← Фикх общий

Фикх общий · id 36977

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (387 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ما ورد من قراءته ﷺ بسور وآيات مخصوصة في صلوات وأوقات مخصوصة يستحب القراءة بسورة الجمعة وسورة المنافقين في صلاة الجمعة، فقد كان النبي ﷺ يقرأ بهما، وكان أحياناً يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، وكذلك في صلاة العيد كان يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وسورة الغاشية، وكان يقرأ أحياناً بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]. وكان يقرأ في صلاة الفجر من يوم الجمعة بسورة السجدة وسورة الإنسان، وكان له ﷺ سور يقرؤها في أوقات مخصوصة، فنلتزم بما كان يفعله ﷺ على وجه الاستحباب، وإن جاز أن يقرأ بغير ذلك بحسب ما يطيق الناس، وبما لا يشق على الناس. وكذلك يحفظ سورة يس، والواقعة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، وسورة الرحمن، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وآية الكرسي، وسورة الكهف، ويقرؤها في يوم الجمعة وليلة الجمعة، ويقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] كل ليلة، فهي المنجية من عذاب القبر، كما جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن رجلاً كان يقرؤها فدافعت عنه في قبره حتى نجا من عذاب القبر. فعلى المؤمن أن يحرص على أن يقرأ سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] في كل ليلة، وكذلك يقرأ الآيتين من آخر البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخرها. ويقرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، فقد جاء عن النبي ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، فاحرص على قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة، ولا تنشغل عنها، ولا يشغلك أحد عن قراءتها عقب الصلاة، ولا عن التسبيح عقب الصلاة؛ لأنهن معقبات لا يخيب قائلهن، وإذا صلى الإنسان صلاة الجماعة وقرأ آية الكرسي ثم مات بعدها فهذا من المبشرات، ويجعله الله من أهل الجنة. وكذلك يقرأ عند المريض بفاتحة الكتاب، ويرقي بها المريض كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري. ويقرأ عند المحتضر سورة (يس)، فقد روى الإمام أحمد ﵀ بإسناد رجاله ثقات عن المشيخة: (أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي ﵁ حين اشتد سوقه، فقال: هل منكم أحد يقرأ (يس)؟ فقرأها أحد منهم وهو صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين منها قبض). فكان المشايخ يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها، وهؤلاء المشايخ وإن كانوا مجهولين ولكنهم كانوا من التابعين، والتابعون كان يقل فيهم الكذب والبعد عن الصحيح من حديث النبي ﷺ ، وقد قال الألباني عن هذا الحديث: إسناده صحيح، وإن كان هؤلاء المشايخ لم يسموا، ولكن جهالتهم تنجبر بكثرتهم، ولاسيما أنهم من التابعين، فصح الحديث بذلك عن غضيف بن الحارث. فهذه السورة الجميلة العظيمة سورة يس تقرأ عند المحتضر، ولم يرد أنها تقرأ عند المقابر، وإنما تقرأ عند الذي يموت، قالوا: لأنها تسهل عليه خروج روحه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 282

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الاعتكاف وأحكامه [١] إن من أعظم السنن المؤكدة والتي كان النبي الكريم ﵊ يحرص عليها: الاعتكاف، ويحرص المسلم فيه خصوصاً على عكوف القلب والجوارح على طاعة الله جل في علاه، وللاعتكاف أحكام وآداب ينبغي على كل من أراد فعل هذه السنة العظيمة أن يتعلمها ليعمل بها.

стр. 283

تعريف الاعتكاف وحكمه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. الاعتكاف: هو اللبث والحبس والملازمة لبيت الله ، يقول الإمام الشافعي الاعتكاف معناه: لزوم المرء شيئاً وحبس نفسه عليه براً كان أو إثماً. فهذا معناه اللغوي، فالإنسان إذا حبس نفسه على عمل معين والتزمه فهذا اسمه اعتكاف، عكف على كذا، أي التزمه. ومنه قول إبراهيم ﵊ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] أي: ملازمون لعبادتها، وحابسون أنفسكم عن غيرها. قال تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] أي: ملازمون على عباده الأصنام من دون الله . وقال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، إذا انعكف على الشيء، بمعنى: التزم الشيء وحبس نفسه عليه. وسمي الاعتكاف اعتكافاً؛ لأنك تحبس نفسك في بيت الله ، وتلازم بيت الله سبحانه للعبادة في وقت معين من السنة، أو في وقت معين من شهر رمضان. ويسمى الاعتكاف: اعتكافاً وجواراً، فيصح أن يقال: معتكف أو مجاور لبيت الله. وجاء عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يدني إلي رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا حائض فأرجله) أي: تغسل وتسرح شعره ﵊ وهي حائض، وهذا فيه: بيان جواز أن تمس المرأة الحائض زوجها حتى وإن كان معتكفاً، فيجوز لها أن ترجل شعره، وقد كانت غرفة النبي ﷺ بابها إلى مسجده ﷺ ، فكان يقف على باب غرفته ﷺ ويدني رأسه فتغسل له رأسه، وترجل شعره صلوات الله وسلامه عليه. ولعل في تسمية الاعتكاف مجاورة أنه: مجاورة لبيت الله سبحانه، وفيه معنى الجوار وهو الحماية، فأنت في بيت الله تنتظر فضل الله عليك سبحانه، وفي حمايته ملازم لبيته ، فالذي يجاور يرجو من الله الحماية والرعاية والعناية والنصر والتأييد والفضل والكرم. المعنى الشرعي للاعتكاف: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص، بنية مخصوصة، واللبث: هو المكث في المسجد، من شخص مخصوص: وهو المسلم البالغ العاقل أو المميز، وإذا كانت مسلمة فتكون طاهرة من الحيض ومن النفاس. فهو الإنسان الطاهر الذي يلازم المسجد، وأما الجنب فلا يجوز أن يمكث في المسجد، وعليه أن يغتسل ثم يأتي إلى بيت الله سبحانه. والاعتكاف سنة، ولا يجب إلا بالنذر، فإذا نذر المسلم أن يعتكف وجب عليه، وأما إذا لم يوجد نذر فهو سنة. قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فالذي ينذر نذراً فيه طاعة لله فليفعل. ويستحب الإكثار من الاعتكاف، وليس في رمضان فقط بل يستحب في أي وقت من السنة، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان، فقد كان يواظب عليه النبي ﷺ بحسب ما يتيسر له، فكان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، والغرض من الاعتكاف الحرص على ألا تفوته ليلة القدر. جاء في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية، والقضاعي في مسند الشهاب عن أبي عثمان قال: كتب سلمان إلى أبي الدرداء: يا أخي! عليك بالمسجد فالزمه فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (المسجد بيت كل تقي) أي: أن لزوم المسجد دليل على تقوى العبد، فالذي يلازم بيت الله سبحانه سواء في اعتكاف أو في غير اعتكاف، ويكثر من تواجده في بيت الله سبحانه، فيجلس ما بين الصلاة إلى الصلاة، ويحرص على حضور حلقات العلم، ويحضر مع الناس صلوات الجماعة والنافلة من تراويح ونحوها، فهذا من ضمن الأشياء التي يلتزم بها المسلم ليكون ملازماً لبيت الله.

стр. 284

تأكد سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان جاء في لفظ لحديث عائشة في البخاري قالت: (إن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فيجوز الاعتكاف للرجال وللنساء. وقال في حديث عند أحمد: (التمسوها في العشر الأواخر) يعني: ليلة القدر. وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁: (كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام) أي: يراجع القرآن كله من ساعة ما بعث إلى موته، فكل سنة في رمضان يراجع القرآن، ولهذا قلنا: إنه يستحب أن يختم القرآن مرة في صلاة التراويح في رمضان، ويستحب للمسلم أن يختم القرآن أكثر من مرة في رمضان بحسب قدرته، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وكان جبريل يأتي النبي ﷺ في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن، والعرض: هو قراءة التلميذ على الشيخ، فيقرأ التلميذ والشيخ يسمع، فيصحح للتلميذ، والعكس فالشيخ يقرأ ليصحح للتلميذ فكان جبريل يعارض مع النبي ﷺ ، في كل سنة في رمضان إلى آخر حياة النبي ﷺ ، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قبض فيه. وقرأ جبريل مع النبي ﷺ القرآن كله على هذا الترتيب الحالي الذي بين أيدينا، فأتم الله نوره، ولا يمنع ذلك أنه نزل بعد ذلك آيات كقوله تعالى:: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فكان يقول له: ضعها في المكان الفلاني. وفي العام الأخير من حياته ﷺ اعتكف عشرين يوماً، وكان كل سنة يعتكف عشرة أيام.

стр. 285

استحباب قضاء الاعتكاف لمن فاته يستحب لمن فاته الاعتكاف أن يقضيه، فإذا فاته في رمضان يستحب أن يقضيه في شوال كما فعل النبي ﷺ ذلك مرة، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة ﵂ فأذن لها)، فالنبي ﷺ ذكر لنسائه أنه سيعتكف في الأيام الآتية من رمضان وهي العشر الأواخر، فاستأذنت عائشة ﵂ أن تعتكف هي أيضاً فأذن لها، (وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها النبي ﷺ فأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها من غير إذن) والبناء: هي خيمة ينصبها المعتكف ليختلي بنفسه. وكأن نساء النبي ﷺ يتسابقن إلى الطاعة والخير، وإلى حب النبي ﷺ والقرب من النبي ﷺ . وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فكان إذا صلى بالناس صلاة ذهب إلى خيمته في المسجد، وكان يحجز له مكاناً ليصلي فيها في الليل ﷺ ، فكان يصلي الليل كله، ثم يصلي بالناس الفجر، ثم ينصرف إلى مكانه، فلما انصرف ﷺ إلى خبائه وجد عدداً من الأخبيه، فسأل عن أصحابها فقالوا: هذا بناء عائشة، وحفصة، وزينب، فقال رسول الله ﷺ : (آلبر أردن؟ ما أنا بمعتكف). فلم يعتكف في هذا فرجع صلوات الله وسلامه عليه فأمر في بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، ثم اعتكف في العشر الأول من شوال، فعوض وقضى ذلك، وقد فعل ذلك لأنه خشي أن تتغير النية من اعتكاف زوجاته، وعلم بذلك أزواجه أمهات المؤمنين أن الأصل في الأمر العبادة. وأمر النبي ﷺ بالأخبية كلها فقوضت ولم يعتكف في رمضان، وعوض ذلك في العشر الأول من شوال، وهذا يعني أن النبي ﷺ اعتكف العيد ولم يصمه، وهذا فيه دلالة أن الاعتكاف في المسجد في غير رمضان لا يشترط فيه الصيام. فإذا كان الإنسان مريضاً في رمضان وهو معتكف وأراد أن يكمل اعتكافه، وأفطر في رمضان بسبب مرضه وهو معتكف، فيجوز له أن يواصل الاعتكاف، فلا تعلق للاعتكاف بكونه صائماً أو مفطراً.

стр. 286

وقت الاعتكاف ومن أراد تمام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فعليه أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس ليلة أحدى وعشرين، ويبدأ الاعتكاف من أول العشر الآخرة، سواء كان رمضان تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، فهي تسمى العشر الأواخر. ولو فرضنا أنه تيسر للمعتكف الدخول ليلة أحدى وعشرين فدخل ليلة اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين، فلا يلزمه شيء وليس عليه شيء؛ فالاعتكاف كله سنة. والراجح من أقوال أهل العلم وهو قول الجمهور: أنه يجوز أن يعتكف الإنسان ساعة فإذا أتيت إلى المسجد بين الظهر والعصر بنية الاعتكاف فلك أجر الاعتكاف، وهذا الصحيح لعدم وجود الدليل على المنع، أو إبطال الاعتكاف في أقل من يوم أو ليلة. وقال بعض أهل العلم: إنه لا يصح ذلك، ودليلهم وإن كان ليس نصاً في المسألة وليس ظاهراً فيها، لكن لعل فيه إشارة إلى ذلك، وهو أن النبي ﷺ لما استأذنه عمر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وكان ذلك نذراً عليه، له: (أوفِ بنذرك)، فاعتكف ليلة وما جاء أقل من ذلك، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه منع من اعتكف أقل من ذلك. فالاعتكاف يرجع للمعنى اللغوي وهو: اللبث والمكث في المسجد، فمن مكث في المسجد ولو وقتاً يسيراً بنية الاعتكاف فله الاعتكاف. وأما كمال الاعتكاف فهو أن تعتكف العشر الأواخر من رمضان كما فعل النبي ﷺ عندما يتيسر ذلك، وأما إذا لم يتيسر لك ذلك بسبب ظروف خارجة عن إرادتك، وكانت نيتك أن تعتكف، فلك أجر النية ولا شيء عليك. وقد يكون بسبب أن المسجد لا يكفي الجميع إذا أراد عدد كبير من الناس الاعتكاف، فقد لا يسمح القائمون على المسجد لك بالاعتكاف؛ لأنهم لا يقدرون على خدمة عدد كبير من الناس مثلاً، فليس عليك شيء وأنت مأجور على نيتك. وفي هذه الأيام تحصل ضجة كبيرة جداً من إخواننا بسبب رغبة الكثير منهم في الاعتكاف في المسجد، رغم أن المسجد لا يمكن أن يستوعب، أعدادهم كبيرة ويمكن لمن أراد الاعتكاف أن يعتكف اعتكافاً مشروطاً، فيشترط أن يكون الأكل والشرب والنوم في بيته، ويأتي بقية يومه ليقضيه في المسجد، فهذا جائز، ويجدد نية الاعتكاف كلما أراد العودة إلى المسجد. ويقول العلماء: يخرج المعتكف من الاعتكاف بعد غروب الشمس ليلة العيد، وإن كان الكثير من العلماء يستحبون أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، لكنه لو خرج ليلة العيد فلا شيء عليه.

стр. 287

شروط الاعتكاف لكي يصح الاعتكاف لا بد أن يكون المعتكف مسلماً، فلا يصح أن يعتكف كافر. وأن يكون عاقلاً، وهذا شرط لوجود أي إنسان في المسجد أن يكون عاقلاً، فلا نأتي بالمجانين من الطرق يصلوا في المسجد، وكذلك السكارى والذين يتعاطون المخدرات، قال تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، فالذي يأتي المسجد لا بد أن يكون عاقلاً يعي ما يقول وما يفعل، لكي يصلي صلاة صحيحة تقبل منه. فلا يعقل أن آتي بإنسان ذاهب العقل بسكر أو جنون ثم أقول له ادخل المسجد لتصلي. ومن شروط الاعتكاف النقاء من الحدث الأكبر سواء كان الجنابة أو الحيض أو النفاس، فلا يصح اعتكاف الحائض ولا النفساء ولا الجنب.

стр. 288

بعض أحكام الاعتكاف يصح اعتكاف الصغير المميز والمرأة، فلو أن صبياً مميزاً أراد الاعتكاف جاز أن يعتكف وإن كانت بعض المساجد تمنع ذلك؛ بسبب الأعداد الكبيرة التي تريد الاعتكاف من الكبار، وخوفاً عليهم من الفتن في المساجد، فالذي يعتكف في المسجد ويبيت في المسجد هم الرجال الكبار. ويحرم على المرأة المتزوجة الاعتكاف بغير إذن الزوج، فلو أن مسجداً فيه مكان للنساء يعتكفن فيه وأرادت امرأة أن تعتكف فمنعها زوجها، فلا يجوز لها أن تعتكف، فلا بد من إذن الزوج. ولو أنها نذرت أن تعتكف فينظر هل هذا النذر كان بإذن الزوج أم بغير إذن الزوج؟ فإذا لم تكن استأذنت منه فله أن يمنعها؛ لأن حقه عليها أن تكون في البيت. لكن إذا نذرت بإذن الزوج فيلزمه أن يسمح لها إذا كان اعتكافاً في وقت معين، أو مكان معين. الاعتكاف يكون في المساجد قال تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، واللام في كلمة (المساجد) للجنس، أي: كل المساجد، أو للعهد، أي: المساجد المعهودة لصلاة الجماعة، أو مساجد الجمعة، فهي لمساجد التي تصح فيه صلاة الجماعة وليس مسجد البيت، فلو أن إنساناً عمل غرفة داخل بيته وقال: هذا هو المسجد الذي أصلي فيه، فيسمى مسجداً ولكن ليس هو الذي يصح فيه الاعتكاف، بل لا بد أن يكون المسجد المعروف أو المعهود شرعاً. فالاعتكاف يكون في أي مسجد من المساجد طالما أنها تصلى فيه جماعة، فيصح الاعتكاف في كل مسجد جماعة، وهذا الصواب من أقوال أهل العلم، وإن ذهب البعض وهم ندرة قليلة جداً إلى أنه لا بد أن يكون الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط. فهذا رأى بعض أهل العلم من الصحابة مثل حذيفة بن اليمان ﵁، ولكن جماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم على خلاف ذلك. فقد جاء عن حذيفة أنه أنكر على الناس في العراق أن يعتكفوا ما بين دار ابن مسعود وبين داره، فقال لـ ابن مسعود: ألا تعجب لأناس عاكفون ما بين دارك وبين كذا، وقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؟ فقال في رواية: لقد علمت، أو أنه قال: وعلمي ذلك، أو أنه رفع ذلك للنبي ﷺ في رواية أخرى، وكل هذا بنفس الإسناد، فكأن الراوي شكك في هذا. وإذا جاء بعض أهل العلم وصحح هذه الرواية فلا يلزمنا التصحيح في ذلك؛ لأن القرآن يخبر ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]. فالتخصيص يحتاج إلى دليل قوي، وليس دليلاً ظاهره الاحتمال، بل لا بد أن يكون دليلاً قوياً في ذلك، ولذلك لما قال حذيفة ذلك لـ ابن مسعود، قال ابن مسعود يرد عليه: لعلهم أصابوا وأخطأت. يعني: لعلك أنت الذي نسيت أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة له فضيلة على بقية المساجد، وعلى فرض تصحيح الحديث، فيؤول الحديث على أنه يرجى فيها الفضل العظيم فتشد لها الرحال؛ لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). فإذا نظرنا إلى من قال ذلك سنجد حذيفة من الصحابة، فقد حكى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فقط: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبيت المقدس. وقال الزهري، والحكم، وحماد: إن الاعتكاف لا يصح إلا في الجامع، وكأنهم يفرقون بين المسجد الذي تصلي فيه الجمعة والذي لا تصلي فيه، فقالوا: لا يصح إلا في المسجد الذي يصلى فيه جمعة وجماعة. وقال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور يصح في كل مسجد تصلى فيه الصلوات كلها، وهذا قول جمهور العلماء. وقال عطاء: لا يصح إلا في مسجد مكة والمدينة فقط، المسجد الحرام ومسجد المدينة. وسعيد بن المسيب يقول: لا يصح إلا في مسجد المدينة فقط، وستجد أقوالاً قالها الواحد أو الاثنان، وأما جماهير الأمة فقالوا: الآية تفيد أن الاعتكاف يصح في كل المساجد، ولا يوجد دليل على التخصيص، والدليل الذي توهمه بعض أهل العلم فليس نصاً في المسألة، بل إن الحديث جاء في روايتين مختلفتين، وقد أنكر عليه ابن مسعود ﵁. وقال العلماء وبفرض صحته فيكون معناه: لا اعتكاف أجمل ولا أكمل ولا أتم من أن يكون في المساجد الثلاثة، أما في غيرها من المساجد فالاعتكاف فيها جائز في أي مسجد من المساجد. وأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، وبعده المسجد النبوي، وبعده بيت المقدس، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، فالمسجد الحرام الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، ولذلك كان الاعتكاف فيه أفضل؛ لأن الاعتكاف تكثر فيه الصلاة، والصلاة في المسجد الحرام فضلها وأجرها كبير كما سبق، وأنت على صلاة ما دمت على وضوء ولو لم تصلِ. والأفضل هو الاعتكاف في مسجد تصلى فيه الجمعة؛ لكي لا يضطر للخروج يوم الجمعة والصلاة في مسجد آخر، فالأفضل ألا يخرج من المعتكف، فيصلي في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، وقد جاء عن النبي ﷺ قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى). وأما قوله: لا اعتكاف إلا مسجد جامع، فهذا ليس مرفوعاً للنبي ﷺ ، بل هو من قول عائشة رضي الله ﵎ عنها في ذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 289

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الاعتكاف وأحكامه [٢] الاعتكاف سنة مستحبة فعلها النبي ﷺ ، ولا يكون الاعتكاف إلا في المسجد، ويصح الاعتكاف ولو ساعة واحدة. والخروج من الاعتكاف بغير عذر يبطله. ويجوز الاشتراط في الاعتكاف بالخروج لقضاء حاجة أو لعمل أو غير ذلك، وللاعتكاف أحكام مبسوطة في الشريعة في حال النذر أو التنفل.

стр. 290

أحكام الاعتكاف

стр. 291

تعريف الاعتكاف الاعتكاف: هو المكث في المسجد من شخص مخصوص، في وقت مخصوص، بنية مخصوصة، وشرط هذا الذي يمكث في المسجد أن يكون مسلماً، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون طاهراً من الحدث الأكبر، فإذا كان رجلاً فيكون طاهراً من الجنابة، أو امرأة فتكون طاهرة من الجنابة والحيض والنفاس.

стр. 292

حكم الاعتكاف الاعتكاف سنة من سنن النبي ﷺ ، ولا يكون واجباً إلا بالنذر، أي: إذا نذر المسلم أو المسلمة الاعتكاف فإنه يلزمه الوفاء بنذره كما ذكرنا في الحديث السابق.

стр. 293

مكان الاعتكاف إن المساجد التي يعتكف فيها هي كل المساجد التي يجوز الصلاة فيها، فإذا كان مسجداً يصلى فيه صلاة الجماعة، فإنه يجوز أن يعتكف في هذا المسجد، وجميع المساجد يجوز الاعتكاف فيها، وأما مسجد البيت كأن يجعل إنسان في بيته حجرة ويقول: هذا مسجد أصلي فيه في البيت، فهذا مسجد بيت وليس مسجداً جامعاً، فهو لا يصلح للاعتكاف.

стр. 294

استواء المساجد في الفضيلة إلا ثلاثة مساجد إن المساجد تستوي في الفضيلة إلا الثلاثة المساجد فهي أعظمها فضيلة، وهي: المسجد الحرام، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، والصلاة فيه بألف صلاة، والمسجد الأقصى والصلاة فيه بعدد كثير، قيل بخمسمائة، وقيل بمائتين وخمسين صلاة، ثم تستوي كل المساجد بعد ذلك.

стр. 295

حكم الاعتكاف في المساجد الثلاثة أو في أحدها فلو أن مسلماً نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة لزمه نذره، فإذا اختار الأفضل وفى بنذره بذلك، ولذلك جاء أن رجلاً قال للنبي ﷺ يوم فتح مكة: (يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال: صل ههنا)، فبين له أن النذر لا يصح أن تفي به، هنا أفضل، أي: أنت في مكة ومكة أفضل، (صل ههنا)، (فالرجل أعاد عليه، فقال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذاً)، يعني: الأمر أنت تريد هناك، وهنا الفضيلة أعظم، وتريد أن تذهب إلى هنالك فيه فضيلة وشأنك إذاً، فيجوز أنك إذا نذرت أن تصلي في مسجد معين من المساجد الثلاثة فتفي بنذرك فيه، ويجوز أن تفي بما هو أعظم منه، فإذا نذرت في الأقصى جاز في المسجد النبوي وكذلك في المسجد الحرام، وإذا نذرت في المسجد النبوي جاز في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، وإذا نذرت في المسجد الحرام فلا تفي بنذرك إلا هناك في المسجد الحرام، سواء هذا النذر كان يوماً أو ليلة أو صلاة أو أي شيء، طالما أنه عبادة.

стр. 296

مدة الاعتكاف وحكمه بصوم أو بغير صوم وفي الصحيحين: عن ابن عمر ﵄ أن عمر سأل النبي ﷺ قال: (كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام)، أي: أنه نذر في الجاهلية قبل أن يسلم، فملزم بهذا النذر بعدما أسلم؛ لأن النذر طاعة. فقال له النبي ﷺ : (فأوف بنذرك) يعني: اذهب واعتكف في المسجد الحرام، وهذا دليل على أن الاعتكاف لا يلزم معه الصوم، ولو كان الاعتكاف لا يصح إلا بصوم لقال له: اعتكف يوماً وليلة، وليس ليلة فقط، فلابد من يوم مع هذه الليلة حتى تصوم هذا اليوم. فلما لم يقل له ذلك دل على أنه يجوز أن يعتكف في الليل، وهذا الحديث أخذ منه بعض أهل العلم: أنه لا يجوز الاعتكاف أقل من ليلة، قالوا: لأن هذا أقل شيء فعل في عهد النبي ﷺ ، وعمر قال ذلك، لكن لم يأت عن غير عمر أنه سأل النبي ﷺ عن أقل من ذلك حتى نقول أن رسو الله ﷺ رفض ذلاك أو وافقه، فالأصل في الاعتكاف أنه المكث في المسجد بنية اللبث فيه، وبنية العبادة، فطالما أن هذا مجرد فعل فالفعل لا يفيد للتخصيص. إذاً: يجوز أنه يعتكف في المسجد ولو ساعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]. ولو عينوا مسجداً من المساجد غير هذه المساجد الثلاثة لم يتعين، يعني: لو قال: لله علي نذر أن أعتكف في مسجد نور الإسلام، فيجوز أن يفي بنذره ويجوز أنه يعتكف في مسجد آخر، لأن المساجد كلها تستوي فضيلتها، وقد قال النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وقدمنا أن معنى هذا الحديث: أنه لا يسافر الإنسان مرتحلاً إلى مسجد من المساجد زاعماً فضيلة لهذا المسجد، وإلا فالسفر جائز لطلب العلم، فيسافر من بلد لبلد، والمسجد الفلاني فيه درس علم، فلم يمنع ذلك النبي ﷺ ، إنما المنع أن يعتقد الإنسان أن لمسجد من المساجد فضيلة، مثلما يزعم بعض الناس أنه إذا سافر للسيد البدوي فإن هذا له فضل، فهذا كذب، فالمساجد كلها تستوي إلا الثلاثة المساجد التي ذكرها النبي صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: يجوز الاعتكاف في كل المساجد، والأفضل أن يعتكف صائماً، حتى يخرج من خلاف أهل العلم الذين قالوا: إنه لابد من أن يكون صائماً. وقلنا: إن الراجح أنه يجوز أن يعتكف بغير صوم، وهذا مذهب الشافعية ومذهب إسحاق بن راهويه وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد. وبقية العلماء قالوا: إنه لابد من صوم، فيراعى ذلك، فمن أراد أن يعتكف فليصم مراعاة للخلاف بين أهل العلم، لكن الراجح: أنه لا يلزم الصوم. وإذا نذر أن يعتكف صائماً فلابد أن يفي بنذره، فإذا نذر أن يعتكف يومين ويصوم في اليومين، فعليه أن يصوم اليومين ويعتكف في هذين اليومين. ولو نذر أن يعتكف مصلياً لزمه الاعتكاف ولزمه الصلاة التي نذرها، فإذا أطلقها صلى ركعتين طالما أنه أطلقها طالما ولم ينو الاستيعاب، فإذا قال الإنسان: لله علي نذر أن أعتكف الليلة الفلانية وأقوم من أول الليل حتى الفجر، فإنه يلزمه الوفاء بنذره، لكن إذا نذر مطلقاً: أن أعتكف ليلة مصلياً، فإنه يجزيه لو صلى ركعتين؛ لأنه لم يرد ولم يحدد بنذره استيعاب الليل كله. ولو نذر أن يعتكف شهر رمضان ففاته فعليه أن يعتكف شهراً آخر، فيقضي كما كان النبي ﷺ يقضي العشر الأواخر من رمضان في شوال، وهي نافلة، والنذر يقاس على ذلك، فمن نذر أن يعتكف في رمضان لا نقول له: انتظر رمضان السنة القادمة؛ فلعله لا يعيش إليها، فيوف بنذره، فعلى ذلك غيره يغني، ولا يلزمه حين يقضي الاعتكاف الصوم وعلى الراجح والراجح: أنه لا تعلق للصوم بالاعتكاف.

стр. 297

حكم نذر الاعتكاف مطلقاً من غير تحديد للوقت ذكرنا أنه يجوز أن يعتكف في أي وقت من الليل أو من النهار، وأفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان، والأفضل أن يراعي خلاف من ذهب من أهل العلم أنه لا يقل عن يوم وليلة، وإن كنا نرى أن الراجح فيه: أنه يجوز أن تعتكف ولو ساعة على قول أكثر أهل العلم. ولو نذر اعتكافاً مطلقاً وقال: لله علي أن أعتكف في المسجد، فهو راجع لنية هذا الإنسان، ما هو الاعتكاف الذي يتخيله، فيلزمه ما تخيله، فإن كان مذهبه أن أقل اعتكاف يوم أو ليلة فيلزمه ذلك بنذره، فالنية والعلم الذي يعلمه يلزمه أن يعمل بهذا الشيء، وإذا كان يرى أنه يجوز ولو ساعة فليعتكف الساعة التي نواها بنذره. ولو نذر اعتكاف العشر الأخر من رمضان فإنه سيدخل في يوم عشرين المغرب حتى يستوعب الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، سواء كان الشهر تاماً ثلاثين أو تسعة وعشرين؛ لأن هذه هي التي تطلق عليها العشر الأواخر من الشهر. وفرق بين أن يقول: سأعتكف العشر الأخر من الشهر، وبين أن يقول: لله علي نذر أن أعتكف عشرة أيام من رمضان، فإذا جاءت الأيام الأخيرة فكانت تسعة أيام بقي عليه يوم؛ لأنه قصد عشرة أيام.

стр. 298

النية في الاعتكاف النية في الاعتكاف لابد منها؛ لقول النبي ﷺ في كل العبادات: (إنما الأعمال بالنيات)، وكل العمل الذي يتقرب به العبد إلى الله فلابد من النية فيه، ثم إذا نوى الاعتكاف وأطلقه كفاه ذلك وإن طال مكثه شهوراً أو سنين، يعني: إذا دخل المسجد وهو ينوي الاعتكاف فليس من اللازم أن يجدد النية كل وقت، فالنية الأولى تقضي على كل ما يأتي بعد ذلك، إلا أن يخرج فيرجع إلى المعتكف فعليه أن يجدد النية بذلك. وإذا عزم عند خروجه أن يقضي حاجته ثم يعود كانت هذه العزيمة تقوم مقام النية، كإنسان في المسجد وأراد قضاء الحاجة، وهو متعود على أن يقضي حاجته في بيته، حيث إن دورات الماء التي في المسجد لا توافقه، فيذهب إلى بيته ليقضي حاجته، وبهذا لا ينقطع الاعتكاف؛ لأن خروجه لقضاء الحاجة مع عزمه على العود دليل على نيته أنه ما زال معتكفاً. وإذا شرط في اعتكافه خروجه لعمل أو وظيفة فخرج لذلك ثم عاد لم يجب عليه تجديد النية، وهذه مسألة الاشتراط في الاعتكاف، وستأتي بعد قليل. ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، فطالما أنك جئت للمسجد تريد الاعتكاف فليس لك أن تخرج من المسجد إلا لعذر من الأعذار، وإذا نويت أو اشترطت أنه إذا جاءت جنازة تتبعها فلك ذلك، أو إذا مرض مريض ستخرج تعوده فلك ذلك، وإذا نويت فيها أنك تخرج لدروة الماء في بيتك أو تغتسل في بيتك فيجوز أيضاً ذلك، أو تنوي أنك تخرج من الاعتكاف من أجل أن تشتري طعامك أو شرابك فيجوز لك ذلك، وإذا كنت لا تقدر أن تأخذ إجازة من العمل فنويت أنك تخرج من الصبح حتى الظهر للعمل، وتعتكف الباقي أيضاً فيجوز ذلك. لكن نقول: إن النبي ﷺ كان يمكث العشر الأواخر كلها، فمن استطاع ذلك فهذا الأفضل، ومن لم يستطع ذلك، فبحسب ما يتيسر له، والاعتكاف كله سنة وليس فريضة.

стр. 299

حكم من أراد الاعتكاف وأبواه يمنعانه ومن أحب أن يعتكف ورفض أبواه فطاعة الوالدين فرض، والاعتكاف سنة، فعليه أن يسمع كلام الوالدين ولا يعتكف، وليس له أن يقول: سأعصي الوالدين، إلا إذا كانا يعصيان الله ويأمرانه بمعصية الله سبحانه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لكن إذا تعارضت نافلة مع فريضة، فهنا الفريضة أولى، ولو أن الوالدين قالا للابن: لا تصل في جماعة، فلا طاعة لمخلوق في ذلك؛ لأن صلاة الجماعة فريضة، فلابد من صلاة الجماعة. فإن قال أبواك: لا تعتكف، فعليك أن تطيع في ذلك، فلا تعتكف طاعة للوالدين في ذلك.

стр. 300

حكم خروج المعتكف من المسجد لعذر أو لغير عذر لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: (إن كان ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان -وهذا الشاهد- لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً)، وبيت النبي ﷺ كان بابه في المسجد، والغرفة النبوية هي الغرفة المدفون فيها الآن، وصارت بداخل مسجده صلوات الله وسلامه عليه الآن، لكن في الماضي كانت هذه الغرفة بابها إلى المسجد، فكان يقف على عتبة المسجد ويدني رأسه لتغسله، فالمدينة شديدة الحر، والإنسان يحتاج إلى أن يغسل رأسه غالباً أو كل يوم، فإذا أحب ذلك وقف على باب المسجد وغسلت عائشة ﵂ رأسه، ولم يكن هناك دورات مياه في الماضي بداخل المسجد، وإذا أراد النبي ﷺ قضاء الحاجة يدخل بيته ليقضي حاجته. والمسلمون المعتكفون إذا أرادوا قضاء الحاجة خرجوا إلى بيوتهم فقضوا حاجتهم ثم رجعوا إلى المسجد، تقول عائشة: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة) يعني: يأكل أو يشرب أو يقضي حاجته ﷺ ، فالحاجة هي التي يريدها إذا كان معتكفاً صلوات الله وسلامه عليه. وإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه، والاعتكاف سنة وليس فرضاً، وإذا قلنا: بطل هذا الاعتكاف ليس معناه يأثم، فلا نقول: يأثم إلا إذا فرط في الواجب كالنذر، والغالب أن كل المعتكفين تقريباً لا أحد ينذر منهم، فلو أنه اعتكف ثم خرج من المعتكف لغير عذر، فهنا بطل اعتكافه لكن لا نقول له: أنت أثمت بذلك، ليس هناك ذنب في ذلك ولا إثم؛ لأن هذا تطوع، فإن شاء أكمل وإن شاء خرج. ويجوز أن يخرج رأسه أو رجله ولا يبطل اعتكافه، يعني: لو أنه أخرج رأسه من المسجد ليلكم شخصاً، فلا شيء عليه طالما أن رجليه داخل المسجد. وله الخروج لقضاء الحاجة: لبول أو لغائط، ولا يبطل اعتكافه بذلك، وكذلك يخرج ليغتسل في بيته، سواء كان يغتسل غسل جمعة أو يغتسل من الجنابة، فإذا وجد في المسجد مكان لذلك وهو لا يتحرج من ذلك، فيفعل ذلك في المسجد. وإذا كانت المرأة معتكفة في المسجد وجاء الحيض خرجت إلى بيتها، فإذا انتهت الدورة وكانت تعتكف اعتكافاً مسنوناً رجعت بعد ذلك إلى المسجد لتكمل اعتكافها، فإذا كان اعتكافاً منذوراً، فإنه بعد انتهاء وقت دورتها ترجع مرة ثانية لتكمل، ولا ينقطع الاعتكاف المتتابع بالخروج بسبب الحيض. وكل ما لابد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، كأن تشتري بضاعة من السوق، أو تشتري أشياء للمعتكفين في المسجد جاز لك. كذلك له الخروج لإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، فالاعتكاف سنة، فلو فرضنا أن المعتكفين في المسجد سمعوا حادثة خارج المسجد والناس يحتاجون إليهم، فعلى المعتكف أن يخرج ليفعل هذا الشيء وله أجر عظيم عند الله ، ويتعين عليه الخروج لإطفاء حريق، ولإنقاذ مصاب، والذهاب به إلى المستشفى، وله أجر عظيم على ذلك. فكل الأشياء التي يحتاج إليها المسلم جاز الله أن يخرج من أجلها، ولا ينقطع اعتكافه بذلك، كذلك إن حدث شيء والناس يحتاجون إليه فخرج لإنقاذ من يمكن إنقاذه فلن ينقطع اعتكافه بذلك، وكذلك إذا تعينت عليه الشهادة في قضية حق لفلان وهو الشاهد في هذه القضية، ولم لم يذهب فإنه سيحكم على المظلوم، فعلى ذلك يجب عليه أن يخرج لأداء الشهادة، ولا ينقطع اعتكافه بذلك، وبعد أن يشهد يرجع إلى المسجد. وكذلك لو أن المسجد فيه دورة مياه والإنسان يتحرج منها أو أنها لا تناسبه، وهو متعود على قاعدة معينة في بيته، كأن يكون عنده مرض أو مصاب بقولون عصبي محتد، فيذهب إلى الخلاء في بيته، ويستحيي من وجوده في المسجد، فيجوز له أيضاً، حتى ولو كان هناك دورة مياه في المسجد طالما أنها لا توافقه. وإذا خرج المعتكف لقضاء حاجة لا يلزمه أن يجري، بل يمشي على عادته، ويرجع على عادته، لكن إذا خرج لشيء ما فليس له أن يتحول عن حاجته إلى فعل آخر، فإذا خرج من المسجد لقضاء حاجته في بيته ليس له أن يذهب ليسلم على الجيران، ويدخل بيوتهم ويقعد، أو يذهب إلى السوق، لا ليس له ذلك، ولكن على قدر حاجته ثم يرجع إلى بيت الله . والاعتكاف سيكون في المسجد كله طالما أن المسجد كله لله ، فيكون في الطابق الأول، أو في الطابق الثاني، أو فوق سطح المسجد، طالما أن ذلك جزء من المسجد، فلو كان هناك حوش للمسجد تابع له والناس يصلون فيه، وهو من ملك المسجد، جاز الاعتكاف فيه، وأما إذا كان من الشارع ولا يصلى فيه فلا يصح الاعتكاف فيه.

стр. 301

الاشتراط في الاعتكاف ذكر أن الاعتكاف يكون في العشرة الأيام كلها، لكن لو أنك اشترطت جاز الاشتراط، فإذا جاز الاشتراط في الحج وهو الفرض الواجب، فمن باب أولى أنه يجوز الاشتراط في المستحب كالاعتكاف، وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة)، أي: ترى نفسها مريضة، وتريد أن تحج مع النبي ﷺ ، فقال لها: (حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني)، فإذا خرجت للحج وهي تنوي ذلك فاشترطت أنه في المكان الذي حبسها فيه المرض أو الخوف فتحل فيه، جاز لها ذلك، مع أن المحصر تلزمه الفدية، قال الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، لكن لو أن الحاج اشترط مثل هذا الشرط وأحصر في مكان بمرض أو عدوى أو نحو ذلك، فله أنه يتحلل ويرجع إلى بلده ولا شيء عليه، فإذا كان هذا في الحج، فالاعتكاف من باب أولى أنه يجوز فيه الاشتراط، فإذا اشترط المعتكف أن يخرج لعمله، أو اشترط أن يعتكف الليالي فقط، أو الأيام فقط، ونوى أنه إذا مرض يرجع إلى بيته، أو إذا مرض إنسان يذهب ليعوده، أو يشهد جنازة، أو يخرج لصلاة الجمعة في مسجد آخر، أو يخرج ليخطب في مسجد آخر، أو يخرج ليصلي التراويح بالناس في مكان آخر، طالما اشترط فله شرطه على أنه إذا قضى ذلك رجع إلى بيت الله بعد ذلك.

стр. 302

مبطلات الاعتكاف يبطل الاعتكاف بالخروج لغير حاجة، فلو أنه نوى الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وأنه لا يخرج، ثم جاءت جنازة لإنسان يحبه وعزيز عليه، فقال: سنخرج في هذه الجنازة، فخرج وهو لم يشترط في اعتكافه الخروج بطل اعتكافه، ويجوز له أن يرجع للاعتكاف مرة أخرى بنية جديدة، فيرجع مرة أخرى للمسجد وينوي من جديد، وله الأجر أيضاً على ذلك. إذاً: إذا خرج من الاعتكاف لغير حاجة إلا ما لابد منه بطل اعتكافه. ويبطل الاعتكاف بالجماع وبالإنزال، وليس معناه أن الإنسان يجامع في المسجد، لكن المقصود: لو فرضنا أنه في ليلة من ليالي رمضان خرج هذا في الليل إلى بيته ليقضي حاجته في هذا الوقت، فحكمه أنه معتكف، وما زال حكم الاعتكاف جارياً عليه، فوجد امرأته فجامعها في هذا الوقت؛ فهذا هو المقصد من قوله تعالى: ﴿َلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فإن فعل ذلك بطل اعتكافه بذلك، إذاً: ويبطل الاعتكاف بالوطء، أي وطء كان. وكذلك بالسُّكْر إذا سكر المعتكف، وإذا ارتد والعياذ بالله، وهذا أفحش من الخروج، فالذي يخرج من المسجد لجنازة هذه طاعة، ولكنه بطل اعتكافه، فهل يعقل أن إنساناً يرتد ويكفر ثم نقول: اعتكافه صحيح؟! بل يبطل اعتكافه بذلك. ويبطل الاعتكاف بخروج المعتكف لعيادة المريض وشهود الجنازة إذا لم يشترط، فمن الممكن أن الذي يمرض يكون عزيزاً عليه، فإن المعتكف إذا خرج لزيارة المريض وهو لم يشترط ذلك يبطل اعتكافه، وإذا خرجت لزيارة فلان، أو لعيادة إنسان، فإذا كان هذا الاعتكاف اعتكافاً مستحباً فعلت ذلك، وإذا كان واجباً وقصدت ذلك في حال النذر قلت: لله علي نذر أن أعتكف عشرة أيام في المسجد ولا أخرج إلا لما لابد لي منه، جاز لك ذلك حتى ولو كان الاعتكاف في النذر. لكن أحياناً لا ينوي المعتكف ذلك في الاعتكاف المنذور، ويتعين عليه أن يخرج، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان، واعتكف ثم مات أبوه أو ماتت أمه، فعلى ذلك تعين عليه أن يخرج إلى جنازة أبيه أو أمه، حتى وإن الاعتكاف نذراً، فعليه أن يخرج ثم يكمل اعتكافه؛ لأن خروجه متعين عليه الآن. وإذا تعين عليه الخروج لذلك وجب عليه الخروج ثم يرجع للاعتكاف، فإذا رجع للاعتكاف قضى ما فاته من أيام الاعتكاف، فلو فرضنا أنها عشرة أيام، وحصل فيها وفاة لفلان أو أنه احتاج إلى الذهاب إلى المستشفى، وليس هناك أحد يذهب معه إلى المستشفى إلا هو، فخرج معه لأنه تعين عليه ذلك، فقعد معه في المستشفى يومين، وهو قد نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة، فنقول له: اقض اليومين فقط، أي: أكمل اعتكافك وعوض يومين بعد ذلك مكان هذين اليومين. وإذا خرج لقضاء الحاجة فصلى في طريقه على جنازة، فإن وقف ينتظرها أو عدل عن طريقه إليها بطل اعتكافه. فلو أن مسلماً معتكفاً خرج إلى بيته لقضاء حاجته، فعرف أن فلاناً قد مات وهو لم يشترط أن يحضر جنازة أو غير ذلك، فقالوا: الجنازة ستأتي الآن، فإن وقف فصلى عليها في الطريق، فلا شيء عليه، فإن قال: سأذهب إلى بيت الجنازة، وأخرج معهم إلى القبر، ثم أرجع للاعتكاف يبطل اعتكافه بذلك، فإن بطل اعتكافه فليرجع ولينو أن يدخل في الاعتكاف من جديد؛ لأن الاعتكاف نافلة كما ذكرنا. إذا مرض الإنسان المعتكف: فإما أن يكون المرض يسيراً لا يشق عليه الإقامة في المسجد، فليكن في المسجد ولا يخرج، فإن خرج من المعتكف بطل اعتكافه، وهو أيضاً أمير نفسه، والاعتكاف تطوع، وإذا وجد أنه لا يستطيع أن يكمل وأنه سيتعِب من حوله فليخرج إلى بيته. وإذا كان المرض يشق معه الإقامة في المسجد فيباح له الخروج، فإذا خرج فلا ينقطع تتابعه، هذا إذا كان الاعتكاف منذوراً، وكان المرض مرضاً شديداً وهو معتكف، فيلزمه أن يخرج للعلاج، أو يذهب إلى بيته ليمرَّض هنالك، فليخرج وبعد الشفاء يرجع ويكمل الاعتكاف. ولو كان الإنسان يعتكف في المسجد وهو مريض مرضاً يخاف مع هذا المرض من تلويث المسجد، كأن ينذر أن يعتكف في المسجد، فجاءه إسهال شديد جداً لا يستطيع بسببه أن يمكث في مكانه؛ لأنه سيؤذي المصلين، وسيلوث المسجد، أو في كل لحظة يتقيأ، فهذا لا يجوز له أن يبقى في المسجد؛ لأنه يؤذي بيت الله سبحانه، ويؤذي المصلين بذلك، بل يلزمه أن يخرج إلى بيته، حتى وإن كان الاعتكاف نذراً؛ لأن اعتكافه ينافي مصلحة المسجد. إذاً: إذا كان الإنسان مريضاً فمرضه على نفسه ولا يتعدى إلى غيره، فليس هناك مانع من مجيئه إلى المسجد، وإذا كان مرضه سيتعدى ويؤذي غيره فلا يجوز له ذلك، بل يمكث في بيته أو في المستشفى حتى يصح، ثم يعتكف إذا أحب ذلك. وإذا أغمي على المعتكف في الاعتكاف، فإن لم يخرج من المسجد فيبقى اعتكافه باقياً على ما هو، وزمان الاعتكاف محسوب من الاعتكاف. وإذا أخرجه أهل المسجد حين أغمي عليه، وساروا به إلى المستشفى، فأخذ دواءً، ثم رجع ثانية إلى المعتكف، فأيضاً اعتكافه صحيح ولا شيء عليه؛ لأنه معذور في ذلك. وكذا لو أن إنساناً تأتيه حالات صرع وهو معتكف في المسجد، فالأفضل ألا يعتكف؛ لأنه سيزعج من حوله، وسيشغل الناس عن عبادتهم به. إذاً: فأصحاب الأعذار لا يجب عليهم أن يكونوا موجودين في المعتكف في المسجد، فإذا كان صاحب عذر من ذلك، فليصل ولينصرف حتى لا يزعج الناس به. وهنا نتذكر أن النبي ﷺ لما كان في سفر ومعه مجموعة من أصحابه، ثم وجد إنساناً قد ظلل عليه، فكانوا منشغلين به، قال: (من هذا؟ قالوا: صائم، قال: ليس من البر الصوم في السفر). ومرة أخرى كان معه مجموعة صائمون، ومعه مجموعة مفطرون، فقام المفطرون وحضروا الطعام وحضروا والشراب، وقاموا بالعمل، والصائمون قاعدون متعبون في السفر، فقال النبي ﷺ : (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)، فانظروا إلى جمال الشريعة، فالنفع المتعدي أجمل، وصومك النافلة لنفسك، لكن ستتعب من حولك في أثناء الصيام، فإذا كنت مفطراً أعنت نفسك ولم تشغل غيرك، وكذلك الإنسان الذي يحب أن يحضر لصلاة الجماعة ولكن يعلم من عادته أنه في كل وقت تأتيه نوبة صرع، فإنه سيؤذي المصلين، أو قد يكون الإنسان مريضاً مرضاً شديداً يزعج الناس ويؤذيهم، كترجيع أو إسهال أو خروج دم من أنفه ورعاف وأذى للمسجد، فهنا لا داعي لحضوره، بل له عذر ألا يعتكف، وأنه يمكث في بيته حتى يشفيه الله سبحانه، أو يأخذ بالاحتياط، ولو فرضنا أنه سيخرج لصلاة الجماعة، ويأتيه رعاف بحيث يلوث المسجد بالدماء، فلابد أن يأخذا الدواء قبل وقت الصلاة؛ بحيث يمنع الرعاف في المسجد. وأحياناً بعض الناس يستهين بمثل ذلك، فيؤذي ويؤذي أذىً شديداً جداً، فتجده في المسجد الحرام وهو يطوف فيتبرز ابنه ويدوسه الطائفون، فيؤذيهم ويؤذي الملائكة، فلماذا لا يحتاط لابنه ويجعل ما يحفظه ويمنع خروج البراز؟! فلا تؤدِ الملائكة، ولا تلوث بيت الله ، وخذ بالأسباب في ذلك حتى لا تطلب أجراً فيكون عليك إثماً بهذا الذي تصنعه، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل الله اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 303

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - الاعتكاف وأحكامه [٣] إن الاعتكاف عبادة شرعها الله على لسان حبيبه ونبيه محمد ﷺ في المسجد، ولهذا الاعتكاف آداب ومستحبات ومكروهات ينبغي للمعتكف أن يعيها، ويتحلى بفعل المستحبات، وترك المكروهات؛ حتى تكون العبادة خالصة صافية نقية لله .

стр. 304

مسائل في الاعتكاف الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 305

الفرق بين اعتكاف النذر والنافلة إذا اعتكف المسلم فوقع في مبطل من مبطلات الاعتكاف: إما أن يتعمد ذلك، وإما أن يكره عليه، وإما أن يكون ناسياً، فإذا كان ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن الله عز جل تجاوز لهذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، روى ابن ماجة عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)، وكذلك عن ابن عباس عند ابن ماجة مرفوعاً (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، فهذا من فضله : أن المؤمن إذا أكره على شيء أو نسي الشيء أو أراد الصواب فوقع في الخطأ فلا شيء عليه في ذلك، فالإنسان المعتكف إذا كان صائماً فأكل أو شرب نسياناً، أو أخطأ خطأً يعذر بمثله فلا شيء عليه، فكذلك في الاعتكاف لو أنه نسي فخرج من المعتكف فلا شيء عليه، ويرجع إلى المعتكف ويكمل الاعتكاف، وكذلك لو أكره على الخروج سواء حمل فأخرج، أو قبض عليه وأخرج ظلماً فلا شيء عليه، واعتكافه صحيح، فإذا رجع فليكمل اعتكافه الذي بدأ فيه. وذكرنا أن الاعتكاف إما أن يكون اعتكافاً منذوراً وهذا قليل، وإما أن يكون اعتكافاً نافلة، فالإنسان الذي انقطع عليه اعتكاف النافلة يرجع ويبدأ من جديد، أو يكمل هذا الاعتكاف الذي بدأه؛ لأنه لا حرج عليه ولا إثم في ذلك. وإذا خرج من اعتكاف النافلة متعمداً بطل التتابع، فلو رجع يكمل أياماً أخر، وهي من سنة النبي ﷺ ، ولكن فاتك التتابع الذي كان النبي ﷺ يصنعه. وإذا كان اعتكافاً منذوراً فينظر في هذا الذي وأخرج من الاعتكاف، إما أنه أخرج بحق أو بباطل، فإذا أخرج بباطل ظلماً وعدواناً فلا شيء عليه، وليرجع وليكمل اعتكافه وهو معذور في ذلك، وإذا أخرج بحق كأن يكون إنساناً ظالماً وعليه ديون لأناس فاختفى في المسجد حتى لا يقبض عليه، ثم أمسك من الاعتكاف وأخرج منه، فهذا يبطل اعتكافه؛ لأنه أخذ أموال الناس فأخرج وهو ظالم، فيفرق بين هذا وذاك. ولو خرج المعتكف لعذر من الأعذار كأن يخرج يشتري طعاماً للمعتكفين، أو خرجت مجموعة فطبخوا الطعام في مكان آخر، فلا شيء في ذلك، سواء نوى في أول الاعتكاف أو لم ينو؛ لأن هذه من احتياجات المسلم لأن يأكل ويشرب أو يغتسل، فهذه الأشياء لا ينقطع الاعتكاف بها. ولو أن المعتكِف خرج من المعتكَف ثم ذهب إلى بيته فباشر أهله بالمس، كأن سلم على زوجته فقبلها فلا شيء في ذلك، لكن لو وقع في الجماع فهنا قال الله : ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فلو أنه جامع أو أنه مس زوجته فنزل منه المني بطل اعتكافه، فإذا كان منذوراً متتابعاً انقطع التتابع، فيعيد من جديد، أو إذا كان الاعتكاف نافلة انقطع، فلينو وليدخل المعتكف من جديد بعد ذلك، ففرق بين النذر وبين النافلة. والمرأة المعتكفة إذا حاضت أو كانت حاملاً فجاءها المخاض فإنها تخرج من المعتكف إلى بيتها، وهي إما أن يكون اعتكافها نافلة وإما أن يكون نذراً، فإذا كان نافلة بطل الاعتكاف بخروجها؛ لأنها في حالة النفاس أو الحيض، وإذا كانت نذرت الاعتكاف متتابعاً لم ينقطع حتى تنتهي أيام الدورة، ثم ترجع إلى المعتكف وتكمل ما بقي عليها من النذر، وإذا لم يكن نذراً فالأمر واسع.

стр. 306

ما يجوز للمعتكف فعله في المسجد وما لا يجوز الاعتكاف: هو ملازمة بيت الله سبحانه من شخص مخصوص، وهذا الشخص المخصوص قلنا: هو المسلم العاقل سواء كان مميزاً أو بالغاً، في مكان مخصوص- وهو بيت الله سبحانه-، في وقت مخصوص، وهو يحدد هذا الوقت وهو العشر الأواخر من رمضان، سواء اعتكف يوماً أو ليلة أو ساعة، فهذا هو الزمن المخصوص، فهذا المعتكف يلتزم بأمر العبادة بالصلاة، وبذكر الله ، وبقراءة القرآن.

стр. 307

جواز الأكل ولبس أجمل الثياب في المسجد فمما يجوز للمعتكف فعله أن يأكل ويلبس رفيع الثياب وغير ذلك، وأن يتطيب في المعتكف، وبعض الناس يظن أنه لو تطيب أثناء الصيام بطل صيامه، وهذا خطأ، ولم يأت دليل يدل على الكراهة أو الحرمة، بل هو جائز، والمسلم يتطيب لبيت الله سبحانه، يقول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] فالمعتكف يلبس الثياب الطيبة في بيت الله ، وخير ما يتزين له هو بيت الله، فإذا قمت إلى الصلاة فخذ زينتك في الصلاة، والبعض يقوم من النوم فيبقى لابس ملابس النوم وهو معتكف ويدخل على الصلاة بها، الصلاة صحيحة ولكن ليس هذا هو الأنسب، فالله يقول: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف:٣١]، فتلبس الثياب الطيبة كما تفعل في بيتك عندما تقابل الضيوف، وخاصة كلما ارتفع قدر الضيف كنت متجملاً في استقباله أكثر، فبيت الله أولى، وملائكة الله أولى، وأنك تقف بين يدي الله في صلاتك متزيناً فهذا أولى، فتتطيب وتتزين في صلاتك. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].

стр. 308

اجتناب أكل ما له رائحة في المسجد كذلك يجتنب المعتكف ما يؤذي الناس والملائكة في بيت الله، ففي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا)، وفي رواية أخرى في صحيح مسلم قال النبي ﷺ : (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) فالملائكة مثل الإنسان عندما يشم رائحة شخص أكل ثوماً فإنه يتأذى منها، أو أكل بصلاً أو أكل كراثاً، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وفي رواية أخرى: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، وهذه الأشياء كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، فإذا كان ما هو أشد من ذلك فليحذر المسلم أن يدخل المسجد ورائحة فمه نتنة يؤذي بها الملائكة، فيأكل طعاماً له رائحة خبيثة منتنة، ويأكل الثوم والبصل والكراث والأشياء التي لها رائحة يتأذى منها الخلق، أو يشرب السجائر ثم يدخل بيت الله ، فإذا كان على باب المسجد يرمي السيجارة ثم يدخل بيت الله ، ورائحة فمه يفر منها الإنسان فكيف بالملائكة؟! فجاء في الحديث: (أن النبي ﷺ كان إذا وجد من إنسان هذه الرائحة أمر بإخراجه من المسجد)، والآن لن نأخذ أحداً ونخرجه من المسجد، ولكن على الإنسان أن يستحي أن يكون في بيت الله ورائحة فمه تؤذي الملائكة، فلا داعي أن يأكل قبل الصلاة ثوماً أو بصلاً أو كراثاً طالما أنه سيأتي إلى بيت الله . وجاء عن عمر ﵁ أنه قال للناس: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين)، والخبث هنا ليس خلقة ولكن الرائحة هي الخبيثة، وإلا فيجوز أكل الثوم والبصل، قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) والبقيع خارج المسجد، فيأمر بإخراجه ليغسل فمه، ويبقى خارج المسجد ولا يقعد في المسجد ورائحة فمه فيها الثوم والكراث، قال عمر: فمن أكلهما فليمتهما طبخاً، فالبصل المطبوخ ليس فيه رائحة، وكذلك الثوم المطبوخ.

стр. 309

الحفاظ على نظافة المسجد كذلك يستحب للمعتكف في المسجد أن يضع شيئاً بين طعامه وبين الأرض، فمن الممكن أن يكون الطعام الذي معه طبيخاً، فليضع سفرة بينه وبين الأرض، والسفرة: هي المفرشة التي توضع على الأرض، فيستحب للآكل أن يضع سفرة من ورق أو قماش؛ لأن الناس سيأتون للصلاة فيجدون رائحة الأرض فيها أثر من الطبيخ أو أي شيء يؤذيهم، فالملائكة تتأذى والمصلون يتأذون بذلك. وكذلك يحرم عليه توسيخ أرض المسجد وسجاده، فالبعض أحياناً يتهاون في ذلك، فيصيب اللبن أو غيره على فراش المسجد، واللبن ريحته قبيحة جداً عندما يمكث ساعتين أو ثلاث على الأرض، فإنه ينتن ويبعث رائحة مؤذية للمصلين، فليحذر الإنسان من أذية المصلين. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى: يصان المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلي فيه، حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه، وكذلك توسيخهم لحصيره. والحصيرة مفروشة ويدخل عليها برجله لابساً الحذاء فيدوس عليه الكبير والصغير، فيؤذي في بيت الله ، لاسيما إن كان وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات. هذا نقوله لإخواننا الذين يأتون بالصبيان الصغار إلى المسجد بدعوى أنه يعودهم على الصلاة، فيدخل ابنه لابساً الحذاء فيدوس بها على فراش المسجد، والأخوات اللائي يأتين بأولادهن كذلك، وإذا أنكر على إحداهن اشتاطت غضباً، فهذا يحرم، يقول شيخ الإسلام ﵀: هذا من عظيم المنكرات. فتأملوا فيما يقوله الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

стр. 310

حكم النوم والاضطجاع والاستلقاء للمعتكف يباح للمعتكف النوم والاضطجاع والاستلقاء ومد رجليه ونحو ذلك؛ لأن المعتكف قاعد في المسجد طوال النهار، وينام فيه بالليل، فيفعل ما جرت عليه العادة أن يفعله مع الاحتشام والاحترام، فلا يضع رجلاً على رجل فوق الكرسي قدام الناس، فلا ينبغي هذا، يقول العلماء: للمعتكف النوم والاضطجاع، وله أن يمد رجليه وهو نائم، إذا احتاج إلى هذا الشيء. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ، وذكر حديثاً وفيه قال النبي ﷺ : (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)، عبد الله بن عمر كان يتمنى أن يرى رؤيا ليحكيها للنبي ﷺ ، وفعلاً رأى رؤيا في المنام أنه جاءه ملكان أخذاه وذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي كهيئة البئر المطوية وبداخلها أناس يعرفهم عبد الله بن عمر ﵁، قال: وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا مَلك آخر فقال: لم ترع، يعني: لا تخاف أنت لست من أهلها، فقصها على حفصة، فقصتها على النبي ﷺ فقال: (نعم الرجل عبد الله)، ونعم الرجل مدح، لكن يوجد تقصير عنده، قال: (لو كان يصلي من الليل)، وابن عمر لم يكن يقوم كثيراً من الليل، فمن حين قال له النبي ﷺ ذلك كان لا ينام من الليل إلا قليلاً. والمقصود: بيان أن ابن عمر كان يقول: كنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، أي: أنه يجوز للإنسان المعتكف أن ينام في المسجد ولا شيء عليه، والمهم أنه يكون في وضع لا يؤذي فيه أحداً من الناس، وأيضاً لا يتكشف وهو على هذه الحالة.

стр. 311

يجوز للمعتكف أن يزوج ويتزوج كذلك مما يجوز في المسجد: عقد الزواج، لو أن إنساناً خطب من إنسان ابنته أو أخته في المسجد جاز ذلك، فيجوز العقد في أثناء الاعتكاف، وأن تسوي الحفلة في المسجد، فهذا جائز، وهذا يذكره العلماء: أنه يجوز أن يتزوج الشخص وأن يزوج، وأما في الإحرام فلا يجوز ذلك، فقد يظن البعض أن حكم الاعتكاف كحكم الإحرام، فالإحرام فقط هو الذي لا يجوز له فيه ذلك، وأما في الاعتكاف فيجوز. فيستحب للمعتكف أن يشتغل بالطاعات من صلاة، وتسبيح وذكر، وقراءة قرآن، ومدارسة علم، فالإنسان يتعلم ويعلم غيره، ويطالع ويكتب ونحو ذلك، وينشغل بكل ما ينشغل به الإنسان في طلب العلم، فيجوز له ذلك، وله أن يقرأ القرآن ويقرئ القرآن غيره.

стр. 312

جواز التجارة الخفيفة للمعتكف وكذلك التجارة، فيجوز أن يأمر بالشيء الخفيف، أما أنه يحول المعتكف إلى مكان للحسابات في الليل والنهار، ويتكلم بالهاتف المحمول: اعملوا كذا ولا تعملوا كذا، فالاعتكاف ليس لذلك، وأحياناً يكون في الهاتف المحمول نغمات موسيقية لا يحل للمسلم أن يضعها في بيت الله فيؤذي الملائكة بذلك، وإذا كانت الملائكة تتأذى بصوت الجرس مثل ناقوس النصارى فكيف بموسيقى فيها رقص وأغاني؟ وأحياناً يكون الناس في جنازة وشخص يدخل بمثل هذا الهاتف الذي فيه موسيقى، الناس يبكون على الميت وصاحبنا مشغول بالهاتف الذي عليه موسيقى راقصة داخل بيت الله ﵎ ولا يستحي! (فاستحيوا من الله حق الحياء) كما قال النبي ﷺ . وأحياناً نجد بعض الناس ينشغل بهاتفه في المسجد، فيشغل الناس والمصلين، فإنما بنيت المساجد لذكر الله، وللصلاة، وللعلم، وغير ذلك لا يصلح في المسجد، وأما أنك تدخل المسجد فتؤذي المصلين بالكلام في الهاتف فهذا لا ينبغي، بل اخرج من المسجد وتحدث براحتك في الشارع، وأما بيت الله فليس لك أن ترفع صوتك فيه، إذا كان ليس لك الحق أن ترفع صوتك بالقرآن فمن باب أولى الكلام في الهاتف، والذين يفعلون هذا الشيء قليل جداً، ولكن بفعلهم هذا يؤذون الناس في بيت الله بذلك. إذاً: فالمعتكف يجوز له أن يأمر بالشيء الخفيف في ماله إن احتاج إليه الناس، أو احتاج عياله أن يسألوه عن شيء.

стр. 313

جواز الحديث مع الأهل للمعتكف كذلك له أن يتحدث بالحديث المباح مع أهله، كأن يأتي عياله ليزوروه في المسجد، فإذا كان في مكان لمثل ذلك جاز أن يتكلم معهم، وفعل ذلك النبي ﷺ ، حيث جاءت السيدة صفية زوجة النبي ﷺ إليه وهو معتكف، فمكثت ساعة تتحدث مع النبي ﷺ ثم قامت تنقلب، فقام يقلبها -يوصلها- إلى بيتها صلوات الله وسلامه عليه، فمثل هذا جائز أن يوصل امرأته إلى بيتها وخاصة أن بيوت النبي ﷺ كانت حول مسجده ﵊. وكذلك إن كان محتاجاً إلى شراء قوته وما لابد منه لم يكره البيع والشراء في المسجد، كأن يكون المعتكفون محتاجين إلى القوت في المسجد، فلا بأس أن يدفعوا الثمن إلى شخص ليشتروا منه وهم في المسجد، فمثل هذا يجوز في مثل هذا الوقت، وأما في غير الاعتكاف فلا يجوز البيع ولا الشراء بداخل المسجد؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الضالة، وأن ينشد فيه الشعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. فلا بد أن نراعي آداب المسجد، والمحافظة على المسجد، وعلى أهل المسجد، وعلى الذاكرين الله فيه، فلو تعود الناس على أن يساوموا التاجر في المسجد لأصبح المسجد سوقاً، وأقبح مكان يبغضه الله هي الأسواق، فأبغض البقاع إلى الله الأسواق، وأحب البقاع إلى الله مساجده.

стр. 314

النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وإنشاد الأشعار والتحلق قبل صلاة الجمعة كذلك نهى النبي ﷺ أن تنشد الضالة في المسجد وقال: (إذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا)، فلو أنه ضاع منك شيء أو أنت لقيت شيئاً فقف على باب المسجد واسأل: من الذي ضاع منه هذا الشيء؟ أو اذهب إلى إدارة المسجد وضعها هناك. والذي ضاعت منه كذلك يتوجه إلى الغرفة فليسأل، فإذا كانت موجودة أخذها ولا يعلن في المسجد. ونهى أن ينشد في المسجد شعر من شعر الدنيا لغير هدف تعليم الشريعة والدين، وإلا فكان حسان بن ثابت ينشد في المسجد ويدافع عن دين الله ، ويؤيده جبريل في ذلك. ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة، فلو فرضنا أننا قلنا قبل صلاة الجمعة: يا جماعة عندنا درس علم وقعدنا، والتف الناس في حلقة قرآن أو حلقة حديث أو أي حلقة من الحلقات، فبهذه الحلقة ضيقنا على الناس المسجد، وكذلك الموعظة هي موعظة واحدة وهي خطبة الجمعة، فلا يصلح أن نعظ قبل الخطبة لا، فخطبة الجمعة تنفرد وحدها بالموعظة، وهذا فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك نهى عن التحلق قبل صلاة الجمعة؛ حتى لا يضيق المسجد على أهله، فهناك من يريد أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وهناك من يريد أن يصلي الضحى، وهناك من يريد أن يذكر الله فيقرأ سورة الكهف وغيرها.

стр. 315

جواز اشتغال المعتكف بالأمور اليسيرة وكذلك الجالس في المسجد له أن ينشغل بالشيء الخفيف، فيخيط ثوبه إذا كان الثوب له، كأن يكون انقطع فقعد يخيطه، فله ذلك، فيخيط الثوب الذي يحتاج إلى لبسه؛ لا أن يحترف ذلك فيجلس يخيط أثواب الناس في المسجد، فهذا لا يجوز، وهذا من الأشياء التي تفسد الاعتكاف. كذلك يكره فضول القول والعمل، كأن تكون قاعداً فارغاً فتقول لأحد المعتكفين: تعال نتكلم مع بعض، لا، فهذا اعتكاف لا بد أن تكون مشغولاً فيه بالله سبحانه، فعود نفسك أن تقعد ذاكراً لله، ومن لم يعتد ذلك يصعب عليه أن يقعد ساكتاً، فعود نفسك أنك تقعد ساكتاً إلا من ذكر الله وما تحتاج إليه، ولا نقول: اسكت عن الكلام، ولكن تكلم فيما تحتاج إليه، وتكلم فيما ينفعنا واترك الفضول والجدل، واترك الأسئلة الكثيرة التي ليس لها معنى ولا قيمة، وانشغل بذكر الله ، وخفف عن نفسك كثرة الكلام، وانشغل بما فيه طاعة لله ، قال النبي ﷺ : (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال). فكثرة الكلام يكرهها الله من الإنسان، فعود نفسك على أن تحترم أوقات غيرك، وأن تحترم صمت غيرك وانشغاله بذكر الله ، فلا تكن أنت مضيعاً على الناس أوقاتهم، فالذي في نفسك تحب تعمله وغيرك ليس بمهم ينام أو ما ينام، فاحرص على أن توفر على الناس أوقاتهم، وعلى أن تريح غيرك، وعلى أن تكون خادماً لغيرك، وليس غيرك الذي هو يخدمك ويقضي لك حاجاتك. ويكره رفع الصوت في المسجد ولو بالقراءة والذكر، فاقرأ بعينك وبلسانك ولا تسمع إلا أذنك فقط، ولا تتجاوز إلى صاحبك، ولذلك جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السترة، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه) فكل واحد يناجي ربه، والمناجاة حديث السر، (ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً)، فرفْع الصوت بالقرآن يؤذي غيرك فلا يعرف كيف يقرأ، فأسمع نفسك فقط ولا تجهر فتسمع غيرك، (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة). فخل قراءتك بينك وبين الله ، وخف على نفسك من الرياء إن كنت تجيد القراءة، وإذا كنت لا تجيد القراءة فلا ترفع صوتك فتؤذي غيرك، فيضطر أن يقعد ليصلح لك أخطاءك ثم تنشغلون بالكلام. وكذلك في أثناء الاعتكاف يحرم على المعتكف أن يؤذي أحداً بشتم أو سباب، ويستحب إذا سبه إنسان ألا يجيبه، وإذا كان الإنسان صائماً فليقل: إني صائم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 316

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - زكاة الفطر شرعت للمسلم بعض العبادات شكراً لله سبحانه بنوع من الشكر مغاير لما تعود عليه، ومن ذلك شرعية زكاة الفطر بعد صيام رمضان، ففيها شكر لله على نعمة الصيام، والتطهير من اللغو والرفث، والمواساة للفقراء، ولقد نظمها الإسلام فحدد من تجب عليه، ومتى تجب، وما مقدارها، ولمن تعطى، وهل تجوز الاستعاضة عنها بالقيمة، وغير ذلك مما يتعلق بها من أحكام.

стр. 317

الأدلة على وجوب زكاة الفطر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. زكاة الفطر تسمى: زكاة، ويسمونها: صدقة الفطر، ويسمونها: الفطرة، وهذا كله في كتب الفقهاء، والمقصد منها زكاة خلقة الإنسان، وكأن الفطرة: الخلقة، فهي زكاة على بدن هذا الإنسان في يوم العيد؛ حتى يطهر المسلم نفسه مما قد أصابه في خلال شهر رمضان من لغو ونحو ذلك. وزكاة الفطر فريضة، والعلماء كلهم على ذلك، فالجمهور على أن الفريضة هي الواجبة، وعند أبي الحنيفة أن هناك فرقاً بين الفرض والواجب، بناءً على أصله أن الفرض ما ثبت بالدليل المتواتر، والواجب ما ثبت بسنة الآحاد، وزكاة الفطر ثبتت بسنة النبي ﷺ ، ولذلك فهو يسميها واجبة، وإن كان عنده أنه إذا لم يخرجها الإنسان أثم، فاتفق الجميع على أنه إذا أخرجها فقد أخذ ثوابها، وإذا لم يخرجها مع علمه بوجوبها وقدرته عليها أثم على ذلك. ودليل وجوب زكاة الفطر ما في الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر -فسماها فريضة- صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين). ففرضها النبي ﷺ عليهم طعاماً حتى يجد الفقير في يوم العيد ما يطعمه، وأعياد المسلمين أعياد عظيمة، فيها يفرح المسلم، وقد جعل الله لنا عيدين في السنة، وفيهما ما فيهما من اللهو المباح. وأهم شيء أن الأعياد تبدأ بذكر الله ، ويكون فيها الصدقات، ففي الفطر تكون زكاة الفطر، وفي الأضحى تكون الأضحية. فزكاة الفطر قبلها شهر رمضان فيكون العبد قد صام وتقرب إلى الله بما استطاع من أعمال الخير في أعظم شهر في السنة، وفي الأضحى قبله العشر الأول من ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة، فقبل العيد عبادة، وإذا أكمل المسلم هذه العبادة أخذ الأجر من الله ففرح في يوم عيد الفطر، وفي يوم عيد الأضحى وثلاثة أيام التشريق، فهذا فضل من الله يفرح به المسلمون وبالعبادة التي أدوها له . ولما قدم النبي ﷺ المدينة كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فقال: (قد أبدلكم الله خيراً منهما)، فهذه أعياد جاهلية أبدلهم الله بما هو خير منها: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما عيدان لأهل الإسلام. فصار العيد عند المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، فقبل عيد الأضحى عبادة، ثم يوم العيد يبدأ فيها بصلاة العيد، ثم يتقرب إلى الله بالهدي والأضحية ونحو ذلك. فهنا فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، وهذا كان قوتاً لأهل المدينة، ففي المدينة حدائق كثيرة فيها النخيل وأنواع التمور التي تزيد على الثلاثمائة نوع. فالنبي ﷺ فرض من الشيء الذي يجدونه والقوت الذي عندهم، وهو صاع من تمر أو شعير، والشعير لم يكونوا يزرعونه، وإنما كان يأتيهم من الشام، ويسمونه: درمك، فكان الرجل يعزله لنفسه، لأنه كان قليلاً ولم يكن كثيراً، وكان عيشهم غالباً هو عيش الشعير. فلم يكلفهم النبي ﷺ ما لا يجدونه، ولكن أمرهم بإخراج ما هو موجود في أغلب البيوت، وهو التمر والشعير. قال: (على العبد والحر، والذكر والأنثى)، والعبد لا يخرج عن نفسه ولكن يخرج عنه سيده، وأما الحر فيخرج عن نفسه، إلا إذا كان غيره يلي أمره فيخرج عنه، وكذلك الأنثى والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

стр. 318

متى فرضت زكاة الفطر فرضت الزكاة بعد هجرة النبي ﷺ ، وكان ذلك في السنة الثانية قبل فرض رمضان، ثم فرضت زكاة الفطر في رمضان، وفرض الزكاة بعد فرض الصلاة، والزكاة كزكاة أموال فرضت في مكة، قال الله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:١٤١]. أي: حق المال، ولكن تحديد هذا الحق كمقدار ونصاب فإنه لم يحدد في مكة، وإنما كان ذلك في المدينة، فهذا فيه ربع العشر، وهذا فيه نصف العشر، وهذا فيه العشر، فحدد الله الأنصبة في المدينة. والعلة في زكاة الفطر أنها تطهر المسلم من الرفث واللغو.

стр. 319

شروط وجوب زكاة الفطر حتى تجب زكاة الفطر على العبد لا بد من ثلاثة شروط: الأول: الإسلام، الثاني: الحرية، الثالث: اليسار، فتؤدى عن الصغير والكبير، والذكر والأنثى من المسلمين، ولا تؤدى عن غير المسلمين، فلو كان للمسلم أبوان كافران فلا يجب عليه أن يخرج عليهما، ولا على أبنائه وزوجته إذا كانوا غير مسلمين، ولو كان عنده عبيد غير مسلمين فلا يخرج عنهم كذلك، وإنما تخرج الزكاة عن المسلم. الحر فالذي يملك مالاً يلزمه أن يخرجها بشرط اليسار. واليسار: هو أن يجد المسلم ما يزيد عن قوت يومه وليلته، وأما زكاة المال فإنها لا تجب إلا إذا بلغ هذا المال نصاباً، ومر عليه الحول، فعندما يكون المسلم غنياً، والأنصبة حددتها الشريعة الحكيمة. فشرط زكاة الفطر ليس ملك النصاب، ففي يوم العيد لا بد أن تعم الفرحة جميع المسلمين، فلا يأكل أحد والثاني إلى جانبه جائع، فمن كان عنده في يوم العيد ما يزيد على قوت يومه وليلته فليخرج هذه الزيادة، وهذا من الرحمة والتكافل الاجتماعي في الإسلام، ففي يوم العيد لا يبقى أحد فقيراً، فالكل يأكل، ولذلك كانت هذه الزكاة طعاماً، وهذه حكمة عظيمة، فقد لا يكون في البلد دكاكين يباع فيها الطعام يوم العيد، فيعطى الفقير طعاماً، ولا يعطى نقوداً؛ لأنه قد لا يجد من أين يشتري الطعام فيبقى جائعاً. فالاعتبار باليسار والإعسار حال الوجوب، فمن فضل عنه قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ولو صاع فهو موسر. والصاع مكيال يتسع حوالي كيلو ونصف تمراً، فلا هو قليل ولا كثير يشق على الناس. وفي ذلك رفق ومواساة، فهو رفق بالإنسان الذي يخرج المال فلا يخرج ماله كله، والمواساة للفقير، فيأكل كما تأكل الناس. فلو أن المسلم يملك صاعاً زائداً فيخرج عن نفسه ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن هذا هو الذي توفر عنده، فإذا كان لا يملك زيادة على قوت يومه وليلته لا يلزمه شيء، كما لا يجب عليه أن يستدين ليخرج زكاة الفطر، ولا تستقر في ذمته بعد ذلك؛ لأن وقت الوجوب قد انتهى، بخلاف من كان قادراً ولم يفعل فإنها تلزمه وتصير ديناً في عنقه. فاشترط العلماء أن يكون هذا المال الزائد زائداً على طعام يوم العيد وليلته، فائضاً عن حاجته، فقد يكون عنده مال ولكنه يحتاجه للعلاج مثلاً أو لإيجار المسكن أو غيره من حوائجه الأصلية، ففي هذه الحالة لا تجب عليه زكاة الفطر، فبعد أن يقضي هذه الحاجات يخرج الزكاة، ولو لم يبق معه فاضلاً عن حاجته إلا الشيء القليل أخرجه لقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

стр. 320

عمن يخرج المسلم زكاة الفطر
следующие страницы →