Полный текст (1 057 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وجوب أمر الرجل أهله وأولاده بالمعروف ونهيهم عن المنكر
стр. 107
أمر الرجل أهله بالصلاة والطاعات
يقول الإمام النووي: [باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين، وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه].
أي: يجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]: أي: قال تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فهل يا ترى كان يمكن أن يقصر ﷺ ؟ لا، لم يقصر في ذلك أبداً، ولكن من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، يقول ذلك للنبي ﷺ الذي لم يقصر في ذلك، حتى كأنه يقول: الكلام لكم أنتم، اسمعوا ومروا أهليكم بالصلاة واصطبروا عليها، كما أمر النبي ﷺ أن يأمر أهله بالصلاة.
والرجل حين يأمر أهله بالصلاة قد لا يستجيبون لأمره، لعلهم يتوانون ويتأخرون، فقد يكسل في أمرهم، فقيل له: اصبر ولا تطاوعهم؛ لأنك لو طاوعتهم سيضيعون وتضيع معهم بل مرهم بصلاة الفريضة بأن يصلوها في بيت الله سبحانه، يأتي وقت الفجر توقظ أهل البيت ليؤدوا صلاة الفجر، تأمرهم بذلك وتصطبر على ذلك.
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، يحب الإنسان أن يقي نفسه بلاء الدنيا، ومصائب الدنيا، وأمراض الدنيا، فعندما يسمع بوجود تطعيم من وباء كذا، تراه يجري ليطعم نفسه، ويطعم عياله من أجل ألا يحصل لهم ذلك الوباء، هذا في الدنيا، فهنا لو نظر الإنسان نظرة إلى الدار الآخرة، هل ممكن الخائف على عياله من مرض في الدنيا ووباء أن يضيعهم يوم القيامة ويدخلون النار؟ ليس ممكناً، ولكن قد يسهو الإنسان وينسى الآخرة فربنا يذكره، ويأمره بأن يقي نفسه وأهله ناراً وقودها الناس والحجارة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، أي: أن تقي نفسك وأهلك.
стр. 108
تأديب النبي ﷺ للحسن ومنعه من فعل المحرم
عن أبي هريرة ﵁ قال: (أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة).
كان النبي ﷺ من أشد الناس حناناً على أهله، فقد كان ﷺ يشم الحسن والحسين ﵄ ويقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)، صلوات الله وسلامه عليه، وكان ﷺ يمكن الحسن أو الحسين وهو ساجد أن يصعد على ظهره، كل هذا من حنانه ﷺ معهما، لكنه عندما أخذ شيئاً حراماً لم يسكت ﵊ على ذلك، مع أن الحسن كان طفلاً صغيراً، وعندما مد يده وأخذ تمرة واحدة من تمر الصدقة ووضعها في فمه لم يتركه يأكلها، وقال: سأدفع ثمنها، بل أمره برميها من فمه، فإذاً: يؤدب الصغير على مثل ذلك ولو بإخراج اللقمة الحرام من فمه.
يقول ﷺ : (كخْ) وفي رواية: (كخٍ).
قوله: (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) يعني: أن النبي ﷺ يعلم الصبي وهو صغير ويقول له: نحن لا نأكل الصدقة ولا يحل لنا ذلك، ومع أنه صبي صغير فقد أمره النبي ﷺ بالمعروف ونهاه عن المنكر، وإن كان الصبي ليس مخاطباً بالتكليف وليس مكلفاً، ولكن النبي ﷺ يعلمه بأنه لا يجوز لك أن تأخذه حتى ولو كنت لست مكلفاً.
стр. 109
تعليم النبي ﷺ لربيبه عمر بن أبي سلمة آداب الأكل
ورد في حديث آخر لـ عمر بن أبي سلمة ابن زوجة النبي ﷺ وربيبه، وكان في حجره وهو صبي صغير، يقول: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام! سم الله تعالى -أي: قل باسم الله- وكل بيمينك وكل مما يليك).
ينبغي تعليم الصبي آداب الأكل بحيث لا يأكل بشماله ولا يبطش بيده في الطعام من كل جهة وإنما يأكل من أمامه، حتى إذا كان مع الناس لا يمد يده قبل غيره، وإنما يسمي الله ، ولا ينتقي أحسن المأكولات ويأكلها ويترك غيرها.
إذاً: لا بد من التعليم، يعلم الطفل كيف يأكل، بحيث يقول قبل أن يمد يده: باسم الله، ولا يأكل إلا من مما يليه، كذلك يعلمون كيف يدخلون المساجد، حتى لا يحدثوا فوضى فيها، فالطفل إذا لم يعلم ويؤدب فقد يقل أدبه على الكبار، وإذا كبر صار قليل أدب.
عندما تجد طفلاً صغيراً في الجامع يقل أدبه أو يجري أمام المصلين فخذه وعلمه الأدب ولا تقس عليه، ولكن علمه الأدب، ولا تسكت على المنكر وأنت تراه، وبعض الإخوة إذا أنكرت على عياله يقول: وأنت ما شأنك، لقد كان الحسن والحسين يركبان على ظهر النبي ﷺ ! نقول: أولاً: ابنك ليس الحسن ولا الحسين، ثانياً: النبي ﷺ أمر الحسن أن يرمي تمرة الصدقة من فمه، والنبي ﷺ دخل المسجد ذات مرة وأمامة بنت بنته ﷺ فوقه، من أجل ألا تؤذي الناس بأن تجري بين الصفوف، أو تبكي، فكان ﷺ إذا قام رفعها وإذا نزل وركع أو سجد وضعها، فهو ﷺ أمسكها حتى لا تؤذي أحداً من الناس.
فلا آتي أنا بابني من أجل أن يتدلع في المسجد، فإذا قام إنسان وأمره أو نهاه غضبت، لا؛ لأن ابنك الذي يؤذي إنساناً في المسجد عليك إثمه؛ لأنك لا أمرته بمعروف ولا نهيته عن منكر، بل منعت غيرك من أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فإذاً: من أراد أن يأتي بولده المسجد فلا يأتي به إلا وهو في السن الذي يعقل فيه الصلاة، بأن يكون عمره سبع سنوات، وتعلمه أدب المسجد، ويكون مكانه خلف الصفوف لا أن تجعله يجري أمام الناس، ولا يكون في الصفوف الأولى؛ لأنهم بعد أن يدخل الإمام في الصلاة يخرجون من الصفوف، فتحدث فرجات بين الصفوف، فمن يتحمل هذا الشيء؟ نقول: إن قطع الصفوف لا يجوز وإثم ذلك على والد هذا الطفل الذي ترك فرجة في الصف.
فاتقوا الله في أنفسكم وفي بيت الله! كذلك الذين يأتون بأطفالهم في صلاة التراويح، فتجد الواحد يأتي بابنه ويعطي له (آيسكريم) في يديه، فهو يأكل ويبعثر في المسجد، أنت بهذا الشيء ما الذي يؤمنك أن أحداً يدعو عليك وعلى ابنك فتصاب بشؤم عمل ابنك في هذا المسجد.
اتقوا الله! إنما بنيت المساجد لما بنيت له، تعلم ابنك الأدب حين تأتي به إلى بيت الله ، كذلك النساء تجد الواحدة منهن تأتي بمجموعة من عيالها، الناس يصلون وهي لا تصلي، وإنما جاءت لتسمع الدرس؛ لأنها حائض وعيالها حولها يؤذون النساء وقت الصلاة.
الذي يأتي من أجل أن يسمع الدرس، أو يأتي من أجل صلاة الجماعة عليه أن يحترم المسجد ولا يأتي ليزعج أحداً بعياله، وإذا كان العيال يزعجون الناس فاتركهم في البيت.
стр. 110
حث المسلم على القيام بالواجب تجاه من ولاه الله عليهم
ورد من حديث ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع ومسئول عن رعيته).
لم يكن أحد إلا وهو راع ومسئول، إما أن تكون رجل البيت، وإما أن تكون المرأة هي الزوجة في البيت، وإما أن يكون الخادم، أو العامل في العمل، فكل إنسان مسئول عن عمله، سيسأله الله يوم القيامة.
(كلكم راع)، بدأ بالجمع ثم فصل هذا الجمع فكل إنسان مسئول عن رعيته، أنت في بيتك مسئول عن زوجتك وأولادك، وأنت في عملك مسئول عمن تحت يدك، ومسئول عما استأمنك الله عليه، لا تقصر ولا تفرط، فالله سيسألك فأعد للسؤال جواباً، انظر ما تقول لربنا يوم القيامة، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، فهي مسئولة عن أولادها، وعن مال زوجها وعن نفسها.
وكذلك إذا كان خادماً أو أجيراً، فإنه مسئول عن مال الإنسان الذي جعله خادماً أو أجيراً، سيسأل يوم القيامة عن هذه الرعية، والعامل في عمله مسئول عن عمله، هل أتقن أو لم يتقن، فما تحت يدك من المال أو غيره فأنت مسئول عن الصغير والكبير يوم القيامة، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
стр. 111
أمر الأولاد بالصلاة لسبع وضربهم عليها والتفريق بينهم في المضاجع لعشر
أخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) أي: تعلم الولد الصلاة وهو ابن سبع سنين، وكونك تعلمه وهو ابن سنتين أنت حر، لكن ليس في المسجد ولكن في البيت؛ لأنه ما زال صغيراً لا يفهم، وقد يؤذي الناس في بيت الله سبحانه.
يقول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) أي: إذا كان عمر الطفل سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة ويعلم.
قوله ﷺ : (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)، يعني: يتعلم الطفل الصغير الذي عمره سبع سنين الصلاة بأركانها وشروطها، ويعلم كيف يتوضأ ويتطهر للصلاة، ويؤمر بالصلاة، ويصطحبه والده إلى المسجد ليتعلم مع الناس، ويحترم بيت الله .
فقوله: (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)، أي: الطفل إذا بلغ عشر سنين وتكاسل عن الصلاة فاضربه ضرباً غير مبرح، مع أنه غير مكلف، لكن مع ذلك إن تكاسل عن الصلاة فإنه يضرب، من أجل أن يحافظ على الصلاة، بحيث يبلغ هذا الصبي وهو يعرف الصلاة ويعرف أحكام الصلاة، من الوضوء، والطهارة والشروط والأركان، والواجبات والنوافل والهيئات، فيتقن هذه الصلوات، ولا تحتاج بعد ذلك لا لضرب ولا غيره.
وعندما تأتي إلى المسجد ومررت على أشخاص في الشارع لا يصلون فسلم عليهم وقل لهم: تعالوا نصلي! إذا كنت مأموراً بأن تأمر الصبي الصغير بالصلاة، فالكبير من باب أولى، لا تقل: نفسي نفسي؛ لأن نفسي نفسي ليوم القيامة فقط، أما في الدنيا فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها، وفي رواية: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، أي: تطلع الشمس على الكرة الأرضية كلها فهداية شخص على يديك خير لك مما فيها.
فاسأل نفسك كل يوم: كم أمرت الناس بالمعروف ونهيتهم عن المنكر، إذا فعلت هذا الشيء فلك أجر عظيم عند الله، وتجارة رابحة، وليس شرطاً أن يستجاب لك، فكم من إنسان نقول له: تعال صل، يقول: نعم سآتي وراءك الآن ولا يأتي، وثاني يوم وثالث يوم، وبعد سنة تلقاه قد أتى ليصلي لوحده، فهذا الذي هداه هو الله ، لكن أنت سبب من الأسباب.
لا تيئس من أحد أبداً، دعوت شخصاً اليوم ولم يستجب فلا تيئس، بل واصل دعوته، وفي يوم من الأيام لعل الله أن يهديه ويكون لك الأجر، لكن لا تعامل الناس بعنف، ولا تقل: هلك الناس، ففي الحديث: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم)، لا تلح على إنسان بالقوة، فقد يكون عنده عذر، كأن يكون على جنابة وما كان يصلي، فكيف يدخل المسجد وهو على هذه الصورة؟! ليس الصلاة فقط، لعل إنساناً عنده مال ولا يؤدي زكاة ماله، ولا يعرف أحكام الزكاة، فهذا تعلمه وتقول: زكاة المال حكمها كذا وكذا، والمفروض عليك أنك تؤدي كذا.
أذكر واحداً من المصلين معنا في المسجد وهو رجل كبير في السن أتاني مرة وقال لي: أنا عندي مال ولا أعرف الزكاة، ويقول لي: أنا أتصدق كثيراً لكن لا أعرف الصدقة من الزكاة.
إذاً: نعلم الناس ما يجهلونه من أحكام، فالإنسان المسلم في كل مكان يدعو الناس إلى الله ؛ لأن حياة المسلم كلها دعوة لله .
ثم قال ﷺ : (وفرقوا بينهم في المضاجع) أي: تفرق بين الذكور والإناث، لا تنام البنت بجانب الولد الذي عمره عشر سنين، بل يفرق بين الجميع، كل واحد في سريره عند مرحلة البلوغ أو قبيل البلوغ؛ يعتاد الولد أنه لا يطلع على العورات أو لا ينظر إلى ما يحرم.
стр. 112
وجوب تعليم الأولاد الصلاة
من الأحاديث في هذا الموضوع حديث آخر يقول لنا ﷺ : (علموا الصبي الصلاة لسبع سنين)، قال في الرواية الأولى: (مروا أولادكم)، وهنا قال: (علموا)، يعني: أن أقول له: صل يا ولد، فهو قد يصلي الصلاة أربع ركعات أو خمس ركعات؛ لأنه لا يدري كيف يصلي؛ فلذلك قال: (علموا الصبي) أي: تعلمه الصلاة، تسأله: هل تعرف كيف تصلي أو لا تعرف؟ تعال فأرني كيف تصلي، هل تحفظ الفاتحة أو لا تحفظها؟ اقرأ علي الفاتحة، وقد يوجد أناس كبار في السن لا يحفظون الفاتحة، فهؤلاء يعلمون دون إحراج.
إذاً: إذا علم الإنسان غيره كيف يقرأ فاتحة الكتاب فإنه يؤجر عليه، لو أن شخصاً قال لنا: أنا لا أحفظ التشهد، نقول له: إذا لم تحفظ التشهد فقل: سبحان الله والحمد لله، حتى تحفظ التشهد، ولكن قبل ما تقول له قل: سبحان الله والحمد لله، قل له: اكتب التشهد في ورقة وضعها أمامك وأنت تصلي واقرأها؛ لأننا نقرأ في أبواب الفقه أن التشهد واجب، وأقله أن يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله! هذا أقل ما يكون في التشهد.
فكون الإنسان يحتسب ويجلس مع الشخص الذي لا يحفظ التشهد خمس دقائق، سيحفظ التشهد ويصلي ما شاء الله له من صلاة، ويكون لي فيها الأجر العظيم.
قوله: (علموا) لقد بعث الله النبي ﷺ معلماً ومؤدباً ومربياً، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه يعلم الناس برفق، فهذا ابن مسعود يقول: (كان رسول الله ﷺ يعلمني التشهد كفي في كفه أو يدي في يده كما يعلمني السورة من القرآن)، فكذلك أنت أيها الداعية إذا وجدت إنساناً يقول لك: أنا لا أحفظ الفاتحة، فلا تستسهل الأمر وتقول له: قل: سبحان الله والحمد الله؛ لأنه قد يستمر على ذلك إلى أن يموت، ولكن علمه الفاتحة، وقد تلقى الكثير من هؤلاء يقول لك: أحفظ آيات منها، لكن يحتاج إلى من يرتبها له، فأنت لو حفظته، فإنك تؤجر على هذا الشيء من الله .
стр. 113
شرح رياض الصالحين - حق الجار والوصية به
أوصانا ديننا الإسلامي بالجار وأوجب علينا الإحسان إليه بالطعام وغيره، وعدم أذيته، وحرم علينا التطلع إلى عوراته.
كما أوجب علينا طاعة الوالدين والإحسان إليهما، وخفض جناح الذل لهما، وأمرنا بالإحسان إلى الأقارب وحرم علينا قطيعتهم.
стр. 114
الأمر بالإحسان إلى الجيران
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب حق الجار والوصية به.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦].
وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، متفق عليه.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، رواه مسلم.
وفي رواية له عن أبي ذر قال: (إن خليلي ﷺ أوصاني إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف)].
والجار هو المجاور في السكن أو المكان، ومنه المجاورة في الاعتكاف بمعنى: المجاور في المسجد في فترة الاعتكاف.
والجار له حق على جاره، والإسلام يوصي بالجار وصية عظيمة سواء كان ذلك في القرآن أو في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ففي القرآن، قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] فبدأ بعبادة الله سبحانه وتوحيده ثم ذكر أصحاب الحقوق فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦]، أيْ: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً وإلى ذوي القربى وهم أرحام الإنسان وعصباته، ثم قال: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦]، فبعد ما وصى الله بالوالدين وبالقرابات، وصى باليتامى والمساكين وهم أهل الحاجة، ثم وصى بالجار.
стр. 115
أنواع الجوار في القرآن
والجوار على ثلاثة أنواع: النول الأول: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] وهو من تجمعك وإياه قرابة نسب وجوار، فهذا له حق الجوار وحق القرابة.
النوع الثاني: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] وهو الجار الغير القريب، الذي لا يوجد بينك وبينه نسب ولا رحم ولا عصوبة، فالوصية فيه لكونه جاراً.
النوع الثالث: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] المصاحبة هي المجاورة، كمصاحبة الإنسان للإنسان في الطريق أو في دروس العلم أو في غير ذلك من أنواع المصاحبة على الخير، فأوصى الله خيراً في الجار من القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.
وكذلك أوصى بابن السبيل وهو الإنسان المسافر الذي نزل في مكان فيحتاج إلى نفقة، ثم أوصى بما ملكت أيمانكم.
стр. 116
الوصية بحق الجار
والأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ كثيرة فمنها: حديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وصية جبريل للنبي ﷺ بأن يحافظ على جاره ويحفظه ويصنع له خيراً، وهذه الوصية للنبي ﷺ ولأمته، وهذه الوصية ليست من قبل جبريل وإنما هي أمر من الله .
ولقد أوصى الله تعالى في القرآن بوصايا فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وذكر ميراث البنت والزوج والزوجة والأخ والأخت وغير ذلك، وظن النبي ﷺ أنَّ الله تعالى سينزل آيات فيها الوصية بميراث الجار، فقال: (حتى ظننت أنه سيورثه).
والجار إما أن يكون جاراً وقريباً في الوقت نفسه ويكون مسلماً، أو يكون جاراً كافراً، أو يكون جاراً مسلماً فهؤلاء لهم حقوق.
فإذا كان الجار مجاوراً وقريباً ومسلماً فله ثلاثة حقوق: الحق الأول: حق الجوار، جنبك وبجوارك فأنت ستعرف مدخله ومخرجه، ويحتاج إليك وتحتاج إليه.
والحق الثاني: حق الإسلام، وللمسلم على المسلم حقوق.
والحق الثالث: حق القرابة، إذا كان بينك وبينه رحم.
فإذا كان جاراً غريباً ولكنه مسلم، فله حق الجوار وحق الإسلام عليك.
وإذا كان جاراً كافراً فليس له إلا حق الجوار، فلا تؤذ جارك.
فهذه الحقوق التي أمرنا الله بأدائها، فلو أن كل إنسان عرف الحقوق وأدَّى الواجبات لاستراح الناس، وكل إنسان يعرف الحقوق التي أوجبها الله على عباده، فقد شرع لنا منهاجاً للحياة نعيش تحت ظله، فنأتمر بأمره وننتهي بنهيه، فيجب علينا مراعاة حق الجار فنحافظ عليه.
والمحافظة عليه كانت معروفة في الجاهلية، وكانوا يعدون ذلك من مكارم الأخلاق، فكانوا يرون أن الجار له حق عظيم جداً وخاصة إذا كان الجار ليس موجوداً فيراعون حق زوجته أو كريمته، ويغضون الطرف عنها، يقول عنترة بن شداد وهو شاعر جاهلي: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها فلم يؤمروا بغض البصر وإنما كان عندهم احترام للجار.
стр. 117
حكم من زنى بزوجة جاره
ولما جاء الإسلام حرم الزنا وجعل من أشد الزنا وأفحشه أن يزني الرجل بحليلة جاره، فهذا من أعظم الكبائر فالمسلم مطلوب منه أن يحافظ على جاره.
والجار أقرب إنسان إليك سواء كان قريباً أو غريباً، فلو حصلت لك مصيبة فإنك ستستنجد بجارك فحافظ على حقوقه، فلا تنظر إلى نسائه أبداً نظرة خائنة، فالجار هو الذي يزورك وأنت مريض، وهو الذي يمشي وراءك إلى قبرك فيدعو لك، وهو الذي تقبل شهادته عليك عند الله ، وجارك أعلم بك.
فلو قال جارك فيك بعد موتك: كنت رجلاً كريماً مصلياً قارئاً للقرآن، فهذه الشهادة مقبولة عند الله سبحانه ﵎.
ولقد ورد في الحديث: (أن الصحابة مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال النبي ﷺ : وجبت، ثم مروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، قالوا: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه).
فالمسلم العاقل ينفع جاره في الدنيا وفي القبر فيحرص على أن يثني عليه خيراً، وإذا لم يثن عليه خيراً فعلى الأقل لا يؤذيه بالكلام الخبيث، أو بفعل ضار يضره به، بأن يسرقه أو يتسلط عليه بالأذية وغير ذلك، فالمسلم يراعي حق الجار حتى لا يدعو عليه، وحتى تكون الألفة والمحبة بينهما.
стр. 118
مواساة الجيران بالطعام
ومن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : حديث رواه مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك).
فإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ولم يقل النبي ﷺ : فأكثر لحمها، لأنه ليس كل واحد سيجد اللحم، فأعطه شربة مرق فقد يكون فقيراً محتاجاً فيدعو لك، ويبيت فرحاناً.
وتعاهد الجار هو تفقد أحواله والسؤال عنها ابتغاء وجه الله .
ويقول في الرواية الأخرى: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف).
أي: بشيء من المعروف ولا تحرم جيرانك.
стр. 119
جزاء الجار السيئ
ومن الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : حديث لـ أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) أقسم النبي ﷺ ثلاث مرات وهو الصادق ﷺ فيما يقول، ليؤكد للناس الكلام الذي بعد القسم وليستحضروه فلا ينسوه.
(قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه).
والبوائق معناها: الغوائل والشرور، وهذان الأمران لا يثاب عليهما الإنسان وينقصان من إيمانه، فإنَّ الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهذا الفعل من أقل الأشياء التي يجب أن تؤديها، فترفع قشرة الموز لئلا يتزحلق فيها أحد فيتأذى بها، وذلك ابتغاء وجه الله لتحصل على الأجر.
فإذا كان الإنسان يؤذي جاره فإنَّ إيمانه ناقص، فإنه مأمور بأن يرحم جاره وأن يتعاهده ويحافظ عليه.
ومن علامات الإيمان أن الإنسان يكرم جاره، ويتعاهده فيما يحتاج إليه ويقدمه إليه.
стр. 120
الصبر على أذية الجيران
وجاء في حديث رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁: (جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره فقال له النبي ﷺ : اذهب فاصبر)، فأوصاه بالصبر لكي يستحي منه جاره فلا يؤذيه.
ثم شكاه مرة ثانية فقال له: (اذهب فاصبر)، ثم مرة ثالثة فقال له: (اذهب فاطرح متاعك في الطريق).
هنا تأديب ذكي من النبي ﷺ لهذا الجار السيئ الذي يؤذي جاره، فهذا منظر غريب أن رجلاً يضع متاع منزله في الشارع، فيسأله الناس عن سبب ذلك، فيخبرهم أن جاره يؤذيه فيدعو الناس عليه، فلما بلغ الخبر إلى الجار المؤذي أن الناس يلعنونه وستستجاب دعوتهم وأن النبي ﷺ أمر جاره بذلك، فذهب إليه وقال له: ارجع ولا ترى مني شيئاً تكرهه.
فهذا تأديب من النبي ﷺ لمثل هذا الجار، وأيضاً تعليمه للجار الآخر بالصبر فإنَّ جزاءه الحسنى.
وجاء في حديث أن النبي ﷺ قال: (إن شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره).
الإنسان الشرير فرح بنفسه ويحس أن أحداً لا يجرؤ أن ينظر إليه فهذا من شر الناس، وخير الناس من أحبه الناس، وكان مؤمناً لطيفاً يؤلف ويأتلف، حسن المعاشرة مع أهله ومع جيرانه.
وشر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، فلا يريد أحد أن يقابله.
стр. 121
النهي عن احتقار هدية الجيران
ومن الأحاديث أيضاً: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، متفق عليه.
يعلمنا النبي ﷺ التهادي ولو بالشيء القليل، ليعمق المحبة فيما بيننا، قال النبي ﷺ : (تهادوا تحابوا).
إذا كانت الهدية بين المسلم وأخيه - إن لم يكن من ورائها غرض قبيح - قبلها الإنسان، ومن أهدي إليها شيء يسير فلا تحتقره ولو كان فرسن شاة، وهو آخر الساق من الشاة الذي فيه لحم قليل.
والمعنى: أن إنساناً أهدى لك الشيء القليل ويرجو المحبة بينك وبينه، فلا تحرم نفسك من هذا ولا تحتقر المهدي إليك.
стр. 122
مساعدة الجيران في أمور مصالحهم الدنيوية
وحديث آخر لـ أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) متفق عليه.
قد يكون الجار فقيراً ويريد أن يبني له غرفة أو عشة ومحتاج أن يضع الخشبة على جدرا دار جاره بحيث لا يتضرر البيت فلا يمنع من ذلك.
ثم قال أبو هريرة ﵁: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) كأن أبا هريرة حدث بهذا الحديث وقد كان أميراً وذلك لما اشتكى له بعض الناس أن جاره منعه أن يضع الخشبة في جداره، فقال للناس: والله لأرمين بها ولو بين أكتافكم.
أي: فسوف أجعل الخشبة بين أكتافكم، والمعنى: طالما أنه شيء لا يؤذيك فلا تمنع الجار من ذلك لكي يدعو لك بالخير، ويكون بينك وبينه مودة.
وكم من إنسان يمنع جاره من أشياء لا تضره كأن يمنعه من وضع حبل الغسيل في الجدار أو على السطوح بدعوى أن الجدار أو السطح سيتهدم أو يتكسر، وطالما أنك لن تتضرر فلا تمنع جارك.
стр. 123
عدم أذية الجيران من علامات الإيمان
وفي حديث آخر له أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)، متفق عليه.
من علامات الإيمان وصفات المؤمن ما يلي: أولاً: عدم إيذائه لجاره، فلا يحل للمؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤذي جاره.
ثانياً: إكرام الضيف، فلا يحل للضيف أن يحرج من نزل عنده.
وأيضاً: لا يحل للمضيف أن يؤذي هذا الضيف، وأن يمتنع من إكرامه على قدر استطاعته.
وأخبر النبي ﷺ أن حق الضيف ثلاثة أيام، فلا يحرجه ويطول الجلوس عنده.
فإكرام الضيف مقرر في الشريعة، والمطلوب من الضيف أنه لا يؤذي هذا المضيف فلا يبيت عنده وهو يعلم أن بيته ضيق.
ثالثاً: من علامات الإيمان أن المسلم إذا تكلم نطق بالخير، وإلا فليسكت ليحسن قيامه بعمله، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، طالما أن الإنسان سيسأل يوم القيامة.
فإذا تكلم الإنسان بكلام فإنه سيؤاخذ ويحاسب عليه عند الله ، ولا يحل للإنسان أن يكذب ليضحك من حوله، فإما أن يتكلم بخير أو يسكت، فإذا أراد أن يتكلم فليتكلم بالكلام الذي أبيح له شرعاً، فلا يجوز له أن يتكلم بالكذب، ولا بالفحش، ولا يشهد زوراً، فالمسلم يعرف ما الذي يجوز له أن يتكلم به وما يحرم عليه فيمتثل أمر الله سبحانه.
ومن الأحاديث أيضاً: حديث أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) رواه مسلم.
ولا شك أن المسلم عنده أخلاق حسنة، ومنها الإحسان إلى الخلق، فيحسن إلى الوالدين وإلى أقربائه وإلى جيرانه.
стр. 124
الجار القريب أولى بالمعروف من الجار البعيد
وعن السيدة عائشة ﵁ قالت: (قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) رواه البخاري وأبو داود.
أَيْ: من كان باب داره قريباً من باب دارك فهو شريكك، فإذا دخلت دارك وفي يدك شيء فهو يراك لأنه قريب منك، أما البعيد فلا يرى، وقد تدخل مستخفياً ولكن بعدما تصعد رائحة الأكل فيشمه الجار القريب فسيحتاج، فالنبي ﷺ يعلمك أن القريب أولى بالمعروف.
стр. 125
خير الجيران عند الله تعالى
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره).
رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
خير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وجاء في الحديث الآخر: (ما تحاب الرجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه).
إذا كان الرجلان متحابين في الله ، فأحبهما إلى الله الذي يحب صاحبه أكثر.
فهنا علمنا النبي ﷺ أن خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، فلا يصاحبه لأجل الدنيا أو يريد أن ينتفع منه أكثر نفعاً، ولكن يحبه في الله ﵎، وكلما ازدادت المحبة كان أقرب إلى الله.
وقوله ﷺ : (وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره).
فالدين يعلمك إن تعمل العمل ولا تنتظر المكافأة عليه من الناس؛ لأنك إذا انتظرت المكافأة من الناس فإنهم سيتعبون منك، فاعمل لله ﵎، ولا تنتظر أجراً ولا مدحاً ولا شكراً من الناس؛ لكن انتظر الأجر من الله .
والمعاملة مع الناس متعبة ومع الله مريحة جداً، فالمسلم يتعامل مع الله، فيحب في الله لأجل أن يحبه الله .
ويكرم جاره لكي يكون أفضل عند الله ﵎، فلا يكرمه لأجل أن يبادله بالإكرام.
والجار إذا تغاضى عن جاره ونظر للأجر والثواب عند الله وأن الأجر على قدر العمل والمشقة فإنه سيستريح من الجار ومن الناس لأنه انتظر من الله خيره وبره ورحمته سبحانه.
والمؤمنون يتفاوتون في درجات الجنة، فبعضهم أعلى درجة من البعض الآخر، لأنهم كانوا أحسن خلقاً ويكرمون الجيران وكانوا خير الأصحاب.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في ذلك، فقد جاء الحديث أن رجلاً أراد أن يصلح جدرا حائطه فاعترضته نخلة كانت لجاره، ولا يتم إصلاح الجدار إلا بإزالتها، فذهب إلى جاره يستأذنه بإزالتها فرفض، ثم عرض عليه أن يبيع له هذه النخلة فرفض، فذهب إلى النبي ﷺ وأخبره بالخبر فقال النبي ﷺ للرجل: (أعطها له ولك نخلة في الجنة، فقال: لا أريد، فسمع أبو الدحداح رضي الله ﵎ عنه ذلك، فقال: أنا أشتريها منه يا رسول الله، فذهب إلى الرجل وساومه على أن يعطيه حائطه ثمن هذه النخلة، وكان في هذا الحائط ستمائة نخلة، فوافق الرجل.
فذهب أبو الدحداح إلى امرأته وأولاده وقد كانوا في الحائط فناداهم بأن يخرجوا من الحائط)، أي: فإنه قد باعه بنخلة في الجنة، فأخذ زوجته وأولاده وترك الحائط لهذا الإنسان وصارت له نخلة في الجنة، والنخلة في الجنة شيء عظيم جداً، ولكن هذا الجار بخل، ولذلك ساء خلقه ولم يستجب لأمر النبي ﷺ لكن أبا الدحداح ﵁ عرف وعد النبي ﷺ وما في الجنة من أشياء عظيمة، فلما مات أبو الدحداح ومشى النبي ﷺ في جنازته فقال: (كم من عذق رداح لـ أبي الدحداح)، والعذق هو العرجون.
أي: كم من نخيل كثير لهذا الرجل العظيم أبي الدحداح مقابل ما فعله، وكان هيناً عليه أن يفعل ذلك؛ لأنه رباه النبي ﷺ على حب الله ، وعلى حب رسوله ﷺ وعلى إكرام المسلمين؛ فرضي الله ﵎ عنه.
إذاً: خير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره، والإنسان يكرم جاره ولا ينتظر منه جزاءً ولا شكوراً، لكي ينال الفضل من الله ﵎.
стр. 126
الأمر بالإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام
стр. 127
وصية الله تعالى بالوالدين
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب بر الوالدين وصلة الأرحام.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، والوالدان من الأرحام.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد:٢١]، والمؤمن يصل رحمه؛ لأن الله أمر بذلك.
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣].
الوالدان هم الأب والأم، فالأم هي التي حملت ابنها تسعة أشهر وأرضعته حولين كاملين، والأب أحسن إليه حتى نشأ وشب وصار رجلاً.
فالله يوصي الإنسان بالوالدين إحساناً، أي: أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً وخاصة إذا بلغ الكبر أحدهما أو كلاهما، قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣].
وأف: كلمة تفيد التضجر.
ولا تنهرهما: أي لا ترفع صوتك في الكلام عليهما ولا ترد عليهما أمرهما ولكن أحسن إليهما ليبارك الله لك في عمرك، فإذا عققتهما سلط الله عليك من أولادك من يعقك.
والأب والأم بركة إذا كانا عند أولادهما إذا تفاوتوا في خدمة الوالدين، أما إذا تركوهما بعيداً ولم يسألوا عنهما فهذا ليس من الإحسان إليهما، ودعاء الوالدين لك سبب لدخولك الجنة، لذا فإن رجلاً ذهب إلى الصحابة يسألهم عن امرأة تعلمت السحر، ثم تابت وتريد أن تصوم لله ، فقال الصحابة: إن كان لها أب أو أم لرجونا لها الله تعالى أن يعفو عنها.
والأب والأم كنزان عند الإنسان إذا أحسن إليهما استفاد من بركتهما، ومن أساء إليهما ضيع على نفسه دنياه وأخراه، وكم من إنسان متضجر من والديه ويتمنى موتهما وقد يضربهما، ثم يسأل بعد موتهما ماذا يفعل لهما؟ وقد أساء إليهما أيما إساءة، ومع ذلك فإن رحمة ربنا عظيمة فيغفر لمن يشاء سبحانه، لكنه ضيع فرصة عظيمة على نفسه كانت ستدخله الجنة، وهي دعوة الأب والأم فإنها باب في الجنة مفتوح.
وقال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، أي: اخفض لهما جناحك من شدة رحمتك بهما، وكن غاية في الرأفة والرحمة بهما حتى لكأنك ذليل أمامهما من شدة رحمتك لهما.
стр. 128
أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة
ومن الأحاديث التي جاءت حديث ابن مسعود ﵄ قال: (سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، فجعله بعد الصلاة، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).
وأخر الجهاد على البر بالوالدين، لكن إذا تعين الجهاد فإنه يجاهد في سبيل الله ولا ينتظر إذن الوالدين في ذلك، أما إذا لم يتعين الجهاد فيجب أن يستأذنهما في الجهاد في سبيل الله .
فبر الوالدين جعله النبي ﷺ بعد الصلاة وقبل الجهاد في سبيل الله.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)، رواه مسلم.
أي: الشيء الوحيد الذي يمكن للولد أن يجزي به حق والده سواء كان أباه أو أمه، هو أن يجده مملوكاً فيشتريه ثم يعتقه.
стр. 129
جزاء قاطع الرحم
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)، فالرحم اشتق لها الرحمن اسماً من اسمه، ورحم الإنسان: قراباته، فالرحم تتعوذ بالله من أن تقطع (فقال الله : أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك.
قالت: بلى.
قال: فذلك لك).
فهذا وعد من الله ﵎ أنه يصل من وصل الرحم، فيجب على الإنسان أن يصل أقربائه كأبيه وعمه وخاله وأخته وعمته وخالته وأبناء أخواته وأبنائه ولا يقطع رحمه.
وجاء في الحديث الآخر: (حتى إن أهل الديار لا يصبرون على شيء من الذنوب، ولكن يصلون أرحامهم فيعطيهم الله الغنى في الدنيا) فالإنسان الذي يرتكب الذنوب والمعاصي ولكنه يصل رحمه فإن الله تعالى قد يغفر له، لأن صلة الرحم عظيمة جداً، قال الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
فالذين أفسدوا في الأرض وقطعوا أرحامهم أصم الله آذانهم وأعمى أبصارهم.
стр. 130
أحق الناس بحسن الصحبة
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) متفق عليه.
حق الأم أعظم من حق الأب لأنها حملت ابنها تسعة أشهر وتعبت فيه تعباً شديداً، ثم ولدته وتعرضت لآلام شديدة، ثم أرضعته حولين كاملين، إلى غير ذلك من المتاعب التي تحملتها في سبيل ابنها.
وفي رواية أن النبي ﷺ قال: (أمك ثم أمك ثم أباك، ثم أدناك أدناك) أي: راع أباك ثم أدناك أدناك، وهم الأقربون.
стр. 131
رغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة).
رغم: من الرغام، وهو التراب، وهنا دعاء على الإنسان أن يوضع أنفه في الأرض، ومعناه: أن يذله الله إذا أباه وأمه وقد بلغا الكبر ومع ذلك لم يدخل الجنة.
فالوالدان بابان من أبواب الجنة، فإذا أحسن الإنسان إلى الوالدين دعوا له وكان ذلك سبباً في دخوله الجنة.
وفي الحديث الآخر: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال النبي ﷺ : لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك).
أي: إن كنت كما قلت أنك تصلهم وهم يقطعونك وتحسن إليهم وهم يسيئون إليك، وتحلم عن جهلهم وعن سخطهم وعن شتمهم وهم يجهلون ويسيئون إليك؛ فكأنك تحط في فم هؤلاء الرماد الحار؛ ولا شيء عليك؛ لأنك تحسن إليهم.
فلا تدع فرصة لهؤلاء إن يقولوا عنك بأنك قاطع للرحم، ولا تضيع على نفسك ثواباً عند الله ﵎.
فالمفترض في الإنسان المسلم أن يتعامل مع الله سبحانه ولم ينتظر إلى إحسان الناس.
стр. 132
بسط الرزق والبركة في العمر
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه).
صلة الرحم سبب في زيادة الرزق زيادة حقيقة، وفي زيادة عمر الإنسان أي: البركة في عمره.
فالإنسان الذي يصل رحمه يفتح الله له أبواب الرزق وإن لم يشعر بذلك، كأن يكون موظفاً وله راتب معلوم، فمن البسط في الرزق أنَّ الله يمنع عنه مرضاً أو فساداً يضيع عليه ماله، فالله أعلم ما يكون بالعبد منه.
فالإمام النووي هو صاحب كتاب رياض الصالحين وكتاب المجموع وكتاب تهذيب الأسماء واللغات وكتاب روضة الطالبين، وكان الإمام النووي ﵀ له اثنا عشر درساً، درس في الحديث وفي أصول الفقه وعلم الحديث وعلم الفقه وعلوم كثيرة فهو صاحب المؤلفات الضخمة، وتوفي وله من العمر ست وأربعون سنة هجرية، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]، فعلى الحساب الهجري سيكون زيادة تسع سنين، وعلى الحساب الشمسي ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، فإن كل مائة سنة تزيد بثلاث سنين.
والإمام الشوكاني ﵀ مات وعمره أربع وخمسون سنة، والإمام الشنقيطي رحمة الله عليه صاحب المؤلفات العظيمة التي أخذ الناس منها فقهه وعلمه وألفوا عليها الكتب الكثيرة جداً، مات وله من العمر أربع وخمسون سنة وهو إمام الدنيا رضي الله ﵎ عنه.
فبارك الله لهم في أعمارهم، فكانت أعمارهم طاعة لله سبحانه، فما يستطيع أحد أن يحصل على الذي كان يحصله الإمام النووي في اليوم الواحد من الدروس، ولكن تشبه بهؤلاء فصل رحمك وأطع الله سبحانه وعامل جارك المعاملة الحسنة يبارك لك في رزقك ويبارك لك في أثرك بما تستحقه أنت في الجانب الذي أنت فيه.
فزيادة الله للإنسان في عمره معناها: البركة في العمر، فما يعمله في السنة الواحدة أضعاف ما يعمله غيره في سنوات، فالصحابة رضوان الله عيهم بارك الله لهم في أرزاقهم وفي ثوابهم عنده ﵎، قال النبي ﷺ : (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، أي: لو أنفقت مثل جبل أحد ذهباً ما بلغت من نفقة أحدهم مداً واحداً، أي: مثل قبضة اليد الواحدة، كذلك فضل الله سبحانه يؤتيه من يشاء، فالمسلم يفعل الخيرات ويحرص على أرحامه وعلى أمه وأبيه وعلى جيرانه ويكرم ضيفه، وربنا يعطي هذا الإنسان من الرزق في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 133
الأولى بالصدقة
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، قام أبو طلحة ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله).
أبو طلحة الأنصاري زوج أم سليم وهي أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، والبر كلمة تجمع وجوه الإحسان كلها، ومعنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا﴾ [آل عمران:٩٢] يعني: من بعض ما تحبون، وما قال لنا: حتى تنفقوا ما تحبون أي: جميع ما تحبون.
فقال النبي ﷺ : (بخ بخ! ذاك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فهذه نصيحة النبي ﷺ : أن يقسمها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
متفق عليه، فهذا يدل على استحباب الصدقة على الأقارب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 134
شرح رياض الصالحين - بر الوالدين وصلة الأرحام
لقد رعى الإسلام الوشائج والروابط بين الناس الناشئة عن الولادة والقرابة، وأعطى الرابطة القوية منها منزلة عظيمة قرنت في القرآن الكريم بتوحيد الله تعالى، وهي الوالدين وحسن صحبتهما، وجعل لسائر القرابات من ذوي الأرحام حق الصلة بالزيارة والإحسان، كل ذلك ليعلم المرء أن شأن البر والإحسان إلى الرحم عظيم.
стр. 135
منزلة بر الوالدين في الإسلام
стр. 136
حكم الجهاد بغير إذن الوالدين
قال الإمام النووي ﵀: [باب بر الوالدين وصلة الأرحام.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (أقبل رجلٌ إلى نبي الله ﷺ ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى.
فقال ﷺ : فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما.
قال: فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم.
قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما).
وفي رواية: قال النبي ﷺ : (أحيٌّ والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد).
وعنه - أيضاً - أن النبي ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) رواه البخاري.
وقطعت بفتح القاف والطاء، ورحم مرفوع].
المسلم مأمور بأن يبر والديه، قال الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، وكذلك ذوي القربى.
ومن الأحاديث الواردة في بر الوالدين حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجلَّ إلى النبي ﷺ ليبايع على الهجرة والجهاد يبتغي الأجر من الله سبحانه ﵎، فسأله النبي ﷺ : (أحي والداك فقال: نعم.
وفي حديث آخر أن الرجل قال للنبي ﷺ : ولقد تركتهما يبكيان).
يعني أنه أتى ليجاهد في سبيل الله وترك أباه وأمه يبكيان بسبب خروجه خائفين عليه من أن يقتل، وكأنَّه أتى يسأل وكان الجهاد غير متعين، أما إذا تعين الجهاد فإن إذن الوالدين مستحب فقط، ولو رفضا لا ينتظر إذنهما، بل يخرج ليجاهد في سبيل الله .
والذي وقع هنا أن الجهاد كان فرضاً كفائياً، وكان ﷺ يبعث البعوث، فهذا أحب يشترك في بعث ولم يأمره النبي ﷺ ، فلذلك سأله: أحيٌّ والداك؟ فقال: نعم.
وأخبر أنه تركهما يبكيان، فقال: ارجع إليهما ففيهما فجاهد.
وفي الحديث الآخر قال ﷺ : (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) أي: إن أبكيتهما بالخروج فأرجع فاضحك والديك كما أبكيتهما.
وفيه أنه ينبغي للإنسان أن لا يؤذي والديه فيستأذنهما فيما كان مستحباً، كأن يخرج لجهاد تطوع، أو لحجة تطوع أو لعمرة تطوع، والأب والأم يحتاجان إلى بقائه، وفي هذا الحديث قال له: (فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم.
قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما).
فليس المقصود الرجوع ليقعد معهما، بل المقصود حسن صحبتهما، بحيث يبقى المسلم مع أبيه ومع أمه يحسن الصحبة بالمعروف، ولو كان الوالدان كافرين فإن ربنا تعالى يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].
فلو جاهداك وأمراك بالكفر بالله والشرك بالله فلا تطعهما في ذلك، ولكن مع ذلك أحسن إليهما وصاحبهما بالمعروف.
стр. 137
حقيقة صلة الرحم
وأورد الإمام النووي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها).
الواصل هو الذي يصل الرحم، يقال: فلان يصل الرحم.
وقد أمرنا ربنا بصلة الأرحام، وأخبرنا النبي ﷺ أن الواصل ليس هو المكافئ الذي إن زار مرة انتظر أن يزار، بل الواصل الرحم هو الذي لا ينتظر أن تزوره أصلاً، فهو يصلك إن كنت مقبلاً عليه أو معرضاً عنه؛ لأنه يبتغي الأجر من الله.
والمعاملة مع الله تريح قلب الإنسان، فنحن حينما نصل الأرحام يكفينا رضا ربنا، ويقول المرء منا: لا يهمني أن هذا القريب أقبل علي أو أعرض عني، فلو ذهبت إليه فقال: أنا مشغول، أو ذهبت واستقبلني عنده، وكذلك إذا زارني أو لم يزرني، كل ذلك لا يهمني طالما أن الأمر ابتغاء وجه الله ﵎.
فهنا النبي ﷺ يقول: (ليس الواصل بالمكافئ) فلكي تبقى واصلاً فاعلم أن الواصل ليس الذي يقابل زيارة بزيارة، بل إذا قطعت رحمه وصلها.
стр. 138
فضل صلة الرحم وخطر قطعها
وفي حديث السيدة عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله).
هذه هي الرحم، وهذا وعد من الله للرحم، فلما خلق الله الخلق، وخلق الرحم، قامت وتعلقت بعرش الرحمن ﵎، وسألت ربها فقال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ فالذي يصل الرحم يصله الله ، وصلة الله للعبد عطاء من الله، ورحمة من الله، وتفضيل وتكريم من الله ﵎.
وانظر إلى حال الإنسان في الدنيا، فإذا قيل: إن الملك الفلاني يصل فلاناً، فإن صلة الملك جائزة الملك، فكيف بملك الملوك؟ فالله إذا وعد بأن يصل عبده، فإنه يجعل عبده متعلقاً به ، فيعطي عبده ما سأله، ويكون مع عبده، فينصره ويؤيده ويرحمه، ويكون معه في الدار الآخرة فيرحمه سبحانه ويدخله جنته، وهذا جزاء من يصل رحمه.
стр. 139
فضل الصدقة والإحسان إلى ذوي القرابة
في حديث السيدة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ ، وكأنها عرفت فضل العتق، وهو أن الذي يعتق مملوكاً يكون ذلك فكاكاً له من النار.
فهنا أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحارث ﵂ كان عندها أمة فأحبت أن تبادر وتعتقها لتنال الأجر العظيم، فلما كان يومها الذي يدور فيه عليها النبي ﷺ قالت: (أشعرت - يا رسول الله - أني أعتقت وليدتي؟ - أي: أعرفت ذلك؟ - فقال: أوفعلت؟ قالت: نعم).
وعتق الرقبة فيه فضل عظيم جداً، ولكن النبي ﷺ يدلها على ما هو أفضل من ذلك، فالسيدة ميمونة كان لها أخوال، وكانوا محتاجين لهذه الوليدة، فقال ﷺ : (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك).
فالإنسان أحياناً ينسى أقاربه فيقول: هذه الصدقة لله سأعطيها لفلان.
فيعطيها لإنسان غريب عنه، ويمكن أن يكون قريبه فقيراً بجواره، لكن لم يخطر على باله أن يعطيه، وقد يخطر على باله لكنه يقول: سأعطيها للثاني.
فالسيدة ميمونة ﵂ نسيت أقاربها وأعتقت الوليدة وظنت أن هذا أفضل، فقال لها النبي ﷺ : (لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) فهم محتاجون إليها، وسيكون ذلك صدقة منك عليهم، ثم إنك لو فعلت ذلك كنت قد وصلت رحمك، فكان لك في ذلك الأجر.
ولذلك إذا أردت أن تتصدق بصدقة أو تخرج زكاة المال، فانظر إلى الأقرب من الأقارب فأعطهم بدل أن تتركهم للجيران أو للغرباء ليعطوهم فيكون لهم منة عليهم، فلماذا لا تكون أنت الذي تعطي أقاربك، فتصل الرحم بذلك، وتعطي زكاة مالك لأخيك الفقير المحتاج، أو لعمك الفقير المحتاج، أو لأختك الفقيرة المحتاجة، أو لأبناء أختك وأبناء أعمامك وأبناء إخوانك وأبناء أخواتك وأخوالك ونحو هؤلاء، إلا الأصول والفروع، فزكاة المال لا تعطى لأصل ولا لفرع، والأصول هم الأب والأم والجد والجدة، والفروع الأولاد والأحفاد، فلا يجوز لك أن تعطي زكاة المال لهؤلاء، ولكن يجوز لك أن تعطي لهؤلاء جميعهم من الصدقة.
وبعض الناس يسأل: هل يمكن أن أعطي الصدقة لأمي لتحج بها؟
و
الجواب
إذا كانت أمه لم تحج فهذه صدقة عظيمة، فلك أن تعطيها من الصدقة، أما الفريضة فلا، فزكاة المال لا تعطى للأم ولا للأب ولا للأولاد، أما الصدقة المطلقة فيجوز أن تعطى لهؤلاء إن كانوا محتاجين إليها.
وحين نقول: الزكاة لا تعطى للأصول ولا للفروع فليس معنى ذلك أن تتركهم وهم لا يجدون ما يأكلون، بل إذا كنت قد وجبت عليك الزكاة فمعنى ذلك أنك غني، وحينئذ تجب عليك النفقة لهؤلاء، فقد شرفهم الله بأن تنفق عليهم، لا أن تعطيهم أوساخ مالك، فقد سمى النبي ﷺ الزكاة أوساخ الناس، ولذا لا تعطى لآل بيت النبي ﷺ ولا للأب ولا للأم ولا للأولاد، بل تعطى لغيرهم.
стр. 140
بر المشرك من الوالدين
ومن الأحاديث في بر الوالدين حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ .
فأم أسماء كانت مشركة، أما أم السيدة عائشة التي هي أم رومان فقد كانت مؤمنة، فأم أسماء غير أم عائشة رضي الله ﵎ عنهما، والأب واحد هو أبو بكر الصديق ﵁.
تقول أسماء ﵂: قدمت علي أمي وهي مشركة، وفي رواية قالت: قدمت علي أمي وهي راغبة.
أي: كأنها راغبة في الصلة، حيث أتت بهدايا لابنتها، والعادة أن القريب يأتي بالهدايا، ومعناه أنك ستضيفه وتكرمه، وأيضاً تحمله بجائزة وبهدايا، فأمها وهي مشركة جاءت في ذلك الوقت، والسيدة أسماء خافت أن تدخلها وهي مشركة، فسألت النبي ﷺ ، فقال ﷺ : (نعم، صلي أمك) فالبنت تصل أمها، والابن أولى به أن يصل أمه ويصل أباه.
стр. 141
أجر الصدقة على الزوج وذوي القرابة
ومن الأحاديث حديث للسيدة زينب الثقفية زوج عبد الله بن مسعود ﵁، حيث قالت: قال رسول الله ﷺ : (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن).
فالمرأة إذا لم يكن لها فلوس يقال لها: تصدقي ولو من الحلي الذي تملكينه.
وزينب الثقفية زوج ابن مسعود ﵄ كانت غنية، وزوجها عبد الله بن مسعود الصحابي الفقيه الفاضل كان فقيراً، كان خفيف ذات اليد، أي: فقيراً ليس عنده مال، فالمرأة رجعت إليه وقد أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فاسأله هل ينفع أن أعطيك الصدقة وأنت زوجي أم لا ينفع ذلك؟ فقال: بل ائتيه أنت.
أي: أنت التي تريدين أن تتصدقي، فاذهبي أنت، فانطلقت، قالت: فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها.
أي: تريد أن تسأل نفس السؤال.
قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة.
حيث إن المرأة خجلت من أن تسأل النبي ﷺ لهيبته ﷺ ، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ كأن المرأة كانت تربي أيتاماً لها أو لغيرها، وأيضاً تريد أن تنفق على زوجها، فهل يمكن أن تعطي الصدقة لزوجها الفقير وتعطي الصدقة لأيتام تربيهم في حجرها، وهم عيال غيرها، وقالتا له: لا تخبره من نحن.
وكأن ذلك كان خوفاً على العمل من الرياء، وأيضاً هيبة من النبي ﷺ .
فدخل فقال للنبي ﷺ ذلك فقال: (من المرأتان؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال: رسول الله ﷺ : أي الزيانب؟ فقال: امرأة عبد الله) فاستفسر النبي ﷺ ليعرف من هؤلاء من أصحابه الذين هم من أهل البر والإحسان، وكان النبي ﷺ له مهابة فاستحيتا أن تسألاه وكذلك خشيتا أن تفضحا زوجيهما.
ولكن النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، قال: (لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة).
وعليه فإنه يجوز للمرأة إن كانت غنية أن تعطي زوجها من صدقة مالها، بل أيضاً يجوز لها أن تعطي زوجها من زكاة مالها إن كان فقيراً، فإذا كانت المرأة غنية - بأن ورثت عن أبيها مالاً - وزوجها فقير جاز لها أن تعطيه من زكاة مالها.
стр. 142
صلة الأرحام هدف للرسالة المحمدية
وفي حديث أبي سفيان في قصة هرقل أن هرقل سأله أشياء تدل على ذكاء هذا الملك الكافر، فمن ضمن أسئلته أنه قال: بماذا يأمركم؟ فقال: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة.
فـ أبو سفيان كان في ذلك الوقت كافراً، وكان عدواً للنبي ﷺ ، بل من أشد أعداء النبي ﷺ ، ومع ذلك يشهد للنبي ﷺ بأنه يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك بالله، ويأمر بالصلاة، ويأمر بالصدق والعفاف والصلة.
فلما أخبر هرقل بذلك أخبره هرقل بأن النبي ﷺ سيملك موضع قدميه، وأنه لو استطاع أن يذهب إليه فيغسل عن قدميه لفعل.
فأحس أبو سفيان بالذل من ذلك اليوم، وبأن النبي ﷺ سينتصر يوماً من الأيام، فكان أن هداه الله للإسلام بعد ذلك.
стр. 143
الوصية النبوية بصلة الرحم
ومن الأحاديث حديث أبي ذر في صحيح مسلم يقول فيه النبي ﷺ : (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط).
ومصر هي البلدة التي كان يذكر فيها القيراط، فأخبرهم وبشرهم بأنه في يوم من الأيام ستفتحون مصر، وكان ذلك من معجزاته ﷺ وإخباره بالشيء الذي يكون فيكون كما أخبر ﷺ .
فقال لهم: ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً.
فأوصى النبي ﷺ بأهل مصر، وكان أهل مصر كفاراً، وكان فيها النصارى وغيرهم، فأمر النبي ﷺ أصحابه إذا فتحوا مصر بأن يستوصوا بأهلها خيراً، لماذا؟ قال: (فإن لهم ذمة ورحماً) وفي رواية: (فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهليها؛ فإن لهم ذمة ورحماً، أو قال: ذمة وصهراً).
والرحم الذي في مصر هو من قبل هاجر أم إسماعيل، فسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاء بامرأته سارة، إلى أرض مصر كان في مصر ملك جبار، فرأى إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ورأى سارة فأعجبته، فسأل إبراهيم: من هذه؟ فقال أختي.
لأنه خاف على نفسه، فلو قال: هي زوجتي لقتله وأخذ سارة، فقال: أختي.
وبعد ذلك ذهب إلى سارة، وقال: إن هذا الكافر سألني عنك فقلت: أختي، وإنه ليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك.
أي: لا يوجد مؤمن على وجه الأرض إلا أنا وأنت.
فكانت هذه إحدى كذبات إبراهيم الثلاث، وهذه ليست كذبة في الحقيقة، إذ إنه عرض في الكلام، وقصد أنها أخته في الإيمان، وفي الإسلام، وهي زوجته.
ثم إن هذا الرجل أرسل إلى سارة وأخذها وأراد أن يأتيها، فصلت لله ودعت ربها سبحانه فإذا بربها يمنعه منها ويخر مغشياً عليه فيسقط على الأرض لقفاه ثلاث مرات، حتى قال لمن معه: إنما جئتموني بشيطانة.
وأمرها بأن ترجع إلى إبراهيم، وأخدمها هاجر.
فـ هاجر كانت من أرض مصر أعطاها الملك خادمة لـ سارة، وبعد ذلك أخذتها سارة ووهبتها لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فصارت أمة لإبراهيم، فلما تغشاها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه جاء منها إسماعيل النبي على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فلذلك كانت الرحم الذي بين المصريين وبين إبراهيم على نبينا وعليه والصلاة والسلام سبباً في إسماعيل الذي هو جد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالرحم التي لهم هي كون هاجر أم إسماعيل جد النبي ﷺ منهم.
والصهر هو المصاهرة بين النبي ﷺ وبين أهل مصر عن طريق مارية القبطية التي كانت أمة وأهداها المقوقس للنبي ﷺ ، وجاء منها النبي ﷺ بولده الذي هو إبراهيم، فصار لهم مع النبي ﷺ الرحم والصهر، فأوصى النبي ﷺ بجميع أهل مصر من أجل امرأتين.
ويلحظ هنا أن مارية ليست بزوجة للنبي ﷺ ، وإنما هي أم ولد ملكها النبي ﷺ ، كما كانت هاجر أمة ملكها إبراهيم وليست زوجة لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 144
إخبار النبي ﷺ قرابته بصلة رحمهم
وعن أبي هريرة ﵁، أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].
فأمر الله نبيه ﷺ بالنذارة، فدعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص، عم قريشاً كلها ثم بدأ يخص البعض منهم، وهم العشيرة الأقربون، فقال: (يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها).
فذكر القبائل فعم، ثم خص فذكر الأقربين من بني هاشم وبني عبد المطلب، وفاطمة بنت النبي ﷺ ، وأخبر الجميع أنه لا يملك لهم من الله شيئا، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان يحمل خطيئته وإثمه يوم القيامة.
ثم قال ﷺ : (غير أن لكم رحماً) أي: بيني وبينكم رحم، فسأصل هذه الرحم وأبلها ببلالها، والبلال هو الماء، وكأن قطيعة الرحم كالنار تحرق، وكأنه سيصب على هذه النار الماء الذي يجعله يصل هذه الأرحام.
ومن الأحاديث حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ جهاراً غير سر يقول: (إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء) وهو يريد بعض أقرباء النبي ﷺ ، ولكنهم ليسوا من المؤمنين، كـ أبي لهب وغيره، فقال ﷺ : (إنما وليي الله وصالح المؤمنين).
стр. 145
صلة الرحم عمل يدخل الجنة
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.
فقال النبي ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم).
فذكر له العبادات من توحيد الله سبحانه ﵎ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم ذكر النفع المتعدي، وهو صلة الرحم، بأن يصل الإنسان رحمه، فإن كان له مال وصل بماله، وإلا وصل الرحم ولو بالكلام، ولو بالزيارة.
وقد قال النبي ﷺ في حديث سلمان بن عامر: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء؛ فإنه طهور).
وقال: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصله).
وكم من حديث عنه ﷺ في صلة الأرحام وبيان أنك إذا تصدقت على الأرحام كان لك أجران عند الله سبحانه ﵎.
следующие страницы →