Полный текст (387 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - آداب قراءة القرآن [١]
القرآن الكريم كتاب الله الذي أنزله للأمة جمعاء، ولقراءته آداب ينبغي للمسلم أن يتأدب بها، ذلك أن القرآن ليس كأي كتاب آخر، وإنما هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أفضل الذكر، فما تعبد العباد لله بأحسن مما تكلم به ، وعلى المسلم أن يستشعر عند قراءته له أنه خطاب الله له، فليخشع وليخضع عند قراءته، ويتأدب بجميع آدابه.
стр. 247
آداب قراءة القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: من آداب القرآن التي ذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه المجموع أنه قال: قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وسائر الأذكار إلا في المواضع التي ورد الشرع بهذه الأذكار فيها، فيستحب للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن آناء الله وأطراف النهار؛ لعله يرضي ربه سبحانه ﵎ بذلك.
стр. 248
استعمال السواك عند القراءة
يستحب أن ينظف فمه قبل الشروع في القراءة، فيتسوك سواء بالسواك أو بالفرشاة والمعجون؛ حتى يطهر فمه، وتصبح رائحته طيبة؛ لأن الملائكة تستمع وتدنو من الإنسان القارئ حتى يجعل الملك فمه على فم القارئ.
стр. 249
الاستعاذة عند القراءة
وإذا أراد القراءة فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، فيتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان يقرأ من أول السورة قال بعد التعوذ: بسم الله الرحمن الرحيم.
стр. 250
الخشوع والتدبر عند القراءة
وإذا كان يقرأ جهراً فليجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا كان يقرأ سراً فليسر بها.
وإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، وهذا أمر مطلوب من المؤمن، فلا بد أن يكون خاشعاً لله ، وليقرأ القرآن ويتدبره، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، ولا يكون همه أن يتغنى بالقرآن، ولكن ليكن همه أن يخشع ويتدبر، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فيخشع عند قراءة القرآن، ويتدبر ما جاءه من رب العالمين سبحانه ﵎.
قال الإمام النووي ﵀: إن جماعة من السلف كان يردد أحدهم الآية جميع ليلته أو معظمها، وصعق جماعة من السلف عند القراءة، ومات جماعة منهم بسبب القراءة.
فقد كانوا يقرءون القرآن ويقفون عند آيات الله سبحانه ﵎ يتدبرونها، وقد كان بعضهم يقرأ الآية ويرددها مرة ومرتين وثلاث مرات وأكثر؛ مما يجعل في قلبه من الخوف من الله سبحانه، وبعضهم مات من شدة خوفه من الله سبحانه ﵎، وبعضهم غشي وأغمي عليه، ولكن أكثرهم لم تكن هذه عادتهم، وإنما كان بكاؤهم في صدورهم، وكانوا يخافون من الله خوفاً عظيماً.
стр. 251
التغني بالقرآن
قال الإمام النووي ﵀: ويسن تحسين الصوت بالقرآن؛ للأحاديث المشهورة فيه -يعني: عن النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه ﷺ قال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن) أي: يقرأ القرآن بنغمة جميلة وبصوت حسن، وفي سنن أبي داود: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به).
وهناك آداب للتغني بالقرآن، فليس معنى التغني بالقرآن أن تجعل القرآن كالموسيقى، كما نسمع أحياناً أصواتاً تشغلنا عن الصلاة، فتجد أحدهم يقرأ القرآن ويصوت به، أو يقرأ القرآن ويقلد مغنية، أو يقرؤه على نغمة موسيقية ويوزنها، فهذا لا يجوز في القرآن أبداً فالقرآن فيه الأدب والخشوع والتواضع، وصدق رسول الله ﷺ حين أخبر أن من علامات الساعة: (أن الناس يقدمون قارئهم ليغنيهم)، أي: من أجل أن يغني لهم بقراءته للقرآن، فلا يتقدم للقراءة إلا الأفقه والأعلم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وأما قارئ يضبط صوته على نغمة موسيقية، وعلى وتر معين، ويقرأ عليها، فلا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه الأصوات أغان وليست قرآناً.
فمعنى التغني بالقرآن: أن تترنم بقراءته على ما كان يقرأ به النبي ﷺ وأصحابه، لا أن يوصل آية بآية من أجل النغمة، وحتى يكون على صوت الموسيقى الفلانية، أو على صوت المغني الفلاني ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا جرم عظيم جداً، وقد حرم العلماء أن يتخذ القرآن أغاني، وأن يكون على وزن أغنية.
قال الإمام النووي: وإن لم يكن حسن الصوت حسنه ما استطاع، ولا يخرج بتحسين صوته عن حد القراءة إلى التمطيط المخرج له عن حدوده.
أي: أن القراءة يكون فيها شيء من التغني، لكن لا يصل إلى أن تصبح مثل الأغاني، ويرددها مثل ترديد الألحان؛ فإن هذا قد حرمه أهل العلم، وقد اتفقوا على تحريم القراءة بالألحان.
وما أكثر الذي يتقدمون اليوم للإمامة ممن لا يحفظون القرآن، وإنما يقرءون من المصحف، وتجد الآن في بعض البلاد كل مساجدها فيها مصاحف موضوعة للأئمة، والنادر هو الذي يخرج ليصلي بالناس من حفظه، وإذا صلى بهم من حفظه قرأ ربع الجزء في الصلاة كلها، أو نصفه، وسبب تقديم الناس لغير الحفاظ مع وجود من يحفظ القرآن سببان: السبب الأول: أن من يحفظ القرآن صوته ليس جميلاً، فيتهمونه بأنه لا يعرف يقرأ، ولعل البعض يكون سفيهاً فيقول: نحن لن نصلي إلا وراء الشيخ الفلاني، فهو لا يغلط، ولا يعرف أن هذا يضع المصحف أمامه ويقرأ منه.
والسبب الثاني: أن الناس يقولون: نريد إماماً صوته حلو، وله نغمة، ولن نصلي وراء فلان، فإذا بالحفاظ يتراجعون، فإذا كان أحد حافظاً وصوته ليس حلواً فإنه يتراجع، ويتقدم الذي يغني بالناس، كما نسمع كثيراً، وصدق رسول الله ﷺ لما قال: (ونشوءاً يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليغنيهم وليس بأفقههم)، فاحذر أن تكون من هؤلاء، وقد رأينا هذه البدع، وسمعنا الكثير منها، فتجد أحدهم يغني بالقرآن، ويغني بالتكبير، ويغني بالتسليم، وحتى الدعاء، وبعضهم يغني على المنبر وهو يخطب خطبة الجمعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فقد استهانوا بدينهم، وضيعوا دين الله ، وصار كل من هب ودب يأتي قبل رمضان مباشرة إلى الإمام ويسأله: هل تريد أحداً يساعدك في القراءة؟ وقد يكون هناك حفاظ كثيرون في المسجد، ولا يريد أحد يساعده في القراءة، فالأمر اليوم بقي سهلاً، وكل أحد يقول: أنا أريد أن أصلي بالناس؛ لأنه مطمن أنه سيوضع له مصحف ويقرأ منه، فلا تجد أحداً يحفظ القرآن ويجيد تلاوته ويقف بين يدي الله ويقرؤه على الوجه الذي يرضي به ربه سبحانه ﵎ لا ليرضي به الناس.
فمن أراد إرضاء الناس بغضب الله غضب الله عليه وأغضب عليه الناس، ولن يرضى عنه الناس أبداً، فليكن همه إرضاء الله سبحانه ﵎، فمن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.
فاحذروا من النغمات، ومن الإعجاب بالنغمات التي تجعل القرآن في النهاية كالأغاني، وقد أرادوا تحويل القرآن إلى غناء في مصر منذ زمن، فأتوا بـ أم كلثوم لتغني بالقرآن في الإذاعة، ثم أتوا بعبد الوهاب ليلحن القرآن، وكادوا يمررون هذا الشيء لولا أن تصدى العلماء الأمناء لمثل ذلك وأوقفوه، وقد كادوا يصلون إلى ما أرادوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فاحذروا من أمثال هؤلاء الذين يتخذون القرآن أغاني ومعازف، ومن الذين يلحنونه هكذا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 252
استحباب البكاء عند قراءة القرآن
يقول الإمام النووي ﵀: ويستحب البكاء عند القراءة، وهي صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين.
ولا يكون بكاؤه تمثيلاً، وإنما يكون بكاءً من قلبه، وقد كان سفيان بن عيينة ﵀ يقرأ القرآن ويبكي، وكان من الزهاد رضي الله ﵎ عنه، فكانوا يقولون له: لا نرى عينيك تدمع.
فقال: ليست النائحة كالثكلى.
يعني: أن النائحة لا تصوت إلا إذا رآها الناس، فهي لا تبكي حقيقة، وإنما تمثل، والإنسان المكلوم حزنه في قلبه، وبكاؤه في قلبه، فإذا فاضت عيناه بالدموع فهذا حسن، وإلا فليجعل خشوعه بينه وبين الله سبحانه ﵎.
وقد كان سيدنا رسول الله ﷺ يبكي وهو يقرأ القرآن، وكان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، أي: كأزيز القدر الموضوع على النار، من بكائه صلوات الله وسلامه عليه، وكتمه للبكاء.
فقد كان يكتم البكاء صلوات الله وسلامه عليه ولا يظهره، وإنما يسر به ﵊، وكان أجمل الناس صوتاً صلوات الله وسلامه عليه، وأفضل الخلق تلاوة للقرآن، وما أذن الله لشيء ما أذن لنبيه ﵊ وهو يقرأ القرآن أن يتغنى به.
يقول الإمام النووي: وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٨].
أي: يخرون لله سباحانه ساجدين، كما قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، وهذه صفة العارفين، أنهم يخرون لله سجداً، ويقبلون على الله سبحانه، ويسجدون له سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [الإسراء:١٠٨].
فهم لما تدبروا القرآن وتأملوه أعجبهم وأحزنهم ما هم فيه، فقالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٨]، أي: إن ربنا صادق سبحانه ﵎، ووعده حق، والجنة حق، والنار حق فخافوا من ذلك فخروا لله ساجدين، قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩].
فإذا سجدوا لله أظهروا البكاء بينهم وبين الله، وهم مستترون في السجود يبكون، ويزيدهم القرآن خشوعاً.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرأ علي، قال: قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: فإني أحب أن أسمعه من غيري)، فلا بد للإنسان أن يحب سماع القرآن وقراءته، فيستمتع بالقرآن تلاوةً وتدبراً وتفهماً وسماعاً أيضاً، قال: (فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فقال: حسبك الآن، فالتفت فإذا عيناه تذرفان)، فقد كان ابن مسعود يقرأ ولا يدري أن النبي ﷺ يبكي، فقال له: (حسبك)، أي: يكفي، ووقف هنا يتدبر في هذه الآية، ويستحضر هذا الموقف العظيم بين يدي الله ، وكيف يكون حاله وحال هؤلاء القوم.
والاستفهام هنا معناه تعظيم هذا اليوم بمثل هذا الاستفهام، أي: كيف يكون حالكم يوم القيامة؟! قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:٤١]، أي: إذا اجتمعت الأمم جميعها، واجتمعت رسل هذه الأمم يشهدون على أممهم، قال تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] أي: جاء ﵊ شهيداً ليشهد، والشهيد عند الناس: من يزكيه القاضي فيقبل كلامه.
فيكون معنى الآية: جئنا بك شهيداً، أي: زكيناك وأتينا بك يوم القيامة لتشهد على هؤلاء، فبكى خوفاً من هذا اليوم.
فكيف بالخلق الذين سيشهد عليهم رسلهم، ويشهد عليهم الخلق يوم القيامة؟! نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
لقد بكى ﵊ خوفاً من هذا الموقف، وخشية من يوم القيامة، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 253
من أسباب البكاء عند قراءة القرآن: تدبر ما يقرأ
يقول الإمام النووي ﵀: وطريقه في تحصيل البكاء: أن يتأمل ما يقرؤه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره.
فإذا سمع الآيات في عهد الله الذي أخذه على العباد فيراجع نفسه هل هو من هؤلاء العباد الذين تمسكوا بدين الله وبعهده أم أنه قصر وفرط؟ وإذا سمع الآيات عن يوم القيامة والعرض على الله والمرور على الصراط وجهنم وما فيها والجنة وما فيها أحدث له ذلك خشوعاً في قلبه، فيبكي خوفاً من الله، وليس تمثيلاً ولا رياءً ولا إظهاراً للحزن، ولا ليقال: فلان قارئ، وفلان يبكي من خوف الله، وإنما يبكي حقيقة خوفاً من ربه سبحانه ﵎.
стр. 254
استحباب ترتيل القرآن عند القراءة
ويسن ترتيل القرآن، قال الله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، ومعنى الترتيل: أن يقرأ القرآن على مهل، ويتعلم تجويد القرآن، والتجويد: هو: كيفية إخراج الحروف من مخارجها، فيفرق بين السين والصاد، وبين الدال والضاد، ويفرق بين الحرف الممدود والحرف غير الممدود، ويفرق بين الحركة وبين الحرف، ويتعلم كيف يخرج الحروف من مخارجها.
وقد روى الإمام مسلم عن حفصة ﵂ أنها قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في صبحته -أي: في نافلته- قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام)، تعني: من التعب وكبر السن كان يصلي قاعداً ﷺ ، قالت: (وكان يقرأ بالسورة فيرتلها)، أي: يهتم بترتيلها، ويتدبرها ويتفكر فيها، قالت: (حتى تكون أطول من أطول منها)، أي: حتى تكون السورة أطول من سورة أخرى هي أطول منها، فقد كان يقرأ، ولعله كان يرجع الآية ويعيدها، ويتدبرها ﷺ ، وقام مرة إلى الصبح وهو يقرأ آية واحدة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، ويعيدها ﷺ .
стр. 255
كراهة الهذ في قراءة القرآن
قال العلماء: وقد اتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع بحيث أنه لا يفهم الذي يقرؤه، فيكره أن يقرأ قراءة سريعة من غير ترتيل أو تدبر أو تأمل لما يقرؤه.
وهذه القراءة تسمى: الهذ، أي: القراءة السريعة.
قال الإمام النووي: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل.
يعني: إذا خيرت بين قراءة جزء من القرآن بترتيل وعرفت أنك ستقرؤه في ثلث ساعة أو نصف ساعة مثلاً، وإذا قرأته سريعاً ستقرؤه في عشر دقائق؛ فإن قراءتك لهذا الجزء مرتلاً له أفضل من قراءتك جزئين في الوقت نفسه بغير ترتيل.
قال العلماء: والترتيل مستحب؛ للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيراً في القلب؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي حتى ولو كان لا يفهم القرآن.
وكثير من الأعاجم لا يفهمون القرآن، مع أنك تجد الكثيرين منهم في باكستان وأندونيسيا وغيرهما من البلدان يقرءون القرآن قراءة جميلة جداً، وهم لا يفهمون معناه، وتجدهم يحفظون القرآن، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه حيث قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فقد يسر الله القرآن لذكره سبحانه، ويسره لأن يحفظ، فحفظه العرب وحفظه العجم الذين لا يفهمون معناه، فتجد أحدهم يقرؤه ويرتله ويحدث له في قلبه خشوع، ولعله يبكي وهو لا يفهمه، ويحاول أن يفهم منه شيئاً، فنحن الذين نتكلم اللغة العربية ونجيدها قراءة وكتابة أولى بذلك، فعندما نقرأ القرآن ونفهم معانيه ينبغي أن يحدث ذلك لنا الخشوع الحقيقي والخوف من الله .
قال العلماء: ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من العذاب أو من الشر، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزه فقال: تبارك الله، أو: جلت عظمة ربنا، ونحو ذلك.
روى الإمام مسلم عن حذيفة ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، قال: فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، قال: فمضى، فقلت: يركع عند المائتين، قال: فمضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، ثم افتتح آل عمران فقرأها)، وهذه السورة أطول ثلاث سور في القرآن، وقد قرأها ﷺ قراءة فيها ترتيل وخشوع، كما قال حذيفة: (يقرأ مترسلاً -أي: على مهله- قال: إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)، وانظر إلى هذه القراءة كم ستأخذ من الوقت! قال: (ثم ركع فجعل يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه).
وعدد آيات سورة البقرة مئتان وست وثمانون آية، وسورة النساء مائة وست وسبعون آية، وسورة آل عمران مائتا آية.
فكان في ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم بقدر هذا، وهذا شيء طويل جداً، قال ﵁: (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه)، وعلى هذا فإن ركعة واحدة تأخذ الليل كله منه صلوات الله وسلامه عليه.
فقد كانت قراءته صلوات الله وسلامه عليه قراءة فيها خشوع وفيها خوف من الله.
نسأل الله أن يرزقنا ما كان عليه النبي ﷺ ، وأن نأتسي به ونقتدي به حتى نلقاه صلوات الله وسلامه عليه على حوضه، غير مبدلين ولا مرتدين على أدبارنا.
ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والعمل الصالح والقبول.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 256
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - آداب قراءة القرآن [٢]
القرآن الكريم كتاب الله ، أنزله لهداية البشرية جمعاء؛ ولذلك أمر الله بتلاوته وتدبره آناء الليل وأطراف النهار، وحث رسول الله ﷺ على ذلك، ورتب على قراءته والعمل به الأجر العظيم من الله تعالى.
ولقراءة القرآن آداب ينبغي لقارئه وحافظه العمل بها، إذ إنه يقرأ كتاب رب العالمين المنزل من عنده .
стр. 257
استحباب الترتيل عند قراءة القرآن
أعوذ بالله من السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: يقول العلماء: الترتيل مستحب؛ للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيراً في القلب.
ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه.
وترتيل القرآن أي: القراءة على مهل، فيقرأ القرآن مرتلاً، ويقرؤه كما كان النبي ﷺ يقرؤه، فيجود قراءته، ويخرج الحروف من مخارجها الصحيحة، ويلتزم بأحكام التلاوة في قراءته.
وقال العلماء: إن الترتيل يساعد الإنسان على أن يتدبر القرآن.
وهو أقرب إلى الإجلال وإلى التوقير في القراءة، وأشد تأثيراً في القلب، وقد كانت قراءة النبي ﷺ ترتيلاً.
стр. 258
حكم قراءة القرآن بغير اللغة العربية
ولا تجوز القراءة بالأعجمي، سواء أحسن العربية أم لا؛ لأن قراءة الأعجمي ليست قراءة، ولكنها ترجمة لمعاني القرآن، وتجوز القراءة بأن يقرأ القارئ ما اعتاد الناس أن يسمعوا من قراءة متعارف عليها في البلد.
стр. 259
جواز القراءة في الصلاة بإحدى القراءات السبع أو العشر
وتجوز القراءة بأية قراءة من القراءات السبع أو القراءات العشر، وليقرأ بما يفهم الناس، وبما لا ينكره الناس عليه، فإنه وإن جاز أن يقرأ بأي قراءة من القراءات التي يحفظها القراء، إلا أنه لا يقرأ للناس إلا ما يستوعبونه ويفهمونه، وخاصة إذا كان وراءه أناس لا يعرفون هذه القراءات، فيظنون أن القارئ أخطأ في قراءته.
فالأولى أن يلتزم القراءة التي يعرفها الناس، وإذا قرأ بإحدى القراءات فالصلاة صحيحة، وإنما يخشى فيها أمور، فيخشى من أن الناس لا يفهمون فينكرونها، ويخشى من أن تحدث بلبلة بين الناس، ويخشى على القارئ نفسه من الرياء، وأن يظن في نفسه أنه أعلم من غيره، فتضيع بركة هذه القراءة التي يقرؤها.
стр. 260
قراءة القرآن على ترتيب المصحف
والأولى في القراءة أن يقرأ على ترتيب المصحف، سواء قرأ في الصلاة أو في غير الصلاة، وهذا الترتيب الذي في المصحف هو الذي كان في آخر عرضة عرضها جبريل مع النبي ﷺ ، فكان على هذا الترتيب.
وهذا الترتيب لهذه السور له حكمة من الله ، سواء عرفنا أو لم نعرف، وهو شيء توقيفي، وقد كان النبي ﷺ يقرأ السبع الطول على ترتيبها، وإن كان قد جاء عنه أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وهذا لبيان الجواز، وفي قيام الليل يجوز أن تقرأ بسورة من أول القرآن، ومن آخره، وإن كان الأفضل أن تقرأ مرتباً.
والنبي ﷺ لما قرأ السبع الطوال من أول القرآن في قيامه بالليل لم ينقل عنه أنه قرأها على غير ترتيبها المعهود، وإنما قرأ مرة واحدة بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فقالوا: لقد كان الترتيب على ذلك، وهو الذي ورد في مصحف ابن مسعود، ولعله كان قبل العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل مع النبي ﷺ .
وقد كان ابن مسعود من حفاظ القرآن، ولكنه لم يكن من الكتاب الذين كتبوا القرآن بعد النبي ﷺ ؛ لأنه كان متمسكاً بالقراءة القديمة، وقد نسخت أشياء لم يطلع عليها رضي الله ﵎ عنه، فالذي بين أيدينا من ترتيب المصحف هو ما كان عليه النبي ﷺ في آخر عرضة عرضها مع جبريل، فالأولى أن يقرأ القرآن على ذلك.
ولو قرأ على غير ذلك، كأن بدأ بسور قبل سور فهذا جائز، ولكن الأولى الترتيب، يقول النووي ﵀: لأن ترتيب المصحف لحكمة فلا يتركها، وترتيب المصحف حكمة من الله ، سواء عرفناها أو لم نعرفها، فلا يترك هذا الترتيب الذي عليه المصحف الكريم إلا فيما ورد الشرع بالتفريق فيه.
أي: أن الأصل أن المصحف مرتب على هذه الصورة، فيكون الأصل قراءته بهذه الصورة، ولكن جاء عن النبي ﷺ ما يبين أنه يجوز أن يقرأ على غير هذا الترتيب، وذلك من فعل النبي ﷺ ، فقد قرأ في صلاة العيد بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، ولم يقرأ السورة التي بعدها، وإنما قرأ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
وكذلك في الفجر يوم الجمعة قرأ النبي ﷺ بـ (الم) السجدة، وقرأ بعدها سورة الإنسان، وكان يواظب على قراءته لهاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، فهذا الذي فعله النبي ﷺ ، فنفعل كما فعل صلوات الله وسلامه عليه، وأما غير ذلك فالأولى أن يكون على ترتيب المصحف.
يقول النووي ﵀: فلو فرق أو عكس جاز، ولكنه ترك الأفضل، أي: إذا قرأ سورة قبل سورة، أو سورة بعد سورة، فقرأ هذه أولاً وهذه ثانياً، على عكس ترتيب المصحف، أو غير مرتبتين، فهذا لا شيء فيه.
стр. 261
عدم جواز قراءة السورة منكسة آياتها
وأما التنكيس الذي نهينا عنه فهو في السورة الواحدة، وهو: أن تقرأ من آخر السورة إلى أولها، وليس من التنكيس أن تقرأ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، وبعدها: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، فليس هذا تنكيساً، إنما التنكيس أن تبدأ بالسورة الواحدة من آخرها، مثل أن تقرأ: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦]، ثم الآية التي قبلها، والتي قبلها، حتى تصل إلى أولها، وقد كان الشعراء يفعلون ذلك؛ لبيان جودة حفظهم، وقوة قريحتهم وذاكرتهم، فكان الشاعر يقرأ القصيدة من أولها إلى آخرها، ثم يعيدها من آخرها إلى أولها، ولذلك كانت قصائد أهل الجاهلية غير متصلة ببعضها، وإنما كان كل بيت وحده، ويصلح أن تضع قبله أو بعده غير ما ذكر، إلا إذا قصد الشاعر أن يصل البيت بغيره.
والمقصود من ذلك: أنه لابد من مراعاة ترتيب السورة من أولها إلى آخرها عند قراءة القرآن، ولا يجوز التنكيس في السورة الواحدة، أما قراءة سورة قبل سورة، وسورة بعد سورة فهذا لا شيء فيه، وذلك مثل أن تقرأ في الصلاة في الركعة الأولى بسورة الفاتحة و: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).
وفي الركعة الثانية تقرأ الفاتحة وبعدها بسورة أخرى، فليس هذا تنكيساً.
يقول الإمام النووي: وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه وذمه؛ لأنه يذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب، وأما تعليم الصبيان من آخر الختمة إلى أولها فلا بأس، وليس هذا خاصاً بالصبيان فقط، بل كل من يحفظ القرآن إذا بدأ من آخر المصحف إلى أوله فلا شيء في ذلك.
стр. 262
القراءة في المصحف أفضل من غيرها
يقول النووي: والقراءة في المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب.
القراءة في المصحف أي: أن تجلس وتقرأ في المصحف، فهذا أفضل من القراءة من الحفظ؛ لأنك في القراءة في المصحف تقرؤه بلسانك، وأيضاً توافق بنظرك ما تقرؤه.
وهو لا يقصد هذا في الصلاة؛ لأن القراءة من المصحف في الصلاة لم تكن معروفة عندهم؛ لأنهم كانوا حفاظاً متقنين، ولم تكن هذه عادة عندهم، وإنما جوزها من جوزها لفعل ذكوان لذلك، وقد كانت عادتهم أنهم يقرءون من غير المصحف في صلاة النافلة في التهجد وغيرها.
فكلام الإمام النووي هو في القراءة في غير الصلاة، فيقول: القراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب؛ لأنها تجمع القراءة والنظر في المصحف، وهو عبادة أخرى، وقد نص على ذلك جماعة من السلف، أي: على أنه يستحب أن يقرأ من المصحف، ولكن إذا كان الإنسان إذا قرأ عن ظهر قلب كان أخشع له فليفعل الأقرب له في الخشوع، وكل الأمر جائز، سواء قرأ من المصحف أو قرأ من حفظه، أو سمع على إنسان، أو عرض على إنسان فهذا يقرأ وهذا يكمل، كل هذا جائز.
стр. 263
جواز القراءة الجماعية
يقول ﵀: ولا كراهة في قراءة جماعة مجتمعين بل هي مستحبة.
مثل أن يجلس مجموعة في حلقة ويقرءون واحداً بعد الآخر، يقول: هذا مستحب، وهذا جائز، سواء كانوا سيقرءون بهذه الطريقة، أو بحسب ما يرى الشيخ الذي يحفظهم ويعلمهم، فيقرءون بأي طريقة من الطرق، مثل: أن يقرأ هو وهم يقرءون خلفه، أو مجموعة تقرأ ومجموعة تكمل، فهذا كله جائز إذا كان على سبيل التعليم.
стр. 264
آداب القراء في القراءة الجماعية
وإذا اجتمع القراء لقراءة القرآن فإن لهم آداباً كثيرة، ومنها آداب يقول النووي: أنه يتساهل في العادة فيها، ويتساهل القراء فيها:
стр. 265
اجتناب الضحك واللغط والعبث
فمن ذلك: أنهم مأمورون باجتناب الضحك واللغط والحديث في حال القراءة، إلا كلاماً يسيراً للضرورة، واجتناب العبث باليد وغيرها، واجتناب النظر إلى ما يلهي أو يبدد الذهن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وهذا أمر، والمفهوم منه: أنك لا تتلهى عن القرآن الذي جلست تستمع له.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
فهذا صنيع الكفار، فهم يأمرون بعضهم بعضاً ألا يسمعوا لهذا القرآن وأن يلغوا فيه أثناء قراءته، حتى لا يفهم أحد منه شيئاً، ولا يستوي المؤمنون مع الكافرين، فالمؤمن عندما يسمع القرآن فإنه يحترم كلام رب العالمين سبحانه، وينصت له ويستمع، ولا يلغو ولا يعبث ولا يضحك وهو يسمع كلام رب العالمين .
стр. 266
اجتناب النظر إلى المحرم
يقول الإمام النووي: وأقبح من ذلك النظر إلى ما يحرم، مثل: النظر إلى النساء، وإلى المردان.
ويجب على الحاضر في ذلك المجلس أن ينكر ما يراه من هذه المنكرات، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إلا أن تكون لطيفة من اللطائف تمر في أثناء القراءة أو شيئاً من ذلك، فيذكرها الشيخ المعلم حتى لا تبقى جلسة جافة، فلا مانع من ذلك في أثناء التعليم، أما أن تكون الجلسة جلسة مزاح فهذا لا يجوز أبداً في جلسة القرآن؛ لأنه مناف للاحترام والتوقير لكلام رب العالمين .
стр. 267
الجهر والإسرار بالقراءة يختلف باختلاف الأحوال
يقول: وجاءت في الصحيح أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث تقتضي الإسرار والإخفاء.
جاء عن رسول الله ﷺ : (أن الذي يجهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)، وعلمنا أن الأفضل في الصدقة هو ما قال الله فيها: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، أي: إن الأخير لكم والأفضل أن تخفوها.
وجاء عنه ﷺ أنه قال لـ أبي بكر: (ارفع من صوتك شيئاً)، وقال : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠].
إذاً: القراءة تختلف باختلاف الأحوال، فإذا خشي الرياء على نفسه، أو أن يزعج غيره فليخفض صوته بالقراءة، ويسمع نفسه فقط، وإذا كان في مجلس يسمعون لقراءته فليرفع صوته ويسمعهم، سواء كان في بيته أو في مسجده بحسب الحال، وقد نهى النبي ﷺ عن أن يشوش البعض على البعض الآخر.
ويسن تحسين الصوت بالقراءة، وقد قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن)، والقرآن لا يلحق به غيره، فلا يقال باستحباب تجويد الحديث، ولا يقال باستحباب تجويد الخطبة.
والمقصود بالتجويد هنا: التغني، فيتغنى أثناء القراءة، وأما في تكبيرة الإحرام والتسليم والدعاء فكل هذا غير مستحب، وإنما القرآن فقط هو الذي له هذه المزية، ولا يلحق به غيره.
стр. 268
استحباب الاستعاذة والبسملة والبدء من أول السورة وأول الكلام
يقول الإمام النووي: ينبغي للقارئ أن يبتدئ من أول السورة أو من أول الكلام المرتبط.
فإذا كان القارئ سيقرأ القرآن فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان في أول السورة فيقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويجوز إذا كان في نصف السورة أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويجوز أن يدخل في القراءة مباشرة، فإن كان يريد أن يقرأ من أول السورة فليقرأ، وإذا كان يريد أن يقرأ من نصف السورة فليهتم بأن يكون الكلام متصلاً لا منقطعاً عما قبله.
وكذلك إذا كان يصلي بالناس ووقف يريد الركوع والمعنى لم يكتمل، فليكمل بأن يقرأ آية أو آيتين أو ثلاث آيات، حتى يكمل ما كان يقول، وحتى يكون القرآن مفهوماً، وكذلك إذا بدأ في الركعة التي تليها فليبتدئ من أول الكلام المترابط، ويضرب لنا ﵀ أمثلة من ذلك، ومنها: قول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، فهذا بداية ربع حزب، فهنا حين يبدأ يقرأ القارئ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، فإن المستمع لن يفهم ما الذي يقصده هنا، وقد تقدم قبلها قول الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢].
إذاً: فهنا تحريم أنواع معينة من النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]، فهذا راجع لحكم كان قبل ذلك متقدماً وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فلا يجوز للقارئ أن يبتدئ بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤]؛ لأنه لم يعط الحكم الذي أراده الله سبحانه.
وتقسيم في المصحف إلى أعشار وإلى أرباع وإلى أحزاب لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ، إنما فُعل بعد ذلك في خلافة بني مروان، فعله الحجاج عندما أراد أن يسهل على الناس الحفظ، وصحيح أن هذا يسهل على الناس الحفظ، ويسهل عليهم المراجعة، وهذا جميل، ولكن الالتزام به والوقوف عليه وإن لم يكتمل المعنى من الخطأ، بل لابد من مراعاة اتصال المعنى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣]، فإنه إذا بدأ بقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:٥٣] فإنه لا يفهم المعنى المقصود من أن امرأة العزيز هي التي قالت ذلك، فلابد أن يقرأ ما قبلها من الآيات حتى يظهر معنى كلام الله في قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:٥٣].
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، وهذا بداية ربع حزب، فلا يبدأ بذلك، وإنما يبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٣٠] حتى يتضح المعنى في ذلك، ومثل هذا كثير.
стр. 269
الحالات التي تكره فيها قراءة القرآن
يقول النووي ﵀: تكره القراءة في أحوال، احتراماً للقرآن لا يقرأ فيها القرآن، أو أن الهيئة ليست هيئة قراءة القرآن، ومنها: حال الركوع والسجود والتشهد، فنحن في التشهد مأمورون بقراءة التشهد، وهو التحيات لله، والصلاة على النبي ﷺ فليس هذا مكان قراءة القرآن.
وكذلك الركوع والسجود المناسب لهما التسبيح وتعظيم الرب سبحانه؛ فلذلك نهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
إذاً: هيئة القيام هي الهيئة التي تليق بقراءة القرآن، فتقرأ وأنت قائم، وأما في الركوع والسجود فقد نهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن فيهما، إلا أن تتأول الآية في الدعاء، فتدعو بآية من الآيات، ولا تقصد التلاوة، وإنما تقصد الدعاء فيها.
كذلك يقول: لو كان فمه نجساً فيكره له أن يقرأ، كأن يسيل الدم من فمه، فإنه ينتظر حتى يقف الدم، ثم يقرأ القرآن وهو في حالة أحسن.
стр. 270
حكم قراءة القرآن ومس المصحف للمحدث حدثاً أصغر
يقول: أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر.
سواء تبول أو تغوط وأراد أن يقرأ من حفظه، وهنا فرق بين القراءة من حفظه وبين القراءة من المصحف.
فإذا أراد أن يمس المصحف فلابد أن يكون طاهراً، قال الله : ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، وهذا في اللوح المحفوظ، فاللوح الذي عنده في السماء ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، فالقياس ألا يمسه في الدنيا إلا المطهرون، وإن كان هذا لا يصلح دليلاً وحده، إنما الدليل في قول النبي ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر).
يقول: ولا يكره للمحدث قراءة القرآن في الحمام.
والحمام هنا: مكان الاستحمام، أي: المكان الذي يستحم فيه، وليس مكان النجاسة، فيقول: إذا كان يقرأ القرآن وهو يغتسل في مكان منفصل ليست فيه نجاسة، فلا يكره ذلك.
وإذا عرضت له ريح أثناء القراءة فإنه يقطع القراءة ثم يكمل بعد خروج ذلك.
стр. 271
تسليم القارئ على من مر به ورده للسلام
وإذا مر القارئ على قوم سلم عليهم، وكذلك لو مر به إنسان وألقى ﵇ فليقطع القراءة ويرد ﵇، ولا يوجد دليل على المنع من التسليم على القارئ، إلا أن يكون يصلي، فإن أكثر أهل العلم يكرهون أن تسلم على المصلي، والبعض منهم يجوز ذلك، ويقول: لأن النبي ﷺ : (كان يصلي فمر عليه بعض من أصحابه فألقى ﵇ فأشار بيده ﷺ .
وهذا صحيح أنه أشار بيده يرد السلام، ولكن لم يثبت عنه ﷺ أنه مر على أحد يصلي فسلم عليه.
وقد حدث أنه وقف يستمع لـ سالم مولى أبي حذيفة، ولم يلق ﵇، صلوات الله وسلامه عليه، واستمع لقراءة أبي بكر وهو يقرأ بالليل ولم يلق ﵇، واستمع لقراءة عمر ولم يلق ﵇، واستمع لقراءة بلال ولم يلق ﵇.
وفي اليوم الثاني قال للثلاثة: أنت كنت تقرأ كذا، وأنت كذا، وعلمهم ﷺ ما الذي يصنعونه.
ونادى على أبي سعيد بن المعلا وهو يصلي وقال: يا أبا سعيد! حتى يأتي إليه ليعلمه أعظم سورة في القرآن، وهي الفاتحة، فلم يخرج أبو سعيد من الصلاة إلى أن انتهى من الصلاة، فعلمه بعد ذلك، ولم يثبت أنه قال: السلام عليك يا أبا سعيد! ولذلك قال جابر بن عبد الله: لا أحب أن أسلم على أحد يصلي؛ لأن المصلي مشغول في صلاته، فلا تسلم عليه، ولكن لو ألقى عليّ أحد السلام لرددت عليه بيدي.
إذاً: لا تسلم على أحد يصلي حتى لا تشغله، إلا في مواطن: إذا كان الإنسان يصلي في غرفة وتريد أن تدخل عليه فتستأذن وتسلم حتى يعرف أنك موجود، فيأذن لك بالدخول، أو بعدم الدخول وهو يصلي.
ولو عطس إنسان وهو يقرأ القرآن فشمته آخر فيرد عليه بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، وكذلك إذا عطس إنسان فيستحب لهذا القارئ أن يقطع ويرد، وهذا في غير الصلاة.
стр. 272
ما ورد من الإجابة عند قراءة بعض الآيات
يقول: إذا قرأ قول الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]، يستحب أن يرد بقول: (بلى)، وليحذر أن يقول: (نعم)؛ لأن (نعم) كأنك تثبت النفي، ولكن (بلى) تنفي هذا النفي، وتثبت لله أنه أحكم الحاكمين سبحانه.
فالجواب: إذا كان يريد الإثبات أن يقول: (بلى) إذا كان الاستفهام منفياً، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، تقول: (بلى).
وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١] قال: الحمد لله، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] قال: الله أكبر كبيراً، وكذلك إذا قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] صلوات الله وسلامه عليه، فيستحب أن يقول: ﷺ تسليماً، كما أمر الله .
وهذا إذا كان في غير الصلاة، فإن الكل متفقون على ذلك، وإذا كان في الصلاة: فقد فرق البعض بين صلاة النافلة وصلاة الفريضة، فقال: في صلاة الفريضة لا تقل شيئاً وقل بعد الصلاة، وفي صلاة النافلة قل ذلك، واختار الإمام النووي: أنه لا فرق بين النافلة والفريضة، وهذا أقرب إذا لم يكن سيشغل المصلي عن الخشوع في الصلاة والتدبر فيها، فيقول ذلك مختصراً.
стр. 273
أوقات قراءة القرآن المختارة
أفضل أوقات قراءة القرآن ما كان في الصلاة، فإذا كان الإنسان يقوم من الليل ويجلس يفتح المصحف ويقرأ فأفضل منه أن يصلي، فيفتح المصحف ويصلي إذا كان لا يحفظ، ويقرأ من كتاب الله ، فيجمع بين الفضيلتين: الصلاة، وقراءة القرآن.
وقد كانت صلاة النبي ﷺ متقاربة: فقيامه كركوعه وكسجوده، ولكن إذا كان الاختيار لك أيهما تطيل فيه؟ فطول القراءة فإنها أعظم وأفضل؛ لأن الله قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، أي: خاشعين تقرءون من كتاب الله فتطيلون كذلك.
وقد سئل النبي ﷺ : (أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت)، بمعنى: طول القراءة.
يقول الإمام النووي ﵀: وأفضل الأوقات الليل، والنصف الأخير أفضل، والقراءة بين المغرب والعشاء، وقد كانوا يعتبرون بين المغرب والعشاء من قيام الليل، والصحابة كانوا يعتبرون ذلك، ويختار من الأيام يوم عرفة، وكذلك يوم الجمعة، ويوم الإثنين والخميس، فإن فيها ترفع الأعمال إلى الله ، وكذلك العشر الأواخر من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة.
стр. 274
آداب ختم القرآن
من آداب ختم القرآن: أنه يستحب إذا ختمت أن تبدأ من جديد، ويقول النووي: أن يكون في أول الليل أو في أول النهار، وهذا بحسب ما تيسر له إن قرأ وحده، قال: والختم في الصلاة أفضل.
أي: إذا كان لك ورد تقرؤه من القرآن وقد وصلت إلى أن تختم القرآن، فاختمه وأنت تصلي، فإن هذا أفضل.
واستحب السلف صيام يوم الختم، وحضور مجلسه، يعني: إذا كان إنسان سيختم في يوم استحبوا له أن يصوم في هذا اليوم؛ ليكون أقرب في إجابة الدعاء إذا ختم.
وقالوا: يستجاب الدعاء عند الختم، وتنزل الرحمة عند ختم القرآن، وكان أنس بن مالك ﵁ إذا أراد الختم جمع أهله وختم ودعا، وهذا من فعل الصحابي، وليس وارداً عن النبي ﷺ ، وإنما كانوا يقولون: هذا من فعل السلف رضوان الله عليهم، ومنهم أنس بن مالك، وهذا رواه عنه الدارمي وسعيد بن منصور بإسناد صحيح: أنه كان إذا أراد الختم يجمع أهله وأولاده ويختم؛ حتى تنزل الرحمة والبركة على الجميع، وحتى إذا دعا كان الدعاء لهم جميعاً.
وقد استحبوا الدعاء بعد الختم استحباباً متأكداً، فقد قال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن وسلوا الله به قبل أن يأتي أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس)، فقراءة القرآن عمل صالح، فتسأل الله بأعمالك الصالحة أن يستجيب لك، وادع بما شئت في ذلك.
قال: ويدعو بالمهمات، ويكثر من ذلك، وفي صلاح المسلمين، وادع بأعظم الأشياء، وهو صلاح حال المسلمين، وصلاح حال بلاد المسلمين، وادع بالرحمة للأحياء والأموات، والدعاء العام من أجمل ما يكون.
قال: وصلاح ولاة أمورهم، ويختار الدعوات الجامعات، واستحبوا إذا ختم أن يشرع في ختمة أخرى، والله أعلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 275
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - آداب قراءة القرآن [٣]
لقراءة القرآن آداب لابد لقارئ القرآن أن يتحلى بها؛ إذ إنه وحي الله المنزل من السماء، وكذلك على حافظ كتاب الله أن يتحلى بآدابه، ويأتمر بأوامره، وينزجر عن نواهيه، تعظيماً وتوقيراً له، ومما ينبغي على المسلم أن يحافظ على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، متقرباً بذلك إلى ربه جل وعلا.
стр. 276
حث قارئ القرآن على الترفع عن سؤال الناس
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: روى الإمام الترمذي من حديث عمران بن حصين ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس).
هذا الحديث عن النبي ﷺ يدفع المؤمن إلى أن يقرأ القرآن يبتغي به الفضل من الله سبحانه، ويبتغي الثواب في قراءته وحفظه للقرآن، ويخلص لله سبحانه، ويتفهم ويتدبر ما جاء في القرآن من آيات بينات.
وقد ذكر الإمام الترمذي أن عمران بن حصين مرّ على قارئ يقرأ القرآن، فاجتمع الناس حوله يستمعون للقرآن، فلما انتهى سألهم؛ فقد جمع الناس ثم مد يده يسألهم، فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به)، فالقرآن أعظم من أن يقرأه الإنسان ليمد به يده إلى الناس، ولكن إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله، قال: (فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس)، أي: يحفظ أحدهم القرآن ثم يقرأ على الناس ليعطيه الناس، ولا يسأل به الله .
стр. 277
آداب حامل القرآن
فالقرآن عظيم، ولذلك ينبغي على المؤمن الذي يحفظ القرآن أن يكون متأدباً بآداب القرآن، فعندما نقول: يحفظ القرآن، لا يشترط أن يحفظ جميع القرآن، ولكن حتى ولو كان يحفظ بعض سور القرآن فليظهر أثر القرآن على المؤمن الذي يحفظه، ولذلك قال العلماء في آداب حامل القرآن: ليكن حامل القرآن على أكمل الأحوال، وأكمل الشمائل وأكرمها، ويرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه، ويرتفع عن الصغائر، وعن أن يقع في مطامع الدنيا، وكل ما نهى عنه الله فليتجنبه؛ لأنه يحفظ القرآن، ويعمل بما فيه، ويتصون عن دنيء الكسب، ولا تكن حياته بالكسب الدنيء، طامعاً فيما في أيدي الناس، ولا يمد يده ليأخذ أموال الناس موهماً أنه يعمل وهو لا يعمل شيئاً، وإنما يأكل أموال الناس بالباطل، فيرفع نفسه عن دنيء المكاسب، وليكن شريف النفس عفيفها.
فالقرآن عزيز، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١]، وقارئ القرآن يجعل الله له العزة لو أنه تعزز بربه وبكتاب ربه، وتعزز باتباع نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ورفع نفسه عن أن ينظر إلى ما في أيدي الناس، فقد يكون فقيراً، ولكن مع فقره يستشعر الغنى في قلبه، فلا يمد يده إلى أحد من الناس، ولا يطلب من أحد أو يسأل أحداً بلسانه شيئاً لنفسه، وإنما هو متصون ومتعفف؛ لأنه يحفظ القرآن.
قال الإمام النووي: وليكن متواضعاً للصالحين، وضعفة المسلمين، متخشعاً، ذا سكينة ووقار.
وإذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت متواضع أم لا؟ فانظر لنفسك حين تخاطب الإنسان الفقير والمسكين، والذي هو أقل منك وصاحب الحاجة، وصاحب العاهة المريض، فحين تخاطب هذا الإنسان وترى فضل الله عليك في أنه شفاك مما ابتلى به هذا، وتحنّ عليه، وترحمه وتشفق عليه، وتستمع لحاجته، فهذا هو التواضع، فالتواضع للخلق هو: أن يظهر تواضعك مع من هو دونك من الخلق، وليس مع من هو أعلى منك؛ لأن الذي هو أعلى منك إما أن تتواضع له اختياراً، وإما أن يجبرك على ذلك؛ لأنك لا تقدر أن تترفع عليه، ولن يقبل منك، ولكن التواضع الحقيقي: هو أن تتواضع لمن هو أقل منك، وتحمد ربك سبحانه على ما أعطاك من فضله.
قال الحسن البصري ﵀: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار، فالقرآن كتاب رب العالمين، والرسول اسمه رسول لأنه جاء برسالة صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الرسالة ليست له وحده، وإنما للأمة جميعها، فينبغي على الأمة أن يقرءوا هذه الرسالة، ويتمعنوا فيها، ويتدبروا معانيها، وينفذوها، فيسهرون الليل يقرءونها، وبالنهار يعملون بما فيها.
كما قال الحسن البصري ﵀: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار، رضوان الله ﵎ عليهم.
ويقول الفضيل بن عياض ﵀: حامل القرآن حامل راية الإسلام، ينبغي ألا يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يغلو؛ تعظيماً لحق القرآن.
أي: أن الحافظ للقرآن والذي يحبه ويتعلمه ويحفظ منه شيئاً فليظهر أثره عليه.
والقرآن تعلمه الصحابة بالصورة التي ذكرناها، فحفظوا القرآن خلال سنوات، وأخذوا القرآن بالعمل والحفظ والمذاكرة والإتقان، والتعليم لهذا القرآن العظيم، فينبغي لحافظ القرآن ألا يلهو مع من يلهو، فلا تكن حياته كلها لهواً، ولا يسهو مع من يسهو، والناس يغفلون عن كتاب الله وعن هدي النبي ﷺ ، ويغفلون عن الأحكام، ويتغافلون عن صلواتهم، أما حافظ القرآن فلا يغفل، وإنما يعرف: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ويعرف حق الله في كل وقت، ويؤدي حق الله.
وليس معنى ذلك: أنه لا يضحك ولا يتبسم، ولكن ليكن كل شيء باعتدال وحدود، فيضحك وقت الضحك على ما يكون، ولا يستفيض في ذلك، فقد كان النبي ﷺ لا يرى ضاحكاً حتى تبدو لهواته، صلوات الله وسلامه عليه، وإنما كان يتبسم ﵊.
ولا يلغو مع من يلغو، فحافظ القرآن قد شرفه الله بأن جعل في جوفه القرآن العظيم، كلام رب العالمين، فلا يجلس في مجلس نكت أو مزاح أو غيبة أو نميمة أو وقيعة في أعراض الناس ويسمع لهذا الكلام، وإنما يقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يضيع ما يحفظ بمثل ذلك.
وكذلك لا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيماً لحق القرآن، بل يحافظ على ما يحفظ من القرآن بالمراجعة، وبكثرة المذاكرة، وخاصة بالليل، فوقت الليل وقت سكون وخشوع وتدبر، فينبغي على قارئ القرآن أن يهتم به في كل وقت، وخاصة بالليل.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (إن في الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء، وذلك كل ليلة)، فإذا كان يقرأ القرآن فيها فلعل الله يعطيه ما يسأله ويطلبه.
وليحذر من نسيان القرآن، فإذا كنت تحفظ القرآن وتفلت منك شيء فراجعه قبل أن تحفظ شيئاً جديداً، فإنه مصيبة أن يتفلت منك ما تحفظه من القرآن، قال النبي ﷺ : (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفصياً -أي: تفلتاً- من الإبل في عقلها)، أي: من الجمل إذا كان مربوطاً في عقاله فإنه يحاول أن يفلت من العقال، فإذا كان مربوطاً ربطاً محكماً فإنه لا يقدر على أن يفلت، وإذا كان مربوطاً ربطاً خفيفاً فإنه يشد نفسه ويفلت، وكذلك القرآن، فلا تغتر بحفظك، بل راجع القرآن دائماً، حتى لا تنسى كتاب الله ؛ لأن القرآن عظيم، فهو كتاب رب العالمين، إن صنته صانك، وإن تركته تركك، والقرآن عزيز لا يحتاج إليك، بل أنت الذي تحتاج إليه، فكلما أقبلت عليه أقبل عليك، وكلما تهاونت به وتركته تركك، فهو كتاب عزيز: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
وللناس أدب مع القرآن كما يقول العلماء، وقد قال الله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فالإنسان الذي يعظم دين الله سبحانه وحدوده، وكتاب الله سبحانه، فيعمل بذلك، ويحترم هذا القرآن العظيم، ويوقره وينزله المنزلة التي يستحقها، فهذا دليل على وجود التقوى في قلب هذا الإنسان المؤمن.
стр. 278
الأمر بالنصيحة لكتاب الله تعالى
جاء في صحيح مسلم عن تميم الداري قال: قال النبي ﷺ : (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
والنصيحة: أن تنصح لله، ابتغاء وجه الله سبحانه، وأن تخلص دينك من شوائب الشرك والرياء والنفاق والمعاصي، فيكون الدين لله خالصاً، كما يقال: نصحت العسل، أي: نقيته من الشوائب وصفيته، فالنصيحة لله، أي: أن تخلص لله .
وكذلك تنصح لكتاب الله سبحانه، بأن تؤمن إيماناً صادقاً بكتاب الله سبحانه، وتؤمن أنه نزل من عند الله رب العالمين، وأنه نزل بالحق، وأنه ينبغي عليك أن تتعلمه وتحفظ منه وتعمل به، وتؤمن بأنه نزل شريعة ومنهاجاً للخلق، وبأنه كتاب حق، نزل حقاً من السماء، ونزل مشتملاً على الحق شريعة ومنهاجاً للحياة، وتؤمن بأن الخلائق لا يقدرون على أن يأتوا بشيء من مثله، كما ذكر الله سبحانه، وأنه كتاب معجز، وأنه ينبغي عليك أن تتلوه وتتدبره حق التلاوة وحق التدبر، وأن تعتبر بما فيه، وأن تتعظ بالحكم التي فيه، وكذلك تعلم الناس أحكامه، وتدعو إليه، وتنشر علومه، فهذا من النصح لكتاب الله .
ويحرم الجدال في القرآن، فليس القرآن محلاً للجدال، وإنما إذا اختلف شخصان في شيء منه فالواجب عليهم أن يردوا العلم إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ، وإلى أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، فما قالوه يوقف عنده.
стр. 279
كراهة قول: نَسيتُ آية كذا
يكره للمسلم أن يقول: نَسِيتُ آية كذا، فهذا لا ينبغي، ولكن إذا قال فليقل: نُسِّيت، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، وأما أن قول: نسيت، فإن هذا تقليد لأهل النار، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
فلا ينبغي لمؤمن أن يقول: نَسِيتُ؛ ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت)؛ لأنه يقلد أهل النار حين يقال لهم: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦]، وإنما يقول المؤمن: (نُسّيت كذا)، أي: غلبت على ذلك، وليس ذلك باختياري، ولكن رغماً عني، وألهاني عنه الشيطان فوقعت في ذلك.
стр. 280
الرقية بالقرآن
يجوز أن يقرأ المؤمن القرآن ليرقي به نفسه، ويرقي به غيره، ولكن لا تكون له عادة، فإن هذا يخشى على صاحبه من أن يظن أن فلاناً هو الذي شفاه، وأنه فيه البركة، وينسى الله ؛ فإن القرآن كتاب عظيم، والذي يقرؤه فلان هو الذي تقرؤه أنت، فارق نفسك بنفسك، وقد جاء عن النبي ﷺ في صفة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون).
فقوله: (لا يسترقون) أي: لا يطلبون من غيرهم رقية، والرقية جائزة، ولكن هؤلاء أحسنوا وأخلصوا التوكل على الله ، فلم يطلبوا من أحد شيئاً، وإنما طلبوا من الله وحده لا شريك له، وكذا المؤمن لابد أن تكون ثقته في الله، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ [الشعراء:٧٨]، وهو الله سبحانه، ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢].
إذاً: الله سبحانه الذي ابتلى هو القادر على أن يشفي، فإذا رقيت فارق نفسك بكتاب الله وبأحاديث النبي ﷺ ، وبما فيها من الدعاء، فإنه يجوز لك ذلك، كما هو معلوم من سنة النبي ﷺ ، بآيات وسور مخصوصة أو مستحبة، يقرؤها المسلم، ويواظب عليها، أو يحفظها، ومن ذلك: سورة البقرة، وسورة آل عمران، فهاتان السورتان من أعظم ما في كتاب الله ، فإنهما يأتيان يوم القيامة يظلان أصحابهما.
فلذلك ينبغي على المؤمن أن يحاول ما استطاع أن يحفظ هاتين السورتين العظيمتين: سورة البقرة وسورة آل عمران، فإنهما لو لم يكن فيهما إلا هذا الفضل فقط -وهو أنهما يظلان صاحبهما في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة- لكفاهما فضلاً، وليس فيهما هذا فحسب، بل إنهما أيضاً يشفعان لك عند الله ، فيشفعان لصاحبهما، وقد جاء في الحديث: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار)، والعياذ بالله! فهذا القرآن شافع مشفع، أي: يأتي يشفع يوم القيامة، وتقبل شفاعته عند الله .
(ماحل مصدق)، أي: يتمحل لصاحبه، ويجادل عنه أعظم الجدل يوم القيامة حتى ينجو.
ومن أعظم ما تحفظه سورة الفاتحة، وسورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وسورة البقرة وآل عمران.
стр. 281
ما ورد من قراءته ﷺ بسور وآيات مخصوصة في صلوات وأوقات مخصوصة
يستحب القراءة بسورة الجمعة وسورة المنافقين في صلاة الجمعة، فقد كان النبي ﷺ يقرأ بهما، وكان أحياناً يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، وكذلك في صلاة العيد كان يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، وكان يقرأ أحياناً بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١].
وكان يقرأ في صلاة الفجر من يوم الجمعة بسورة السجدة وسورة الإنسان، وكان له ﷺ سور يقرؤها في أوقات مخصوصة، فنلتزم بما كان يفعله ﷺ على وجه الاستحباب، وإن جاز أن يقرأ بغير ذلك بحسب ما يطيق الناس، وبما لا يشق على الناس.
وكذلك يحفظ سورة يس، والواقعة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، وسورة الرحمن، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وآية الكرسي، وسورة الكهف، ويقرؤها في يوم الجمعة وليلة الجمعة، ويقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] كل ليلة، فهي المنجية من عذاب القبر، كما جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن رجلاً كان يقرؤها فدافعت عنه في قبره حتى نجا من عذاب القبر.
فعلى المؤمن أن يحرص على أن يقرأ سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] في كل ليلة، وكذلك يقرأ الآيتين من آخر البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخرها.
ويقرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، فقد جاء عن النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، فاحرص على قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة، ولا تنشغل عنها، ولا يشغلك أحد عن قراءتها عقب الصلاة، ولا عن التسبيح عقب الصلاة؛ لأنهن معقبات لا يخيب قائلهن، وإذا صلى الإنسان صلاة الجماعة وقرأ آية الكرسي ثم مات بعدها فهذا من المبشرات، ويجعله الله من أهل الجنة.
وكذلك يقرأ عند المريض بفاتحة الكتاب، ويرقي بها المريض كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري.
ويقرأ عند المحتضر سورة (يس)، فقد روى الإمام أحمد ﵀ بإسناد رجاله ثقات عن المشيخة: (أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ حين اشتد سوقه، فقال: هل منكم أحد يقرأ (يس)؟ فقرأها أحد منهم وهو صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين منها قبض).
فكان المشايخ يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها، وهؤلاء المشايخ وإن كانوا مجهولين ولكنهم كانوا من التابعين، والتابعون كان يقل فيهم الكذب والبعد عن الصحيح من حديث النبي ﷺ ، وقد قال الألباني عن هذا الحديث: إسناده صحيح، وإن كان هؤلاء المشايخ لم يسموا، ولكن جهالتهم تنجبر بكثرتهم، ولاسيما أنهم من التابعين، فصح الحديث بذلك عن غضيف بن الحارث.
فهذه السورة الجميلة العظيمة سورة يس تقرأ عند المحتضر، ولم يرد أنها تقرأ عند المقابر، وإنما تقرأ عند الذي يموت، قالوا: لأنها تسهل عليه خروج روحه.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 282
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الاعتكاف وأحكامه [١]
إن من أعظم السنن المؤكدة والتي كان النبي الكريم ﵊ يحرص عليها: الاعتكاف، ويحرص المسلم فيه خصوصاً على عكوف القلب والجوارح على طاعة الله جل في علاه، وللاعتكاف أحكام وآداب ينبغي على كل من أراد فعل هذه السنة العظيمة أن يتعلمها ليعمل بها.
стр. 283
تعريف الاعتكاف وحكمه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
الاعتكاف: هو اللبث والحبس والملازمة لبيت الله ، يقول الإمام الشافعي الاعتكاف معناه: لزوم المرء شيئاً وحبس نفسه عليه براً كان أو إثماً.
فهذا معناه اللغوي، فالإنسان إذا حبس نفسه على عمل معين والتزمه فهذا اسمه اعتكاف، عكف على كذا، أي التزمه.
ومنه قول إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] أي: ملازمون لعبادتها، وحابسون أنفسكم عن غيرها.
قال تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] أي: ملازمون على عباده الأصنام من دون الله .
وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، إذا انعكف على الشيء، بمعنى: التزم الشيء وحبس نفسه عليه.
وسمي الاعتكاف اعتكافاً؛ لأنك تحبس نفسك في بيت الله ، وتلازم بيت الله سبحانه للعبادة في وقت معين من السنة، أو في وقت معين من شهر رمضان.
ويسمى الاعتكاف: اعتكافاً وجواراً، فيصح أن يقال: معتكف أو مجاور لبيت الله.
وجاء عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يدني إلي رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا حائض فأرجله) أي: تغسل وتسرح شعره ﵊ وهي حائض، وهذا فيه: بيان جواز أن تمس المرأة الحائض زوجها حتى وإن كان معتكفاً، فيجوز لها أن ترجل شعره، وقد كانت غرفة النبي ﷺ بابها إلى مسجده ﷺ ، فكان يقف على باب غرفته ﷺ ويدني رأسه فتغسل له رأسه، وترجل شعره صلوات الله وسلامه عليه.
ولعل في تسمية الاعتكاف مجاورة أنه: مجاورة لبيت الله سبحانه، وفيه معنى الجوار وهو الحماية، فأنت في بيت الله تنتظر فضل الله عليك سبحانه، وفي حمايته ملازم لبيته ، فالذي يجاور يرجو من الله الحماية والرعاية والعناية والنصر والتأييد والفضل والكرم.
المعنى الشرعي للاعتكاف: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص، بنية مخصوصة، واللبث: هو المكث في المسجد، من شخص مخصوص: وهو المسلم البالغ العاقل أو المميز، وإذا كانت مسلمة فتكون طاهرة من الحيض ومن النفاس.
فهو الإنسان الطاهر الذي يلازم المسجد، وأما الجنب فلا يجوز أن يمكث في المسجد، وعليه أن يغتسل ثم يأتي إلى بيت الله سبحانه.
والاعتكاف سنة، ولا يجب إلا بالنذر، فإذا نذر المسلم أن يعتكف وجب عليه، وأما إذا لم يوجد نذر فهو سنة.
قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فالذي ينذر نذراً فيه طاعة لله فليفعل.
ويستحب الإكثار من الاعتكاف، وليس في رمضان فقط بل يستحب في أي وقت من السنة، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان، فقد كان يواظب عليه النبي ﷺ بحسب ما يتيسر له، فكان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، والغرض من الاعتكاف الحرص على ألا تفوته ليلة القدر.
جاء في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية، والقضاعي في مسند الشهاب عن أبي عثمان قال: كتب سلمان إلى أبي الدرداء: يا أخي! عليك بالمسجد فالزمه فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (المسجد بيت كل تقي) أي: أن لزوم المسجد دليل على تقوى العبد، فالذي يلازم بيت الله سبحانه سواء في اعتكاف أو في غير اعتكاف، ويكثر من تواجده في بيت الله سبحانه، فيجلس ما بين الصلاة إلى الصلاة، ويحرص على حضور حلقات العلم، ويحضر مع الناس صلوات الجماعة والنافلة من تراويح ونحوها، فهذا من ضمن الأشياء التي يلتزم بها المسلم ليكون ملازماً لبيت الله.
стр. 284
تأكد سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان
جاء في لفظ لحديث عائشة في البخاري قالت: (إن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فيجوز الاعتكاف للرجال وللنساء.
وقال في حديث عند أحمد: (التمسوها في العشر الأواخر) يعني: ليلة القدر.
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁: (كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام) أي: يراجع القرآن كله من ساعة ما بعث إلى موته، فكل سنة في رمضان يراجع القرآن، ولهذا قلنا: إنه يستحب أن يختم القرآن مرة في صلاة التراويح في رمضان، ويستحب للمسلم أن يختم القرآن أكثر من مرة في رمضان بحسب قدرته، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وكان جبريل يأتي النبي ﷺ في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن، والعرض: هو قراءة التلميذ على الشيخ، فيقرأ التلميذ والشيخ يسمع، فيصحح للتلميذ، والعكس فالشيخ يقرأ ليصحح للتلميذ فكان جبريل يعارض مع النبي ﷺ ، في كل سنة في رمضان إلى آخر حياة النبي ﷺ ، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قبض فيه.
وقرأ جبريل مع النبي ﷺ القرآن كله على هذا الترتيب الحالي الذي بين أيدينا، فأتم الله نوره، ولا يمنع ذلك أنه نزل بعد ذلك آيات كقوله تعالى:: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فكان يقول له: ضعها في المكان الفلاني.
وفي العام الأخير من حياته ﷺ اعتكف عشرين يوماً، وكان كل سنة يعتكف عشرة أيام.
стр. 285
استحباب قضاء الاعتكاف لمن فاته
يستحب لمن فاته الاعتكاف أن يقضيه، فإذا فاته في رمضان يستحب أن يقضيه في شوال كما فعل النبي ﷺ ذلك مرة، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة ﵂ فأذن لها)، فالنبي ﷺ ذكر لنسائه أنه سيعتكف في الأيام الآتية من رمضان وهي العشر الأواخر، فاستأذنت عائشة ﵂ أن تعتكف هي أيضاً فأذن لها، (وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها النبي ﷺ فأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها من غير إذن) والبناء: هي خيمة ينصبها المعتكف ليختلي بنفسه.
وكأن نساء النبي ﷺ يتسابقن إلى الطاعة والخير، وإلى حب النبي ﷺ والقرب من النبي ﷺ .
وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فكان إذا صلى بالناس صلاة ذهب إلى خيمته في المسجد، وكان يحجز له مكاناً ليصلي فيها في الليل ﷺ ، فكان يصلي الليل كله، ثم يصلي بالناس الفجر، ثم ينصرف إلى مكانه، فلما انصرف ﷺ إلى خبائه وجد عدداً من الأخبيه، فسأل عن أصحابها فقالوا: هذا بناء عائشة، وحفصة، وزينب، فقال رسول الله ﷺ : (آلبر أردن؟ ما أنا بمعتكف).
فلم يعتكف في هذا فرجع صلوات الله وسلامه عليه فأمر في بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، ثم اعتكف في العشر الأول من شوال، فعوض وقضى ذلك، وقد فعل ذلك لأنه خشي أن تتغير النية من اعتكاف زوجاته، وعلم بذلك أزواجه أمهات المؤمنين أن الأصل في الأمر العبادة.
وأمر النبي ﷺ بالأخبية كلها فقوضت ولم يعتكف في رمضان، وعوض ذلك في العشر الأول من شوال، وهذا يعني أن النبي ﷺ اعتكف العيد ولم يصمه، وهذا فيه دلالة أن الاعتكاف في المسجد في غير رمضان لا يشترط فيه الصيام.
فإذا كان الإنسان مريضاً في رمضان وهو معتكف وأراد أن يكمل اعتكافه، وأفطر في رمضان بسبب مرضه وهو معتكف، فيجوز له أن يواصل الاعتكاف، فلا تعلق للاعتكاف بكونه صائماً أو مفطراً.
следующие страницы →