءته ومن إتقانه وجمال صوته ونغمته رضي الله تعالى عنه، وهذا واحد ممن سمع أبا موسى يقول: فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا شيئاً أجمل من صوته، أي: كأنك تسمع صوت العود والآلات الموسيقية، وهم كانوا يصنعون منها ويعرفونها في الجاهلية، فلما جاء الإسلام منعهم من ذلك، فهذا يقول: ما سمعت صوتاً أجمل من صوت أبي موسى الأشعري ﵁، لكن نقول: كان أجمل منه صوتاً وأخشع منه سيدنا رسول الله ﷺ ، فقد كان أجمل الناس صوتاً وتلاوة، وهو الذي نزل عليه القرآن، وقال في الحديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) أي: ما استمع الله لشيء كاستماعه للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
يقول رجل: (سمعت رسول الله ﷺ في آخر حياته وهو يقرأ سورة الطور، فما سمعت شيئاً أجمل من قراءة النبي ﷺ ولا أخشع، حتى إني لأضطرب من الخوف) أي: حين سمع النبي ﷺ وهو يقرأ بسورة الطور.
وهذا الرجل كان كافراً في ذلك الوقت، وبعد أن سمع قراءة النبي ﷺ خشع قلبه وأسلم بعد ذلك رضي الله تعالى عنه.
الغرض: أن أبا موسى الأشعري التقى مع معاذ، فسأله معاذ كيف تقرأ القرآن؟ كان أهم شيء عندهم هو الدين، فيقول أبو موسى: أتفوقه تفوقاً، أي: ألازم قراءته ليلاً ونهاراً شيئاً بعد شيء، والتفوق يقال: فواق الحلبة، أي: ما بين الحلبتين، فهو يقرأ القرآن باستمرار، فقال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: وأنت كيف تقرأ يا معاذ؟ قال معاذ: أما أنا فأنام أول الليل، ثم أقوم جزءاً من النوم فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
ف معاذ رضي الله تعالى عنه كان يقرأ قراءة عظيمة، كان يتدبر القرآن ليتفقه في هذا القرآن العظيم، وكلاهما على خير، فقد كانا يقرأان القرآن كما أنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتواصون فيما بينهم، ويسأل كل منهم الآخر عن دينه.
هذه قراءة الصحابة وهذا حفظ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كانوا يحفظون القرآن حفظاً عظيماً، ويقرءونه ويكتبونه.
стр. 218
قصة جمع أبي بكر للقرآن
ورد في البخاري من حديث زيد بن ثابت ﵁، وكان ممن يكتب الوحي للنبي ﷺ ، وبعد ذلك كتب هذا القرآن العظيم في عهد أبي بكر، قال: (أرسل إلي أبو بكر عام مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن).
فهؤلاء القراء الذين كانوا يحفظون القرآن قاموا بهذا القرآن كما أمر الله سبحانه، فلما جاء وقت الجهاد ذهبوا كلهم ليجاهدوا؛ لأنهم يريدون الجنة، فذهبوا في قتال أهل اليمامة، فكان الكثير من حفاظ القرآن يقاتلون مسيلمة الكذاب لعنة الله عليه، وكان مع مسيلمة كثير من الناس، وكان أشد قتال أتعب المسلمين قتال مسيلمة ومن معه، ومن كان معه يعرفون أنه كذاب، لكن كانوا يفتخرون أنه منهم من بني حنيفة من اليمامة، ولذلك كانوا يدافعون عنه، فقاتلوا قتالاً شديداً، وقتل الكثير من حفاظ القرآن الذي هم القراء، فلما حدث ذلك ذهب عمر إلى أبي بكر فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن يضيع حفاظ القرآن، وقبل أن يضيع القرآن، فكانت مشورة عظيمة وجميلة من سيدنا عمر ﵁ لـ أبي بكر، فـ أبو بكر تردد في البداية وقال: كيف أفعل شيئاً لم يفعله النبي ﷺ ؟ يعني: النبي ﷺ لم يكتب القرآن كله في كتاب واحد، ولم يجمعه في كتاب واحد، وكان أبو بكر شديد الاتباع للنبي ﷺ ، فما زال عمر به حتى أدرك ما أدركه عمر، واستجاب لما قاله عمر ﵁.
وأرسلوا إلى زيد بن ثابت فقال زيد: كيف أفعل شيئاً لم يفعله النبي ﷺ ؟! وكتابة القرآن يحتج بها العلماء في مسألة أصولية يسمونها: المصالح المرسلة، والمصالح المرسلة مما دعا إليه الدين، ولم يأت بخصوصه عن النبي ﷺ شيء، لكنه مما دعا الدين إليه، قال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالقرآن حفظه الله وأمر بحفظه ، وأمرنا بقراءة القرآن وتدبر القرآن، فقال : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢].
فكيف يتدبره الناس وليس مكتوباً في أيديهم، وإنما كان في صحف متفرقة مع أصحاب النبي ﷺ ، هذا معه قليل، وهذا معه قليل، فلو مات هؤلاء الناس فكيف سيحفظون القرآن؟! فكانت هذه مصلحة من المصالح المرسلة، يتعبدون لله بأن جمعوا القرآن، فكم سيأخذ من الثواب عمر ﵁، وأبو بكر ﵁، وعثمان ﵁، وزيد بن ثابت ومن معه ممن كتبوا هذا القرآن العظيم في كتاب واحد في صحيفة واحدة! لقد كان القرآن مكتوباً في عهد النبي ﷺ ، فكان إذا نزلت عليه الآيات يدعو الكاتب فيكتب، وكان من الكتاب زيد بن ثابت، وكان منهم معاوية بن أبي سفيان وغيرهما.
فكان يقول: ألحق هذه الآية بسورة كذا، فيلحقها في موضعها في السورة التي كتبها قبل ذلك.
ولم يكن عندهم ورق مثل الذي عندنا الآن، يقول زيد: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، كان يجمع القرآن من ذلك.
فهو أخذ من عنده رقعة مكتوب فيها، ومن عنده كتف، فقد كان الواحد يأخذ كتف البعير أو غيره وبعدما ينظفه ويطهره يكتب عليه ليحفظه عنده في البيت، وكذلك كان يأخذ العسب المكتوب عليها القرآن، والعسب هي الجريدة العريضة من جريد النخل؛ ليكتب فيها القرآن، قال: ومن صدور الرجال وحفظ الرجال، فـ زيد بن ثابت كان يكتب الوحي في عهد النبي ﷺ ، وها هو الآن يجمع القرآن من هذه الأمور، فهو لم يعتمد على حفظه؛ لأن حفظ الإنسان قد يخونه، فلذلك جعلوا معه مجموعة من الرجال ليجمعوا القرآن، فكان معه ثلاثة من الرجال وهو رابعهم ﵃ أجمعين، قال: فقمت فتتبعت القرآن حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره.
فهذا يبين أنه كان يعتمد في الجمع على المكتوب؛ لأنه وجد آيتين من سورة التوبة مع خزيمة فقط، ليست مع غيره، وهذا لا يعني أنه لم يكن يحفظ هاتين الآيتين غير خزيمة، وإلا فلن يكون القرآن متواتراً، ولكن المقصود أنه وجدها مكتوبة معه فقط، وإلا فـ زيد يحفظهما، وحفاظ القرآن يحفظونهما، لكن أراد زيد أن يجدهما مكتوبتين، فوجدهما مكتوبتين مع خزيمة بن ثابت ﵁، والآيتان هما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩].
فقد تعب زيد ومن معه في تجميع القرآن العظيم، وهو ستة آلاف ومائتا آية! كل آية يبحث من الذي كتبها، ومع من؟ فجمعوا القرآن في مصحف واحد، وكان هذا المصحف غاية في الإعجاز والعجب، إعجاز؛ لأنه كلام الله سبحانه، وعجب في توفيق من كتبوا في القراءات كلها كيف كتبوها؟! وقد كان القرآن لا مشكولاً ولا منقوطاً، فمثلاً: كيف قرءوا قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فبدون تشكيل ولا تنقيط تكون (مسوا)، فهل هي تبينوا أو تتبعوا أو تثبتوا؟! فقراءة حمزة والكسائي (فتثبتوا) وقراءة الجمهور (فَتَبَيَّنُوا)، وقرأها النبي ﷺ بكذا وبكذا، فهم كتبوها حروفاً غير منقوطة، فلو كانت منقوطة لكانت قراءة واحدة فقط، ولكن كتبت غير منقوطة حتى تحتمل هذه القراءة وهذه القراءة، وقس على ذلك ما جاء في القرآن كله من قراءات، فقد جاءت في الآية الواحدة عدة قراءات، مثل: (غشاوة) و (غشوة) و (غدوة) و (غداة)، فهم كتبوها بغير نقاط ومن غير تشكيل ليجوز قراءتها على وجوه فيها، فالقراءات أخذوها من النبي ﷺ مشافهه، ومن بعدهم أخذ منهم وهكذا.
стр. 219
قصة جمع عثمان للقرآن وسبب ذلك
لما كان عهد عثمان بن عفان ﵁ اختلف الناس في القراءات، فإذا بـ عثمان يأمر بإحضار المصحف الذي كان موجوداً عند أبي بكر، فلما توفي أبو بكر كان موجوداً عند عمر، فلما توفي عمر كان موجوداً عند حفصة، ففي عهد عثمان حصلت فتوحات كثيرة للمسلمين، وذهب أئمة الصحابة إلى البلدان، وكل منهم يقرأ بقراءة، فهذا يقرأ بقراءة، وهذا يقرأ بقراءة، وهذا يقرأ بقراءة، فأهل هذا البلد أخذوا بقراءة هذا الذي ذهب إليهم يقرئهم, وأهل البلد الآخر أخذوا بقراءة غيره من القراء، فلما اجتمع بعض الناس الذين يحفظون القرآن وهم جنود في الجيوش، فهذا يقرأ، ويقوم الثاني فيقول له: أنت تقرأ خطأ، فيقول له: كيف وقد علمني فلان؟ فقد كفرت؛ لأنك تنكر شيئاً من القرآن، فهنا سيكفر بعضهم بعضاً، فإذا بهم يرسلون إلى عثمان: أدرك الناس قبل أن يكفر بعضهم بعضاً، فالناس مع عدم اطلاعهم على جميع ما في القرآن إذا بكل واحد منهم يتمسك بالذي حفظه فقط.
فهنا يأتي عثمان ﵁ بعمله الجليل فيأخذ المصحف من حفصة، حيث أرسل إليها رسولاً فقال: أرسلي إلينا بالمصحف وسنرده إليك، فأخذ منها المصحف، وأمر الكتاب فكتبوا ستة مصاحف من هذا المصحف الإمام، ووزعه على البلدان، وسمي: المصحف الإمام، أي: المصحف الذي أمر عثمان بنسخه، وعثمان ليس هو الذي كتبه، وإنما الذي كتبه في عهد أبي بكر زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، فكانت الفضيلة لـ أبي بكر وعمر ﵄، ثم الفضيلة لـ زيد، ثم الفضيلة لـ عثمان، ثم الفضيلة لمن حافظ على كتاب الله بعد ذلك.
فهذا القرآن العظيم الذي وصل إلينا سهلاً، الآن تجد المصحف مكتوباً: هذا مصحف بقراءة حفص عن عاصم، وهذا مصحف بقراءة قالون عن نافع، وهذا مصحف بقراءة أبي عمرو، والآن بدأ القراء أكرمهم الله يقرءون في الإذاعة وغيرها بالقراءات، هذا يقرأ بقراءة السوسي، وهذا يقرأ بقراءة الدوري، وهذا يقرأ بقراءة فلان، وهذا يقرأ بقراءة فلان.
فهذا كله يدل على فضل هذا القرآن العظيم الذي نزل من السماء على النبي ﷺ ، وكيف يسره الله للذكر، فهو الكتاب الوحيد الذي تقرؤه سهلاً؛ لأن الذي يسره هو رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعلمنا القرآن وسنة النبي ﷺ ، وأن يهدينا صراطه المستقيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 220
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - فضائل القرآن الكريم [١]
القرآن كتاب الله العظيم مخرج للأمة من الأزمات، وعلاج ناجع لكل الأمراض التي تعتور الأمة وتثقلها، ولما ضيعت الأمة هذا الكتاب وتركته وراء ظهرها حل بها ما قد رأيناه وعلمناه، ولن يعود للأمة مجدها وعزها إلا به، وأجره ونفعه وبركته وخيره في الدنيا معروف ظاهر، وفي الآخرة يكفي القارئ شرفاً أن تكون منزلته في الجنة عند آخر آية يقرؤها.
стр. 221
فضل القرآن الكريم وتلاوته في رمضان وغيره
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 222
نزول القرآن ومدارسة النبي ﷺ له مع جبريل في رمضان
يستحب تلاوة القرآن في أيام وليالي رمضان التي كان النبي ﷺ يدرس مع جبريل فيها القرآن، فكان جبريل ينزل على النبي ﷺ في هذه الليالي يدارسه القرآن، ويقرأ مع النبي ﷺ القرآن -الذي نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه- من أوله إلى آخره، وكان في كل سنة يقرأ مع النبي ﷺ مرة، حتى جاء العام الذي توفي فيه ﷺ فقرأ مع النبي ﷺ وعرض القرآن مرتين، حتى تكون هذه آخر ختمة مع النبي ﷺ ، ويتعلم الناس من النبي ﷺ آخر ما نزل عليه صلوات الله وسلامه عليه على الترتيب الذي بين أيدينا من هذا الكتاب العظيم.
روى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان)، هذا القرآن العظيم كما نزلت الكتب من قبله كصحف إبراهيم الذي نزلت صحفه في رمضان، ونزلت كلها مرة واحدة عليه، وكذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي أمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن يقتدي بمن قبله من الأنبياء، وهؤلاء من أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، نزلت عليه التوراة لست مضين من رمضان.
والإنجيل نزل على عيسى ﵊ لثلاث عشرة خلت من رمضان، والقرآن نزل لأربع وعشرين، وهذه الكتب السابقة كلها نزلت مرة واحدة من السماء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن القرآن نزل إلى السماء الدنيا ثم نزل على النبي ﷺ بعد ذلك منجماً.
جاء عنه ﷺ أحاديث يحث فيها على تلاوة القرآن، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) أي: يعرض جبريل على النبي ﷺ ويعرض النبي ﷺ على جبريل هذا القرآن العظيم، قال (فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) فهذه فضيلة عظيمة أن ينزل جبريل على النبي ﷺ في رمضان يراجع معه ما حفظ من هذا الكتاب العظيم، وكان النبي ﷺ يشتاق لذلك، وكان يفرح لذلك جداً، فيتصدق بكل ما عنده صلوات الله وسلامه عليه، فهو أجود من الريح المرسلة صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 223
شفاعة القرآن لصاحبه يوم القيامة
أيضاً جاء في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، هذا حث من النبي ﷺ ، و (اقرءوا) غالباً ما تكون بمعنى: احفظوا القرآن، ويخبر هنا أنه سيأتي يوم القيامة شفيعاً لصاحبه الذي كان يحفظه، والذي يقرأ القرآن بغير حفظ لا يعدم خيره، ولكن الأعظم أجراً الذي يحفظ كتاب الله سبحانه، قال ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) وكانت عادة العرب أن كلمة اقرأ كذا بمعنى: احفظ كذا، فكان النبي ﷺ يقول لهم: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) أي: أحفظكم لكتاب الله، فالذي يؤم القوم الأحفظ لكتاب الله سبحانه ﵎.
وعندما نقرأ ونسمع أنه استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، فالمقصود بقراء القرآن: حفاظه الذين حفظوه من عهد النبي ﷺ ، وكانوا من أشجع الناس، فكانوا يقاتلون مسيلمة الكذاب لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فاستحر القتل بهم رضوان الله ﵎ عليهم.
فكلمة (اقرأ القرآن) معناها: احفظ القرآن، فقال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، وقال: (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران)، الزهراء أي: المنيرة المضيئة، فقوله: (اقرءوا الزهراوين) يشعر بفضيلة قراءة وحفظ سورة البقرة وآل عمران، وإذا قلنا: الفضيلة في الحفظ فالذي يقرأ من غير حفظ له فضيلة أيضاً، ولا يعدم الإنسان خيراً من مجالسة القرآن، ولكن كلما كان الإنسان يتقرب إلى الله أكثر كلما حفظ من كتاب الله ما استطاع؛ لأنها مراتب يوم القيامة، فعلى حسب ما تحفظ من الآيات على قدر ما يرفعك الله في الدرجات.
стр. 224
فضل قراءة سورتي البقرة وآل عمران
وقوله ﷺ : (اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما)، كلنا يعرف الفضيلة في هذه السور، وقد سمعنا قبل ذلك مراراً هذه الأحاديث، إنما المسلم يتذكر حين يسمع ذلك، ويقول: لماذا لا أحفظ القرآن؟ لماذا لا أحفظ ولو آيات؟ والله إذا علم مني المحاولة والحرص على ذلك لعله يعطيني الأجر ولو لم أحفظه، والله كريم وعظيم، وكم من إنسان يؤجر على نيته من غير أن يعمل، يحاول أن يعمل ويحاول ويحاول فلا يصل، فالله يعطيه على نيته هذه، كما ذكر النبي ﷺ فيمن يرى عالماً من العلماء يتصدق فيقول: يا ليتني مثله، وهو لا مال عنده، ولا علم، ولكن تمنى وعلم الله صدق نيته فجعله مثله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وهاتان السورتان تشفعان لأصحابهما يوم القيامة، ويجعل الله للعبد ما كان يقرؤه من هاتين السورتين على رأسه كغمامتين، فالبقرة وآل عمران تكونان غمامتان وسحابتان تظلان صاحبهما.
وقد كان من معجزات النبي ﷺ في حياته التي يراها الناس أنه كان يمشي في الشمس المحرقة وإذا بالله يرسل فوقه سحابة تظله، فكان الرهبان ينظرون ويقولون: هذا نبي، وعرفوا النبي ﷺ أنه نبي حين رأوا سحابة تظله وهو يسير صلوات الله وسلامه عليه.
والإنسان في الدنيا يمكن أن يجد شيئاً يظله كجدار مثلاً، أما يوم القيامة فأين يذهب من الشمس؟ وقد دنت الشمس من الرءوس فلا يقدر على الهرب منها، وقد حشر الناس في مكان لا يقدرون على الفكاك، ولا على الهرب من هذا المكان، فتأتي سورة البقرة وسورة آل عمران على هذه الهيئة كأنهما سحابتان أو غيايتان أو غمامتان في السماء، أو فرقان: أي مجموعتان عظيمتان من طير صواف.
نقرأ في التاريخ أن سيدنا سليمان ﵊ كانت الطيور تقف فوق رأسه تظله بأجنحتها، وهذا في الدنيا، لكن يوم القيامة سورة البقرة وسورة آل عمران تكون على هذه الهيئة فوق رأس صاحبها يوم القيامة تظله، بل تمشي معه إلى ربها سبحانه ﵎ وتدافع وتحامي عنه، يقول النبي ﷺ : (تحاجان عن صاحبهما)، وكل من يحفظ البقرة وآل عمران له هذه الفضيلة.
قال النبي ﷺ : (اقرءوا) يحث على قراءة سورة البقرة، وهي مليئة بالأحكام، والمواعظ، وقصص السابقين، والإخبار عما يكون في يوم القيامة، وفيها كثير من مسائل العقيدة، والفقه، وغير ذلك، فهي سورة عظيمة فيها أعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي.
فالمؤمن حين يعلم ذلك يحرص على أن يحفظ هذه السورة لتشفع له يوم القيامة عند الله سبحانه ﵎.
يقول ﷺ : (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة) فإذا حفظت هذه السورة صارت بركة بداخلك، وبركة في قلبك، وبركة في بيتك، وبركة في رزقك، وبركة في معاملاتك، وبركة في كل شيء، فهي كما قال النبي ﷺ : (فإن أخذها بركة وتركها حسرة).
والإنسان يتحسر يوم القيامة حين يرى أصحاب سورة البقرة وآل عمران تظلانهم، وهو ليس عنده ظل، وكان بإمكانه أن يحفظ فلم يفعل ذلك، وكان عنده وقت فضيع الوقت في اللعب واللهو، في التسالي، والسير في الطرقات ونحو ذلك وتناسى أن يحفظ كتاب الله ، أو شيئاً من كتاب الله ينتفع به يوم القيامة.
قال النبي ﷺ : (ولا تستطيعها البطلة)، أي: أن السحرة لا تستطيع أن تفعل شيئاً بصاحب سورة البقرة الذي يقرؤها ويحفظها، ويوقن بها، والذي يؤمن بربه ، فما يقدرون على شيء من صاحب سورة البقرة، فاحفظ سورة البقرة تنجيك في الدنيا، وتنجيك في الآخرة، وعليك أن تحفظ هذه السورة مؤمناً بالله مصدقاً بالثواب العظيم المترتب على ذلك.
стр. 225
وجوب الإخلاص في قراءة القرآن وحفظه وتعلمه
ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه مما لم نذكره قبل ذلك: ما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (تعلموا القرآن وسلوا به الجنة قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا)، أي: تعلموا القرآن واطلبوا من الله بهذا القرآن الجنة، فإذا قرأت القرآن فادع الله وسله سبحانه، والقرآن وسيلة تتوسل به إلى الله سبحانه ﵎، بحفظك له، وقراءتك له، وحبك له، وإيمانك به، وعملك به، فتتقرب إلى الله وتتوسل إلى الله ، وتسأل الله بحبك وإيمانك بالقرآن أن يدخلك الجنة، نسأل الله أن يدخلنا الجنة.
وقوله ﷺ : (قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا)، أي: أن القرآن غنى لصاحبه، يغني قلب الإنسان المؤمن، وأنه قد يطلب به الدنيا، فيقول لنا: لا تكونوا طالبين للدنيا بالقرآن، إنما اطلبوا الآخرة بالقرآن قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، قال ﷺ : (فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به)، فالأول: يباهي به، أي: يحفظ القرآن ليرى أنه حافظ له وغيره لا يحفظ، وليرى أنه المتفرد وحده ولا أحد مثله، فهذا حفظ ليباهي به الناس، ولم يأخذ من حفظه القرآن إلا المباهاة، ولن ينتفع بذلك يوم القيامة، فاحذر أن تكون من هؤلاء، واحذر أن تتعلم القرآن لتكون نقاداً للآخرين، وتقول لغيرك: أنت لا تعرف تقرأ، وأنت قرأت كذا، والشيخ الفلاني يخطئ في كذا، وعنده: أن كل الناس يخطئ، ولا يسلم إلا هو المتفاخر المباهي، الذي ستكون مصيبته مصيبة يوم القيامة.
والثاني: الذي يحفظ القرآن ليستأكل به، رضي من حفظه للقرآن أن يذهب يقرأ للناس ويأخذ منهم مالاً، فهذا حظه منه، والثالث: رجل يقرأ لله ، يطلب الأجر من الله في حفظه لكتاب الله، وفي تعليمه لكتاب الله، وفي تلاوته لكتاب الله، يطلب وجه الله ، وهذا أعظم الناس فيه.
стр. 226
أجر قراءة القرآن
قال ﷺ كما في الصحيحين: (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة)، السفرة الكرام البررة الذين جعلهم الله ملائكة من نور سفراء لله بينه وبين أهل الأرض، وجبريل حفظ القرآن ونزل به من السماء سفيراً على النبي ﷺ ليعلمه، فحفظه منه النبي ﷺ ، فهذا الإنسان الذي يحفظ منزلته مع هؤلاء، مع الملائكة السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ ويتعاهده ولكن حفظه ضعيف، يحفظ وينسى، يحفظ ويتعتع وهو عليه شديد فله أجران، فالإنسان الذي يحاول ويتعب نفسه لا يعدم خيراً من الله ، فهو يقول له: لك أجران، أجر على أنك قرأت القرآن، والأجر الثاني على أنك تتعتع فيه، وأنت لا تقدر على القراءة الصحيحة، فلك أجر على ذلك أيضاً، ولن يعدم الإنسان خيراً من هذا الكتاب العظيم.
ومما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه قوله: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)، انظر إلى هذا الفضل في قراءة القرآن العظيم، وفي كل حرف منه؛ فحرف واحد قال فيه ﷺ : (لا أقول الم حرف)؛ لأنه عند العرب أحياناً يطلق الحرف على كلمة، فالنبي ﷺ حتى لا يتوهم الناس أن الحرف بمعنى كلمة قال: (ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، والحرف بعشرة حسنات، فكم تنال من حسنات حين تقرأ آية أو آيتين، أو عشرين آية، أو مائة آية! فاقرأ تؤجر الأجر العظيم من الله، واحذر أن تمل من القرآن العظيم.
ومما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه -وقد ذكرناه قبل ذلك- قوله في الحديث: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فالإنسان الذي يسلك طريقاً يطلب فيه علم كتاب الله، وعلم سنة رسول الله ﷺ ، يسهل الله له طريقه يوم القيامة، ويزيل الحواجز والعقبات عنه وهو ذاهب إلى الجنة، فيمر فوق الصراط فإذا بالله يسهل له، فيا من كنت تسلك طريقاً تلتمس فيه علماً ستجد الناس يمرون فوق الصراط منهم من يمشي، ومنهم من يحبو، ومنهم من يقوم ويسقط، ومنهم من تلفحه النار، ومنهم من تأخذه خطاطيف جهنم، وتجد نفسك أنت يا حافظ القرآن تسرع فوق الصراط المستقيم كالبرق، وكالريح المرسلة، وكأجاويد الخيل، وكطرف العين، وهذا أسرع ما يكون، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً كذلك، فهذا فضل الله، والسبب في ذلك أنك تذهب لدروس العلم، وتذهب لتتعلم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وتتعلم دين الله، وتسلك الطريق تبتغي طلب العلم، فالله يعطيك هذا الفضل يوم القيامة.
стр. 227
مزايا مدارسة القرآن
قال ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة)، انظر إلى فضل الله ! فالمؤمن مطمئن بالله سبحانه، والكافر متحير، حتى وإن أظهر الطمأنينة، وإن أظهر راحة البال، فقلبه متحير، ولذلك تجد أعلى نسبة من الانتحار عند هؤلاء الكفار، والمسلمون أقل نسبة منهم، ومستحيل أن يوجد من المسلمين من هو متدين بدين الله يعرف الكتاب ويعرف السنة ويفعل ذلك، قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، أما البعيد الغافل عن ذكر الله فهذا قلبه مضطرب ومتحير، فمعنى قوله ﷺ : أن هؤلاء الذين يجتمعون في بيت الله، ويدرسون كتاب الله سبحانه، فتنزل عليهم السكينة والطمأنينة، ويجعل الله قلوبهم مستريحة مطمئنة، قال ﷺ : (وغشيتهم الرحمة) أي: يغشيهم الله بالرحمة، فرحمة الله تنزل عليهم وتغطيهم، قال: (وحفتهم الملائكة) أي: أحاطت بهم الملائكة، قال ﷺ : (وذكرهم الله فيمن عنده)، وهذا فضل عظيم أن يذكرك الله سبحانه لكونك تحضر درس علم لكتاب الله، أو لسنة رسول الله ﷺ .
وانظر إلى هذا الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا)، فلابد أن نتعلم ترتيل القرآن، وتجويده، وتعلم التجويد والترتيل لا يكون من كتاب، ولكن اجلس إلى شيخ يعلمك كيف تتلو القرآن وتجوده، وكيف تقرأ الحروف وتخرجها من مخارجها، ولا تتكبر أن تتعلم، ولا تأنف أن تطلب العلم ولو ممن هو أصغر منك، وكم من إنسان صغير يجيد التلاوة بقراءة جميلة، وتلاوة صحيحة، وتجويد متقن، فاذهب وتعلم عنده، ولك الأجر عند الله ، وقوله ﷺ : (كما كنت ترتل في الدنيا) أي: مثلما كان صوتك في الدنيا، وكيفما كانت قراءتك في الدنيا كذلك تكون يوم القيامة، فأنت لا ترتل على الناس، بل على رب الناس سبحانه ﵎، وتقرأ بين يدي الله ، فيقول لك: اقرأ وارتق، وكل آية تصعد بها منزلة، وكل آية تطير بها لمنزلة أعلى، حتى تصل لآخر منزلة بما معك من القرآن، وبآخر آية أنت تحفظها وتقرؤها تكون منزلتك إليها، قال ﷺ : (فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، ولذلك ينبغي على المسلم أن يحاول حفظ كتاب الله سبحانه ﵎ ما استطاع.
стр. 228
التحذير من نسيان القرآن
والذي يحفظ القرآن عليه أن يحذر أن ينساه، فإنه من أشد الناس جرماً من نسي ما تعلمه من كتاب الله، أو هجر القرآن وراء ظهره، وهنا عندما نقول: أشد الناس جرماً، فالإنسان مع كبر السن يمكن أن ينسى، فليس هو المقصود، وكذلك من نسي بسبب شيء من المرض، أو حصل له بعض المصائب أذهبت شيئاً من تفكيره وقدرته، فليس هذا هو المقصود، ولكنه الذي يحفظ القرآن ثم يتركه وراءه ويذهب ليلعب، أو يذهب ويسمع الموسيقى ويترك القرآن ولا يراجع كتاب الله ، فهذا هو الذي هجر القرآن بعدما تعلمه، وهو الذي يشكوه النبي ﷺ إلى ربه ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] أي: تركوه وراء ظهورهم ولم يتعلموه، ومن حفظه منهم نسيه وتركه، ولم يعملوا به، ولم يحكموه فيما بينهم، واتخذوا هذا القرآن مهجوراً.
وكل الأحاديث التي سنذكرها صحيحة أو حسنة، وهذا حديث آخر رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يجيء القرآن يوم القيامة) أي: حفظك للقرآن، وعملك يكون ثواباً يوم القيامة، وكل إنسان يأتي يوم القيامة حفظه لكتاب الله بين يدي الله ، قال ﷺ : (فيدافع عن صاحبه ويقول: يا رب حله)، يقول القرآن لله : يا رب! حلّ صاحبي هذا فإنه كان يحفظني، قال: (فيلبس تاج الكرامة)، فالله يحلي هذا الإنسان ويجعل فوق رأسه تاج الكرامة، ثم يقول القرآن: (يا رب! زده، فيلبس حلة الكرامة)، أي: لباس الكرامة، إكرام من الله ، ويكون بذلك فوق خلق الله سبحانه ﵎، ملك من الملوك، له تاج وحلة يوم القيامة ليدخل الجنة هكذا، قال ﷺ : (ثم يقول: يا رب! ارض عنه) الناس يوم القيامة حفاة عراة غرل، والقرآن يقول لله : يا رب! حله، فيحلي الله هذا من دون الخلق، ويلبس تاج الكرامة، وحلة الكرامة، ويقول القرآن: (يا رب! ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة)، اقرأ وارق، وكلما قرأت كلما ارتقيت، وكل درجة لك عليها حسنة من الله ، وهذا شيء عظيم من فضل الله .
فالمؤمن يقوم من الليل بما تيسر له من قراءة القرآن، فإن قرأ سورة الفاتحة -وهي سبع آيات- قرأ معها شيئاً من السور، ولو أقل سورة في القرآن، وثلاث آيات أو عشر آيات يقوم بها، ولا يقوم الإنسان الليل بركعة واحدة بل سيقوم بركعتين، فإذا قرأ بها كانت عشرين آية قام بها.
стр. 229
فضل القيام بالقرآن
روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين) فإذا كانت لك عادة أنك كل ليلة تقوم وتصلي ركعتين بعشر آيات فأنت لست غافلاً، قال ﷺ (ومن قام بمائة آية) أي: الذي يقوم الليل بقدر ما يقرأ مائة آية، قال ﷺ : (كتب من القانتين)، الإنسان الداعي ربه، الخاشع لله ، المخبت بين يدي الله سبحانه، الذاكر لله سبحانه ﵎، وهو مع مرتبة القانتين، قال ﷺ : (ومن قام بألف آية) فمن قام بألف آية من كتاب الله وقرأها في صلاة الليل قال ﷺ : (كتب من المقنطرين) لم يقل ألف آية في ركعة واحدة، ولكن من قام بألف آية في ثمان ركعات، أو في عشرين ركعة، بحسب ما يتيسر له، فإن قمت بألف آية كتبت من المقنطرين.
وقد ذكرنا قبل ذلك أنه إذا كان من أول القرآن فالسبع الطول من أول المصحف تزيد على ألف آية، ومن أول القرآن حتى تصل لسورة براءة تزيد على ألف آية، فإذا أردت أقل من ذلك ففي آخر القرآن جزء تبارك إلى آخر المصحف ألف آية، فإذا قمت بألف آية كتبت من المقنطرين، أي: الآخذين من الثواب قناطير مقنطرة من عند الله ، ولم يقل لنا: إذا قمت من حفظك، بل إذا كنت لا تحفظ فافتح المصحف واقرأ، وقم بالليل وصل وافتح المصحف واقرأ فيه ألف آية، أو اقرأ مائة آية، أو ما تيسر لك، وهذا ثواب عظيم، وهذا الثواب للقارئ الذي يقرأ، وللسامع الذي يستمع، فإذا قمتم بالليل مع قارئكم يقرأ بكم وصلى بكم بألف آية كتب للجميع هذا الثواب العظيم.
نسأل الله أن يجعلنا من المقنطرين يوم القيامة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 230
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - فضائل القرآن الكريم [٢]
للقرآن فضائل عظيمة لا يدركها إلا من عمل بها، واجتهد في قراءة القرآن والعمل به، والتحاكم إليه، فأهل القرآن فضائلهم معلومة، ودرجاتهم عالية، ومقاصدهم سامية، فهم للأجر يطلبون، وعن الجنة يبحثون، وإلى العمل بالقرآن مسارعون.
стр. 231
ما جاء في فضل قراءة القرآن
стр. 232
شرح حديث: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
مما جاء عن النبي ﷺ من أحاديث في فضائل القرآن: ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين).
وروى أبو داود في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك، فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك).
هذا القرآن العظيم تقوم من الليل لتصلي لله ولو بأقل ما تقدر عليه، فإذا قمت وقرأت عشر آيات لم تكتب من الغافلين، وإذا قمت من الليل وقرأت مائة آية كتبت عند الله من القانتين، وإذا قرأت ألف آية كتبت من المقنطرين.
стр. 233
شرح حديث: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك)
كذلك جاء عنه ﷺ في فضل هذه القراءة -وخاصة بالليل- أنه قال: (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك) فإذا قمت لصلاة الليل فتهيأ لها واستعد لهذه الصلاة العظيمة بأن تدعك أسنانك بالسواك أو الفرشاة والمعجون، حتى تكون رائحة فمك طيبة، وما الذي يكون وراء ذلك؟ قال ﷺ : (فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه)، انظر إلى هذا الجمال والجلال وإلى هذه الرحمة من الله ! هل تتخيل أن ملكاً يكون أمامك يكلمك مثلاً؟ فإنه يقف الملك من ورائك ثم يقرب منك حتى يضع فاه على فيك، فهذا الملك الذي خلق من نور وأنت الذي خلقت من تراب يشرفك الله بأن يجعل الملك يتلقى كلام الله من فمك، وهذا شيء عظيم جداً من فضل الله ، قال: (ولا يخرج من فيه شيء إلا دخل فم الملك).
القرآن عزيز وعظيم، ولذلك جعله الله يخرج من فمك، وفمك طاهر، فيخرج من فمك إلى فم ملك من ملائكته .
وفي رواية ثانية عن علي ﵁ أنه قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليستك)، هذا من قول علي ولكن له حكم المرفوع؛ لأنه يوافق الحديث الذي قبله، فإن الرجل إذا قام من الليل فتسوك ثم توضأ ثم قام إلى الصلاة، جاءه الملك حتى يقوم خلفه يستمع إلى القرآن، ثم لا يزال يدنو منه حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا دخلت جوفه.
وجاء عن النبي ﷺ أنه حث على قيام الليل، وعلى القراءة في قيام الليل ما شاء الله ولو كان شيئاً أنت تظنه قليلاً.
стр. 234
شرح حديث: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟)
وروى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟) فالصحابة استكثروا أن يختم أحدهم القرآن في ثلاث ليال، فهذا صعب جداً، وقد كان منهم من يحفظ القرآن، ومنهم من لا يحفظ القرآن، فإذا كان ثلث القرآن كيف سيقوم وهو لا يحفظ ولا يجيد الكتابة والقراءة حتى يقوم بذلك؟! قال ﷺ : (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن) هذه السورة القصيرة في عدد آياتها، العظيمة الكبيرة في فضلها وثوابها تعدل ثلث القرآن.
فالقرآن جاء بالعقيدة والتوحيد، وجاء بصفات الله ، وهذه عقيدة، وجاء بالتشريع والقصص والمواعظ والأخبار، فإذا نظرنا إلى هذه الثلاثة الأنواع وجدنا التوحيد ثلث القرآن، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فيها التوحيد، وفيها صفات الله العظيمة : الله، الواحد، الأحد سبحانه، الصمد، وهو السيد الذي عظم في سؤدده سبحانه، والذي تصمد إليه الخلائق، جميعهم يطلبون من فضله ورحمته، ويسألونه، وهو السيد الذي لا سيد سواه ، الكامل الذي كمل في كل فضل، وفي جلاله وإكرامه وعلوه، فهو السيد الصمد ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] ففي هذه السورة العظيمة صفات الله فاستحقت أن تعدل ثلث القرآن، وأن يؤجر العبد عليها، فمن قرأها كأنه قرأ ثلث القرآن، فإذا قمت من الليل فقرأت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كأنك قمت بثلث القرآن.
وكان ﷺ يقوم بثلث القرآن حقيقة، فيقرأ من أول القرآن حتى سورة براءة صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكتف بأن يقوم بـ (قل هو الله أحد) وحدها، ولكن النبي ﷺ يهون على المؤمنين وييسر عليهم، فقد بعث بالحنيفية السمحة صلوات الله وسلامه عليه.
وهذه السورة عددها أربع آيات، وفيها هذا الفضل كله، فلو أنك قرأتها وأنت جالس كأنك قرأت ثلث القرآن.
وروى أحمد عن معاذ بن أنس الجهني صاحب النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة)، فابن لنفسك قصوراً في الجنة، واقرأ (قل هو الله أحد) وكرر واقرأها عشر مرات، فكلما قرأت (قل هو الله) أحد عشر مرات بني لك قصر في الجنة، فهذا ثمن تدفعه بفعل قليل ولكنه عند الله عظيم، فيكتب لك هذا الأجر والثواب عند الله سبحانه.
стр. 235
شرح حديث: (من قرأ بمائة آية في ليلة)
روى الإمام أحمد عن تميم الداري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة)، القنوت: حسن القيام وطوله، والقنوت: الخشوع في الصلاة، والقنوت له صفات عظيمة جداً، فكلمة (قنت لله سبحانه) أي: خشع لله وأخبت وذل بين يدي الله سبحانه، وقام لله سبحانه، وصمت وأنصت لكلام الله ، فيكتب لك قنوت ليلة إذا صليت هذه الليلة وقرأت قدر مائة آية، والمئون من القرآن كسورة الكهف فهي مائة آية وزيادة، وسورة الإسراء تزيد على المائة، وكذا سورة النحل ويونس وهود فإنها تتعدى المائة، فإذا قرأت هذه السور فلك هذا الأجر العظيم.
وتقرأ سورة الصافات وعددها مائة وثلاثة وثمانون آية، وسورة الشعراء وعددها مائتان وسبعة وعشرون آية، فهذه آيات كثيرة وإن كانت قصيرة الألفاظ، وإذا قارنا سورة البقرة مع سورة الشعراء فإن عدد آيات سورة البقرة مائتان وستة وثمانون آية، فهي طويلة وتأخذ وقتاً طويلاً، وعدد آيات سورة الشعراء مائتان وسبعة وعشرون آية، فإذا قرأت هذا في قيام الليل فإنه يكون لك أجر عظيم كأنك قمت الليل كله.
فهذا أجر الذي لم يقم الليل كله فكيف بمن يقوم بأكثر من ذلك؟ وكيف بمن يقوم الليل كله؟! فالأجر عظيم من الله، وهذه أيام المسابقة والمسارعة، فسابقوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض، فهذه الليالي الباقية من هذا الشهر -عشر ليال أو تسع ليال- احذر أن تفرط فيها، واحذر أن تقول: أنام الليلة وغداً سأقوم، وبعده سأقوم ليلة سبع وعشرين، فالقيام بين يدي الله له حلاوة بالتعود، والذي يقوم مرة ثم يترك ويجد الكسل، هذا لأنه ليس متعوداً على القيام، ولذلك ينبغي -حتى تقدر على حسن العبادة ليلة القدر- أن تكون قد اعتدت على ذلك، فعود نفسك، وهنا النبي ﷺ يخبرنا أن الذي يقرأ بمائة آية يكتب له قنوت ليلة.
وانظر إلى أبي بكر ﵁ كيف كان يقرأ القرآن؛ فقد روى البخاري عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين)، أول من عرض عليهم الإسلام من الرجال هو أبو بكر ﵁، فكان أول من أسلم، وأم عائشة هي أم رومان وكانت من أول من أسلم، بخلاف أم أسماء أخت عائشة ﵂، فقد كانت كافرة، وجاءتها متأخرة جداً راغبة وراهبة، لكن أم عائشة أسلمت مع أبي بكر رضي الله ﵎ عنها أو أسلمت بعد ذلك حين تزوجها ﵁.
والمقصود أنها قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشياً).
فقد كان يذهب رسول الله إلى أبي بكر الصديق، وهذا فيه فضيلة لـ أبي بكر الصديق أن يزوره النبي ﷺ في اليوم مرتين بالصبح والليل، أو في البكور والعشي أي: بعد الظهر.
قالت: ثم بدا لـ أبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وأبو بكر الصديق من حبه للقرآن يريد مكاناً يعتكف فيه ليقرأ القرآن، فبنى وهو في مكة في فناء داره مسجداً، وقد كان له فناء -أي: كان له حوش كبير فيه عدد من البيوت- وكان يسكن معه أناس من المشركين في هذه الدار، فـ أبو بكر بنى مسجداً في فناء داره، وكان يجلس ويقرأ القرآن.
قالت عائشة ﵂: فكان يصلي فيه ويقرأ فيه، فيقف عليه نساء من المشركين وأبناؤهم فيعجبون منه وينظرون إليه، أي: لجمال قراءته بالقرآن، ولشدة خشوعه وبكائه وهو يقرأ القرآن.
قالت عائشة: وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه، أي: إذا قرأ القرآن أو سمعه ﵁، قالت: فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، وحالهم: أبو بكر قد تتبعه نساؤنا وأبناؤنا ولا نعرف كيف نمنعهم، لأن خشوعه وصدقه في قراءة القرآن جلب هؤلاء ليسمعوا إليه، فشكوا أبا بكر ﵁ في ذلك.
стр. 236
شرح حديث: (من رأى منكم الليلة رؤيا ؟)
كذلك من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ حديث سمرة بن جندب ﵁ وفيه: (أن النبي ﷺ كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه وقال: من رأى منكم الليلة رؤيا)، فكان يسألهم ﷺ ويستبشر بالرؤيا الصالحة، وكان يخبر أنه إذا انقطع الوحي من السماء بقيت المبشرات، قالوا: (وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له)، فكان يسأل أصحابه: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فكان أصحابه من رأى منهم رؤيا يخبر النبي ﷺ .
وفي يوم من الأيام أصبح ﷺ فسألهم كما كان يسألهم ولم يرد عليه أحد، فقال: (لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة)، أخذا بيدي النبي ﷺ وخرجا به إلى بيت المقدس أو الأرض المقدسة، قال: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد) رأى النبي ﷺ ذلك، وسنعلم في آخر الحديث أنه عذاب البرزخ، يعذب الله أناساً في قبورهم بهذا الذي رآه النبي ﷺ ، فهم معذبون في قبورهم، لم يعذبوا؟! وما الذي عملوه؟! لننظر في هذا الحديث، قال: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد، فيدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق).
وهنا في هذه الصورة رأى النبي ﷺ رجلاً جالساً على الأرض وآخر واقف عليه يعذبه، فهو ماسك بيده كلوباً من حديد، والكلوب: سيخ معقوف، شكله مثل الخطاف، فيجعل السيخ بداخل فمه فيشرشر شدقه حتى يبلغ إلى قفاه، ويفعل بالشدق الآخر مثل ذلك، فلا ينتهي من الثاني حتى يكون الأول قد التأم فيرجع ويفعل به كذلك، وهذا عذاب شديد جداً حيث يستمر يفعل به هذا إلى يوم القيامة، فيا ترى ماذا عمل هذا الإنسان؟! لا بد أنه كان يعمل شيئاً.
قال ﷺ : (فأتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه يتدهده الحجر فينطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، ويعود كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟، قالا: انطلق)، وهذا رجل آخر نائم مضطجع على قفاه في الأرض، ورجل قائم يعذبه، ومعه حجارة، فيمسك بالحجارة ويضرب هذا الإنسان في رأسه حتى يشقه، ويذهب ليحضر الحجر فلا يرجع حتى يلتئم مرة ثانية، ولا يزال هكذا في عذاب شديد، فلو أن إنساناً في الدنيا ضرب ضربة بالحجر في رأسه لجاء له ارتجاج في المخ وذهب شعوره فلا يحس مهما ضرب بعد ذلك، أما أن يضرب ويرجع حياً ليضرب مرة ثانية فهذا عذاب شديد، نسأل الله العفو والعافية، عذاب شديد جداً لا يزال يفعل بهذا الإنسان ذلك إلى يوم القيامة.
ثم قال ﷺ : (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد ناراً) فرن مثل الهرم، أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد ناراً، قال: (فإذا اقترب ارتفعوا) يعني: هذا الفرن فيه أناس تقرب منهم النار وترفعهم مثل القدر الذي فيه لحم عياذاً بالله! قال: (حتى يكادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة) أي: بداخل هذا الفرن التنور رجال ونساء عراة، (فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق) لم يخبروه وسنعرف بعد ذلك.
قال ﷺ : (فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه الحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق)، وهذه صورة أخرى من صور العذاب، أي: عذاب البرزخ، فهذا إنسان يسبح في نهر من دم، حتى إذا وصل إلى شط النهر وأراد أن يخرج فيجد الذي ينتظره على شط النهر ومعه حجر، فيقذفه بالحجر في فمه، فيرجع مرة أخرى إلى مكانه، ولا يزال يسبح في هذا النهر هكذا، حتى إذا وصل بدلاً من أن يساعده يرميه بحجر فيرده كما كان والعياذ بالله! قال ﷺ : (فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء) هذا كله في الرؤيا المنامية، ورؤيا الأنبياء حق، فأخبر النبي ﷺ أنهم وصلوا إلى روضة، وهي بستان عظيم، فهي روضة عظيمة خضراء، قال: (فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان)، أي: تحت الشجرة شيخ كبير ومعه كثير من الصبيان، (وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، فقلت: طوفتما بي الليلة فأخبراني عما رأيت)، أي: أخبروني ما هذا الذي رأيته؟ (قالا: نعم، نخبرك بالذي رأيت، أما الذي رأيته يشرشر شدقه فهو الرجل كان يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق) يحدث الناس أنه حصل الشيء الفلاني، والناس يحدثون إشاعة بين الناس، وبعد ذلك يظهر أنه كذاب، فهذا الكذاب هذه حاله في البرزخ في عذاب القبر، حتى تقوم القيامة فيرى سبيله بين يدي الله ، قالوا للنبي ﷺ : (فيصنع به إلى يوم القيامة) أي: هذا العذاب لا يرفع عنه حتى يوم القيامة.
قالا: (والذي رأيته يشدخ رأسه رجل علمه الله القرآن) يقرأ القرآن ويحفظه لكنه ينام عنه بالليل، لا يقوم الليل أبداً، ويضيع صلاة الفجر، ويضيع صلاة العشاء، فليس على باله هذا الأمر، وقد حفظ القرآن ليقال: حافظ وعالم.
قالا: (ولم يعمل فيه بالنهار)، فيكون ليله نائماً ونهاره لا يعمل بهذا القرآن، فهو ترك هذا القرآن وراءه ظهرياً، وليس معنى الحديث: أن الذي ينام الليل ولا يقومه آثم، ولكن هذا جمع الاثنين: فلا هو استفاد من القرآن ليرتفع به الدرجات يوم القيامة فقام من الليل، ولا هو واظب على صلاة الليل والعشاء وصلاة الفجر، فلم يفعل ذلك، فترك صلاة الجماعة، وترك المواظبة على الصلاة، وهو تارك للقرآن ليس له في أمر القرآن شيء، لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، بل هو موافق لأصحاب المنكر في منكراتهم، فيفعل به ذلك إلى يوم القيامة، فاحرص على أن تتعلم القرآن لله ، وتعمل به، وقم لله سبحانه ولو بـ (قل هو الله أحد).
ثم قالا: (والذين رأيتهم في الثقب فهم الزناة) الذين رأيتهم في مثل التنور الذي أعلاه ضيق وأسفله واسع، وتأتي عليهم النار من تحت فترفعهم إلى فوق، وإذا خمدت نزلوا، فهؤلاء هم الذين يقعون في الزنا والعياذ بالله، والزنا من أخبث الخبائث، وأفحش الفواحش، فهذا عذاب أصحابه في قبورهم حتى تقوم الساعة فيكون مصيرهم إلى النار والعياذ بالله! ثم قالا له: (والذي رأيته في النهر فهو آكل الربا) الإنسان الذي يأكل الربا ويتعامل بالربا، فهذا حاله في قبره والعياذ بالله! فهو يعذب هذا العذاب، حيث يسبح في نهر من دم، ويقطع النهر كله حتى يتعب ويكاد أن يهلك، فهو ميت أصلاً، ولكن الله يجعل له حياة يتذوق فيها العذاب، فإذا به يعذب عذاباً في البرزخ، وإذا أراد أن يخرج وجد هذا القائم على النهر فيلقمه في فمه حجراً فيرده مرة أخرى إلى النهر.
ثم قالا: (والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- والصبيان حوله فأولاد الناس) وكلمة (الصبيان) هنا ليس معناها أنهم ذكور فقط، ولكن هذا من باب التغليب ومعناه: كل أولاد الناس، فكل من مات وهو لم يبلغ الحلم من أولاد الناس، ولم يقل: (المسلمين) بل كل أولاد الناس الذين لم يبلغوا الحلم وماتوا وهم أطفال صغار يكونون مع إبراهيم في هذا المكان.
ورأى النبي ﷺ رجلاً قريباً من الشجرة بين يديه نار يوقدها، وهذه نار جهنم يشعلها لأصحابها نسأل الله العفو والعافية، فقالا: (والذي يوقد النار مالك خازن النار).
والدار الأولى يقول ﷺ (فصعدا بي الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها) صعدا بالنبي ﷺ إلى الشجرة، فرأى داراً لم ير أبداً داراً مثلها، وفيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان، قال: (فقلت: من هؤلاء؟ فقالا: إنها الجنة)، دار عامة للمؤمنين، ففيها هؤلاء جميعهم من رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان.
ثم علا به الملك داراً هي أعلى من الأولى، قال: (فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب) ولم يذكر الصبيان، وهذه الدار الأولى كانت عامة للجميع، لكن هذه الأخرى هي لمن عمل أكثر واجتهد في عبادة الله سبحانه، لمن وصل إلى درجة عالية، ففيها شباب وفيها شيوخ، قال: (فقالا: وأما هذه الدار فدار الشهداء) الذي قتل شهيداً يكون فيها، فكأن هذه الدار الأغلب فيها الذين هم من الشيوخ والشباب المجاهدين في سبيل الله .
قال: (وقال الملكان: وأنا جبريل وهذا ميكائيل، وقالا لي: ارفع رأسك، قال: فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحابة) فقد رأى دار عامة المؤمنين، ودار الشهداء، وبعد ذلك رأى شيئاً مثل السحابة فوق الشجرة، فهي سحابة عالية جداً، فقالا للنبي ﷺ (ذاك منزلك) فالنبي ﷺ في أعلى ما يكون من المنازل، نسأل الله أن يرزقنا رفقته في الجنة صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (قلت: فدعاني أدخل منزلي) يقول هذا في الرؤيا، قال: (فقالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله) أي: أنت لم تستكمل عمرك، فلو استكملت عمرك أتيت منزلك.
فهذا الذي رآه النبي ﷺ هو ما يكون في البرزخ من عذاب لأهل العذاب، ومن نعيم لأهل النعيم، فالنبي ﷺ يخبرنا بذلك.
والشاهد من هذا
стр. 237
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - فضائل القرآن وآداب قراءته
القرآن كتاب الله العظيم، وفضائله كثيرة لقارئه وحافظه، فهو شفاء لما في الصدور، وشفيع لأصحابه يوم القيامة، وظلال يستظل به القارئ يوم القيامة، وغير ذلك من الفضائل، وللقرآن آداب معروفة في الشرع لابد لقارئه أن يلتزم بها لينال الأجر العظيم من الله سبحانه.
стр. 238
فضائل القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكرنا شيئاً من الأحاديث التي جاءت في فضائل القرآن، وهذه أحاديث أخرى عن النبي ﷺ في فضائل هذا القرآن العظيم، نقرأ هذه الأحاديث في هذه الليالي المباركة من شهر رمضان لنتذكر ما قاله النبي ﷺ ، ونهتم بحفظ القرآن، وقراءته ومراجعته وفهمه وتدبر معانيه.
فمما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثلما يعمل).
هذا الحديث العظيم فيه أنك إذا وجدت إنساناً خيراً منك فتغبطه على ما هو فيه، وتتمنى أن تكون مثله لعل الله أن يجعلك مثله، فإن لم تكن مثله فيعطيك من الأجر ما يعطي بحبك له، وبتمنيك أن تصل إلى ما هو فيه، فهذا الحسد المقصود منه أن تغبط هذا الإنسان وأن تتمنى له هذه النعمة وأن يكون لك مثلها أيضاً، فاثنان يتنافس المؤمنون فيهما أعظم التنافس: القرآن العظيم، أي: تحفظ القرآن، فإذا حفظت القرآن وتعلمت معانيه وقمت به بالليل وبالنهار وعملت بما فيه صرت إنساناً قرآنياً تستحق فضل الله سبحانه، وتستحق أن يشفع لك القرآن عند الله سبحانه، وتستحق أن يعطيك الله الأجر العظيم الذي علمت منه والذي لم تعلم منه، وبكل حرف من القرآن تؤجر حسنة، فإذا كنت تقوم بالليل وبالنهار بهذا القرآن العظيم فلك عند الله الأجر العظيم.
وإذا كان الأمر كذلك فلنغبط أصحاب النبي ﷺ ؛ معاذاً وأبا موسى وزيداً وعبد الله بن مسعود وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يحفظون هذا القرآن العظيم، ويقرءونه آناء الليل وأطراف النهار ويعملون بما فيه، ويعلمون الخلق، فلنغبط عبد الله بن عباس ﵁ الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله الكتاب والحكمة وأن يعلمه التأويل، حبر هذه الأمة وبحرها رضي الله ﵎ عنه.
(فلا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن)، والفضل ينسب لصاحبه الذي علمك ما لم تكن تعلم وهو الله ، وإن كان عن طريق أسباب فلا تنسى الأصل أن الله هو الذي علمك فتحمد الله سبحانه، وتعمل بهذا الذي تعلمته متواضعاً لله سبحانه، وتعلم أن الذي أعطاك قادر على أن يسلبك ما أعطاك، والذي أعطاك ذلك قادر على أن يعينك على أن تعمل بما فيه، إذاً: تتواضع لله ، وتشكر ربك سبحانه، وتشكر من علمك كما أمرك النبي ﷺ ، فقد قال: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، وتتمنى الخير لمن يعلمك كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ولا تتمنى أن يزول ما عنده حتى تتفرد أنت بهذا الشيء، وقد كان الكثيرون من شيوخ العلماء يشتكون ذلك من تلاميذهم، يقولون: نعلمهم ثم يتمنون وفاتنا حتى ينفردوا بالرواية، وحتى ينفردوا بالتلاوة عمن تعلموا، ولكن المؤمن لا يكون كذلك أبداً، فإذا وجد إنساناً قد علمه ومنَّ الله عليه بأن جعله يلقنه القرآن ويعلمه التجويد، فيصير معه إجازة بهذا القرآن أو بحديث النبي ﷺ ويصير بارعاً في ذلك، إذاً: يشكر من علمه ولا يتمنى أن يموت ليتفرد بين الناس بهذا الأمر، فهذا الحسد أنت ممنوع منه شرعاً، إنما الحسد الذي قاله النبي ﷺ وقصد به: أن تغبط هذا الذي عنده علم وتتمنى أن تكون مثله.
والثاني: الرجل الذي آتاه الله المال فهو ينفقه فيما يرضي ربه سبحانه، قال: (فهو يهلكه في الحق)، وإهلاك المال بمعنى: صرف المال، فهو يعطي ليدخر عند الله ، ولما رآه آخر قال: (ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان)، فيتمنى أن الله يعطيه مثلما أعطى فلاناً هذا، والله يعطي من يشاء سبحانه.
стр. 239
خير الناس من يتعلم القرآن ويعلمه
من الأحاديث العظيمة ما رواه البخاري عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فأعظم العلوم وأشرف العلوم وأجل العلوم التي تملأ القلب بتقوى الله هو علم القرآن العظيم، وأي علم من علوم القرآن كلها فيها الخير، تتعلم وتحفظ القرآن، وتتعلم تجويد القرآن وتفسيره ولغته وأحكامه ومعجزاته، وعلوم القرآن كثيرة جداً، ومستحيل أن يحيط إنسان بها علماً، ولكن الله هو الذي أحاط بكل شيء علماً، فمهما تعلمت من علم يتعلق بالقرآن فقد دخلت تحت هذا الحديث، إذا تعلمت وبذلت العلم وعلمت غيرك ابتغاء وجه الله .
قال أبو عبد الرحمن السلمي الذي روى هذا الحديث عن عثمان ﵁: (أنه أقرأ في إمرة عثمان حتى كان الحجاج)، أي: من عهد عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج وأبو عبد الرحمن السلمي يقرئ القرآن وهو من العلماء وحفاظ القرآن، وقد جلس في المسجد للقرآن، قال: (وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا)، أي: الذي أقعده ليعلم الناس القرآن ويحفظ الناس القرآن هو هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فالذي يتعلم القرآن من خير الناس، والذي يعلم القرآن من خير الناس، فاشترك في الخيرية المعلم والمتعلم.
стр. 240
نجاة الناس وهدايتهم بتمسكهم بكتاب الله
ومن الأحاديث العظيمة التي جاءت في فضل القرآن ما رواه البزار عن جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أبشروا فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً)، ما هذا الجمال الذي في هذا الحديث! ما هذه البشارة التي في هذا الحديث! تخيل عندما تكون سفينة في البحر، وهناك حبل، وهم يريدون أن ينجوا بالسفينة، ويوضع الحبل على المرسى في الخارج على الشاطئ، والذي في السفينة يشد الحبل حتى يصل إلى هذا المرسى فيرسو عليه وينجو الإنسان الغريق؛ إذ يرمى له بحبل يتعلق به ويشد الغريق ويأخذه، وإذا كان هذا الحبل بيد الله فهل يمكن أن يفلت هذا الحبل من يد الله ؟ لا.
وحبل الله المتين هو هذا القرآن العظيم.
فأبشروا يا من تحفظون كتاب الله، وتحفظون من كتاب الله سبحانه، فإنه حبل متين لا ينقطع أبداً، طرفه بيد الله سبحانه، والطرف الآخر بيد من يحفظ القرآن ويعمل به، فلن يفلت من يد الله أبداً إنما يفلت من يد هذا الإنسان، فعليه أن يمسك به حتى يأخذه ربه إلى جنته سبحانه، وإذا ترك ذلك وأفلت هو وترك القرآن وراء ظهره، فيشكوه النبي ﷺ إلى ربه سبحانه أنه تعلم القرآن ونسيه وهجره ولم يعمل به.
إذاً: إذا أردت أن تنجو فعليك بكتاب الله سبحانه، وعليك بسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، قال ﵊: (فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً).
стр. 241
ذكر ما يعطى صاحب القرآن ووالداه يوم القيامة
من الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ حديث رواه الإمام أحمد وقد ذكرنا جزءاً من هذا الحديث في الصحيحين، ولكن رواية الإمام أحمد فيها زيادة عظيمة وجميلة، فالحديث رواه أحمد عن بريدة قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ فسمعته يقول: (تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة، قال: ثم مكث ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة)، الذي يحفظ القرآن ويعمل بالقرآن ويحب القرآن يلقاه القرآن حين ينشق قبره، ويخرج من قبره والقرآن ينتظره، قال: (يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟)، القرآن يسأل صاحبه الذي كان يحفظه ويعمل به، ويقوم به بالليل وبالنهار فيقول: (هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك)، هو خارج من قبره للموقف العظيم والقرآن يستقبله أول ما يخرج فيقول له: (هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك) أي بشارة أعظم من ذلك؟ وأي طمأنينة وأي رجاء يكون في قلب الإنسان الذي ينتظره القرآن وهو قائم من قبره ليأخذه على هيئة رجل شاحب؟ كما أنه في الدنيا أتعب نفسه يقابله على هذه الهيئة، فأنت قد تعبت في الدنيا فأنا الآن مثلك، فيأخذ صاحبه.
قال: (أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر)، أي: أخذت مني الصيام فصمت لله فظمئت بالهواجر، وتلوتني حتى جف لسانك من كثرة التلاوة والقراءة، قال: (وأسهرت ليلك)، قمت بالليل تستذكرني وقمت بالليل تقرؤني وتصلي لله بي، قال: (وإن كل تاجر من وراء تجارته -أي: كل تاجر يحرس تجارته- وإنك اليوم من وراء كل تجارة)، أنت أعظم تاجر، فقد كنت تجارتك، وتجارتك كانت مع الله سبحانه، وكل تاجر من وراء تجارته يجمع تجارته من أجل ألا تضيع التجارة، فأنت أعظم التجار، فتعال إذاً وخذ رأس مالك، وخذ ربحك معك وهو القرآن؛ لتقدم على الله به.
قال: (فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذه؟)، انظر للفضل العظيم! فاحفظ القرآن تنتفع وينتفع والداك أبوك وأمك، وينتفعان بحفظك أنت للقرآن، فحافظ القرآن يعطيه الله الملك بيمينه فيصير من ملوك الجنة، والجنة فيها ملوك، قال: (والخلد بشماله)، والخلد أي: أنك مخلد في الجنة وأنت ملك من ملوك الجنة، قال: (ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين)، إذاً: ينعم الله على أبيه وعلى أمه بأن يكسوهما حلتين من حلل الجنة (لا يقوم لهما أهل الدنيا)، أي: لو أنفق أهل الدنيا كل ما معهم من أجل أن يشتروا هاتين الحلتين ما استطاعوا.
قال: (فيقولان: بم كسينا هذه؟)، أي: لم نعمل عملاً من أجل أن نأخذ عليه هذا الشيء (فيقال: بأخذ ولدكما القرآن)، فإذا أردت أن تكرم أباك وأمك فاحفظ القرآن وراجعه واسترجعه، وإياك أن تنسى القرآن، فإن من أعظم ما تبر به والديك أن تحفظ كتاب الله .
وجاء في رواية عند الطبراني لهذا الحديث قال: (فيقولان: يا رب! أنى لنا هذا؟)، كيف وصلنا لهذه الدرجة وهذه الحلل العظيمة؟ (فيقال: بتعليم ولدكم القرآن)، لقد علمتما ولدكما القرآن، أدخلتماه مدرسة ليحفظ القرآن، وأرسلتماه إلى المسجد ليحفظ القرآن، وساهمتما في تحفيظه وشجعتماه على ذلك.
يقول في الحديث: (ثم يقال لصاحب القرآن: اقرأ واصعد)، وفي رواية: (اقرأ وارق في الدرجات)، وفي رواية: (في درجة الجنة وغرفها)، فهو في صعود ما دام يقرأ هذاً كان أو ترتيلاً، يقرأ بسرعة أو يقرأ ببطء، أو يقرأ مركزاً أو يقرأ مراجعة مع القراءة السريعة، فيقال (اقرأ وارق في الدرجات ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية معك)، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فتنافسوا في ذلك، تنافسوا في حب الله سبحانه وفي حب القرآن وقراءته والتمسك به، فاحفظ القرآن ولا تتركه ولا تهجره، اقرأ القرآن ليل نهار يحفظك القرآن العظيم بحفظك له.
стр. 242
من أحسن الناس صوتاً من يقرأ القرآن وهو يخشى الله
مما جاء في الأحاديث ما رواه ابن ماجة عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله)، فهو يخشى الله سبحانه، ليس شيئاً ظاهراً، ليس هو أمر تمثيل، وليس شخصاً يمثل أنه يحزن فيحزن الناس، فالأمر ليس تمثيلاً في قراءة القرآن، بل الأمر ما خرج من القلب ظهر على صاحبه، وما كان تمثيلاً يعجب الناس بالنغمة ولا يخشعون لما يقول.
فمن أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله، إذا سمعته تحسبه يقرأ خشية، وهناك إنسان تسمعه وهو يغني، فهو يغني بالقراءة ويريد أن يقلد فلاناً، لكن الذي يقرأ القرآن بخشية تستشعر أنه خائف من الله ، وهذا الذي يريده الله ، وهذا أحسن الناس عند الله ، نسأل الله أن يعافينا من الرياء.
стр. 243
استحباب قراءة القرآن آية آية
من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في قراءته الجميلة ما رواه الترمذي وأحمد أن أم سلمة سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: (كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾)، فكان يقطع آية آية، فالأمر ليس أنه يقرأ الفاتحة كلها في نفس واحد، أو يقرأ في نفسين، بل يقف عند رأس كل آية، إلا إذا كانت الآية متصلة بما بعدها فله أن يصل حتى لا ينقطع المعنى، ولكن الأصل أن يقف في قراءته عند رأس كل آية.
стр. 244
فضل قراءة القرآن على سائر الأذكار إلا في المواضع المخصصة للأذكار
يقول الإمام النووي ﵀: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، ففي وقت الصباح أذكار الصباح تقولها بعد صلاة الفجر حتى وقت الشروق أو حسب ما يتيسر، وبعد صلاة العصر تقول أذكار المساء، إذاً: في هذه الأوقات الذكر الوارد عن النبي ﷺ فيه، ثم في باقي الأوقات قراءة القرآن أعظم، فإذا كان عند نومك قلت ذكر النوم، واقرأ ما شئت من القرآن في كل وقت، في قيامك أو قعودك، وفي اضطجاعك، وأنت تسير، وأنت تركب، في أي وقت اقرأ القرآن فكله عظيم.
فالأذكار أفضل في وقت الذكر، وقد كان النبي ﷺ يواظب على الأذكار بعد الفجر فيذكر الله سبحانه وبعد العصر، وإن كان الذكر لن يستوعب الوقت كله فاذكر الله ، واقرأ القرآن ما شئت في الوقت نفسه.
стр. 245
آداب ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها أثناء القراءة
قال النووي ﵀: ويستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فالذي يقرأ القرآن ويحب القرآن يستعد للقرآن، مثل الذي يقابل ضيفاً عزيزاً، أو إنساناً كبيراً من كبار القوم يأتي إليه، فإنه ينتظر ويستقبله في البيت ويحضر له المكان الذي يجلس فيه، ويلبس ويتزين له ويتنظف حتى يستقبل الضيف، وأعظم ضيوفك الذي تجلس معه هو القرآن العظيم، فتطهر لتجلس لقراءة القرآن واستقبل القبلة ونظف أسنانك حتى تكون رائحة فمك طيبة بالسواك أو فرشاة ومعجون ونحوها، وإذا جلست فاجلس وتوجه للقبلة إن كان ذلك يسيراً عليك، وتخشع في جلوسك وفي قراءتك، وإذا أردت القراءة فتعوذ واجهر بالقراءة، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، فإذا كنت في أول السورة فاقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، والتعوذ سنة وليس بواجب، وعلى المسلم أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سواء كان إماماً يقرأ في الصلاة أو كان يقرأ في غير الصلاة، فإذا كان إماماً فالسنة أن يخفيها وألا يجهر بها، وإن كان ورد في حديث أم سلمة: (أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)، فلعل ذلك أحياناً حتى يعلم من خلفه أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولا يتركها صلوات الله وسلامه عليه.
فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال الله : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، فلنتدبر القرآن حين نتلوه وحين نسمعه لعل الله يعطينا الأجر العظيم من فضله، نسأل الله تعالى أن يعيننا على حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وعلى العلم والعمل وعلى الإخلاص.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 246
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - آداب قراءة القرآن [١]
القرآن الكريم كتاب الله الذي أنزله للأمة جمعاء، ولقراءته آداب ينبغي للمسلم أن يتأدب بها، ذلك أن القرآن ليس كأي كتاب آخر، وإنما هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أفضل الذكر، فما تعبد العباد لله بأحسن مما تكلم به ، وعلى المسلم أن يستشعر عند قراءته له أنه خطاب الله له، فليخشع وليخضع عند قراءته، ويتأدب بجميع آدابه.
стр. 247
آداب قراءة القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: من آداب القرآن التي ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه المجموع أنه قال: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، فيستحب للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن آناء الله وأطراف النهار؛ لعله يرضي ربه سبحانه ﵎ بذلك.
стр. 248
استعمال السواك عند القراءة
يستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فيتسوك سواء بالسواك أو بالفرشاة والمعجون؛ حتى يطهر فمه، وتصبح رائحته طيبة؛ لأن الملائكة تستمع وتدنو من الإنسان القارئ حتى يجعل الملك فمه على فم القارئ.
стр. 249
الاستعاذة عند القراءة
وإذا أراد القراءة فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، فيتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان يقرأ من أول السورة قال بعد التعوذ: بسم الله الرحمن الرحيم.
стр. 250
الخشوع والتدبر عند القراءة
وإذا كان يقرأ جهراً فليجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا كان يقرأ سراً فليسر بها.
وإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، وهذا أمر مطلوب من المؤمن، فلا بد أن يكون خاشعاً لله ، وليقرأ القرآن ويتدبره، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، ولا يكون همه أن يتغنى بالقرآن، ولكن ليكن همه أن يخشع ويتدبر، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فيخشع عند قراءة القرآن، ويتدبر ما جاءه من رب العالمين سبحانه ﵎.
قال الإمام النووي ﵀: إن جماعة من السلف كان يردد أحدهم الآية جميع ليلته أو معظمها، وصعق جماعة من السلف عند القراءة، ومات جماعة منهم بسبب القراءة.
فقد كانوا يقرءون القرآن ويقفون عند آيات الله سبحانه ﵎ يتدبرونها، وقد كان بعضهم يقرأ الآية ويرددها مرة ومرتين وثلاث مرات وأكثر؛ مما يجعل في قلبه من الخوف من الله سبحانه، وبعضهم مات من شدة خوفه من الله سبحانه ﵎، وبعضهم غشي وأغمي عليه، ولكن أكثرهم لم تكن هذه عادتهم، وإنما كان بكاؤهم في صدورهم، وكانوا يخافون من الله خوفاً عظيماً.
следующие страницы →