Полный текст (1 057 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
شرح حديث: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة)
ومن الأحاديث العظيمة الجميلة التي جاءت في هذا المعنى حديث رواه الإمام أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله.
فقال النبي ﷺ : إصلاح ذات البين) يعني: تصلحون ما بينكم من خصومات.
وفي رواية قال: (وفساد ذات البين الحالقة).
وفي رواية الترمذي لهذا الحديث قال: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة).
فإصلاح ذات البين درجة أعظم من درجة الصلاة ودرجة الصيام ودرجة الصدقة، كأنه يقصد النافلة، فأفضل من أن تصلي نافلة تصلح بين الناس، وأفضل من أن تصوم نافلة تصلح بين الناس، فهو لا يقصد الفريضة، فالصلاة عظيمة جداً، ولكن صلاة النافلة عبادة قاصرة، فإذا خيرت بين أن تصلي النافلة أو تصلح بين الناس، فإن الحديث يخبرك أنك إذا أصلحت بين فلان وفلان فهو أعظم من صلاة النافلة التي تصليها.
إن إصلاح ذات البين ترفع درجاتك، فأنت عندما تصلح بين اثنين كأنك وجهت الاثنين إلى أن يصليا بخشوع، ويصوما بإخلاص، وأخذت منهم شواغل الشيطان.
هنا الحديث أطلق وقال: (الصلاة)، وما قال نافلة ولا فريضة؟ نقول: قد يكون إصلاح ذات البين أفضل من صلاة الفريضة، لو فرضنا أن إنساناً أراد أن يصلي الظهر، ورأى اثنين خارج المسجد، كل منهما يحمل سكيناً على صاحبه ليقتله، فهنا لا يصلي بل يخلصهما مع قدرته على ذلك بدلاً من أن يسقط واحد منهما قتيلاً، حتى لو خرج وقت الصلاة وأنت تمنع جريمة قتل تقع بين هؤلاء فتصلح يكون خيراً لك، والصلاة تدرك، أما الموت فلا يدرك، فلذلك قد يكون في حالة من الأحوال أفضل من صلاة الفريضة، وصلاة الفريضة قد تجمع مع غيرها في السفر، وقد تجمع مع غيرها في علة المطر، وقد تجمع مع غيرها في علة من العلل.
стр. 72
الصلح في المسامحة ببعض الدين
من الأحاديث التي ذكرها لنا الإمام النووي: عن عائشة ﵂ قالت: (سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء).
الحديث ذكره ابن حبان وفيه: أن امرأة وابنها يستوضعان الرجل ويسترفقانه، يعني: ارفق بنا، حط عنا من الثمن قليلاً، فحلف الرجل أنه لن يفعل.
وجاء في رواية للحديث نفسه: أن المرأة وابنها كانا يستوضعان الرجل، يعني: يطلبان منه أن يضع شيئاً من هذا المال، وقالت المرأة: إن هذا الطعام الذي أخذناه ما نقص إلا قدر ما أكلناه فقط، فحط عنا، كأنها تريد أن ترجع له أشياء اشترتها قد أكلا بعضاً منها، والرجل يقول: أكلتم منها، لن أرجعها، فلا هو الذي رضي أن يرجع السلعة، ولا هو الذي حط عنهما الثمن، وحلف لهم: والله لن أفعل.
وسمع النبي ﷺ فخرج يسأل، فالمرأة -في رواية ابن حبان - قالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً، أي: اشترينا تمراً من هذا فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نطعمه مسكيناً.
يعني: التمر الذي أخذناه أكلنا منه وأطعمنا منه المساكين وجئنا نستوضعه.
يعني: اشتريا منه بدين، فطلبا منه أن يحط عنهما قليلاً أو ينظرهما إلى وقت آخر، فرفض أن يضع عنهما أو ينظرهما، فلما تكرر منه هذا الشيء فإذا بالنبي ﷺ يقول: (أين هذا المتألي على الله ألا يفعل الخير)، والرواية هنا: (أين المتألي على الله لا يفعل المعروف) أي: من هذا الذي يحلف على الله إنه لن يفعل المعروف؟ فالكلمة شديدة، إذ إن الرجل موجود لعله يخجل، وفعلاً خجل من نفسه، فلم يقل له النبي ﷺ : احك لي حكايتك، لأنه هنا ليس حكماً، وإنما هو إصلاح، فلذلك لم يرد أن يسمع من الرجل، ولكن قال كلمة أوجعت الرجل: (أين المتألي) أي: هذا الذي يحلف أنه لن يفعل الخير؟ والإيلاء: حلف اليمين، قال: (آلى ألا يصنع خيراً، آلى ألا يصنع خيرا، ثلاث مرات، فقال الرجل صاحب التمر للنبي ﷺ : إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال) أي: أفعل ما تريد.
ففي الحديث هنا: أن الرجل سمع النصيحة من النبي ﷺ : (أين المتألي على الله لا يفعل الخير؟ قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب) والغرض هنا: نوع من الإصلاح، أصلح النبي ﷺ بين الرجل وبين الآخرين.
ويمكن أن نذكر قصة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد: تقاضى كعب بن مالك ابن أبي حدرد مالاً في المسجد فقال له: ما معي.
وارتفعت الأصوات في المسجد، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه خرج على الاثنين، وقد ارتفعت أصواتهما، فعرف أن كعباً يطلب من الآخر ماله، لكن لا ينبغي أن يكون هذا في المسجد، وعلى كلٍ لصاحب الحق مقال.
فالنبي ﷺ قال لـ كعب: (يا كعب، ضع الشطر) وقوله ﷺ هنا ليس على سبيل الوجوب ولكنه يشفع بكلمة طيبة، أي: لا تأخذ الدين كاملاً وخذ نصفه فقط، فقال: (أفعل يا رسول الله، وقال للآخر: قم فاقضه.
قال: نعم يا رسول الله).
ففعله ﷺ هنا ليس حكماً؛ لأنه عند الحكم لا بد أن يسمع من هذا ويسمع من هذا ثم يقضي بينهما، ثم يكون ملزماً أن يدفعه كاملاً، أو نظرة إلى ميسرة، ولكن كان هذا إصلاحاً منه ﷺ ، فنتعلم من ذلك كيف نصلح بين الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].
نسأل الله أن يعيننا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى النصح وعلى الانتفاع به، وأن ينصر الإسلام والمسلمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 73
شرح رياض الصالحين - فضل ضعفة المسلمين [١]
فضل الله عظيم وجنته واسعة، وقد كتب عنده أن رحمته سبقت غضبه، فهو يغفر للمؤمن ويضاعف له الحسنات ويمحو عنه السيئات بفضله وكرمه، وكلما استضعف المرء أمام ربه ازداد عنده رفعة.
стр. 74
أمر الله لنبيه بالصبر مع ضعفة المسلمين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].
وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره.
ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) متفق عليه.
وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (مر رجل على النبي ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع.
فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله.
فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) متفق عليه.
باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين.
خلق الله الإنسان على هيئة معينة وجعل له عقلاً، وقدر له رزقه وأجله، وعمله، ويا ترى في النهاية شقي أو سعيد؟ الله أعلم بذلك.
الناس في الدنيا يحب أن يرى أحدهم نفسه قوياً غنياً صاحب منصب، فإذا كان على هذه الهيئة لعله ينسى غيره من الضعفاء والفقراء والخاملين، لكن ربنا أعلم بما في نفوس الخلق، وقد يكون هذا الإنسان الضعيف الذي يحتقره إنسان آخر أفضل عند الله منه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وقال: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].
إذاً: الإنسان لا ينظر لغيره بعين الاحتقار، فلعل هذا الذي تحتقره أفضل منك عند الله .
يقول: (فضل ضعفة المسلمين): المسلم الضعيف له فضل عظيم، يكفي أنه صابر على ضعفه ومرضه، وما هو فيه من أمر قدره الله عليه، أنت أعطاك الله القوة وهو أعطاه الضعف، وقد ينعكس الحال، فقدر نفسك مكانه، ويا ترى هل تحب أن تعاملك الناس بمثل معاملتك له؟ كل إنسان مسلم له حقه، فلا تحتقر أحداً من الناس، فإنك لا تدري ما في قلب هذا الإنسان.
الضعفاء والفقراء من المسلمين لهم فضيلة عند الله ، وغير مطلوب من الإنسان أن يعيش فقيراً ويترك المال الذي عنده، فالغنى والفقر أقدار من الله يقدرها على من يشاء.
كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ من أغنياء الصحابة، وما كان يتمنى منزلة الفقراء، وكان ينفق ماله لله ، فيعوض الله أكثر منه، فعلى ذلك من جعله الله غنياً يحمد ربه ويشكره على ما هو فيه من نعمة وفضل، وله أجر.
والفقير إذا خلقه الله فقيراً فليصبر على ما هو فيه، وله أجر.
والغرض ألا نحتقر أحداً لفقره، أو لضعفه، أو لخموله.
ومعنى الخمول: عدم الشهرة، إذ ليس معنى شهرة الإنسان أنه الأفضل، فالله يعلم ما في النفوس، ولعل هذا في قلبه من الإيمان ما يجعله أعلى في الدرجات عند الله ، والإنسان المشهور لعل في قلبه من الرياء ما يجعله من أهل النار، لذلك على المسلم ألا يحتقر أحداً من المسلمين، ولا يفتخر على أحد أبداً.
стр. 75
عتاب الله لنبيه عندما أعرض عن ابن أم مكتوم
يذكر المصنف قول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].
هنا الخطاب للنبي صلوات الله وسلامه عليه، يربيه ربه بالقرآن، فيؤدبه ويهذبه صلوات الله وسلامه عليه، فينفذ ما يقول له ربه ﵊، ولعله يكاد يفعل شيئاً ثم ينزل القرآن لينبهه فيرجع عنه، ولعله يفعل ويرى أن المصلحة في هذا الشيء ثم ينزل القرآن ويلومه ويعاتبه صلوات الله وسلامه عليه، لماذا فعلت هذا الشيء؟ لعلنا نذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم الذي جاء يتعلم من النبي ﷺ في وقت كان النبي ﷺ فيه مشغولاً بدعوة أناس من كبار الكفار ليدخلوا في دين الله ، فألح على النبي ﷺ في شيء ليعلمه إياه، فكأنه غضب ﷺ منه، وأن هذا ليس وقته، فهؤلاء لو دخلوا في الإسلام سيكون في الإسلام عزة، فعبس النبي ﷺ في وجهه، فنزل القرآن يلومه ﷺ ، لماذا تعبس؟ لماذا تقطب جبينك لهذا الإنسان؟ لاحظ أنه عبس لإنسان أعمى لا مبصر، فالمبصر سيراه أنه عبس، ولكن هذا كان أعمى ومع ذلك فإن القرآن يلومه على ذلك، ويقول له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤].
فهنا يعاتب النبي ﷺ في شيء لو عمله غيره لما عوتب عليه، ولكن ربنا قال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وصاحب الخلق العظيم لابد أن يتربى ويتأدب على أعلى وأعظم ما يكون، فالذي لغيره مباح هو في حقه ﷺ ممنوع؛ لأنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فربه يؤدبه بأعلى ما يكون من مكارم الأخلاق صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 76
فضل صهيب وخباب وأمثالهما على الكبراء
في قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].
جاء أن الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري أتيا رسول الله ﷺ فوجداه مع صهيب وبلال وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين.
وانظروا لجلسة النبي ﷺ مع هؤلاء الفقراء من المسلمين السابقين، والأقرع بن حابس سيد بني تميم، وعيينة بن حصن سيد بني فزارة قدموا على النبي ﷺ وكل واحد منهم يريد أن يجلس تحت قبة أو في مجلس تتكلم العرب بمثله.
انظروا إلى الفرق بين ضعفاء المسلمين الأفاضل الذي كرمهم الله وشرفهم بحسن صحبة النبي ﷺ ، وبالسبق في دين الله وهم يتعلمون منه ﷺ ، فهذا صهيب الذي هاجر فقيراً من مكة إلى المدينة، كان له مال كثير فأخذه المشركون فتركه لهم وهاجر للنبي ﷺ ، فقال له: (ربح البيع أبا يحيى) فهذا يجلس مع النبي ﷺ .
وبلال الذي كان عبداً فأعتقه أبو بكر ﵁ وقد عذب عذاباً شديداً ومع ذلك هو الآن مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وعمار الذي أوذي هو وأمه وأبوه رضي الله ﵎ عنهم، وقتلت أمه فكانت أول شهيدة في الإسلام.
وخباب كان ممن عذب عذاباً شديداً.
هؤلاء كانوا جالسين مع النبي ﷺ ومع ناس من ضعفاء المؤمنين، فجاء هذان الرجلان وكل منهما سيد في قومه، فكأنه لم يعجبهما أن يجلسا بين هؤلاء، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، وقالوا له ﷺ : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا.
يعني: نريد أن نجلس معك جلسة بحيث يعرف الكل فضلنا، فنحن جئنا لنسلم، ونريد أن تشرفنا بمجلس منك، وينتشر خبر هذا المجلس بين الناس، وتكتب لنا كتاباً بهذا الذي تقوله؛ فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد.
انظروا إلى الاستكبار: (هؤلاء الأعبد) جمع عبد، وهم عبيد لله ﵎، فهم أفضل من هذين.
لما توفي النبي ﷺ كان الأقرع بن حابس وأشباهه ممن ارتدوا ثم رجعوا إلى الإسلام بعد ذلك، فكان النبي ﷺ يتألف أمثال هؤلاء، لكن الصحابة الأفاضل هم الذين قاوموا أمثال هؤلاء ليثبتوا على الإسلام.
стр. 77
أمر الله لنبيه بإدناء الضعفاء والصبر معهم
المقصود أنهم طلبوا من النبي ﷺ ذلك، وقالوا له: وفدنا عليك فاجلس معنا في مجلس يعرف لنا العرب به فضلنا وشرفنا، وإذا قمنا فاقعد معهم إن شئت.
فكأن مصلحة التأليف والدعوة التي رآها النبي ﷺ في هذا الحين هو أن يعمل لهم مجلساً لعلهم يسلمون ويصلح حالهم.
هذه وجهة نظره.
فقال لهم النبي ﵊: نعم، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتاباً بهذا الشيء، ليكون ملزماً بما قاله، فكاد أن يكتب كتاباً ﷺ بينه وبينهم على ذلك، فإذا بجبريل ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول راوي الحديث خباب: ونحن جلوس في ناحية المسجد، يعني: لا نعلم ما الذي يقال، فنزل جبرائيل ﵇ بالآية: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].
فالله يأخذ بحق هؤلاء الضعفاء الذين احتقرهم هؤلاء، ويقول للنبي ﷺ : احذر، فلا تطرد هؤلاء فتكون من الظالمين.
ثم ذكر له الأقرع وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣]، ولعل ذلك كان وهم في مكة قبل الهجرة إلى المدينة؛ لأن هذه من سورة الأنعام، وسورة الأنعام مكية وليست مدنية.
ثم قال تعالى يذكر خباباً وأمثاله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، قال خباب: فدنونا منه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: أظهر الله لنا الفضل.
قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته صلوات الله وسلامه عليه، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله في القرآن: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، يعني: ولا تجالس الأشراف تريد زينة الحياة الدنيا.
قال سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨].
ثم ذكر الله ﵎ أن من صفات هؤلاء أنهم يتبعون أهواءهم: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] أي: كان أمره هلاكاً، لو ظل على مثل هذا الشيء ثم ضرب لهم مثل رجلين ومثل الحياة الدنيا.
قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ حتى إذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم صلوات الله وسلامه عليه، وهذا تأدباً منه ﷺ وطاعة لأمر، الله .
فكان يجلس لهم، ولكن الجلوس إلى الناس حتى ينفضوا بأنفسهم صعب، لكن هؤلاء الصحابة ليسوا مثل غيرهم، فقد فطنوا وفهموا أن الله أعطانا هذا كله لا لنؤذي النبي ﷺ ، بل نحن نقوم في الوقت الذي يحب أن يقوم فيه، فالصحابة تأدبوا بأدب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يشفقون على النبي ﷺ الذي علمهم ورباهم، وعلم ما في قلوبهم من إيمان؛ لذلك فضلهم الله وشرفهم وأنزل فيهم من القرآن ما يمدحهم به في آيات كثيرة.
стр. 78
شرح حديث: (أهل الجنة كل ضعيف متضعف)
عن حارثة بن وهب ﵁: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره).
ضعيف في نفسه، وضعيف عند الناس، يعني: لا يرى نفسه من أهل الأبهة ولا الدنيا ولا الرئاسة، ويرى نفسه لا يستحق مثل هذه الأشياء، فهو في نفسه مستضعف والناس ينظرون إليه أيضاً هذه النظرة، فهو قد تواضع وبلغ من تواضعه أن احتقره الناس، ونظروا إليه على أنه لا شيء.
فهو لتواضعه كان كبيراً عند الله سبحانه، وكان له منزلة عند الله، لدرجة أنه لو قال لله : يا رب أقسمت عليك أن تفعل كذا.
يفعل الله ﵎، تخيل أنه يصل إلى هذه الدرجة وأنه يقسم على الله ﵎، فيفعل الله ما يريد هذا الإنسان الضعيف؛ لمنزلته العظيمة عند الله سبحانه.
قال: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).
هؤلاء أهل النار: (كل عتل) والعتل: هو الغليظ الجافي الذي لا يألف ولا يؤلف، فلا يحب الناس ولا يحبونه، وفي حديث النبي ﷺ : (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، شر وأوحش الناس من يخاف من شره، لا يجلس جلسة إلا خربها، ولا يتكلم إلا خاف الناس من شره.
والجواظ: هو الجموع المنوع، عنده مال لكنه جامع مانع، عنده عشيرة يمنعونه فهو مستكبر بذلك.
وقيل فيه أيضاً: الضخم المختال في مشيته، الجامع للمال وله عشيرة، وكأنه مستكبر بهذا كله لقوته ولماله ولعشيرته.
стр. 79
شرح حديث: (هذا خير من ملك الأرض من مثل هذا)
وفي إحدى الروايات يقول سهل بن سعد: مر رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده: ما رأيك في هذا؟ وكان مع النبي مجموعة من الناس من ضمنهم أبو ذر رضي الله ﵎ عنه، فسأله النبي ﷺ عن هذا الرجل، وهنا قال: (فقال لرجل عنده).
فقال: رجل من الأشراف أو من أشراف الناس، وفي رواية أخرى قال له النبي ﷺ : (انظر إلى أرفع رجل في المسجد في عينيك)، وكأنه يقول له: من أحسن رجل في عينيك تنظره في المسجد؟ وفي روايات أخرى: أن النبي ﷺ كان يقسم أموالاً بين الناس، فيقول له: انظر أرفع الناس في عينيك؟ فنظر فرأى عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس، فقال له النبي ﷺ : (ما رأيك في هذا؟) فكان جواب أبي ذر ﵁: (رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح)، لأنه كبير جداً في قومه، فهو من ملوك العرب، أو من كبراء العرب، ورئيس قبيلة من أعظم قبائل العرب فضروري إن أراد أن يتزوج أن يجد من يتمناه لابنته.
ثم قال أبو ذر: (وإن شفع أن يشفع)، يعني: عندما يشفع عند فلان من الناس تقبل شفاعته لمنزلته في قومه.
قال: (فسكت رسول الله ﷺ ، وفي رواية أنه قال: (وإذا قال أن يستمع)، فذكر فيه ثلاثة أشياء: أنه ذو شرف، وكبير في قومه، ولو استشفع عند أحد قبلوا منه شفاعته، ولو ذهب يخطب من الناس سيقبل ويزوجونه، وعندما يتكلم يسكت الناس ليسمعوه لأنه كبير في قومه.
ثم قال له رسول الله ﷺ : (ما رأيك في هذا؟) لرجل آخر، وذكروا أن اسم هذا الرجل جعيل وكان من فقراء المسلمين ﵁.
(قال: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين)، أي: أن هذا لا شيء في جانب من سبقه، فهذا رجل فقير.
(هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع)، إن طلب الزواج لا يزوج، وإن شفع لا تقبل شفاعته.
(وإن قال ألا يسمع لقوله)، عندما يتكلم لا يسمع.
فكان جواب النبي ﷺ : (هذا خير من ملء الأرض من هذا).
وعندما وزع ﷺ المال على هؤلاء لم يعط هذا الفقير شيئاً، وأعطى لهؤلاء الكبار أموالاً كثيرة، فإذا بـ أبي ذر يتعجب من ذلك، ويسأل النبي ﷺ فقال: (أفلا يعطى هذا كما يعطى الآخر؟) يعني: إن كان مثلما تقول وأنه أفضل من ملء الأرض من هذا فلم لا تعطيه مثل هذا؟ فقال ﷺ : (إذا أعطي خيراً فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة)، يعني: له الحسنة عند الله تعالى بذلك.
وفي رواية أخرى: أن النبي ﷺ ذكر لهم: (جعيل خير من ملء الأرض مثل هذا.
قال: فقلت: يا رسول الله! ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع) يعني: الفقير الذي هو خير من ملء الأرض من هذا الغني لم تعطه وأعطيت للأغنياء الكثير؟ فقال: (إنه رأس قومه) يعني: عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس أتألفهم على الإسلام، والله قال في توزيع الزكوات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠]، وهؤلاء من المؤلفة قلوبهم، فكان يتألفهم ليثبتوا على الإسلام، وقومهم سيكونون على الإسلام، فإذا مات هؤلاء بقي القوم على الإسلام، فكانت المصلحة في تألف هؤلاء، فأعطاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه الدنيا، ولكن الآخرة لهؤلاء الفقراء، وإن كان هؤلاء أسلموا ثم ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ إلى الكفر، ثم رجعوا إلى الإسلام بعد ذلك.
الغرض: أن الإنسان لا يقيم الناس على الغنى والفقر، فإن كان فقيراً فلا قيمة له، وإن كان غنياً وله المركز والعشيرة فهو أفضل من غيره، فهذه ليست النظرة التي ينظر بها الله لعباده، وإنما يفضل أهل الفضل بتقواهم وبسبقهم إلى دين الله ، وبدفاعهم عن دينهم وبصبرهم وثباتهم على دينهم، فلذلك كان جعيل وأمثاله خيراً من ملء الأرض من ذاك وأمثاله، وفي رواية: (من طلاع الأرض من مثل هؤلاء).
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 80
شرح رياض الصالحين - فضل ضعفة المسلمين [٢]
إنما يعظم في القلوب ما عظم الله ورسوله ﷺ ، ومن ذلك الضعفاء، وكفى بابن مسعود رضى الله عنه مثلاً، فمع ضعفه وخفة وزنه لكنه عند الله عظيم ثقيل، وكم من ضعيف مستضعف لو أقسم عى الله لأبره.
стр. 81
أكثر أهل الجنة من الضعفاء
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين: قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].
وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) متفق عليه.
وعنه: (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاباً، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات.
قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها أو أمره.
فقال: دلوني على قبره.
فدلوه فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم) متفق عليه].
ذكرنا هذا الباب في حديث سابق وهو: فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين، وذكرنا أن المرء في الدنيا يحب أن يصاحب الأقوياء، ويحب أن يصاحب الأغنياء، ويحب أن يصاحب من هو مثله، فجاء القرآن وجاءت السنة لتبين لنا الإيمان الحقيقي لمن تصحبه وتحبه وتحافظ على صداقته وإخوته.
فذكر لنا هنا فضل الضعفاء من المسلمين، والمقصود بالضعيف هنا من لا يؤبه له، وقد يكون عند الله عظيماً، قد لا يعرفه أهل الأرض وتعرفه ملائكة السماء، فعلى ذلك لا ينظر إليه ضعيفاً أو مريضاً أو فقيراً أو إنساناً خاملاً في الناس، والمصنف هنا يذكر فضل هؤلاء الضعفة والفقراء من المسلمين والخاملين، والخامل هو من ليس مشهوراً، ولا يبتغي الشهرة عند الناس.
وسبق أن ذكرنا أن من الصحابة من كانوا على هذا الحال رضي الله ﵎ عنهم جميعاً، ومنهم صهيب وبلال وعمار وخباب، والبعض من العرب كانوا يريدون أن يدخلوا في هذا الدين ولكنهم استكبروا أن يجلسوا في مجلس واحد مع هؤلاء الفقراء الضعفاء الذين يدنيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن هؤلاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وكانا كبراء قومهما، فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]، يعني: لا تبتعد وتعد عينيك عن هؤلاء الضعفاء والفقراء والزمهم فهم أولى بك؛ لأنهم يريدون الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
أما هؤلاء الجبارون والمتكبرون والكبراء في قومهم إذا كانوا لم يتوبوا إلى الله ، ولم يعرفوا حقيقة الدنيا وأن الغنى ليس شيئاً، فالله فوقهم وهو الغني الحميد ؛ وقوة الإنسان لا تفيد شيئاً، والله القوي فوق كل قوي، والقهار الجبار فوق كل إنسان فيه جبروت وقوة، فلو لم يعرف الإنسان ذلك فلا يستحق أن يصاحب.
ومن يتق الله فله منزلة عظيمة عند الله ، وليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب الفقر مثلاً، أو يسأل ربه أنه يجعله فقيراً، فقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من الفقر، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت).
فإذا كان الله أغنى إنساناً فليحمد ربه على ذلك ولا يطلب الفقر، وإذا أفقره الله فعليه أن يأخذ بأسباب الغنى والرزق، ويحمد ربه على ما هو فيه، قد يفقره ويعطيه صحة، وقد يفقره يمنعه الصحة ويعطيه قوة الإيمان، فالله حكيم في جميع أفعاله .
انظروا إلى احتجاج الجنة والنار، فكل واحدة تذكر نصيبها من الناس، فالنار تقول: في الجبارون والمتكبرون.
وهذا مناسب لها، فهي قوية جبارة تقهر من فيها، فناسب أن يجعل الله فيها الجبارين والمتكبرين في الدنيا.
والجنة قالت: في ضعفاء الناس ومساكينهم.
فقال ﵎ للجنة: (إنك رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: إنك عذابي أعذب بك من أشاء).
إذاً: ربنا خلق هذه ليرحم بها من يشاء، وخلق هذه ليعذب فيها من يشاء.
إذاً أهل الجنة هم ضعفاء الناس ومساكينهم، هذا في الغالب، وقد يكون فيها الأغنياء مثل عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله ﵎ عنهم، هؤلاء من مياسير الصحابة، والله تعالى أنعم عليهم بنعم في الدنيا، وشهد النبي ﷺ لهم بالجنة.
стр. 82
وزن المتكبرين والضعفاء يوم القيامة
جاء عن النبي ﷺ : (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة).
خذ جناح الذبابة وانظر كم سيزن؟ لا شيء، فيأتي هذا الرجل الذي كان متعاظماً في الدنيا مستكبراً فيها، وكان لا يلقي للناس بالاً، وإذا جلسوا أمامه يسخر منهم ويستهزئ بهم، ويغمز بعينه عليهم؛ يجيء هذا الإنسان المتطاول يوم القيامة ولا قيمة له، ولا يزن عند الله جناح بعوضة فأمر الدنيا شيء وأمر الآخرة شيء آخر.
صعد عبد الله بن مسعود مرة على شجرة من شجر الأراك يجني من ثمارها، فضحكوا عليه فقال النبي ﷺ : مم تضحكون؟ فقالوا: نعجب من دقة ساقيه، وكان سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁ قصيراً نحيفاً ولما اعتلى صدر أبي جهل ليقطع رقبته اضطر أن يجلس فوق صدره ليقطعها، وكان من فقهاء الصحابة يحتاجون إلى علمه، فلما ضحكوا منه إذا بالنبي ﷺ يذكر لهم المفهوم الصحيح، وبين لهم أن ساقيه هذه عند الله يوم القيامة أثقل من جبل أحد، أي: فلا تضحكوا على من هذا فضله عند الله وهذا ميزانه يوم القيامة.
أما الكافر الفاجر المستكبر فيأتي يوم القيامة ولا يزن عند الله شيئاً ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، لا هو ولا ماله ولا أعماله، وجعلنا كل الذي عمله هباء منثوراً.
إذاً: الوضع يوم القيامة: من كان في الدنيا يساوي عند الناس شيئاً وهو من المؤمنين إذ به له وضع عظيم، وقد يشفع في أمم كثيرة من الخلق يوم القيامة.
стр. 83
منزلة من يقم المساجد
وعن أبي هريرة: (أن امرأة سوداء أو شاباً كانت أو كان يقم المسجد).
ومن سيتزوج المرأة السوداء؟ وكانت هذه المرأة تكنس مسجد النبي ﷺ ، والمسجد هذا كان مفروشاً بالحصير، فكانت تأخذ الحصير تنظفه وتتعب في مسجد النبي ﷺ ، فما كان أحد يأبه لها، فمرة سأل عنها النبي ﷺ فقالوا: ماتت في ليلة من الليالي، وكرهنا أن نخبرك بخبرها، فلم يكن لها ذلك القدر العظيم.
فلما قالوا ذلك قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبره أو قبرها، فدلوه على قبره أو قبرها؛ فصلى عليه صلاة الجنازة).
إذا: كانت لهاً منزلة كبيرة عند النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل شيئاً من عند نفسه، لابد أن ذلك كان بوحي من الله ﵎، فصلى عليها عند قبرها، ثم قال لأصحابه: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها)، نسأل الله العفو والعافية، وأن يجيرنا من ظلمة القبور وعذابها، بل شكل القبور من الخارج مفزع فما بالك بداخلها، إذاً: ستكون ظلمة على أهلها الذين بداخلها، ولكنه ﷺ يصلي على أهلها وينورها الله لهم بصلاته صلوات الله وسلامه عليه، قال: (وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم).
وهذه المرأة أو هذا الشاب ما كانوا يطلبون من الناس شيئاً، بل يقمون مسجد النبي ﷺ ابتغاء مرضاة الله، فهم عند الناس ما كانت لهم قيمة، لكن عند الله وعند رسوله ﷺ لهم القدر العظيم، الذي يجعل النبي ﷺ يذهب فيصلي على هذه المرأة في قبرها.
стр. 84
قصة جريج العابد
من الأحاديث التي جاءت حديث طويل عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)، الحديث طويل، والغرض منه آخر الحديث، وفيه قصة جميلة، يقول: إن ثلاثة فقط تكلموا وهم في حال الرضاعة، وهم: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وسيأتي ذكره، والظاهر أيضاً أن هناك رابعاً لهؤلاء الثلاثة وهو من أصحاب الأخدود وقال: يا أمة الله! اصبري، فهؤلاء أربعة.
ذكر منهم هنا ثلاثة، أولهم: عيسى بن مريم نطق وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠]، فكان نطقه آية ومعجزة.
الثاني: صاحب جريج، وجريج هذا كان رجلاً عابداً اتخذ صومعة، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي رواية: أنه كان تاجراً يزيد مرة وينقص مرة، يعني: يربح مرة ويخسر مرة، ثم ملَّ من التجارة وقال: إني سأنظر لي تجارة مع الله ﵎ أفضل من ذلك.
في هذه الرواية يقول: كان رجل في بني إسرائيل تاجراً، وكان ينقص مرة ويزيد مرة، فقال: ليس هذه تجارة فيها خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، وكان يقال له: جريج.
يعني: كأنه في البداية كان تاجراً ثم اعتزل وترهب، والرهبانية كانت في بني إسرائيل، ولم يفرضها الله عليهم ولكنهم ابتدعوها، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧]، (إلا) هنا استثناء منقطع، أي: نحن ما كتبناها عليهم ولكن هم فعلوا ذلك -فإلا بمعنى لكن- وفعلوها ابتغاء مرضاة الله، وعندما أتوا بها ما رعوها حق رعايتها، لكن النبي ﷺ يخبرنا أنه لا رهبانية في الإسلام.
في الحديث: أن هذا الرجل بنى صومعة يعبد فيها ربه ﵎، فجاءته أمه فقالت: يا جريج! وفي بعض الروايات: أنها جاءت له ثلاثة أيام، وفي كل مرة تناديه، ثم يتركها ويقبل على صلاته.
وفي رواية يخبر النبي ﷺ أنه: (لو كان جريج فقيهاً لترك صلاته وأجابها) فهو يصلي صلاة نافلة، ولو كان فقيهاً لترك الصلاة ورد على أمه، ولكنه كان عابداً.
فالرجل وهو يصلي تناديه أمه: يا جريج! فلم يرد عليها، وقال: يا رب! أمي وصلاتي، يعني: ماذا أعمل؟ هل أرد على أمي أم أكمل صلاتي؟ فآثر صلاته، وهكذا صنع ثانياً وثالثاً، لكن أمه تعبت منه فدعت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه البغايا.
والمرأة أيضاً كانت حنونة عليه في الدعاء، فما قالت: اللهم لا تمته حتى يزني، أو يقع في الفاحشة، ولكن دعت عليه أن ينظر في وجوه المومسات.
ثم تذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وقد كان مشهوراً عندهم، حتى إن ملك بني إسرائيل يعرف جريجاً ويعرف عبادته، وكان امرأة بغياً يتمثل بحسنها من ضمن ذلك المجلس، وكانت امرأة فاجرة عاهرة في غاية الجمال، فقالت لبني إسرائيل تتحداهم: إن شئتم لأفتننه، وفي مسند الإمام أحمد قالت: لئن شئتم لأصبين منه، يعني: سألد لكم منه، وهم يعلمون أن جريجاً لا يمكن أن يفعل هذا الشيء.
ذهبت إليه الفاجرة فلم يرد عليها، ثم مرة ثانية وثالثة، ورأت أنها ستخسر المراهنة مع بني إسرائيل، وكان هناك راع يأوي إلى صومعته، فإذا بالمرأة تمكن هذا الراعي من نفسها حتى يزني بها العياذ بالله، فلما زنى بها حملت ثم وضعت غلاماً، وافترت على جريج أنه أبو هذا الغلام، فذهب بنو إسرائيل إلى جريج ليعلموا منه من أبو هذا الغلام، وكيف تفعل هذه المصيبة؟ ذهبوا إليه ومعهم فئوسهم ومساحيهم فنادوه فلم يجبهم، والذي حصل مع أمه حصل مع هؤلاء فلم يكلمهم، لكن أمه كانت حنونة فسكتت، أما هؤلاء فلم يسكتوا، فبدءوا بهدم الصومعة عليه، فلما فعلوا ذلك نزل إليهم فقال: ما أمركم؟ وفي رواية: أنهم أخذوه وأخذوها وربطوهما بحبال في أعناقهما وأخذوا يطوفون بهما في الناس، فيسألهم ما الأمر؟ فيقولون: سل هذه! وفي رواية: أنهم وصلوا به إلى بيت الزواني، فلما وصل إلى هنالك خرجن ينظرن إليه، فضحك، فتعجبوا منه كيف يضحك عندما جاء إلى باب الزواني؟ فأخذوه وذهبوا به إلى الملك فقالوا: هذا جريج الذي يذكر من عباداته ما يذكر.
فإذا بالملك يقول لـ جريج: أنت الذي يذكر من عبادتك كذا وكذا؟ ويحك يا جريج! كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه، فلما ذهبوا به ليصلبوه طلب منهم الإنظار فتركوه.
وفي رواية: أنه صلى لله ، وكأنه نام فرأى في منامه أن افعل كذا، وفي هذه الرواية أنه قال: أين الغلام؟ فأتوا به فطعن بأصبعه في بطنه، وفي رواية: أنه أخذ غصناً من شجرة وطعن به في بطنه، وقال: من أبوك؟ فنطق الغلام وقال: أبي فلان الراعي، فبرأ الله جريجاً.
فقاموا يقبلون يديه ورجليه ويتعلقون به ويقولون له: سنبني لك الصومعة من ذهب، فقال: لا إلا كما كانت من طين.
هذه قصة جريج وصنيع الناس معه، وهي قصة عجيبة جداً فيها بيان ثقة جريج بالله ، حيث أخذوه ليصلبوه فقال لهم: اتركوني أصلي وأدعو ربي سبحانه، وإذا بالله يبرئه وينجيه.
ثم سألوه عن سبب ضحكه لما أتى بيت الزواني، فقال: تذكرت دعوة أمي علي! لولا لطف الله به، وأنه من أولياء الله سبحانه لضل، ولكن الله لا يضيع عليه صلاته، صحيح أنه لم يجب أمه، ولكنه أيضاً له عبادة ومنزلة عند الله ، فلم يتركه الله في الموقف الذي كان فيه.
стр. 85
قصة الراضع من ثدي أمه
في آخر الحديث يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (وبينما صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة).
يذكر النبي ﷺ من ضمن المتكلمين في المهد طفلاً كان يرضع من ثدي أمه، فمر رجل على دابة عظيمة كبيرة -جبار من الجبابرة- له شارة حسنة، والأم عادة تريد أن يكون ابنها في أعلى المنازل في نظرها، فلو رأت وزيراً مثلاً تمنت أن يكون مثله، ولا تعلم أنه إنسان مستكبر نهايته أن يكون من أهل النار، فقالت: (اللهم اجعل ابني مثل هذا، فقال الغلام: اللهم لا تجعلني مثله! قال: فأقبل على ثديها فجعل يرضع، ثم مروا بجارية يضربونها ويقولون: زنيت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه) الدعوة هنا معناها: يا رب لا تجعله يتعذب مثل هذه، أو بائساً مثلها، وإذا المعجزة الثانية يقول: إنه ترك ثديها وقال: (اللهم اجعلني مثلها).
فتراجعا الحديث فقال الولد لأمه: إن ذلك الرجل الذي مر كان جباراً، آخرته إلى النار، وأنا لا أريد أن أكون من أهل النار، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، أي: لا أريد أن أكون جباراً مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن، وسرقت ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها؛ لأنها تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فهي على التوحيد، وهي مظلومة، وآخرتها إلى الجنة، فأنا أريد أن أكون من أهل الجنة مثل هذه المرأة.
الغرض: أنه كم من إنسان ينظر إليه الناس على أنه ضعيف بائس سيئ ثم يكون أفضل منهم.
стр. 86
ليس كل ضعيف من أهل الجنة
هل يا ترى كل إنسان ضعيف ستكون له هذه المرتبة العالية، أم أنه يشترط أن يكون إنساناً تقياً، يأتي بالفرائض، ويجتنب ما حرم الله سبحانه؟ لا بد أن يكون على هذا، ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار قال: قال النبي ﷺ : (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال).
ثلاثة من أهل الجنة: إنسان ذو سلطان، ولكنه على عدالة، مقسط يعطي الحقوق، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه، ولا يفرق بين الناس.
والثاني: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم).
والثالث: (عفيف متعفف ذو عيال)، أي فقير ولكنه عفيف، عنده عيال ومحتاج ولكنه لا يسأل الناس شيئاً، فهذا من أهل الجنة.
أما أهل النار فهم خمسة، قال: (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً)، أي: إنسان ضعيف، ولكنه إمعة منافق يسير وراء أصحاب الرياسة ليأخذ منهم، فهو ضعيف لكن ليس عنده عقل يأمره بالصحيح، ولا يحاول أن يفكر مثل الناس، لو أساء الناس قلدهم، أو كانوا مجرمين فهو مثلهم، أو طيبين قلدهم، فهو يقلد الناس فحسب ليعطوا له حسنة، هذا الإنسان من أهل النار مع أنه ضعيف، سبحان الله! بؤس في الدنيا وبؤس في الآخرة، فهو من شر الخلق، لا الدنيا انتفع فيها بشيء، وحتى يوم القيامة يضيع هذا الضعيف الذي لا عقل له، (الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) يعني: يعيش في الدنيا لا يريد أي شيء، عاش نكرة ومات نكرة، ويوم القيامة يحشر مع هؤلاء الذي كان يتبعهم في الدنيا.
الثاني: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه).
(يخفى) بمعنى: يظهر، يعني: أي مطمع يظهر له يأخذه من حلال أو من حرام، فهذا من أهل النار، أي: الذي لا يبالي هل يأكل من حلال أو حرام، يأخذ الشيء من حله أو من حرمته، ولا يهمه.
الثالث: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك).
الذي يقدر عليه يأخذه منك ويضحك عليك به سواء من أهلك أو من مالك.
الرابع: (البخل والكذب) أي: الإنسان البخيل أو الكذاب.
الخامس: (الشنظير الفحاش) يعني: بذيء اللسان.
وهؤلاء كلهم من أهل النار، إذاً ليس أي ضعيف من أهل الجنة، بل الإنسان المؤمن الذي خلقه الله ضعيفاً، يأخذ بالأسباب ولكن لا حيلة له، فهذا ضعفه الله في الدنيا ولكن قواه يوم القيامة، أفقره في الدنيا وأغناه يوم القيامة، جعله في الدنيا لا يؤبه له وجعل الناس ينظرون إلى منزلته يوم القيامة.
نسأل الله أن يجعلنا من أوليائه وعباده الصالحين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 87
شرح رياض الصالحين - ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين
حث الإسلام على الرحمة بالمساكين والفقراء واليتامى والأرامل، والعطف عليهم وملاطفتهم، وجعل منزلة كافل اليتيم قريبة من منزل رسول الله ﷺ في الجنة.
стр. 88
ذكر ما جاء في ملاطفة اليتيم والفقراء والمساكين والضعفاء والبنات
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]) رواه مسلم].
يذكر لنا الإمام النووي ﵀ أدباً من الآداب، وخلقاً من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.
إن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.
وهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.
стр. 89
معاني الآيات الواردة في ملاطفة الضعيف واليتيم ونحوهما
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]) رواه مسلم].
يذكر لنا الإمام النووي ﵀ أدباً من الآداب، وخلقاً من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.
إن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.
وهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.
стр. 90
معنى قوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين)
والآيات التي جاءت في ذلك كثيرة، كقوله : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].
وخفض الجناح: التواضع، وهذا أمر للنبي ﷺ مع كمال خلقه العظيم الذي شهد له به القرآن، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، ومع ذلك يقول له: اخفض جناحك، أي: ازدد تواضعاً فوق تواضعك، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] فبعض الناس لفقره يكون فيه شيء من الثقل، ويثقل على صاحبه، فأمر النبي ﷺ أن يصبر على هؤلاء؛ لأنه بعث معلماً لهؤلاء، ومربياً لهم، فليصبر مع هؤلاء الذين يدعون ربهم، وقد كان هؤلاء يطلبون العلم الشرعي فكانوا يجتمعون حول النبي ﷺ فيعلمهم ويتلو عليهم القرآن فأمره الله أن يصبر مع هؤلاء معلماً ومربياً، رءوفاً رحيماً بهم، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 91
معنى قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)
وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، فالله أحسن إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه إحساناً عظيماً وجعله يتيماً، والإنسان ينظر كيف كان ﷺ في أهله، وكيف كان في عشيرته.
كان يتيماً فقيراً، فأبوه مات قبل مولده ﷺ ، وأمه ماتت وله ست سنوات صلوات الله وسلامه عليه أو نحوها، فيرعاه جده، ثم يموت جده، ويرعاه عمه، وينتقل من إنسان لإنسان، فالذي يموت عنه أبوه ثم جده ثم عمه الغالب أن يزهد في مثله، ويكون لا مال له، ولكن الله كفله وهو ينتقل من إنسان إلى إنسان، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، هو الذي آواك، وهو الذي رعاك، وهو الذي جعلهم يحنون عليك ويعطفون عليك، فإذا كان الأمر كذلك فكن مع مثل من كان في حالتك، كن كما كنا معك، أحسن يحسن الله إليك، أشفق على اليتيم واعطف عليه، فكان كذلك صلوات الله وسلامه عليه.
قال له سبحانه بعدما من عليه بهذه النعم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٦ - ٧]، أي: لا تعرف شيئاً عن الشرائع، فالله ينزل عليه هذا الكتاب العظيم، المعجزة التي جاءت من السماء، إذ يتحدى به الخلق كلهم صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧] أي: غافلاً عن الدين، فإذا به سبحانه يجتبيه ويجعله سيد المرسلين.
وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى:٨] أي: فقيراً عائلاً، فأعطاك الله المال بفضله وبرحمته، وبإحسانه إليك، فإذا كان كذلك ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، أي: بما أننا ربيناك فلا تقهر يتيماً، ولكن أحسن إلى الأيتام واعطف عليهم.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ﴾ [الضحى:١٠] أي: الذي يسألك علماً شرعياً أو حاجة يحتاجها لفقره ومسكنته ﴿فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١٠ - ١١]، والنعم كلها من الله ، هو الذي من عليك وأعطاك.
فالله سبحانه علمه وأدبه ومن عليه وأمره أن يتحدث بنعم الله عليه، فكان يتحدث غير مفتخر بهذه النعم وإنما كما أمر، فيقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)؛ أي: لأن ربي أخبرني بذلك وأمرني أن أتحدث بنعمته علي.
ويأتي السائلون ويسألون النبي ﷺ فيعطيهم صلوات الله وسلامه عليه، حتى إن أحدهم ليقول: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر! فكان لا يمسك شيئاً ويعطي مما أعطاه الله .
стр. 92
معنى قوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم)
قال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].
إنه من علامات التكذيب بالدين وبالجزاء وبالحساب، دعُّ اليتيم والمسكين؛ لأنه في اعتقاده وظنه أنه لا حساب ولا جزاء، فيظن أنه خلق للدنيا ويموت ولا يرجع، فإذا به يكذب بالجزاء والحساب ويدع اليتيم، ولو آمن بيوم القيامة لما نهر يتيماً ولا مسكيناً أبداً.
وفي حديث سعد بن أبي وقاص: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا.
ذكرنا هذه القصة وكيف أن المشركين يحبون التعالي، فطلبوا من النبي أن يعلمهم لوحدهم، والضعفاء لوحدهم، ومن هؤلاء الذين قدموا على النبي ﷺ عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، وكانوا سادة في قومهم، فطلبوا من النبي ﷺ أن يكون لهم يوم لوحدهم، حتى لا تتحدث العرب أنهم قعدوا مع الفقراء والمساكين.
يقول: (فحدث نفسه ﷺ ، يعني: بأن يجعل لهم يوماً، ولهؤلاء يوماً آخر، فإنهم إن أسلموا سيتعلمون التواضع ويتعلمون العلم الشرعي، فنزلت آية تحذر النبي صلوات الله وسلامه عليه من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، أي: تظلم نفسك بطرد هؤلاء، فإذا به يأبى صلوات الله وسلامه عليه إلا أن يطيع ربه في هؤلاء الفقراء والمساكين.
стр. 93
شرح أحاديث ملاطفة الضعفاء والأيتام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:٩ - ١٠].
وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣].
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]) رواه مسلم].
يذكر لنا الإمام النووي ﵀ أدباً من الآداب، وخلقاً من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.
إن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.
وهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.
стр. 94
شرح حديث: (لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك)
من الأحاديث: حديث لـ أبي هبيرة واسمه عائد بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان، بايع النبي ﷺ في الحديبية بيعة الرضوان، فبايع بعضهم على الموت، وبعضهم على الجهاد في سبيل الله سبحانه.
فهذا يخبر أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال، وغيرهم من فقراء المهاجرين الذين كانوا مع النبي ﷺ ، وكان ذلك بعد الحديبية.
ففي أثناء فترة الهدنة التي ما بين سنة ست وسنة ثمان جاء أبو سفيان فقابل هؤلاء من المسلمين، وكان أبو سفيان كافراً لم يسلم بعد، فجاء ومعه أبو بكر الصديق ﵁، فقابل هؤلاء المسلمين سلمان وصهيباً وبلالاً، أما صهيب وبلال فكانا يؤذيان في مكة، وصهيب خرج مهاجراً ولحقوه فأعطاهم كل ماله، وخرج إلى المدينة من غير شيء، وقال له النبي ﷺ : (ربح البيع أبا يحيى).
وبلال كان عبداً فأعتقه أبو بكر.
هؤلاء الفقراء رأوا أبا سفيان وهو آت ولم يسلم بعد فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها.
فغضب أبو بكر، وكانت نظرة سيدنا أبي بكر ﵁ نظرة مصلحة؛ لأنه يمكن أن يسلم، ولا يريد تنفيره عن الدين، فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ غاضباً، فشكا أبو بكر إلى النبي ﷺ ما قاله سلمان وصهيب وبلال لـ أبي سفيان، فقال النبي ﷺ : (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم)، أي: بمجاملته أبا سفيان على حساب هؤلاء، والنتيجة إن أغضبهم قال: (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك).
فأتاهم أبو بكر مسرعاً وقال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخيَّ.
يا أُخَيَّ تصغير أَخِي، والتصغير يكون أحياناً للتدليل، فقد يصغر الاسم على وجه المحبة والتلطف.
هذا أبو بكر الصديق الذي لو وزن إيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ لوزنهم، ولكن مع ذلك أمره النبي أن يحسن إلى هؤلاء وله بذلك القدر العظيم عند الله؛ لذلك ذهب إليهم واسترضاهم فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي.
نتعلم من هذا الحديث أن الإنسان المسلم لا يغضب الفقير لكونه فقيراً، والإنسان المسلم يحب الفقير ولا يتمنى الفقر، ولكن الفقر قد يكون نعمة لإنسان، وقد يكون نقمة على إنسان آخر، ولذلك يكفي الفقير أنه يسبق إلى الجنة بنصف يوم من أيام القيامة، أي: خمسمائة عام، فلا تعاد الفقير أبداً، لعله يكون ولياً لله .
وفي الحديث أن الله يقول: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فإذا أردت أن تبتعد عن محاربة الله ، فابتعد عن مؤذاة الفقراء والمساكين، الذين هم أهل التواضع وأهل حب الله .
فهنا أبو بكر الصديق يصالح هؤلاء الأفاضل، ومنهم بلال الذي عذب وأعتقه أبو بكر رضي الله ﵎ عنه، ولكنه ما أعتقه إلا لله، فهو بإغضابه لهؤلاء يغضب ربه سبحانه، فذهب يصالحهم رضي الله ﵎ عنه.
стр. 95
شرح حديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة)
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما)، رواه البخاري.
يكفل اليتيم: يقوم بأمر اليتيم، وينفق عليه، ويربيه وفي رواية قال: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره).
واليتيم: الإنسان الذي مات أبوه، ويتجوز فيها أحياناً، فيطلق على من مات أحد أبويه، ولذلك يدخل الفقهاء فيها الرجل الذي ينفق على عياله ويقوم بأمرهم إذا أمهم ماتت، والفقهاء يقولون: إن الإنسان الذي يموت أبوه فيقوم جده أو عمه أو أخوه الكبير بالنفقة عليه والإحسان والتربية، أو يكون أبو المولود قد مات، فتقوم أمه مقامه بأن تنفق على عيالها ورفضت أن تتزوج، فإن لها فضلاً كبيراً عند الله .
والنبي ﷺ يقول: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين) بأن يكون جاره يتيماً، أبوه مات وليس هناك أحد يرعاه، فيقوم برعايته وتأديبه وتربيته والإنفاق عليه والإحسان إليه، فهو داخل تحت هذا الحديث الذي رواه البزار من حديث أبي هريرة: (من كفل يتيماً ذا قرابة أو لا قرابة له).
إذاً: كافل اليتيم قد يكون قريباً أو غريباً، وقد يكون رجلاً أو امرأة، وقد تكون المرأة أم هذا الإنسان اليتيم، وقد يكون الرجل أباً لهذا الذي توفيت أمه، فقال لنا النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين).
ومعنى (كهاتين): أنه قريب من النبي ﷺ في دخول الجنة سريعاً.
أيضاً قريب في علو المنزلة، والنبي ﷺ في أعلى المنازل، يليه كافل اليتيم رجلاً كان أو امرأة، ويوضحه ما جاء في مسند أبي يعلى من حديث أبي هريرة يقول ﷺ : (أنا أول من يفتح له باب الجنة إلا أنه تأتي امرأة تبادرني فأقول لها: مالك وما أنت؟ فتقول: أنا امرأة تأيمت على أيتام لي).
والأيم: التي لا زوج لها، يعني: صارت أرملة، مات زوجها وهي حفظت نفسها لعيالها، ورفضت أن تتزوج وقامت بأمر عيالها حتى كبروا واستغنوا عنها، فهي ممن يدخل الجنة سريعاً مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وفي حديث آخر عند أبي داود من حديث عوف بن مالك يقول النبي ﷺ : (أنا وامرأة سفعاء الخدين، كهاتين يوم القيامة)، والسفع في الخد بمعنى: سواد في الخد، وكأنه الناشئ عن تعب ومشقة وعدم اهتمام بالنفس.
والمرأة قد تكون جميلة أو نسيبة وشريفة؛ ولكن بسبب هموم تربية العيال وموت الزوج والاحتياج تكدح وتتعب حتى ينتفخ خداها، فقوله ﷺ : (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة)، يعني: كأصبع السبابة والإبهام يوم القيامة.
وسفعاء الخدين هذه قال عنها النبي ﷺ : (امرأة ذات منصب وجمال)، يعني: ليست سفعاء الخدين، بل هي ذات منصب وجمال، قال: (حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا)، يعني: توفي زوجها، ورفضت أن تتزوج وقامت بأمر هؤلاء الأيتام حتى ماتوا أو كبروا وانصرفوا وتزوج كل واحد منهم واستغنوا عن أمهم بعد ذلك، فيخبر ﷺ أن هذه المرأة بصبرها على تربية هؤلاء اليتامى تكون يوم القيامة قريبة من منزلته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 96
شرح حديث: جابر (مم أضرب يتيمي)
جاء في حديث لـ جابر بن عبد الله رواه الطبراني يقول: (قلت: يا رسول الله! مم أضرب يتيمي؟).
وتربية كافل اليتيم لليتيم كتربيته للأولاد، فلا يقسو عليه ولا يغلظ له في الكلام، فمثلما يكون حازماً مع أطفاله يكون حازماً مع اليتيم، ومثلما يدلل أطفاله يدلل اليتيم.
فلما قال جابر بن عبد الله ﵁ لرسول الله ﷺ : (مم أضرب يتيمي قال له: مما كنت ضارباً منه ولدك).
أي: فإذا كنت تربي أولادك بحديث: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)، كذلك اليتيم الذي تربيه، تأمره بالصلاة لسبع وتضربه لتركها لعشر، وتربيه مثلما تربي ولدك.
فمن الناس من قد يتوفى أخوه، فيقوم هو بتربية عيال أخيه، وقد يكون عيال أخيه وارثين من أبيهم مالاً كثيراً، فيحاول من يقوم برعايتهم وقاية ماله بمالهم، فيأكل معهم ويشرب معهم، فالله يحذر من ذلك: إن كنت تريد الدرجة العظيمة يوم القيامة في الجنة، فلا تق مالك بمال يتيمك.
يقولون: إن كافل اليتيم شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي ﷺ ؛ لكون النبي ﷺ بعث إلى قوم لا يعقلون الدين، فرباهم وعلمهم ﷺ حتى عقلوا هذا الدين.
كذلك الإنسان مع اليتيم إذ يربي اليتيم حتى يفهم ويتعلم الدين، فالمسألة ليست صرف المال على اليتيم فقط، ولكن يربي هذا اليتيم، وينشئه إنساناً صالحاً يعبد الله ، فيكون له الأجر العظيم على ذلك.
стр. 97
شرح حديث: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان)
ومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ : (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف).
إن النبي ﷺ يحدد لنا المسكين، وقد قال الله في القرآن: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣].
والنبي ﷺ يذكر من هو هذا المسكين، فهناك أشخاص يطلبون من النبي ﷺ ويسألونه، وهناك من هو رث الهيئة أمام النبي ﷺ ، فيسأله الناس عن حاله فيجيب: الحمد لله أعطاني الله من كل النعم، فيقول النبي ﷺ : (إذا أنعم على أحدكم فلير أثر نعمته عليه).
فقوله ﷺ : (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان)، المعنى: المسكين ليس الذي يسأل الناس دائماً، إنما المسكين ذلك الإنسان الذي يتعفف، ولا يسأل وهو محتاج، يبيت جائعاً ولا يطلب من أحد أن يعطيه شيئاً، فهذا هو المسكين الذي يحسن إليه، ويبحث عن مثله؛ لأنه ينفعك في الدنيا ويدعو لك، ويوم القيامة قد يشفع لك.
وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (لكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)، هذا المسكين ليس له غنى يغنيه، وعمله لا يكفيه لينفق على أهله وعلى عياله، ولا يفطن له، فهذا هو المسكين الذي تعطيه المال.
فليس كل إنسان يطلب من الناس هو الذي مدحه النبي ﷺ ، وكم من إنسان يسأل الناس ويمد يده للناس وهو أغنى من الذي يطلب منه.
ومن السائلين من يقف أمام باب المسجد أو في المسجد ويشكو أمراضاً وأسقاماً وآلاماً وهموماً ثم يفضحه الله وينكشف أمره بأنه أغنى ممن هم في المسجد، فمثل هؤلاء لا يستحقون الصدقة، ولا يجوز لك أن تنهر المسكين، ولكن لا يجوز لك أن تشجعه كذلك.
стр. 98
شرح حديث: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله).
يسعى عليها يعني: ينفق عليها، ويقضي لها حوائجها، ابتغاء وجه الله ، هذا كالمجاهد في سبيل الله.
وفي رواية قال: (كالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر).
إن فضل السعي على الفقراء والمساكين عظيم جداً، فالذي يسأل عن فقير أو مسكين أو أرملة، ويقضي لهم حوائجهم، ويحسن إليهم، ويتابعهم سنين طويلة، هذا هو الذي يعنيه النبي ﷺ ، فعمله هذا في البحث عن الفقير والمسكين ومتابعة أحوالهم وحوائجهم يجعله كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، مع أنه لا يقوم بالليل ولا يصوم نافلة، لكن عمله ألحقه بهؤلاء.
والمسلم يعطي من يستحق، لا من لا يستحق.
نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 99
شرح رياض الصالحين - النفقة على العيال
لقد أمر الله الرجل بالإنفاق على أهله وعياله، وأوجبه عليه، ومع ذلك إذا احتسب الرجل تلك النفقة فإنه يؤجر عليها، كذلك المرأة لو أنفقت على عيالها فإنها تؤجر على ذلك.
كذلك حث الشرع على الإنفاق مما يحب المرء من الجيد لا الرديء، حتى يبلغ الكمال في خصال الخير، وأمر أيضاً الآباء بأمر أبنائهم بالصلاة عند السابعة وتعليمهم، وضربهم عليها عند العاشرة، والتفريق بينهم في المضاجع.
стр. 100
وجوب النفقة على العيال
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب النفقة على العيال.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
وقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك)، رواه مسلم].
هذا باب النفقة على العيال، والنفقة من الإنفاق، يعني: الإخراج للمال لأجل أولاده أو زوجته أو من يقوم بالنفقة عليهم، وغير ذلك ممن يتكفل الإنسان بمعونتهم.
قال الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
يعني: على الأب أن ينفق على أولاده وعلى زوجاته، وهذا الرجل إذا طلق امرأته وهي حامل أو وهي ترضع الصبي فيلزمه أن ينفق عليها خلال فترة الرضاعة أو خلال فترة الحمل، فإذا كانت النفقة للمطلقة فكيف بالزوجة التي هي معك، فهي من باب أولى.
لم يكلفنا الله ما لا نطيق، وإنما أمر بالإنفاق مما يقدر الإنسان عليه، ولذلك يقول لنا في سورة الطلاق: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، أي: إذا وسع ربنا على الإنسان فلينفق من السعة، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧]، أي: من ضيق عليه رزقه ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].
إذاً: هنا لم يكلف الإنسان الفقير أن ينفق نفقة الغني، ولا الإنسان الغني أن يضيق ويقتر، بل الإنسان الغني ينفق من سعته، والإنسان الفقير ينفق مما أعطاه الله سبحانه، ورحمة ربنا عظيمة جداً، قال سبحانه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال لنا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، أي: على قدر طاقة الإنسان وقدرته، فلا يكلف الله الإنسان أكثر مما يطيق.
بل من رحمته سبحانه أنه كلف الإنسان الشيء الذي يطيق أكثر منه، فقال لنا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولما فرض علينا الصلاة فرض خمسين صلاة، وبعد هذا نزلت إلى خمس، والإنسان يصلي الفريضة ويصلي النوافل، فهو يقدر أن يصلي أكثر من خمس صلوات في اليوم، فربنا لم ينظر إلى قدرة الإنسان، وإنما نظر إلى طاعة الإنسان وإلى الاستمرارية في ذلك، فكلفه بأقل مما يطيق، خمس صلوات فقط في اليوم والليلة.
كذلك في النفقة لا يكلفك شططاً، ولا يكلفك ما لا تقدر عليه، ولكن في حدود المعروف تنفق على المرأة من الطعام والشراب والكسوة والسكنى، لا تزيد ولا تنقص.
قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سبأ:٣٩]، (ما) يعني: أي شيء تنفقه سواء كان قليلاً أو كثيراً لك أجره عند الله ، باحتسابك النية في ذلك.
قال: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، أي: يخلف عليك غيره، فأنت كلما أنفقت نفقة جاءت غيرها من الله سبحانه، وكلما بخل الإنسان وبدأ يقصر في النفقة الواجبة عليه عومل بما يفعله، بأن يملأ قلب الإنسان بالفقر، ويجد فقره بين عينيه، ولذلك في حديث النبي ﷺ المتفق عليه من حديث أبي هريرة يقول: إن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) أي: ينبغي الثقة في رزق الله سبحانه، وذلك بأن ينفق الإنسان وهو واثق بأن ربنا سيخلف عليه، ولا يقول: من أين يعطيني.
انظر أنه عندما يتزوج الإنسان يأتيه الرزق والبركة، لكن كون الإنسان يقول لما يريد أن يتزوج: من أين سأتزوج؟ نقول: اسع في طلب الرزق، ولست مأموراً أن تتزوج وأنت فقير، ولكن إن كنت تريد أن تعف نفسك فثق أن الله يعينك، لكن اخرج وابحث عن عمل وابحث عن رزق حلال، وثق في أن الله سيعفك وسيعطيك من فضله ومن كرمه سبحانه.
وتلقى كثيراً ممن تزوجوا يقول لك: أنا يوم ذهبت لأخطب ما كنت أجد نقوداً، ثم فتح الله عليّ فوجدت رزقاً.
نقول: كن على ثقة في رزق الله، واترك الحرام، واعلم أن رزقك مكتوب من ساعة ما خلقك الله سبحانه، ولا تقل مثلاً: أنا أشتغل في شركة خمور، وعندي عيال! فإن عليك أن تبحث عن الرزق الحلال، وأن تبتعد عن الحرام ابتغاء مرضاة الله ، أما أن تقول: ليس أمامي غير هذا العمل، كأنك أنت الذي ترزق نفسك، فلا، بل عليك أن تبحث عن أسباب الرزق الحلال، خذ بالأسباب ودع النتيجة على الرزاق الكريم ، وهل تظن أنك تطيع ربنا سبحانه فيضيق عليك ولا يعطيك؟! الطاعة من ورائها الخير العظيم من الله سبحانه، فهو يرضى عنك ويرضيك ويعطيك.
وقد قال للنبي ﷺ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] ولقد أعطى نبيه ﷺ وأرضاه وكذلك كل من يطيعه يعطيه ويرضيه، لكن اصبر وابحث عن الحلال وابحث عن أسباب الرزق وسيأتيك رزقك الذي كفله الله لك.
قال في الحديث: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان) ينزل ملك لا يعصي الله ، هو ملك خلقه الله لهذه المهمة، ينزل من أجل أن يدعو لإنسان، وملك آخر يدعو على إنسان، الأول يدعو ويقول: (اللهم أعط منفقاً خلفاً)، أي: الذي ينفق ابتغاء وجهك يا رب! فاخلف عليه، والثاني يقول: (اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، أي: الذي يمسك ويمتنع عن النفقة الواجبة مع القدرة فضيق عليه، فهنا الملك يدعو عليه، ولا ينزل الملك من أجل أن يدعو دعوة غير مستجابة، بل هذا الملك خلقه الله لذلك، فالله يستجيب هذا الدعاء.
فاحرص على أن تنفق من سعتك مما قدرك الله سبحانه، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وورد في الحديث أن السيدة عائشة ﵂ جاءتها سائلة تسأل فأعطتها تمرة، يعني: لم تجد في البيت سوى تمرة، فأعطتها الفقيرة، فكان لها أجرها.
стр. 101
النفقة على الأهل والعيال أفضل النفقات وأعظمها أجراً
هنا ذكر الإمام النووي ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك).
انظر عظمة ربنا ، وأنت عند إنفاقك تريد أن تفرح أهلك وتريد أن تطعم زوجتك وعيالك، وهو أحب إليك من إنفاقه على غيرهم، ومع ذلك فهو أكثر أجراً من إنفاقك الدينار في الجهاد في سبيل الله ، ومن إنفاقه في تحرير رقبة، وكذلك من التصدق به على مسكين.
فإذاً: أعظمها أجراً ما تنفقه على أهلك، طالما أنك تنفقه لتعف به نفسك وتعف به أهلك، وتمنعهم عن سؤال الناس، لكن على الإنسان أن ينفق على أهله بسماحة وهو محب للإنفاق، من غير تبذير ولا إسراف، وإنما يضع الأشياء في مواضعها.
وعن أم سلمة قالت: قلت: (يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم؟)، عيال أم سلمة من أبي سلمة ﵄، وأم سلمة كان قد تزوجها أبو سلمة وتوفي عنها، وعوضها الله من هو أفضل من أبي سلمة فقد تزوجها رسول الله ﷺ ، وكان لها مال ﵂، فتسأل النبي ﷺ : (هل لي أجر أن أنفق على أولاد أبي سلمة)، الذين هم عيالها هي (فقال النبي ﷺ لها: نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم).
أي: كلما أنفقت على عيالك لك الأجر في ذلك.
إذاً: ليس الرجل فقط له الأجر حين ينفق على عياله، والمرأة أيضاً إذا أنفقت على عيالها لها الأجر من الله .
стр. 102
الإخلاص والاحتساب في الإنفاق يقتضي الأجر والثواب
ورد في حديث سعد بن أبي وقاص يقول النبي ﷺ لـ سعد: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله).
يعني: أن تنفق النفقة وأنت تبتغي وجه الله ، لا رياء ولا سمعة.
ثم قال: (إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك)، يعني: حتى الشيء الذي تستقله، وترى أنك تمزح وتضحك فيه، كأن تضع في فم امرأتك لقمة تمزح معها وتضحك فلك أجر في هذا الشيء الذي فيه ضحك.
أيضاً في حديث أبي مسعود البدري عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة).
هذا فيه دليل على أن النية عظيمة جداً، وتجارة رابحة مع الله ، فكونك تنوي الخير وتعمله تؤجر عليه أضعافاً، وكونك تنوي الخير ولا تعمله تؤجر عليه، وكونك تنوي الشر نية جازمة تحاسب عليها عند الله ؛ لأنك ما تركت فعل الشر إلا لأنك لم تتمكن منه، أما لو نويت الشر ومن ثم خفت من الله ، فإنك تؤجر على ذلك حسنة.
فإذاً: النية الحسنة مع الله تجارة رابحة وعظيمة، بل الإنسان الذي ينوي الخير ومن ثم يرجع فيه، بأن يمد يده في جيبه ليخرج صدقة، ومن ثم بخل ولم يخرجها، فإنه يؤجر عليها، انظر إلى كرم ربنا ، حيث يأجره؛ لأنه أراد فعل خير مع أنه لم يفعله، لكن لو تصدق أجر عليها بعشر أمثالها، إلى ما يشاء رب العالمين .
стр. 103
أعظم الإثم وأكبره تضييع الإنسان من يعول
ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).
وفي رواية: (أن يضيع من يعول).
وفي رواية: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته).
يعني: الإنسان الذي يجمع المال ويترك أهله جياعاً ويحرمهم وهو معه المال، فهنا يقول لك: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) فكونك تبخل على أهلك وتضيعهم حتى يموتوا من الجوع، أو يشحذوا من الناس أو يسرقوا وأنت قادر على الإنفاق، فإن هذا إثم عظيم جداً، يكفي لإدخال صاحبه النار، كفاه هذا الإثم أنه ضيع من يعول ومن يقوت.
ورد في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)، (اليد العليا) أي: يد المعطي هي اليد العليا، ويد الآخذ هي اليد السفلى.
(وابدأ بمن تعول) يعني: وابدأ بالنفقة على نفسك وعلى زوجتك وعلى العيال، فهؤلاء أولى من الغريب، بعد ذلك أخرج للغير بحسب ما يقدرك الله .
قال: (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) يعني: كأنه يحث الإنسان إن تصدق ألا يتصدق بكل ما عنده، بل يبقي لنفسه وأهله وعياله ما يغنيهم ويعفهم، بحيث لا يحتاج إلى أحد من الناس.
فقوله: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) يعني: إذا كنت غنياً فأنفق، وإذا كنت فقيراً وليس عندك إلا ما يكفيك فأبدأ بنفسك وعيالك، ولك الأجر في هذا الشيء، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ومن كرم ربنا أنه لم يجعل في مالك حقاً للغير وأنت محتاج إليه، بل أمرك أن تبدأ بنفسك وأهلك وعيالك، وما زاد فأعط للغريب ولمن يحتاج.
قال في الحديث: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).
قوله: (من يستعفف) الجزاء من جنس عمل الإنسان، فالإنسان عليه أن يكون عفيفاً معززاً له كرامته، فهو لا يمد يده إلى أحد.
قوله: (ومن يستغن يغنه الله) أي: إذا استغنى المرء بالله أغناه، والغنى غنى النفس لا المال، فهو قد يستغني بالشيء اليسير، ولا يمد يده إلى الناس؛ لأن الله لم يحوجه إلى أحد من خلقه أبداً.
أما الإنسان الذي ينظر إلى ما في يد الناس ويحسدهم ويتمنى أن يصير ما عند الناس عنده، والناس ليس عندهم شيء، فهذا الإنسان يملأ الله قلبه فقراً، ومهما أعطاه من مال فهو يحس أنه فقير وأنه محتاج.
إذاً: من يتعفف يعفه الله ويجعله عفيفاً، ويعطه ما يعفه عن سؤال الخلق، ومن يستغن بالله يغنه الله؛ هذا وعد صادق من رسول الله ﷺ أن الله يغنيك إذا تعففت وإذا استغنيت عن الخلق بالخالق .
стр. 104
حث المرء على الإنفاق مما يحب
يقول الإمام النووي: [باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد].
يعني: الشيء الذي تحبه تنفق منه ولا تنفق الشيء الرديء الذي لا تحبه، بل إذا تصدقت فتصدق بالشيء الذي مثلك يأكله، أما أنك تتصدق بالحاجة التي لا تأكلها، فتقول: بدل ما أرميها في الزبالة أعطيها للفقير، نقول: هذا لا ينبغي؛ لأن الله تعالى قال في الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] أي: لن تنالوا هذه الدرجة العالية درجة الأبرار وتجمعوا خصال الخير حتى تنفقوا مما تحبون.
جاء في الحديث عند الطبراني بإسناد صحيح: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وأصحابه فرأوا من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟)، يعني: أن الرجل قوي ويعمل بجد وبهمة وبنشاط، فلو كان يجاهد في سبيل الله لكان أحسن، فقال لهم ﷺ : (إن كان خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان).
يعني: جعل النبي ﷺ من يعمل بهمة ونشاط وحب للعمل من أجل النفقة الواجبة على نفسه وعلى أولاده جعل كل ذلك في سبيل الله ، لم يضيق علينا في النفقة في سبيل الله بحيث يحصرها في الجهاد، بل تكرم علينا ربنا سبحانه فأخبرنا على لسان نبينا ﷺ أن من خرج يسعى على أولاد صغار فهو في سبيل الله، يعني: أجره كأجر المجاهد في سبيل الله سبحانه، وكذلك من خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، ومن خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، لكن من خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.
فكونك تصلي الفريضة فأنت في سبيل الله ومأجور على صلاتك، وتصلي النافلة أنت مأجور على ذلك، وتخرج إلى العمل من أجل أن تكسب مالاً لتعف نفسك وأهلك فأنت في سبيل الله، وعندما تنام من أجل أن تستريح حتى تقوم لتصلي الفريضة فإن نومك في سبيل الله وقيامك في سبيل الله وعملك ونشاطك في سبيل الله، حتى في مداعبة الرجل أهله وفي جماعه أهله يؤجر على ذلك، فهذا من كرم ربنا على عبيده، فانظر إلى عظمة هذا الحديث.
الحديث الآخر: يقول ﷺ : (إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة) يعني: الله يعينك إن ذهبت للعمل من أجل نفقتك وأهلك، وما عليك إلا أن تسعى، فستأتي المعونة منه سبحانه على قدر المئونة فلا تكسل، بل اعمل وإن كان العمل الآن لا يأتي بالثمن الكبير، ولكن على الأقل عملت وأريت الله من نفسك أنك بذلت الجهد وبحثت وتعبت في هذا العمل الذي لقيته على قدر الحال، فالله يعطيك الأجر، وييسر لك ما هو خير لك، لكن كونك تجلس وتنتظر الرزق يأتيك من السماء فلا، إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، بل اخرج واسع وابحث عن الرزق، ورزقك يأتيك طالما بحثت.
قال النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المئونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء)، يعني: الله لا ينزل بالعبد بلاء لا يقدر أن يصبر عليه، لأن من رحمة الله بعباده وعدله وكرمه أن أنزل البلاء على قدر صبر الإنسان، وكلما ازداد الإنسان قرباً عند الله، وازداد محبة عند الله زاده بشيء من البلاء؛ حتى يرفع درجته.
يذكر الإمام النووي من الآيات في هذا الباب قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، يعني: لا تأتى إلى الأشياء الرديئة وتعطيها للفقير، مثلاً: في زكاة الفطر يخرج الإنسان أردأ أنواع التمر ويعطيه للفقير، هذا لا ينبغي، لكن أخرج الشيء الذي تأكله وأعطه للفقير، الطعام الذي تأكله تصدق به، فالإنسان قد لا يكون له نفس أن يأكل هذا الطعام؛ لأنه بائت، ولكنه حلو وجيد ومثله يؤكل، فلا بأس أن يتصدق به، لكن يكون عنده طعام قد تغيرت رائحته ويتصدق به فلا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، يعني: هذا الشيء الذي لا ترضى أن تأخذه ولا أن تشتريه إلا أن تتساهل وتتسامح في أخذه، فهذا لا يجوز لك أن تنفق من مثله، ولكن أنفق من خير ما أعطاك الله .
стр. 105
مسارعة الصحابة إلى الإنفاق من المحبوب
يقول لنا أنس بن مالك ﵁: (كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]).
انظروا تطبيق الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم، وليس مطلوباً منك أن تفعل كفعلهم، ولكن المطلوب منك أن تنفق من الشيء الذي تقدر عليه، وربنا أوجب عليك الزكاة (٢.
٥%)، فاقتد بالصحابة ومهما أنفقت فلن تبلغ مد أحدهم ولا نصيفة، كما قال النبي ﷺ ، ولكن نتأمل في سيرتهم وكيف بلغوا المبلغ العظيم في عبادتهم ربهم، وفي إنفاقهم أحب الأموال إليهم.
(قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى).
يعني: قال الله : (مِمَّا تُحِبُّونَ) ولم يقل: حتى تنفقوا أحب الأشياء إليكم، وهذا تكرم من الله سبحانه، فقوله: (مِمَّا تُحِبُّونَ) يعني: أنت تحب أشياء فأنفق من هذه الأشياء التي تحبها لا كلها، و (من) تبعيضية.
فـ أبو طلحة كان أعظم شيء يحبه حديقة كاملة فتصدق بها، وهذا شيء كبير جداً ولكن كانت نظرته للدار الآخرة، كأنه يقول: أنا سأعطي هذه الحديقة وربنا سيعطيني أفضل وأحسن من هذه الحديقة بكثير، فقال للنبي ﷺ : (وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها)، أي: أرجو البر على ذلك، وأن تكون مدخرة لي عند الله .
قال: (فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله)، يعني: تصرف فيها كما تحب حيث أراك الله سبحانه.
فقال النبي ﷺ : (بخ بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح)، يعني: تعجب النبي ﷺ لإحسان هذا الرجل ولعظيم صدقته، فقال: (بخ) وهي كلمة تقال للتعجب، فهو ﷺ تعجب من فعل هذا الرجل الطيب رضي الله تعالى عنه، ولتفخيم أمر الصدقة التي أخرجها، فقال النبي ﷺ : (ذلك مال رابح) يعني: أن لك الربح من الله والأجر العظيم على صدقتك، لا يضيع عند الله سبحانه، بل يربحك عليها الأجر العظيم.
فقال ﷺ : (قد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)، وهنا النصيحة العظيمة الذي يعلمها لنا النبي ﷺ ، عندما يأتي إليك إنسان بمال كثير ويقول لك: أنفق هذا المال، قد تقول: آخذ منه المال وأنفقه من أجل أن يكون لي نصف الأجر، لكن اصبر قليلاً وانظر ماذا فعل النبي ﷺ ، لم يقل: هات المال وأنا سوف أتصدق به، بل قال له: اجعله في الأقارب الفقراء، ومعلوم أن الدال على الخير له مثل أجر فاعله، فهو ﵊ نصحه وأرشده إلى أنه إذا كان هناك أحد في أقربائك فقير فأنفق هذا المال عليه، حتى تكون له صدقة وصلة ويحصل على أجرين.
فقال ﷺ : (وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة ﵁: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).
نتعلم من ذلك أننا ننصح لغيرنا كما ننصح لأنفسنا، ونتعلم أن على الإنسان أن يخرج من طيب ماله الذي يرجو بركته، ويرجو الأجر من الله عليه، فينفق لله ويحتسبه، وما نقص مال من صدقة، كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا ينفقون نفقات عجيبة جداً، وكان ربنا يعطيهم أضعافاً مضاعفة.
وهذا عبد الرحمن بن عوف كان ينفق نفقات عجيبة جداً، ويقال إن عبد الرحمن بن عوف لم يجب عليه في ماله زكاة؛ لأنه كان ينفقه قبل أن يحول عليه الحول ويتصدق به، وربنا يعطيه مثله وأضعافه، وكان يسمع أن الفقراء يسبقون الأغنياء يوم القيامة بنصف يوم، فهو ينفق من أجل أن يدخل مع الفقراء، فربنا سبحانه يعطيه بنيته، وقد شهد له النبي ﷺ بأنه أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، ومع ذلك كان ينفق ويعطي ولم يتكل على ما قاله النبي ﷺ .
وهذا الزبير بن العوام قيل: كان عنده من العبيد ألف، الذين يعملون ويأتونه بالأجرة، وكان تاجراً محظوظاً، وكان ابن عمة النبي ﷺ وحواري رسول الله ﷺ ، وكان من المتصدقين ومن أهل الكرم رضي الله تعالى عنه، فقد كان الألف عبد يأتونه بالأجرة، فيأخذ الأجرة ولا يأكل منها أبداً، وإنما يجعلها كلها لله ، ينفقها في سبيل الله ، فكان ربنا يبارك له في ماله.
وهذا أبو بكر الصديق ﵁ كان ينفق ماله كله في سبيل الله ، وعمر بن الخطاب كان ينفق نصف ماله في سبيل الله ، وكانت نفقاتهم عظيمة، فقد كانوا يرجون بها أن يعفو الله تعالى عنهم يوم القيامة ويدخلهم جنته.
стр. 106
وجوب أمر الرجل أهله وأولاده بالمعروف ونهيهم عن المنكر
стр. 107
أمر الرجل أهله بالصلاة والطاعات
يقول الإمام النووي: [باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين، وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه].
أي: يجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]: أي: قال تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ فهل يا ترى كان يمكن أن يقصر ﷺ ؟ لا، لم يقصر في ذلك أبداً، ولكن من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة)، يقول ذلك للنبي ﷺ الذي لم يقصر في ذلك، حتى كأنه يقول: الكلام لكم أنتم، اسمعوا ومروا أهليكم بالصلاة واصطبروا عليها، كما أمر النبي ﷺ أن يأمر أهله بالصلاة.
والرجل حين يأمر أهله بالصلاة قد لا يستجيبون لأمره، لعلهم يتوانون ويتأخرون، فقد يكسل في أمرهم، فقيل له: اصبر ولا تطاوعهم؛ لأنك لو طاوعتهم سيضيعون وتضيع معهم بل مرهم بصلاة الفريضة بأن يصلوها في بيت الله سبحانه، يأتي وقت الفجر توقظ أهل البيت ليؤدوا صلاة الفجر، تأمرهم بذلك وتصطبر على ذلك.
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، يحب الإنسان أن يقي نفسه بلاء الدنيا، ومصائب الدنيا، وأمراض الدنيا، فعندما يسمع بوجود تطعيم من وباء كذا، تراه يجري ليطعم نفسه، ويطعم عياله من أجل ألا يحصل لهم ذلك الوباء، هذا في الدنيا، فهنا لو نظر الإنسان نظرة إلى الدار الآخرة، هل ممكن الخائف على عياله من مرض في الدنيا ووباء أن يضيعهم يوم القيامة ويدخلون النار؟ ليس ممكناً، ولكن قد يسهو الإنسان وينسى الآخرة فربنا يذكره، ويأمره بأن يقي نفسه وأهله ناراً وقودها الناس والحجارة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، أي: أن تقي نفسك وأهلك.
стр. 108
تأديب النبي ﷺ للحسن ومنعه من فعل المحرم
عن أبي هريرة ﵁ قال: (أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة).
كان النبي ﷺ من أشد الناس حناناً على أهله، فقد كان ﷺ يشم الحسن والحسين ﵄ ويقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)، صلوات الله وسلامه عليه، وكان ﷺ يمكن الحسن أو الحسين وهو ساجد أن يصعد على ظهره، كل هذا من حنانه ﷺ معهما، لكنه عندما أخذ شيئاً حراماً لم يسكت ﵊ على ذلك، مع أن الحسن كان طفلاً صغيراً، وعندما مد يده وأخذ تمرة واحدة من تمر الصدقة ووضعها في فمه لم يتركه يأكلها، وقال: سأدفع ثمنها، بل أمره برميها من فمه، فإذاً: يؤدب الصغير على مثل ذلك ولو بإخراج اللقمة الحرام من فمه.
يقول ﷺ : (كخْ) وفي رواية: (كخٍ).
قوله: (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة) يعني: أن النبي ﷺ يعلم الصبي وهو صغير ويقول له: نحن لا نأكل الصدقة ولا يحل لنا ذلك، ومع أنه صبي صغير فقد أمره النبي ﷺ بالمعروف ونهاه عن المنكر، وإن كان الصبي ليس مخاطباً بالتكليف وليس مكلفاً، ولكن النبي ﷺ يعلمه بأنه لا يجوز لك أن تأخذه حتى ولو كنت لست مكلفاً.
стр. 109
تعليم النبي ﷺ لربيبه عمر بن أبي سلمة آداب الأكل
ورد في حديث آخر لـ عمر بن أبي سلمة ابن زوجة النبي ﷺ وربيبه، وكان في حجره وهو صبي صغير، يقول: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام! سم الله تعالى -أي: قل باسم الله- وكل بيمينك وكل مما يليك).
ينبغي تعليم الصبي آداب الأكل بحيث لا يأكل بشماله ولا يبطش بيده في الطعام من كل جهة وإنما يأكل من أمامه، حتى إذا كان مع الناس لا يمد يده قبل غيره، وإنما يسمي الله ، ولا ينتقي أحسن المأكولات ويأكلها ويترك غيرها.
إذاً: لا بد من التعليم، يعلم الطفل كيف يأكل، بحيث يقول قبل أن يمد يده: باسم الله، ولا يأكل إلا من مما يليه، كذلك يعلمون كيف يدخلون المساجد، حتى لا يحدثوا فوضى فيها، فالطفل إذا لم يعلم ويؤدب فقد يقل أدبه على الكبار، وإذا كبر صار قليل أدب.
عندما تجد طفلاً صغيراً في الجامع يقل أدبه أو يجري أمام المصلين فخذه وعلمه الأدب ولا تقس عليه، ولكن علمه الأدب، ولا تسكت على المنكر وأنت تراه، وبعض الإخوة إذا أنكرت على عياله يقول: وأنت ما شأنك، لقد كان الحسن والحسين يركبان على ظهر النبي ﷺ ! نقول: أولاً: ابنك ليس الحسن ولا الحسين، ثانياً: النبي ﷺ أمر الحسن أن يرمي تمرة الصدقة من فمه، والنبي ﷺ دخل المسجد ذات مرة وأمامة بنت بنته ﷺ فوقه، من أجل ألا تؤذي الناس بأن تجري بين الصفوف، أو تبكي، فكان ﷺ إذا قام رفعها وإذا نزل وركع أو سجد وضعها، فهو ﷺ أمسكها حتى لا تؤذي أحداً من الناس.
فلا آتي أنا بابني من أجل أن يتدلع في المسجد، فإذا قام إنسان وأمره أو نهاه غضبت، لا؛ لأن ابنك الذي يؤذي إنساناً في المسجد عليك إثمه؛ لأنك لا أمرته بمعروف ولا نهيته عن منكر، بل منعت غيرك من أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فإذاً: من أراد أن يأتي بولده المسجد فلا يأتي به إلا وهو في السن الذي يعقل فيه الصلاة، بأن يكون عمره سبع سنوات، وتعلمه أدب المسجد، ويكون مكانه خلف الصفوف لا أن تجعله يجري أمام الناس، ولا يكون في الصفوف الأولى؛ لأنهم بعد أن يدخل الإمام في الصلاة يخرجون من الصفوف، فتحدث فرجات بين الصفوف، فمن يتحمل هذا الشيء؟ نقول: إن قطع الصفوف لا يجوز وإثم ذلك على والد هذا الطفل الذي ترك فرجة في الصف.
فاتقوا الله في أنفسكم وفي بيت الله! كذلك الذين يأتون بأطفالهم في صلاة التراويح، فتجد الواحد يأتي بابنه ويعطي له (آيسكريم) في يديه، فهو يأكل ويبعثر في المسجد، أنت بهذا الشيء ما الذي يؤمنك أن أحداً يدعو عليك وعلى ابنك فتصاب بشؤم عمل ابنك في هذا المسجد.
اتقوا الله! إنما بنيت المساجد لما بنيت له، تعلم ابنك الأدب حين تأتي به إلى بيت الله ، كذلك النساء تجد الواحدة منهن تأتي بمجموعة من عيالها، الناس يصلون وهي لا تصلي، وإنما جاءت لتسمع الدرس؛ لأنها حائض وعيالها حولها يؤذون النساء وقت الصلاة.
الذي يأتي من أجل أن يسمع الدرس، أو يأتي من أجل صلاة الجماعة عليه أن يحترم المسجد ولا يأتي ليزعج أحداً بعياله، وإذا كان العيال يزعجون الناس فاتركهم في البيت.
стр. 110
حث المسلم على القيام بالواجب تجاه من ولاه الله عليهم
ورد من حديث ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع ومسئول عن رعيته).
لم يكن أحد إلا وهو راع ومسئول، إما أن تكون رجل البيت، وإما أن تكون المرأة هي الزوجة في البيت، وإما أن يكون الخادم، أو العامل في العمل، فكل إنسان مسئول عن عمله، سيسأله الله يوم القيامة.
(كلكم راع)، بدأ بالجمع ثم فصل هذا الجمع فكل إنسان مسئول عن رعيته، أنت في بيتك مسئول عن زوجتك وأولادك، وأنت في عملك مسئول عمن تحت يدك، ومسئول عما استأمنك الله عليه، لا تقصر ولا تفرط، فالله سيسألك فأعد للسؤال جواباً، انظر ما تقول لربنا يوم القيامة، فالرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، فهي مسئولة عن أولادها، وعن مال زوجها وعن نفسها.
وكذلك إذا كان خادماً أو أجيراً، فإنه مسئول عن مال الإنسان الذي جعله خادماً أو أجيراً، سيسأل يوم القيامة عن هذه الرعية، والعامل في عمله مسئول عن عمله، هل أتقن أو لم يتقن، فما تحت يدك من المال أو غيره فأنت مسئول عن الصغير والكبير يوم القيامة، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
следующие страницы →