Полный текст (1 057 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أجر الصدقة على الزوج وذوي القرابة
ومن الأحاديث حديث للسيدة زينب الثقفية زوج عبد الله بن مسعود ﵁، حيث قالت: قال رسول الله ﷺ : (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن).
فالمرأة إذا لم يكن لها فلوس يقال لها: تصدقي ولو من الحلي الذي تملكينه.
وزينب الثقفية زوج ابن مسعود ﵄ كانت غنية، وزوجها عبد الله بن مسعود الصحابي الفقيه الفاضل كان فقيراً، كان خفيف ذات اليد، أي: فقيراً ليس عنده مال، فالمرأة رجعت إليه وقد أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقالت: إنَّ رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فاسأله هل ينفع أن أعطيك الصدقة وأنت زوجي أم لا ينفع ذلك؟ فقال: بل ائتيه أنت.
أي: أنت التي تريدين أن تتصدقي، فاذهبي أنت، فانطلقت، قالت: فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها.
أي: تريد أن تسأل نفس السؤال.
قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة.
حيث إن المرأة خجلت من أن تسأل النبي ﷺ لهيبته ﷺ ، قالت: فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ كأن المرأة كانت تربي أيتاماً لها أو لغيرها، وأيضاً تريد أن تنفق على زوجها، فهل يمكن أن تعطي الصدقة لزوجها الفقير وتعطي الصدقة لأيتام تربيهم في حجرها، وهم عيال غيرها، وقالتا له: لا تخبره من نحن.
وكأن ذلك كان خوفاً على العمل من الرياء، وأيضاً هيبة من النبي ﷺ .
فدخل فقال للنبي ﷺ ذلك فقال: (من المرأتان؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال: رسول الله ﷺ : أي الزيانب؟ فقال: امرأة عبد الله) فاستفسر النبي ﷺ ليعرف من هؤلاء من أصحابه الذين هم من أهل البر والإحسان، وكان النبي ﷺ له مهابة فاستحيتا أن تسألاه وكذلك خشيتا أن تفضحا زوجيهما.
ولكن النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، قال: (لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة).
وعليه فإنه يجوز للمرأة إن كانت غنية أن تعطي زوجها من صدقة مالها، بل أيضاً يجوز لها أن تعطي زوجها من زكاة مالها إن كان فقيراً، فإذا كانت المرأة غنية - بأن ورثت عن أبيها مالاً - وزوجها فقير جاز لها أن تعطيه من زكاة مالها.
стр. 142
صلة الأرحام هدف للرسالة المحمدية
وفي حديث أبي سفيان في قصة هرقل أن هرقل سأله أشياء تدل على ذكاء هذا الملك الكافر، فمن ضمن أسئلته أنه قال: بماذا يأمركم؟ فقال: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة.
فـ أبو سفيان كان في ذلك الوقت كافراً، وكان عدواً للنبي ﷺ ، بل من أشد أعداء النبي ﷺ ، ومع ذلك يشهد للنبي ﷺ بأنه يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك بالله، ويأمر بالصلاة، ويأمر بالصدق والعفاف والصلة.
فلما أخبر هرقل بذلك أخبره هرقل بأن النبي ﷺ سيملك موضع قدميه، وأنه لو استطاع أن يذهب إليه فيغسل عن قدميه لفعل.
فأحس أبو سفيان بالذل من ذلك اليوم، وبأن النبي ﷺ سينتصر يوماً من الأيام، فكان أن هداه الله للإسلام بعد ذلك.
стр. 143
الوصية النبوية بصلة الرحم
ومن الأحاديث حديث أبي ذر في صحيح مسلم يقول فيه النبي ﷺ : (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط).
ومصر هي البلدة التي كان يذكر فيها القيراط، فأخبرهم وبشرهم بأنه في يوم من الأيام ستفتحون مصر، وكان ذلك من معجزاته ﷺ وإخباره بالشيء الذي يكون فيكون كما أخبر ﷺ .
فقال لهم: ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً.
فأوصى النبي ﷺ بأهل مصر، وكان أهل مصر كفاراً، وكان فيها النصارى وغيرهم، فأمر النبي ﷺ أصحابه إذا فتحوا مصر بأن يستوصوا بأهلها خيراً، لماذا؟ قال: (فإن لهم ذمة ورحماً) وفي رواية: (فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهليها؛ فإن لهم ذمة ورحماً، أو قال: ذمة وصهراً).
والرحم الذي في مصر هو من قبل هاجر أم إسماعيل، فسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاء بامرأته سارة، إلى أرض مصر كان في مصر ملك جبار، فرأى إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ورأى سارة فأعجبته، فسأل إبراهيم: من هذه؟ فقال أختي.
لأنه خاف على نفسه، فلو قال: هي زوجتي لقتله وأخذ سارة، فقال: أختي.
وبعد ذلك ذهب إلى سارة، وقال: إن هذا الكافر سألني عنك فقلت: أختي، وإنه ليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك.
أي: لا يوجد مؤمن على وجه الأرض إلا أنا وأنت.
فكانت هذه إحدى كذبات إبراهيم الثلاث، وهذه ليست كذبة في الحقيقة، إذ إنه عرض في الكلام، وقصد أنها أخته في الإيمان، وفي الإسلام، وهي زوجته.
ثم إن هذا الرجل أرسل إلى سارة وأخذها وأراد أن يأتيها، فصلت لله ودعت ربها سبحانه فإذا بربها يمنعه منها ويخر مغشياً عليه فيسقط على الأرض لقفاه ثلاث مرات، حتى قال لمن معه: إنما جئتموني بشيطانة.
وأمرها بأن ترجع إلى إبراهيم، وأخدمها هاجر.
فـ هاجر كانت من أرض مصر أعطاها الملك خادمة لـ سارة، وبعد ذلك أخذتها سارة ووهبتها لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فصارت أمة لإبراهيم، فلما تغشاها إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه جاء منها إسماعيل النبي على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فلذلك كانت الرحم الذي بين المصريين وبين إبراهيم على نبينا وعليه والصلاة والسلام سبباً في إسماعيل الذي هو جد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالرحم التي لهم هي كون هاجر أم إسماعيل جد النبي ﷺ منهم.
والصهر هو المصاهرة بين النبي ﷺ وبين أهل مصر عن طريق مارية القبطية التي كانت أمة وأهداها المقوقس للنبي ﷺ ، وجاء منها النبي ﷺ بولده الذي هو إبراهيم، فصار لهم مع النبي ﷺ الرحم والصهر، فأوصى النبي ﷺ بجميع أهل مصر من أجل امرأتين.
ويلحظ هنا أن مارية ليست بزوجة للنبي ﷺ ، وإنما هي أم ولد ملكها النبي ﷺ ، كما كانت هاجر أمة ملكها إبراهيم وليست زوجة لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 144
إخبار النبي ﷺ قرابته بصلة رحمهم
وعن أبي هريرة ﵁، أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].
فأمر الله نبيه ﷺ بالنذارة، فدعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص، عم قريشاً كلها ثم بدأ يخص البعض منهم، وهم العشيرة الأقربون، فقال: (يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها).
فذكر القبائل فعم، ثم خص فذكر الأقربين من بني هاشم وبني عبد المطلب، وفاطمة بنت النبي ﷺ ، وأخبر الجميع أنه لا يملك لهم من الله شيئا، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان يحمل خطيئته وإثمه يوم القيامة.
ثم قال ﷺ : (غير أن لكم رحماً) أي: بيني وبينكم رحم، فسأصل هذه الرحم وأبلها ببلالها، والبلال هو الماء، وكأن قطيعة الرحم كالنار تحرق، وكأنه سيصب على هذه النار الماء الذي يجعله يصل هذه الأرحام.
ومن الأحاديث حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ جهاراً غير سر يقول: (إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء) وهو يريد بعض أقرباء النبي ﷺ ، ولكنهم ليسوا من المؤمنين، كـ أبي لهب وغيره، فقال ﷺ : (إنما وليي الله وصالح المؤمنين).
стр. 145
صلة الرحم عمل يدخل الجنة
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.
فقال النبي ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم).
فذكر له العبادات من توحيد الله سبحانه ﵎ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم ذكر النفع المتعدي، وهو صلة الرحم، بأن يصل الإنسان رحمه، فإن كان له مال وصل بماله، وإلا وصل الرحم ولو بالكلام، ولو بالزيارة.
وقد قال النبي ﷺ في حديث سلمان بن عامر: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء؛ فإنه طهور).
وقال: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصله).
وكم من حديث عنه ﷺ في صلة الأرحام وبيان أنك إذا تصدقت على الأرحام كان لك أجران عند الله سبحانه ﵎.
стр. 146
منزلة الوالد وحقه على ولده
وعن حديث ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها.
وعمر بن الخطاب هو الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، فـ ابن عمر كان متزوجاً امرأة، وكان يحب هذه المرأة، وأبوه عمر بن الخطاب كان يبغضها، وعمر بن الخطاب ليس من أهل الهوى، ومن يحبه عمر فهو إنسان مؤمن، فقد كان عمر مع الحق دائماً، فكان يكره هذه المرأة لشيء فيها، وكان لا يطيقها، فقال لابنه: طلقها.
فذهب فقال للنبي ﷺ : (إن أبي لا يحب هذه المرأة، وأنا أحبها ولست أكرهها، فقال النبي ﷺ : طلقها) أي: اسمع كلام أبيك وطلقها.
فما كان منه إلا أن طلق هذه المرأة.
فهل - يا ترى - لو أن إنساناً كانت أمه لا تحب امرأته يذهب فيطلقها؟
الجواب
لا؛ فأمه أوبوه ليسا كـ عمر بن الخطاب فـ عمر يحب لله ، ويحب في الله ، وإذا كره كره لله سبحانه وفي الله سبحانه، فمن كان مثل عمر فإنه يطاع في هذا الشيء.
وفي حديث أبي الدرداء أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها.
فهذا رجل يستفتي أبا الدرداء رضي الله ﵎ عنه في أنه متزوج امرأة وأمه تكره هذه المرأة وتأمره بطلاقها، فتوسط أبو الدرداء في الأمر لأن أم الرجل ليست كـ عمر، وأخبره بحديث عن النبي ﷺ ليفكر في أمره، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الوالد أوسط أبواب الجنة) يعني: حبك لأبيك وطاعتك لأبيك تدخلك الجنة من أوسط أبوابها، فالوالد باب واسع لدخول الجنة، قال: (فإن شئت فأضع ذلك الباب أو فاحفظه).
ولاحظ هنا أنه توسط في الفتوى، فما قال: طلق، وما قال: لا تطلق؛ إذ يحتمل أن تكون الأم مصيبة في أنها تكره هذه الفتاة، فطلاقها أفضل، ويمكن أن تكون مخطئة في هذا الشيء، فأعطاه قاعدة، وهي أن حبك لأبيك وأمك وبرك بأبيك وأمك أوسط أبواب الجنة، فإذا استطعت أن توفق بين زوجتك وبين أمك كان ذلك خيراً، وإلا فعليك أن ترضي والديك بما يرضيان به عنك قدر المستطاع.
وإذا كنت ساكناً مع زوجتك في البيت الذي فيه أمك وأبوك وكانت أمك لا تطيقها ولا أبوك فانتقل إلى مكان آخر وإذا كنت عازماً على أن تبقي على زوجتك وعلى أهلك فلا تؤذ أمك بها ولا تفارقها وتطلقها، فذلك ممكن.
والطلاق بغيض، ولكن الإنسان إذا رأى زوجته تؤذي أمه وتتعمد إهانتها فالأفضل أن يطلقها؛ إذ لا تستحق أن تكون معه، وإذا كانت زوجته لا تؤذي أحداً وكان الشقاق من أمه فليبعد هذه عن هذه ويحاول أن يكون كيساً في تصرفاته مع الطرفين، ولا نأمره بالطلاق ولا نقول له: أغضب والدتك واتركها تتضجر، ولكن نقول له: كن منتبهاً دائماً، واعلم أن الإحسان إلى الأم والأب أوسط أبواب الجنة، فلا تضيع هذا الباب، ورغم أنف امرئ أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، كما جاء عن النبي ﷺ .
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى صلة الأرحام.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.
стр. 147
شرح رياض الصالحين - تحريم العقوق وقطيعة الرحم
كما نظم الإسلام علاقة الإنسان بربه فقد نظم أيضاً علاقة الإنسان بمن حوله من البشر، وعرف لكل ذي فضل فضله، فمنح الناس حقوقاً، وجعل في قمة هذه الحقوق حقوق الوالدين والأقربين، فحرم العقوق والقطيعة، وتوعد عليها أشد الوعيد.
стр. 148
تحريم العقوق وقطيعة الرحم
стр. 149
قطع الأرحام إفساد في الأرض
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: باب: [تحريم العقوق وقيطعة الرحم.
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥].
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) متفق عليه].
يذكر الإمام النووي في هذا الباب الأحاديث الواردة في تحريم العقوق وقطيعة الرحم.
وإن كان قد ذكر في الأبواب السابقة الأمر بصلة الأرحام فإنه هنا سيذكر النهي عن عكس ذلك، والمسلم مأمور أن يصل الأرحام، ويراعي الأقرباء، ومنهي عن أذى أقربائه وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، قال الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢].
قوله: (هل عسيتم) أي: هل عسى أن تفعلوا ذلك إن توليتم؟ وقوله: (توليتم) إما من التولي، وإما من الولاية، كأن يكون للإنسان نوع من الولايات ويصير ذا شأن في قومه، فهل عسى أنه يغتر فيقطع رحمه وينكرهم بعد ذلك، وقد حصل أن كثيراً من الناس يفعلون ذلك فبمجرد أن يمن عليهم الله بمنصب أو مال، فما يفتأ الواحد منهم ينسى نفسه وينسى أقرباءه، ويعرض عن أرحامه، وقد يجافي والديه فلا ينظر أباه ولا أمه ولا خاله ولا خالته، كل ذلك بعد أن أغناه الله .
فالله هو العليم، وهو إذ يكلمنا أعلم بما في قلوبنا حيث يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد:٢٢] هل ستفعلون ذلك إن توليتم؟، وعلى المعنى الثاني: يكون الخطاب للصحابة ولمن بعدهم، فإن كان لهم كان المعنى: كنتم أمام النبي ﷺ تسمعون منه وبعد أن تتولوا عنه أي: تنصرفوا عنه، هل تفعلون ذلك، والمعنى: احذروا، فمن يصنع ذلك ويقطع رحمه ويفسد في الأرض فـ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد:٢٣] أي: طردهم من رحمته سبحانه.
(فأصمهم) أي: عن سماع الخير والهدى، فهم إن كانوا يسمعون كلام الناس إن قيل لهم الحق لا يسمعونه، وإن قيلت لهم الموعظة بالكتاب والسنة فلا يعرفون شيئاً ولا ينتبهون لها.
قوله: ((وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) أي: فهم وإن كانوا يرون، ولكن رؤية من لا يعتبر، فمنهم من يرى أمامه الميت وهو غافل عن أنه سيكون يوماً مكانه، فتجده يتكلم في المال، ومتع الدنيا فهو يبصر ولكنه بصر لا يصل إلى قلبه فيعظه بهذا الذي يراه.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة:٢٧] أي: كل صلة أمر الله بوصلها يقطعونها، فأخبر سبحانه أنهم يقطعون ما أمر الله بوصله، وكذلك يفسدون في الأرض فقال: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥].
اللعنة: الطرد من رحمة الله، وقوله: ((سُوءُ الدَّارِ))، فالناس يوم القيامة يكونون إما في حسن الدار، وإما في سيئ الدار، سوء الدار، هو نار جهنم والعياذ بالله.
стр. 150
عقوق الوالدين من أكبر الكبائر
من الأحاديث حديث أبي بكرة واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة ﵁، وسبب كنيته أنه كان فيمن حاصرهم النبي ﷺ في حصن الطائف سنة ثمان للهجرة، فإنه بعد أن فتح مكة توجه إلى الطائف فرفض أهل الحصن الاستسلام ورشقوا المسلمين بالنبال والرماح وقد أسلم نفيع بن الحارث وأحب أن يهرب إلى النبي ﷺ ، ولما كانت الأبواب مؤصدة محروسة لم يجد إلا أن يتدلى ببكرة وينزل من الحصن هارباً إلى النبي ﷺ ، فكني بعد ذلك بـ أبي بكرة ﵁.
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر).
وقد كان ﷺ حينها متكئاً يقول لهم: هل أخبركم بأكبر الكبائر؟ والكبائر كثيرة لم يُتفق على حصرها، وقد جاء في حديث أن الكبائر الموبقات المهلكات سبع، فقال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب، يعني: أنها ليست سبعاً فقط، وقد أوصلها بعضهم أكثر من ثلاثمائة كبيرة، فجعل كل ما توعد الله عليه من ذنب بأنه يعذب صاحبه، أو أن صاحبه ملعون مطرود من الرحمة، أو ذكر بأن له النار، أو جعل له حداً في الدنيا، أو جعل شيئاً من الوعيد في الدنيا كبيرة من الكبائر.
قال أبو بكرة: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله).
والإشراك أن الإنسان يعبد غير الله سبحانه أو يعبد مع الله غيره، والشرك أقسام: الشرك الأكبر، والشرك الأصغر الشرك الخفي.
قال: (وعقوق الوالدين) العقوق: من عق، بمعنى: قطع، ومنه العقيقة، وهي: التي تذبح في يوم سابع المولود، والعقوق: من يقطع رحمه.
стр. 151
جريمة شهادة الزور
قال في الحديث: (وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور) يعني: من أعظم الكبائر قول الزور، وشهادة الزور، قال أبو بكرة: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت! ولما كان النبي ﷺ أحب إلى الصحابة من أنفسهم، فإنهم لما رأوا غضب النبي ﷺ وتكراره: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، رحموه وأشفقوا عليه فقالوا: ليته سكت! يريدون من أجل أن يكف غضبه.
وإنما كرر شهادة الزور ولم يكرر بقية الكبائر المذكورة في الحديث؛ لأن الشرك يندر في الصحابة ومن بعدهم بعد ما علمهم النبي ﷺ التوحيد، وتمنع عقوق الوالدين طبيعة الإنسان وفطرته، أما قول الزور وشهادة الزور فإن تقوى الله هي التي تمنع المسلم من إتيانها وليس كل إنسان عنده هذه التقوى.
أضف إلى ذلك أن قول الزور وشهادة الزور ذات ضرر متعد، فبسببها تجد الإنسان البريء يدان أمام القاضي بأعمال ما فعلها، بل شهد بها عليه أحدهم كاذباً، فاجراً، مزوراً في شهادته، بل قد تقطع رقبة إنسان بسب ذلك، وقد يسجن أو يقام عليه الحد بسبب شهادة الزور.
وكم من إنسان تفتنه الدنيا، ومن أجل أن يأخذ لعاعة مال يتجرأ على أن يشهد زوراً عند القاضي، ومثل هذا الشيء موجود في الخلق منذ القدم، فلم يخل عصر من الطمع في المال.
وقد يشهد الإنسان زوراً على آخر لأنه مبغض له، وقد حدث مثل ذلك في عهد نبي الله سليمان، وهو من أخبر الله سبحانه عنه وعن أبيه: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩].
أي: أن الله فهم سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو صغير مع أبيه، فقد يأتي الناس يسألون أباه عن الشيء، ثم يفتي أو يحكم فيهم بشيء ثم تعرض على سيدنا سليمان فيرى شيئاً آخر غير ما يراه أبوه، وذلك لأن الله الذي فهمه، قال سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وكان من ضمن القضايا الذي عرضت عليهما: قضية شهادة الزور، فإن أربعة ذهبوا إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وشهدوا عنده على امرأة أنها زنت بكلبها، وهم في حقيقة أمرهم كاذبون.
ومع أن داود ﵇ نبي من الأنبياء معصوم إلا أنه في الأحكام الدنيوية يحكم بما يراه أمامه، وذلك حتى يُتَعلم منه كيف يحكم بين الناس، ولذلك كان النبي ﷺ يحكم بين الناس بما رآه ﷺ في القضية نفسها، وكان يقول: (إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر).
فمع أن النبي ﷺ بإمكانه أن يسأل ربه فيطلعه على حقيقة كل قضية ويقول له: فلان كذاب، وفلان صادق، فيحكم بالوحي في هذه القضايا، إلا أن من يأتي بعد النبي صلى الله ﷺ سيختلط عليه الأمر، إذ النبي ﷺ كان يوحى إليه، أما من بعده فلا، فجعل النبي ﷺ البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وفي مثل هذه القضية حكم داود ﵇، بعد أن شهدوا على المرأة أنها زنت، فقضى بقتلها، فلما سمع ذلك سليمان وهو صغير ﵊ قال: لو كنت أنا ما قضيت بذلك! فلما بلغ داود قوله دعاه أن يقضي بتلك القضية فكان قضاؤه جميلاً ﵊ فقال: أحضروا الشهود، فلما جيء بالشهود فرق بينهم، وسأل الأول منهم: ماذا رأيت؟ قال: رأيتها تزني بكلبها.
قال: أين رأيتها؟ قال: في المكان الفلاني.
في أي موضع منه؟ قال: في كذا.
فما كان عليهم من الثياب؟ قال: كذا، فما لون كلبها؟ قال: لونه كذا.
ثم صرفه وأتى بالثاني وسأله نفس الأسئلة فأجاب بعكس الأول، ثم طلب الثالث ثم الرابع، فثبت كذب الشهود، فقتل الأربعة الشهود الذين شهدوا على هذه المرأة وقتلت بشهادتهم.
وبذلك تعلم خطر شهادة الزور وندرك سبب غضب النبي ﷺ وقوله: (ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور).
стр. 152
شرح حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر
стр. 153
سب الرجل والديه من الكبائر
من الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ في هذا الباب أنه قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، فقالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ فقال النبي ﷺ : نعم.
يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه).
والمعنى: أن الإنسان يحترم أباه وأمه ولا يشتمهم ولكنه يشتم إنساناً آخر فيرد عليه، وحينها يكون متسبباً في شتم أبيه وأمه، فيكون كأنه هو الشاتم لهما، وهذا تحذير من النبي ﷺ أن يسب الإنسان أبا إنسان آخر فيرد عليه ويسب أباه، أو يسب أم إنسان فيسب أمه، فإذا فعل ذلك إنسان صار كأنه هو الذي سب أبا نفسه وأمه فكان من الكبائر.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى حرم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) متفق عليه.
قوله: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات)، لا يعني جواز عقوق الآباء! بل هو حرام أيضاً وإنما لم يذكر لإرادة الجناس بين الكلام والله أعلم.
قوله: (ومنعاً وهات)، أي: كثرة الكلام والجدال، فالجدل الكثير منعنا منه ربنا .
قوله: (ووأد البنات)، وكانوا في الجاهلية يئدون بناتهم، فتجد الرجل عندما تلد زوجته يستقبل الجنين، فإذا كان ولداً فرح به، وإذا كان بنتاً حزن وتبرم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩].
وهذا من وسوسة الشيطان لهذا الأب، فهو يحزنه ويهول له ما نزل به، ويظل كذلك حتى يأخذ البنت ويدفنها وهي حية، ثم يزعمون بعد ذلك أن هؤلاء البنات لله، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى﴾ [النحل:٦٢]، يقولون: لنا نحن الأحسن من الولد، والبنات لله ربنا فهو الذي خلقهن وسنرد إليه ما خلق، فيقتلون البنات بهذه الصورة القذرة البشعة، ولعل أحدهم يحمل ابنته وقد بلغت مبلغ التمييز ويذهب ليحفر لها حفرة، والبنت لا تعلم ماذا يعمل أبوها! فتعين أباها، وقد تمسح له التراب عن وجهه وهو يحفر لها القبر الذي سيدفنها فيه! فأي قلوب قاسية متحجرة كان عليها هؤلاء الناس؟ ومن معجزة الإسلام أن غير قلوبهم، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وقد كانت عقول أهل الجاهلية متحجرة متعفنة، فتجدهم يعبدون غير الله ، فيعبد أحدهم الحجر وهو يعلم أنه هو الذي صنعه بيده، ويعلم أنه هو الذي أتى به من الأرض، ومع ذلك يعبده من دون الله، وقد يسافر أحدهم في الطريق ويجد حجراً فيعجبه شكلها ويأخذ ثلاث أحجار بجوارها، فيضع الثلاث تحت القدر، ويترك الرابعة من أجل أن يعبدها من دون الله! فكيف فرق بينها وهي كلها أحجار؟!! وإذا لم يجد حجراً أتى بقليل من الرمل، ثم حلب الشاة عليه ثم صنع به تمثالاً يعبده من دون الله، فأي عقول مع هؤلاء الناس ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤].
فكانوا يستنصرون بهؤلاء، ويدعونهم، ويستفتحون بهم من أجل أن ينتصروا، فإذا بالله يُهدي إليهم هذا الدين العظيم -دين الإسلام- فيغير أخلاقهم، وينير الظلمات التي في قلوبهم وعقولهم فيعبدونه سبحانه، وإذا سمع أحدهم القرآن رق قلبه وبكى على ما كان منه، فبعدما كان لقسوة قلبه يئد ابنته صار من أحن الناس بعد نزول كلام رب العالمين سبحانه.
قوله: (وكره لكم قيل وقال)، أي: الإكثار من الكلام، حقيقة أو ظناً، قال النبي ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، فتجد أحدهم يقول: أظن كذا، أو يعمد إلى نقل الكلام بين الناس، فما أن يسمع كلاماً في مجلس من المجالس حتى يبادر في نقله إلى مجلس آخر ويزيد عليه.
والنميمة من تنمية الكلام والزيادة عليه، فإذا سمع من هنا كلاماً نقله على جهة الإفساد، وهذا شأن المرتابين، أما المؤمن فإنه يحسب كلامه حساباً عظيماً، ويعرف أن كل كلمة يقولها فإن الله يسأله عنها يوم القيامة.
قوله: (وكثرة السؤال)، أي: الإلحاح في طلب ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، وهو مكروه مع الناس، أما مع الله فإن الإلحاح في الدعاء مستحب، فإن الله يرضى عنك إذا سألته وألححت في سؤاله، أما العبد فيغضب.
قوله: (وإضاعة المال)، نهى عن التبذير وإضاعة المال فيما لا ينبغي، كإضاعته فيما حرم الله سبحانه، حتى ولو كان كسب الإنسان كثيراً فلا بد أن يعلم أنه سيسأل عن المال سؤالين يوم القيامة: من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟ ويعتقد البعض أن الدخل الكثير يعفي صاحبه من المساءلة عن القليل، وهذا اعتقاد خاطئ، بل إن الله يسأل العبد عن النقير والقطمير، والقليل والكثير، وهذا إن كان حلالاً مصدراً حلالاً مخرجاً، أما أن يضاع في الحرام فهذا أشد عقوبة ولا شك.
ومعنى أن الله كره لكم ذلك، أي: كرهه محرماً ذلك عليكم، ولذلك يأتي الإنسان الذي يسأل الناس تكثراً يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم؛ لأنه كان يسأل الناس ويمد يده إليهم، ولم يستح في الدنيا، فيأتي يوم القيامة وقد تساقط لحم وجهه، عقوبة له على فعله.
стр. 154
عقوق الوالدين
وقد نهى الله سبحانه عن عقوق الوالدين في أكثر من آية قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣]، فلا يقول للوالدين أف ولا ينهرهما، بل هو مأمور بصلة الوالدين، لا بهجرهما أو عدم السؤال عنهما.
وقد تجد واحدة من النساء تقوم وتشكي من ابنها، فمع أنه حسن الأخلاق مع الناس ويصلي ويعمل أعمالاً طيبة، إلا معها هي فقط، فإنه إذا دخل البيت يشتم أمه ويضربها ويهينها، فهو أمام الناس بر مؤدب ومع أمه قبيح الخلق.
فلا ينفعه الصدق مع الناس إذا كان مؤذياً لأمه، قال الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، كما أن من يعق والديه يسلط الله عليه عياله فيصنعون فيه ما كان يصنع في والديه.
قوله: (وقتل النفس) وقد قدم عقوق الوالدين على قتل النفس، والقتل لا شك قبيح.
стр. 155
أنواع اليمين
قوله: (واليمين الغموس) وهي أن يحلف المرء على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وقد تقدم أن الأيمان ثلاثة أنواع: الأولى: يمين لغو، وليس فيها كفارة ولا يلزم صاحبها إلا الاستغفار؛ لأنه تلفظ بها وهو لا يقصدها، كأن يستضيف إنسان آخر فيقول: والله لتأكلي معنا، والله لتشربن معنا.
اليمين الثانية: اليمين المنعقدة، وهي أن يحلف المرء أن يفعل شيئاً أو لا يفعله في المستقبل، كأن يقول: والله سأعمل كذا، أو والله ما أنا بعامل كذا، فيحلف على شيء في المستقبل وهو عازم أن يعمل أو لا يعمل.
فواجبه إن حنث أن يكفر عنها كفارة يمين.
وأيضاً فإن النبي ﷺ يقول: (من حلف على يمين فوجد غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه).
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، أي: لا تجعل يمينك بالله معرضة أمام فعل الخير فتمنعك من فعل الخير.
اليمين الثالثة: اليمين الغموس؛ مأخوذة من الغمس؛ لأن صاحبها يغمس في نار جهنم والعياذ بالله، ويحلف بهذه اليمين ليقتطع حق امرئ مسلم وهو كاذب ويعلم أنه كاذب، فيقول: والله ما فعلت كذا وقد فعله، ويقسم: والله ما أخذت كذا وقد أخذه.
وذنبها أعظم من أن يكفره إطعام عشرة مساكين، أو صوم ثلاثة أيام، وقول من قال ذلك إنما هو لقصد التخفيف وأمرها إلى الله ، ويلزم من فعلها أن يتوب إلى الله لعله يغفر له سبحانه ﵎، ويستشعر عظم الذنب الذي ارتكبه.
стр. 156
الشرك بالله
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس).
قوله: (الكبائر) يعني: من الكبائر ومن أكبرها.
قوله: (الإشراك بالله) ومعناه أن تجعل لله نداً وهو خلقك، فتعبد غير الله سبحانه، أو تدعو غير الله، أو تتوسل إلى غير الله ﵎، أو تحلف بغير الله تعظيماً له، أو تنذر لغير الله سبحانه، أو أن تتوجه في عبادتك لغير الله، ويعد هذا شركاً أكبر.
أما الشرك الأصغر فهو أن تنسب الفضل إلى غير الله سبحانه ناسياً ربك سبحانه، ويقع في الخلق كثير من هذا الشرك، فترى الموظف إذا سئل: كيف حصلت على كذا؟ يقول: كان فلان السبب في هذا الشيء، أو يقول: كان هو عمل لي كذا، أو كان فلان هو الذي رزقني أو فلان الذي زاد لي مرتبي.
فينسب لغير الله وينسى الله .
وتجد إنساناً آخر يمتلك كلب حراسة، فيأتي اللصوص فينبح عليهم الكلب، ويكون السبب في فرارهم، فإذا سئل عن ذلك تجده يقول: لولا الكلب لصنع اللصوص كذا وكذا، ناسياً أن الله هو من ألهم الكلب النباح، وهو الذي أيقظه لنباح كلبه، ولكنه ينسب الفضل لغير الله.
ومن أنواع الشرك: الشرك الخفي: وهو الرياء فتجد صاحبه يصلي بالناس ويطيل الصلاة ولو صلى وحده ما صلى تلك الصلاة، أو يصلي من أجل أمر يريده من فلان، فإذا حصل على الأمر ترك الصلاة والصوم، يصدق فيه: صلى وصام لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما فمن كان يصلي من أجل الامتحان، يترك الصلاة بانتهاء الامتحان، وهكذا.
والمطلوب من الإنسان المسلم أن يعبد الله سبحانه في السراء والضراء، ويعلم أن كل خير من الله وأن الدنيا لا شك زائلة، وأنه عائد إلى ربه يوم القيامة فيتمنى يوم القيامة مما يرى من هول الموقف أنه كان أكثر عملاً.
стр. 157
شرح رياض الصالحين - فضل بر أصدقاء الوالدين والأقارب وأهل بيت النبي
إن من أبرز ما أمر الدين الإسلامي به البر بالوالدين في حياتهما وبعد موتهما، ويكون البر بالوالدين بعد موتهما من خلال بر أصدقائهما والتودد إليهم.
وإذا كان بر أصدقاء الوالدين من بر الوالدين، فمن حب رسول الله ﵊ حب آل بيته من أزواجه وأقربائه.
стр. 158
فضل بر أصدقاء الوالدين وسائر من يندب إكرامه
стр. 159
خدمة جرير البجلي للأنصار إكراماً لرسول الله
من الآثار: أثر أنس بن مالك قال: (خرجت مع جرير بن عبد الله البجلي ﵁ ﵎ عنه في سفر فكان يخدمني).
وجرير أكبر من أنس بكثير في السن، فكان جرير هو الذي يخدم أنساً، وجرير كان في قومه كالملك، فقد كان في قومه سيداً، وكان رجلاً مهاباً شريفاً كريماً رضي الله ﵎ عنه، وكان بهياً جميل المنظر حتى أن عمر ﵁ كان يقول عنه: (مشرف هذه الأمة) جرير بن عبد الله البجلي.
فخرج مع أنس بن مالك فكان جرير يخدم أنس بن مالك الذي هو أصغر منه سناً، فيقول أنس: (فقلت: لا تفعل) استحيا أنس ﵁، فقال له جرير بن عبد الله ﵁: (إني قد رأيت الأنصار تصنع لرسول الله ﷺ شيئاً آليت على نفسي ألا أصحب أحداً منهم إلا خدمتُه) أي: إكراماً للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وإكراماً لقومك أن أكرموا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وهنا جرير يكرم أنس بن مالك؛ لأن أنساً كان خادماً للنبي ﷺ ، فقد خدمه عشر سنوات، وأهل وأقارب أنس من الأنصار رضوان الله عليهم فعلوا للنبي ﷺ كل خير، لذلك كان جرير البجلي يقول: إن للأنصار جميلاً على النبي ﷺ وكأنه جميل على جرير نفسه، فيقول: (آليت -يعني: أقسمت- ألا أصحب أحداً من الأنصار إلا خدمته).
стр. 160
صلة أصدقاء الوالدين
ومن الأحاديث حديث لـ أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: (بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما).
بمعنى: أن تدعو لهما على المعنى اللغوي في الصلاة، فالصلاة في اللغة هي: الدعاء للوالدين، والاستغفار لهما.
فإذا مات الأب أو ماتت الأم، فعلى الإنسان أن يكثر من الدعاء لهما، ويكثر من الاستغفار لهما.
قال: (وإنفاذ عهدهما من بعدهما) فإذا كان الأب قطع عهداً لأحد ما، أو وعد أحداً ومات قبل أن يفي به، فمن البر أن يفي ابنه بما عاهد أبوه، سواء بصدقة أو بهبة أو غيرهما، فإذا عرفت أنا أباك أو أمك قد وعدا إنساناً بشيء من الصدقة فمن البر بالمعروف أن تنفذ ذلك، وإذا كان على أبيك أو على أمك نذر ما وتوفيا قبل تنفيذه فإنك تنفذ ذلك عنهما وهذا يكون من باب بر الأبوين.
قال: (وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) أي: أن يصل رحم أبيه مثل ابن عم أبيه من بعيد، الذي كان أبوه يصله، فتصل من كان يصله أبوك.
قال: (وإكرام صديقهما) فمن ضمن بر الوالدين: إكرام صديق الأب، وصديقة الأم.
والحديث رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف يسير.
стр. 161
إكرام النبي لصديقات خديجة
ومن الأحاديث حديث متفق عليه عن عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة).
على الرغم من أن خديجة ماتت وعائشة لم ترها، ولكن من بر النبي ﷺ لزوجته التي توفيت رضي الله ﵎ عنها، فقد كان يبر بأقارب السيدة خديجة، وكان يبر صديقات السيدة خديجة اللاتي كن يأتين للنبي ﷺ في حياة خديجة وبعد وفاة خديجة رضي الله ﵎ عنها.
وكان ذلك يسبب غيرة للسيدة عائشة، والغيرة غالباً ما تكون من النساء الأحياء، ولكن غيرتها كانت من السيدة خديجة التي توفيت رضي الله ﵎ عنها، ولكن من كثرة ذكر النبي ﷺ لها، فقد كانت للنبي ﷺ نعم الزوجة ونعم الرفيقة في حياته صلوات الله وسلامه عليه ونعم المعينة المشيرة، ولذلك استحقت أن يبشرها ربها سبحانه بقصر من قصب لا صخب فيه ولا نصب، وقد صارت من سيدات نساء العالمين رضي الله ﵎ عنها.
وفاطمة رضي الله ﵎ عنها هي بنت خديجة.
والسيدة عائشة لها فضل عظيم ويكفي أنها حبيبة رسول ﷺ ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، فهي مفضلة على النساء رضي الله ﵎ عنها.
ولكن مع ذلك كانت السيدة عائشة تغار على النبي ﷺ ، وكانت أشد غيرة من خديجة التي تقول السيدة عائشة ﵂: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط).
فقد توفيت السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها والنبي ﷺ بمكة قبل هجرته بسنين، والسيدة عائشة صغيرة السن وتزوجها النبي ﷺ بمكة ودخل بها في المدينة وكان لها تسع سنوات رضي الله ﵎ عنها، وما رأت السيدة خديجة؛ لأنها كانت صغيرة حين توفيت السيدة خديجة ﵂، ولكن كان يكثر ﵊ من ذكرها، فمن كثر ذكره لها كانت تغار منها.
قالت: (وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة) براً لـ خديجة ﵂.
قالت: (فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة) فيقول النبي ﷺ : (إنها كانت وكانت) فيمدح السيدة خديجة التي وقفت بجواره ﷺ وكانت من أجمل النساء رضي الله ﵎ عنها، ونفعت النبي ﷺ بذلك، ونفعته بنصحها وشفقتها وحنوها عليه صلوات الله وسلامه عليه.
فكان يمدحها ويقول: (إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) يعني: هي الوحيدة من نسائه التي كان له منها الولد.
قالت في رواية: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة) يعني: عرف طبيعتها وأدبها ونغمة صوتها وهي تكلمه أنها مثل خديجة، فهش لذلك ﷺ ، يعني: أنه عندما تذكر خديجة صلوات الله وسلامه عليه وهو لم ينسها ارتاح فقال: (اللهم هالة بنت خويلد) فذكرته هالة بـ خديجة وما كان من أمرها، قالت: فارتاح أو فارتاع لذلك.
стр. 162
من بر الوالدين صلة أصدقائهما بعد موتهما
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه.
عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن أبر البر أن يصل الرجل ودَّ أبيه).
وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: (بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) رواه أبو داود.
وعن عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) متفق عليه].
يذكر الإمام النووي ﵀ في هذا الباب الأحاديث الواردة في فضل بر أصدقاء الأب والأم والأقارب وغيرهم، وعلى المسلم أن يبر أبويه ويبر أهل قرابته من الإخوة والأخوات، والعم والعمات، والخال والخالات وهكذا، وأيضاً عليه أن يبر أصدقاءهم إذا كانوا من المؤمنين.
وهذه الأحاديث تبين لنا فضل بر أصدقاء الأب، فعندما تبر صديق أبيك فإنك تبر أباك وهو في قبره.
стр. 163
شرح حديث: (إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)
هذه المعاني في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه) وكأنه يقصد من كان أبوه يحبه، فإذا كان أبوك يحب إنساناً وتوفي أبوك فمن البر أن تبر هذا الإنسان، وتبر أهل ود أبيك.
وجاءت قصة هنا يرويها عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله بن عمر وهم يرضون باليسير) فالأعرابي متعود على الجو الحار وعلى أقل الأشياء من الأكل بعكس أهل المدن، فالأعرابي يكفيه القليل من الطعام والشراب.
وفي رواية ثانية: كان -أي: عبد الله بن عمر - إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه.
أي: عندما يسافر إلى مكة كان يركب الجمل، وكان إذا تعب من ركوب الجمل ركب الحمار، فكان الحمار يتروح عليه يعني: يستريح عليه إذا مل ركوب الراحلة، وكان له عمامة يشد بها رأسه.
ولبس العمامة من عادات العرب وهي سنة النبي ﷺ ، وتضيف جمالاً للإنسان.
فبينما هو يوماً على ذلك الحمار، متوجهاً في طريقه لمكة، مر به أعرابي فقال ابن عمر: ألست فلان ابن فلان؟ والأعرابي لا يعرف ابن عمر، فبعد أن سأله ابن عمر أجاب: بلى.
أي: أنا الذي قلت.
فأعطاه ابن عمر الحمار الذي كان يركب عليه ليستريح من عناء الركوب على الجمل في أثناء الطريق، فقال: اركب هذا، وأعطاه العمامة وقال: اشدد بها رأسك.
فأعطاه العمامة والحمار كذلك.
فقال بعض أصحاب ابن عمر: غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ يعني: أنت محتاج لهذين الشيئين.
وفي رواية قالوا: أصلحك الله! إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير! يعني: الأعرابي لو أعطيته أقل الحاجات سيفرح بها، فلماذا تعطيه حماراً كاملاً وتعطيه العمامة كاملة.
فقال ابن عمر ﵁: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي) إن من أبر البر، أي: يؤجر كأنه بر أباه.
وفي رواية أخرى: قال: إن أبا هذا كان وداً لـ عمر، يعني: ليس هو الأعرابي الذي كان وداً لـ عمر وكان صديقاً لـ عمر ﵁، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه).
نتعلم من هذا الحديث عن النبي ﷺ أنه من البر أن يبر المسلم أصدقاء أبيه في حياته ويبرهم أيضاً بعد وفاة أبيه، وبذلك يحصل الإنسان على أجر بر أبيه.
стр. 164
فضل إكرام أهل بيت رسول الله وبيان فضلهم
من الأبواب الذي يذكرها لنا ﵁: إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ .
وأهل بيت النبي ﷺ يطلق على بني هاشم والذين ذريتهم من قبيل السيدة فاطمة ﵂، وأولاد علي بن أبي طالب من غير فاطمة، وأولاد جعفر بن أبي طالب، وكذلك أولاد عقيل بن أبي طالب، وكذلك العباس عم النبي ﷺ وأولاده.
ونساء النبي ﷺ ، قال الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فكان السياق في ذكر نساء النبي ﷺ وأهل بيته، فهن من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه.
قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] والشعيرة هي العبادة ومن العبادة حب الله ، وحب رسول الله ﷺ ، وحب آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه.
يقول يزيد بن حيان: (انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم).
وهو صحابي فاضل له مناقب كثيرة وكان كبير في السن لما ذهب إليه هؤلاء.
قال: (فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً) يعني: نحن من التابعين ما رأينا النبي ﷺ ، وأنت رأيت النبي ﷺ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه وصليت خلفه.
(لقد لقيت يا زيد! خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد! ما سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال زيد ﵁: يا ابن أخي! والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسبت بعض الذي كنت أعي من رسول الله، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه! ثم قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً ما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب) صلوات الله وسلامه عليه.
التذكير بالموت، فيذكرهم صلوات الله وسلامه عليه بذلك حتى لا ينسوا وحتى يعلموا أنه بشر مثلهم صلوات الله وسلامه عليه، يأتي عليه القدر ويأتي عليه الموت كما يأتي عليهم، فيذكرهم ﷺ يقول: (فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين).
يعني: شيئين عظيمين وقال: (ثقلين) لثقلهما وعظمتهما وكبر شأنهما.
قال: (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: وأهل بيتي) وهذا الأمر الثاني الذي تركه النبي ﷺ فيهم.
قال: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده) صلوات الله وسلامه عليه.
ونساء النبي ﷺ الكل يعرف قدرهن وسيراعي حقهن، وهن محرم عليهن الزواج بعد رسول الله وبالتالي ستنقطع ذرياتهن، أما باقي أهل بيت النبي فإنهم سيستمرون في التناسل، وينسى الناس أنهم من بيت النبي فلا يعرفون لهم قدرهم.
قال: (ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة) فقد شرف الله أهل بيت النبي ﷺ وحرم عليهم الصدقة التي سماها النبي ﷺ أوساخ الناس، فالصدقة (الزكاة) تحرم على النبي ﷺ وتحرم على آله بيته صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم القيامة.
قال أي الحصين: (ومن هم؟ فقال: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، قال: كل هؤلاء حرموا الصدقة؟ قال: نعم).
فالغرض: أن المؤمنين من بني هاشم إلى قيام الساعة هم آل النبي ﷺ بنو العباس وبنو عقيل وبنو جعفر وبنو علي ﵃ فهؤلاء هم أهل بيت النبي ﷺ .
والغرض: أن النبي ﷺ أوصى بهم أن يراعوا، وأن يحبهم الإنسان، فقد كانوا أتقياء في حياة النبي ﷺ .
وكان من ضمن أقارب النبي ﷺ الأشقياء: أبو لهب الذي مات على الكفر والذي أخبر الله عنه وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
فالمقصود بآل بيته هم كل من والى الله ورسوله ﷺ ، وكان من ذرية الذين ذكرنا، وكان مطيعاً لله ، فإنه يحب بقرابته من النبي ﷺ ، فحبه أولاً لطاعته لله ولاتباعه لسنة النبي ﷺ ، ويزيد عليه أنه من أقرباء النبي ﷺ ومن آل بيته، وقد أوصى النبي ﷺ بذلك.
في رواية أخرى قال: (ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة)، فكتاب الله هو النور من الله، أي: فيه الهدى والنور، فأمر النبي ﷺ أن يأخذ المسلمون بكتاب الله وأن يستمسكوا به، وقال لنا النبي ﷺ في الحديث: (وأهل بيتي)، وقال أبو بكر الصديق ﵁: (ارقبوا محمداً في أهل بيته) صلوات الله وسلامه عليه.
وجاء في الأحاديث الأمر بالإحسان وصلة الأرحام، والإحسان للوالدين وللأقرباء وصلة الأرحام، وكذلك المعاملة بالمودة وبالرحمة مع أقربائهم، وإذا كان الإنسان يراعي أهل ود أبيه فليراع قرابة النبي صلوات الله وسلامه عليه بالتوقير والاحترام والإحسان، طالما أنهم على شرع الله ، ومتبعون لهدي النبي ﷺ .
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلة الأرحام.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 165
شرح رياض الصالحين - توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم [١]
جعل الله لكل عبد منزلة ينزل فيها ولابد، فرفع أهل العلم والفضل والسن، ثم جعل بعدهم من يليهم، فلا يليق بصغير القوم أن يتقدم وفيهم من هو أفضل منه وأكبر، كذلك إمامة الصلاة لا يقدم لها إلا أعلم أهل المسجد وأحفظهم، ثم يليه في الصفوف من يليه في الحفظ والفهم.
стр. 166
وجوب معرفة الفضل لأهل العلم وكبار السن
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم.
وعنه قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثاً، وإياكم وهيشات الأسواق) رواه مسلم].
باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، ويذكر تقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم.
دين الإسلام دين عظيم يعلم المسلم أن يعرف حق الله سبحانه فيوحده، ويعبده ولا يشرك به شيئاً، وأن يعرف حق رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنهم الذين بلغوا رسالات الله سبحانه، وأدوا أمانة الله سبحانه، فوجب على المسلم أن يعرف فضلهم، ويحترمهم، ويصلي على أولياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويوقرهم، ويعرف قدرهم، ويذكر فضلهم بما ذكر الله وبما ذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
ثم نبينا صلوات الله وسلامه عليه هو خاتمهم، وخيرهم، وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي جاء بهذه الشريعة العظيمة ليعرف قدره، ويتبعه، ويعزره، ويوقره، ويحترم كلامه، ويؤثره على نفسه صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم أنه أولى به من نفسه، فيعرف قدر النبي ﷺ ، ويعرف قدر أهل العلم الذين بلغوا رسالات رسول الله ﷺ ، وبلغوا شرعه وما أمر أن يبلغ صلوات الله وسلامه عليه، وهم ورثة الأنبياء، قال فيهم النبي ﷺ : (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
يعرف الإنسان المسلم فضل كبار السن، وأنهم سبقوه بالإسلام، وبالصلاة لله وعبادته، وإن كان قد يفضل عليهم بأشياء أخر، ولكن لهم فضل التقدم في أعمارهم، وفضل كثرة عبادة الله سبحانه، فجاء القرآن والسنة بتقديم من يستحق التقديم، فذكر لنا سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، هنا استفهام إنكاري لتقرير الحكم، أي: لا يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون، إنما يتذكر بالقرآن وبالموعظة أصحاب القلوب الصحيحة المستقيمة، ويعرض عن التذكرة أصحاب القلوب المريضة السقيمة، فلذلك ربنا يذكر أن الذي يستفيد وينتفع بهذا العلم هم أصحاب البصائر والألباب.
стр. 167
مراتب إمامة المصلين
من الأحاديث حديث أبي مسعود واسمه عقبة بن عمرو البدري الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
وغالباً ما تأتي كلمة القراءة في السنة بمعنى الحفظ، إلا أن تأتي في موضع يفهم منه القراءة بمعنى القراءة، ولكن دائماً إذا أطلقت كان معناها الحفظ، فقدم هنا الأقرأ وهو الأعلم بكتاب الله ، وإذا كان القوم يحفظون كتاب الله فالأقرأ هو الأكثر حفظاً، والأجود قراءة فيتقدم على غيره.
إذاً: أقرؤهم لكتاب الله، وهو الذي يحفظ القرآن كله، مقدم بالشرع على من يحفظ ثلاثة أرباعه، أو نصفه وهكذا؛ إذ الإمامة ليست مجالاً للتنافس بين من يعلم ومن لا يعلم، وبين من يحفظ ومن لا يحفظ، وبين من صوته حسن وصوته رديء، ولكن الله قد علمنا على لسان النبي ﷺ من الذي يقدم، فهذا الذي يقدم كأنه وافد القوم على ربه .
ولذلك إذا أحسن فله ولمن خلفه، إذا أساء فعليه وليس على من خلفه.
وهم يقدمونه بين أيديهم لربهم ، لذلك لا يقدمون من يختارونه بل الذي يختاره ربهم سبحانه والذي يقدمه النبي صلوات الله وسلامه عليه، ففي أي مكان يقدم للإمامة أقرأ القوم، فإذا كان الناس يريدون اختيار إمام لهم فعليهم بأقرئهم وأحفظهم لكتاب الله فهو مقدم على غيره.
فإذا تقدم وصار إماماً راتباً، ثم جاء من هو أحفظ منه فالحق للإمام الراتب، وهذا مكانه وسلطانه ولا يؤخر لغيره إلا أن يختار هو أن يقدم غيره على نفسه.
أما أن يكون الإنسان إماماً في مكان ثم يذهب إلى مكان آخر وينحي الإمام ويتقدم عليه، فلا يجوز له ذلك؛ قال ﷺ : (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه).
قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
أي: أما إذا استووا وكان الكل حفاظاً لكتاب الله فيقدم الأعلم بسنة النبي ﷺ ، الذي يحفظ سنة النبي ﷺ ويفقهها، فعلم القرآن سوف يجعله يجيد القراءة، وعلم السنة سيعرف منه فقه هذه القراءة وفقه هذه الصلاة، فلو أحدث في الصلاة سيستخلف من خلفه ويتأخر هو ليتوضأ مثلاً.
وإذا أساء في الصلاة سوف يعرف كيف يتصرف في صلاته، ولا يحصل هرج ومرج بين الناس؛ لأن الذي يؤمهم يفقه كتاب الله، ويفقه سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
إذا عمل الناس بما قاله رسول الله ﷺ يكون الأمر فيه راحة للجميع، حتى لو كنت أنا أرى في نفسي أنني أفضل منه ولكن الشرع قدمه علي، فأنا أحكم بالظاهر، وأمر الباطن إلى الله يحكم فيه يوم القيامة.
فإذا استووا في العلم بالقرآن والسنة وحفظها، فأقدمهم هجرة، وهذا لما كانت الهجرة موجودة في عهد النبي ﷺ .
ثم إن استويا في الهجرة، فالأكبر سناً، فليست البداية بالسن، بل بالعلم بكتاب الله والحفظ والإتقان.
قال: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه).
هذا من الأدب الشرعي: أن المسلم لا يؤم الرجل في سلطانه، وسلطان الرجل هو المسجد الذي يصلي فيه، أو المكان الذي يصلي فيه إن كان مصلى في مكان عمل أو غيره واعتاد الناس أن فلاناً وهو أقرؤهم هو الذي يصلي بهم الصلوات، في هذا المكان، فهو أحق به، وإذا جاء غيره فلا ينحيه ولا يتقدم عليه، لأن الشريعة قدمت إنساناً فهو يحترم ذلك، فإذا أذن له أن يتقدم عليه جاز له أنه يتقدم عليه.
والأولى ألا يعود الإنسان نفسه على أنه كلما ذهب إلى مكان يريد أن يكون إماماً، فلا تكن طبيعة في نفسك أنك كلما ذهبت إلى مكان تنتظر من الناس أن يقدموك، الأفضل ألا تفعل ذلك، واترك الناس يؤمهم إمامهم الراتب في هذا المكان؛ لأن نفس الإنسان أمارة بالسوء، تهيج الإنسان، أنا أحسن من فلان، أنا أؤم أكثر منه، أنا أولى منه بهذه الإمامة، فإن الأنانية تهلك الإنسان! عود نفسك إذا كنت إماماً في مكان وذهبت إلى مكان آخر وكان الإمام أقل منك في العلم أو الحفظ أو السن أن تصلي وراءه، وكان الصحابة يفعلون ذلك، مثل مولى أبي أسيد ﵁ كان ابن عمر يذهب للمكان الذي هو فيه ومعه بعض الصحابة ويقدمهم فلا يتقدمون عليه، وهم أفضل منه وأقدم في الصحبة للنبي ﷺ وهو ممن بعدهم، ولكن عرفوا قدر صاحب المكان.
لو أصر الإمام على أن يقدم هذا الآخر جاز له أنه يتقدم ويصلي بالناس، لكن الأمر أن كل إنسان يحتاج لأن يربي نفسه على التواضع.
وإذا وجدت أنك إمام في مكان والناس يكرهونك فلا داعي لهذه الإمامة ولا تحدث نفسك بأنك أفضلهم، فإن النبي ﷺ ذكر في الحديث: أن من الذين لا ترفع صلاتهم ولا تقبل صلاتهم (من أم قوماً وهم له كارهون).
فعلى المؤمن أن يصلي لله حتى تقبل صلاته، وإذا لم تقبل صلاته إلا وهو مأموم فليكن مأموماً، فليكن الأمر على الوجه الذي يريده الله .
في الحديث ذكر لنا أدباً آخر، قال: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) السلطان هو مكان إمامته سواء كانت إمامة كبرى كالحاكم الذي يحكم بشرع الله ، فيؤمهم وإن لم يكن أحفظ الناس، هذا في الولاية الكبرى.
الإمام في الولاية الصغرى هو الإنسان في مسجده، أو من فاتته الصلاة في الجماعة فصلى في بيته بأضيافه مثلاً، هنا قد يكون الضيوف أحفظ من صاحب البيت، ولكن السنة قدمت صاحب البيت.
فمثلاً: صاحب البيت يحفظ الفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لا غير، وأنت تحفظ القرآن كله، فصاحب البيت أولى منك، ولا تحدث نفسك بأنه سوف يقدمك؛ فإن النبي ﷺ قدمه عليك لأنه صاحب المكان، لكن لو أنه ألح عليك بأن تتقدم فلا حرج.
فإن كان صاحب البيت لا يحفظ الفاتحة فلا يجوز أن يكون لك إماماً، بل يصلي وحده وصل وحدك إذا أصر أن يكون هو الإمام، ولكن إذا قدمك فتقدم لأنه لا يحفظ الفاتحة، وكذلك إذا كان يلحن فيها، واللحن هو أن يقرأ قراءة تغير معنى الكلام، وقد شرحنا ذلك في فقه الصلاة، وأنه القراءة التي تغير المعنى في فاتحة الكتاب خاصة.
قال: (ولا يقعد في بيته على تكرمته): أدب آخر من الآداب العظيمة: المسلم متواضع في نفسه، والإنسان كلما تواضع رفعه الله ، وكلما استكبر وضعه الله .
التواضع من الضعة، وهو أن يحقر نفسه، وكل إنسان يرى أن نفسه لها منزلة، لكن مطلوب منك شرعاً أن ترى نفسك عبداً لله ، وأن تتواضع، قال النبي ﷺ : (من تواضع لله رفعه الله).
مطلوب من الإنسان أن ينظر إلى خلقه، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧].
انظر مما خلقت حتى لا تستكبر، تعلم من نفسك أنك كنت نطفة تستقذرها أنت، فلذلك يذكرك ربنا حتى لا تنسى نفسك أبداً، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٥ - ٨].
فإذا ذهبت لإنسان في بيته فلا تر لنفسك فضلاً عليه، وقد تكون من أهل الفضل، ولكن قد دخلت بيته فصار له فضل عليك، هو الذي دعاك حتى تأكل وتشرب في بيته.
الإنسان عندما يتذكر في نفسه أن فلاناً دعاه، وفلاناً تفضل عليه بذلك، يعرف فضله عليه، فعندما يدخل بيته يغض البصر، ويستأذن عليه في بيته ولا يزعج أهل البيت، ولا يستعمل جرس البيت حتى يسمع الشارع كله.
إذا دخلت بيته تغض البصر، وتنتظر أين سيدخلك؟ لا تسبقه، لا تجلس حتى يجلسك، واجلس حيث يجلسك، أقل شيء اجلس واجعل ظهرك للباب، ولا تبقى وجهك للباب تنظر للداخل والخارج.
فيقول هنا: (لا يقعد في بيته على تكرمته) يعني: في المكان الذي هو يحب أن يجلس فيه لا تقعد أنت فيه إلا إذا أذن لك.
стр. 168
الأمر بتسوية الصفوف في الصلاة
هذا أيضاً أبو مسعود البدري يروي هذا الحديث: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة)، يمر عليهم يسويهم صلوات الله وسلامه عليه بحيث إن الكل يستوي مع بعض في الصلاة.
وقد وفضلنا على الناس بثلاث كما جاء في صحيح مسلم، ومن هذه الثلاث أن جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، فإن الملائكة يستوون عند ربهم ويتراصون في الصفوف فتشبهنا بهم في صلاتنا، فالنبي ﷺ يقول لنا: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لنا المغانم).
الغرض: أن من ضمن الأشياء التي نتعلمها من هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يمسح مناكب أصحابه فيسويهم في الصلاة، ويقول ﷺ : استووا ولا تختلفوا.
كأن استواءك في الصلاة مع صاحبك مدعاة لألفة القلوب والمحبة بينك وبين صاحبك، وإذا اختلفت صفوفكم اختلفت قلوبكم، عندما يبرز إنسان ويتقدم على غيره، كأنه رأى في نفسه شرفاً على غيره، وهذا مغرور، وكم من المغرورين في الصلوات -والحمد لله في مسجدنا لا نرى ذلك بفضل الله وبرحمته أو ترى آخر فاتحاً ما بين رجليه بحيث إن الشيطان يمر بينه وبين صاحبه، وإذا أمرته بالمعروف أو نهيته عن المنكر رفع صوته عليك.
فالحمد لله نحن في نعم عظيمة بهذه الصلاة، لذلك ينبغي علينا أن نحافظ عليها، وينبغي علينا أن نتواضع كباراً وصغاراً، أحياناً بعض كبار السن عندما ينصح تثور ثائرته ولا يهدأ، لا.
تعلموا أدب النبي ﷺ ، نوقر الكبير، لكن الكبير أيضاً يحترم القرآن ويحترم السنة ويحترم بيت الله .
بعض الناس يضع كرسياً في مكان ما ويقول: أنا لا أصلي إلا هنا! فنقول: المسجد مسجد الله ، صل مثل غيرك من الناس في أي مكان، ولا تظن لنفسك فضلاً على الناس، احذر الغرور وأن تتطاول على المسلمين بأنك صاحب سن، أو صاحب لحية بيضاء، أو أنك أقدم منهم، بل تواضع لله صغيراً كنت أو كبيراً، ومن تواضع لله رفعه الله .
هنا النبي ﷺ كان يمر على المسلمين في الصلاة ويعدل الصفوف، واليوم توجد خطوط تنظر إليها ومن السهل أن تعدل الصف، لكن بعض الناس لا يعجبه الخط فيرجع إلى الخط الأخير ليوسع لنفسه في الصلاة ويضيق على غيره.
أحياناً في صلاة الجنازة تجد الصف الأول مكتملاً، والصف الثاني غير مكتمل، والثالث والرابع مكتملين، وصفوفاً أخرى فارغة، والناس خارج المسجد مزدحمة وما هو إلا هؤلاء زحموا المكان إلى باب المسجد.
وأعظم خطوة تخطوها لتسد فرجة، وقبل أن تصف في مكان انظر هل الصف الأول قد اكتمل أو لا؟ الصف الثاني اكتمل أو لا؟ وهكذا تسد الفرج فتكون متشبهاً بالملائكة في أنهم يكملون الصف الأول فالذي يليه.
قال: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم).
إذا اختلفتم في الصلاة اختلفت القلوب، وإذا اختلفت القلوب صار المسلمون متنافرين، فلابد أن نتعلم إذا كنا في الصلاة كيف نستوي فيها.
стр. 169
صفة من يلي الإمام في الصلاة
قال ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).
هذا حكم آخر من الأحكام التي نتعلمها، أي: لو كان الإمام أقرأ الناس فمن يلي الإمام؟ قال: أولوا الأحلام والنهى.
وأصحاب الأحلام يعني: البالغين، لا يأتي مجنون يصلي وراء الإمام، وإذا وجد حفاظ للقرآن فهم الذين يكونون وراء الإمام، ولا يتهاون حفاظ القرآن بهذا الشيء، كل منهم يصلي في مكان والإمام يخطئ فلا يجد من يرد عليه، أو تأتي الأصوات من آخر المسجد، فيحصل تشويش وإزعاج، فليكونوا خلف الإمام ليفتحوا على الإمام إذا أخطأ.
وإذا حصل للإمام عذر خرج من الصلاة وقدم واحداً من أولي الأحلام والنهى، أي: إنساناً عاقلاً كبيراً في السن، عالماً بسنة النبي ﷺ ، وقد كان الصحابة يعرفون ذلك فيقدمون خلف النبي ﷺ من يكون أقرب وأحق بالإمامة بعده صلوات الله وسلامه عليه.
وبعد النبي ﷺ كانوا يصنعون ذلك، يذكر رجل من التابعين أنه أتى المدينة وكان أحب شخص إليه في المدينة أبي بن كعب ﵁، وما كان يعرفه، وكان شاباً حدثاً في السن، فصلى هذا الشاب خلف الإمام، قال: فجاء رجل وتقدم ونظر فعرف القوم إلا أنا فما عرفني، فأخرني للصف الثاني وصلى في مكاني.
فالرجل كأنه في الصلاة حصل في نفسه شيء، كيف يردني ويرجعني، فلما انتهت الصلاة قال لي: لا يسؤك الله يا غلام، ولكن هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، فإنه قال: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، إذاً: يكون الذي وراء الإمام حافظاً للقرآن، أو الذي يصلح أن يكون إماماً.
فيتعلم الإنسان أنه إذا وجد من هو أفضل منه في الخلف وهو خلف الإمام أن يترك هذا المكان له.
الأمر الثاني: أنه قد يكون الإنسان الذي خلف الإمام لا يعرف فقه الصلاة، فيحدث شيء فيخرج من الصلاة وليس من حقه أنه يخرج، ويزعج الإمام وهو خلفه، وأحياناً بعض الناس يكون في عقولهم شيء من خبل أو غيره، وأحياناً يتركه الناس يصلي خلف الإمام، وهو أثناء الصلاة يتحرك أو يرفع صوته بالكلام، وهذا ليس مكانه أبداً، قال ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).
أحياناً يكون الذي خلف الإمام طفلاً صغيراً، فإذا أحدث الإمام أو نابه شيء، فلا يليق أن يصلي بالناس طفل صغير، فنتعلم أن الذي خلف الإمام لا يكون من الصغار في السن، حتى تحفظ ثم تأتي خلف الإمام عندما تكبر.
الذي يصلي خلف الإمام هو الأحق بالإمامة، فحفاظ القرآن يكونون خلف الإمام بحيث يفتحون عليه، وينبهونه إذا أخطأ في الصلاة.
(ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم): الإمام يقف في وسط المسجد، وهذا أشرف مكان في المسجد، وهو الذي جعل لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وبعده اليمين ثم الشمال، بعض الناس لا يعرف ذلك، فتجده يأتي المسجد ويذهب إلى جهة اليمين ولو وصل لآخر المسجد أو خرج للشارع ليصبح في اليمين.
وأحياناً تدخل المسجد فتجد أن المصلين في ناحية من الصف والباقي فارغ، هذا لا يجوز، لأنه لابد من وصل الصفوف كما أمر ﷺ ، فأفضل شيء أن تبدأ الصفوف من خلف الإمام.
стр. 170
الأمر بغض الأصوات في المساجد
ثم يقول: (إياكم وهيشات الأصوات).
أي: ضجيج الأسواق ورفع الصوت، والأسواق أماكن وجود الشياطين براياتها، فلا يصير المسجد مثل السوق، برفع الصوت، بل نتعلم أدب المسجد في عدم رفع الصوت فيه، وأحياناً نستحيي من كبار السن عندما تكون أصواتهم عالية.
وبعض إخواننا أحياناً يصلون جماعة ثانية، والجماعة الثانية مختلف فيها، والجمهور على جوازها، والإمام الشافعي على عدم جواز الجماعة الثانية، والفضيلة في الجماعة الأولى، والجماعة الثانية لها فضيلة ولكنها ليست كالأولى.
أحياناً يصلي في الجماعة الثانية ثلاثة رجال فيرفع الإمام صوته حتى يسمع الدنيا كلها، لماذا تسمع الناس؟ لست إمام المسجد، أنت إمام لإثنين فقط لا أكثر من ذلك، والبعض أحياناً يعلل رفع صوته لكي يسمعه من أتى متأخراً فيصلي معه، فنقول له: ليس بفرض عليه أن يصلي معك، ولكن إذا علم صلى معك وإلا فلا، وهو معذور.
فنحن نصلي السنة والمسجد ممتلئ وصاحبنا يرفع صوته: الله أكبر، كأنه يقول للناس كلهم: اسكتوا فأنا موجود! وهذا خطأ، ولكن إذا كنت تقرأ فأسمع من خلفك فقط، ولا تزعج الناس.
أو دخلت المسجد وفيه درس علمي في الدور الأول فلا تحدث جماعة في الدور الأول وتشوش على الناس ويشوشون عليك، واصعد الدور الثاني إذا كان فارغاً وصل فيه أو في الثالث إذا كنت تقدر على ذلك.
وإذا لم تصعد وصليت فإنك تسمع من معك فقط، ولا تلزم الناس أن يسكتوا لك، أنت الذي أسأت بالتأخر عن الجماعة، فصل وأسمع من معك فقط ولا تشوش على غيرك، وأيضاً غيرك لا يشوشون عليك بقدر المستطاع.
وقوله: (إياكم) تحذير من النبي ﷺ أن تشبه المسجد بالسوق، ويا حبذا أن يذكر بعضنا بعضاً، فعندما تسمع أحدهم يرفع صوته تنبهه، وأنا أفعل ذلك بحسب المستطاع، أحياناً قبل الصلاة أجد من يشغل غيره بذلك فأقول له: انشغل بالدعاء أفضل، هذا وقت إجابة دعاء إلا لحاجة من الحاجات فصوتك تسمع به من بجوارك فقط.
بعض الناس تقول له: اخفض صوتك، يقول: صوتي هكذا، كذلك الذي جاء النبي ﷺ فرآه يأكل بشماله، فقال: (كل بيمينك.
قال الرجل: لا أستطيع، ما منعه إلا الكبر) فما كان من النبي ﷺ إلا أن دعا عليه قال: (لا استطعت).
إما أنك صادق فلا عليك أو كاذب فتستحق العقوبة، قال: (فما رفعها إلى فيه)، وشلت يده.
إذاً: اغضض من صوتك، وتذكر قول الله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩].
اخفض صوتك ولا ترفعه فتزعج الناس به في المساجد، والطرقات، والبيوت، بل تعود أن يكون صوتك منخفضاً، فإذا كنت تحتاج لرفع الصوت في خطبة أو غيرها فبحسبها، لا تخطب والخطبة كلها من أولها إلى آخرها صياح، ولكن الخطب مواقف، لا تقول: كان النبي ﷺ يرفع صوته في الخطبة كلها، فإن راوي الحديث يقول: (كان إذا ذكر الموت صلوات الله وسلامه عليه علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم)، فليست الخطبة من أولها إلى آخرها إزعاج، ولكن يرفع صوته عند الاحتياج إلى ذلك، ويخفض صوته عند عدم الاحتياج للرفع، والخطبة المقصود منها عظة وتعليم الناس لا إزعاج الناس برفع الصوت.
стр. 171
تقديم الأكبر في السن في الحديث
من الأحاديث التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه حديث يرويه سهل بن أبي حثمة يقول: (انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا وذهب كل واحد وحده في خيبر، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً)، اليهود لا عهد لهم ولا ذمة ولا أمان أبداً، اليهودي إذا وجد غيره في مكان يحدث نفسه بقتله؛ لأنه يتعبد بذلك، سواء وجد مسلماً أو نصرانياً، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢] فبدأ بهم.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].
أتى محيصة إلى عبد الله بن سهل فوجده يتشحط في دمه، يعني: ينزف ويتخبط ويضطرب في دمه قتيلاً فدفنه، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فبدأ أخو القتيل يتكلم، ولكن علمهم النبي ﷺ أن الذي يتكلم الأكبر في السن، فلو كانت هناك مجموعة وقدمت أحدهم للكلام فهو مقدمهم، لكن إذا لم يقدموا أحداً فإن كبير السن هو الذي يبدأ بالكلام.
قال النبي ﷺ : (كبر كبر)، يعني: يتكلم الأكبر في السن.
الموقف هنا موقف صعب، ومع ذلك يعلمهم النبي ﷺ الأدب الشرعي، وأن يتكلم الكبير، وفيها أن النبي ﷺ قال: (أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟) وفيها قصة القسامة، لكن الغرض: بيان تقديم الكبير في الكلام.
أيضاً قال جابر بن عبد الله: (كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في القبر، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟) لأن قتلى أحد كانوا سبعين، ويصعب الحفر لهم كلهم، والصحابة كانوا مثخنين بالجراح، فلذلك كانوا يحفرون القبر ويدفن في القبر الواحد الاثنان والثلاثة، فكان النبي ﷺ يقدم الأحفظ إلى القبلة، ثم الثاني، فهنا يقول لنا النبي ﷺ يسأل: (أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد).
فالقرآن سبب للتقدم في الدنيا وسبب للتقديم في القبر، فما بالك بيوم القيامة؟ يقول النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).
يقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل، والصيام يقول: أي رب منعته الطعام بالنهار، فيشفعان له.
وعن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: (أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر).
هنا الأدب حتى مع النبي ﷺ ، وهو ما عملها في الواقع، فقد كان في الواقع يكبر الكبير، ولكن في المنام علم ﷺ في منامه ذلك، (فقيل له: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)، نتعلم كيف نفاضل بين الناس بمنازلهم، وجاء في الحديث: (أنزلوا الناس منازلهم).
نسأل الله أن يؤدبنا ويفقهنا في ديننا، ويؤدبنا بشرعه العظيم.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 172
شرح رياض الصالحين - توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم [٢]
لقد فضل الله أهل العلم، ورفع مكانتهم، وحض على توقيرهم وتقديمهم واحترامهم، كذلك وردت الأحاديث التي فيها توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على من سواهم؛ فالذي ينبغي للمسلم أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة مع سائر الخلق، من المسلمين وغيرهم، والمسلمون أولى بالمعاملة الحسنة، والعلماء في مقدمتهم، وكذا كبار السن وأهل الفضل، وينبغي إنزال الناس منازلهم.
стр. 173
ما جاء في توقير العلماء والكبار وأهل الفضل
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: (باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).
حديث حسن رواه أبو داود.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا) حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباناً وذكر القصة قال له الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وإن هذا من الجاهلين: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى).
هذه أحاديث يذكرها الإمام النووي في باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وذكرنا في هذا الباب سابقاً أن الله فضل أهل العلم على غيرهم فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وأهل العلم هم الذين عرفوا كتاب الله وعرفوا سنة النبي ﷺ ، وعملوا بهذا العلم الذي يدعو أهله إلى خشية الله سبحانه، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فالعلماء أهل الخشية من الله سبحانه، فهؤلاء الذين يستحقون أن يرفعوا على غيرهم في الدنيا وفي الآخرة، وأن يوقروا وأن يحترموا بأن يعرف قدر علمهم فيحترموا من أجله.
стр. 174
شرح حديث (فناولت السواك الأصغر، فقيل لي كبر)
عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (أراني في المنام أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما)، رواه مسلم.
فالنبي ﷺ علمه ربه أن يفضل ويوقر الكبير ويقدمه على الصغير، ورأى النبي ﷺ رؤيا وفيها: أنه تسوك بسواك ﷺ ، ورؤى الأنبياء وحي من الله وكلها حق، فقد رأى أنه يتسوك بسواك فجاءه رجلان في المنام أحدهما أكبر من الآخر قال: (فناولت السواك الأصغر) أي: النبي ﷺ ناول هذا السواك الذي أمامه وهو الأصغر.
(فقيل لي: كبر) يعني: أعطِ الكبير وابدأ به.
أما إذا كان الكبير والصغير مع الشخص أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فيعطي الذي عن اليمين قبل الذي عن اليسار، فإن كان الاثنان أمامه، فليقدم الكبير على الصغير، ولذلك جاء في الحديث: أن النبي ﷺ شرب لبناً وكان معه خالد بن الوليد وهو كبير في السن ومعه عبد الله بن عباس وهو صغير في السن فالاثنان كانا مع النبي ﷺ في بيت ميمونة ﵂، وهي خالتهما فشرب ﷺ وبعد ذلك استأذن ابن عباس وهو عن يمينه أنه يعطي اللبن لـ خالد بن الوليد؛ لأنه أكبر منه سناً، فقال له ابن عباس: ما كنت لأوثر بسؤرك أحداً على نفسي).
إذاً: يقدم الكبير في الكلام وغيره، إلا أن يكون في إعطاء طعام أو شراب وكان أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، فيعطي الذي عن اليمين قبل الذي عن الشمال.
стр. 175
شرح حديث (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم)
عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).
قوله: (إن من إجلال الله) يقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فينبغي أن تقدر ربك حق قدره سبحانه، بأن تعمل بدين الله ، وتعزز هذا الدين العظيم لإعزاز الله له، وتكرم أهل دين الله سبحانه.
فإذا عرفت قدر ربك سبحانه، فمن هو أقرب إلى الله تقدره وتحترمه وتقربه وتدنيه وتفضله على غيره، فالأقرب إلى الله هم أهل العلم الذين يعملون بهذا العلم، فقد جاء في هذا الحديث هنا: (أن من إجلال الله تعالى) يعني: أن من إجلالك لربك وتوقيرك له، واحترامك لدين ربك سبحانه، أن تكرم ذا الشيبة المسلم؛ لقول النبي ﷺ : (إكرام ذي الشيبة المسلم) أي: الكبير السن، لأنه قد شاب رأسه في الإسلام وصلى أكثر منك.
وقد جاء في حديث النبي ﷺ : أن أخوين كانا في عهد النبي ﷺ ، أحدهما استشهد والآخر مات بعده بشهر أو شهرين أو نحو ذلك، فرأى رجل رؤيا في المنام أن هذا الذي مات متأخراً في مرتبة في الجنة أعلى من الشهيد، فتعجب كيف يكون الميت أعلى من الشهيد؟ فذهب يسأل النبي ﷺ ، فأخبره النبي ﷺ بالسبب في ذلك وهو أنه عمر بعد هذا الأول شهراً أو شهرين فصلى، فارتفع بها عن درجة هذا الأول، بصلاته شهراً أكثر من الأول.
إذاً: تعرف قدر من هو أكبر منك سناً، أنه صلى صلاة أكثر منك، فلو أن رجلاً كان أكبر منك بعشر سنين، فإنه قد صلى عشر سنوات، وكل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، وفي كل يوم خمس صلوات فنضرب ثلاثمائة وستين في عشر سنين في خمسة، فتعرف قدر ذي الشيبة المسلم.
إذاً: من إكرامك لله أن تكرم ذا الشيبة المسلم.
قوله: (وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه) أي: أن تكرم حامل القرآن، وحامل القرآن: هو الإنسان الذي حفظ كتاب الله وعمل بما فيه، وليس غالياً فيه، بحيث يجاوز الحد فيكون مبتدعاً.
والغالي فيه هو الذي يبتدع ويحمل القرآن ما لا يحتمله، ويحكم رأيه في القرآن، ويأخذ من القرآن ما يوافق هواه، ويفتي بالهوى فيه، فهذا يغالي فيه، أو أنه يجفو بحيث يكون قد حفظه وتركه وراءه ظهرياً فلم يعمل به، ونسي كتاب الله .
وهنا اثنان: الغالي والجافي، فلا هذا ولا ذاك يستحقان التكريم، إنما الذي يستحقه الإنسان الذي يحفظ كتاب الله ويعمل بما فيه، ويحترم كتاب الله ، يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقف عند آياته كما كان الصحابة يفعلون، فمن إكرامك وإجلالك لله إكرام الإنسان المؤمن الذي يحفظ كتاب الله ، أو يحفظ بعضه.
قوله: (وإكرام ذي السلطان المقسط) يعني: أن من إجلالك وتوقيرك لله أن تحترم الحاكم المسلم الذي يحكم بدين الله وبشرعه.
ديننا دين عظيم يعود الإنسان المؤمن على حسن الخلق مع الناس، لا أن يكون حراً بحيث يتكلم مع أي إنسان بغير ضابط، ويزيل الحواجز بينه وبين الناس، فالدين يقول لك: الزم حدك، واعرف قدرك مع غيرك تواضع مع العالِم، وتواضع مع السلطان المقسط، وتواضع مع كبير السن، فدين الله يعلمنا الأدب الراقي، بأن الصغير يعرف أنه صغير في حضرة الكبير.
أما العلمانية ونحوها فتدعو الناس إلى الحريات بحيث يتعلم الإنسان سوء الأدب، ويجعل نفسه مثل الكبير، فترى الواحد من هؤلاء حين يقعد أمام أبيه يجعل رجلاً على الأخرى، وكذلك أمام مدرسه يجعل رجله وحذاءه أمام وجه أستاذه، وإذا كلمه قال له: أنا حر ليس فيها شيء.
وكثير من أبناء المسلمين يقلدون هؤلاء، فتراه يقعد أمام مدرسه من غير إجلال ولا تبجيل ولا احترام، ويتكلم معه، ويتهكم عليه، ويدير له ظهره، ويستهزئ به ويسخر منه، كل هذه آثام يحملها الإنسان تضره في الدنيا قبل الآخرة، وهذا الإنسان الذي يستهزئ بكبير السن لن يبقى صغيراً مدى حياته فلا بد يوماً أن يكبر وسيُصنع فيه مثل ما صنع بهذا الكبير يوماً من الأيام، والجزاء من جنس العمل.
غير شؤم ذلك الذي يجده في عمله، يجده في بيته، يجده في أولاده؛ لذلك تعلم احترام الكبير، نقول هذا لأبنائنا الصغار الذين في الابتدائية والإعدادية والثانوية، والذين في الجامعة: وقر الأكثر منك علماً، وقر الأكبر منك سناً، احترم أباك وأمك، احترم أخاك الأكبر، احترم كبير السن، لا تكن طويل اللسان، بل تراعي في ذلك الله ، وتذكر أنك الآن صغير فستكون كبيراً يوماً من الأيام، فإياك أن تستهين أو تستهزئ بغيرك، وإلا فستكون هذه الكلمة الذي تقولها سبباً في سخط الله عليك، وقد ينطبق عليك حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) أي: يبقى سبعين سنة يهوي في نار جهنم بسبب الكلمة التي لم يلق لها بالاً.
فبعض الناس تجده يسخر من غيره والناس يضحكون، فهو يضحك الناس ليغضب الله عليه، لا تفرح بهذا الشيء؛ لأن الناس الذين يشجعونك سيتبرءون منك يوم القيامة، ولن يدافع عنك إنسان أمام الله .
إذاً: الواجب عليكم أن تربوا أولادكم على احترام الكبير في السن، في الزمن الماضي كنا نسمع أن الكبير عندما يرى صغيراً يعمل خطأً يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، أما الآن فكثير من الناس عندما يرى الطفل يخطئ يقول: لا دخل لي به؛ لأن أباه وأمه سيتشاجران معي! لا حول ولا قوة إلا بالله، ضاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصبح الصغار يتسافهون على الكبار، هل تنتظر من أمة هذا حالها: لا يحترمون كبارهم ولا يوقرون علماءهم، ولا يحفظون كتاب ربهم ولا سنة نبيهم، هل ينتظر منهم أن يعزهم الله وقد أذل بعضهم بعضاً؟ إن الله سيجعل بأسهم بينهم شديداً، ويسلط عليهم غيرهم؛ لبعدهم عن الله وعن سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
لذلك على المسلم أن يتعلم ما هو الإسلام؟ وما هي آداب الإسلام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين؟ وكيف يتخاطب المرء مع أبيه وأمه؟ تجد بعض الأبناء ينادي أمه باسمها، والأم تضحك وتفرح بأن ابنها يناديها باسمها، أو البنت تناديها باسمها، لكي تحس أنها صغيرة في السن وتصغر نفسها، ولعلها هي تأمر ابنها أو بنتها أن يناديانها أمام الناس باسمها لكي تبدو وكأنها صغيرة السن، وهذه سفاهة وبعد عن دين الله ، ولا ينتظر من وراء ذلك إلا الدمار.
فعلى الإنسان المؤمن أن يعلم ابنه أن يحترم الكبير، وأن يعلمه كيف يتخاطب مع معلمه؟! لا يعلمه البجاحة، لكن من المؤسف أن تجد من يقول لولده: إن شتمك معلمك فاشتمه، وإن مد يده عليك فمد يدك عليه، فتجد الطفل ينشأ متبجحاً وينشأ سافلاً حتى إن معلمه يقول: إن العلم خسارة فيه، فلن أعلمه ولا يستحق أن يتعلم، فلا هذا يبذل، ولا هذا يحترم ويستحق العلم، ويضيع دين الله بينهما.
стр. 176
شرح حديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا).
قوله: (ليس منا) فيه زجر للإنسان الذي لا يحترم الكبير ولا يرحم الصغير، والمسلم عليه أن يهذب الصغير ويؤدبه، وذلك بأن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر؛ لكي ينشأ الصغير رجلاً من صغره، ينشأ وهو يعرف الحلال والحرام، ويعرف الخطأ والصواب، ويسمع ويطيع طالما أنه يؤمر بالحق.
قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا) أي: أن على المرء أن يعطف على الصغير ويعلمه ويؤدبه ويعطيه ويطعمه ويسقيه رحمة به، وأنه ينبغي عليه أن يعرف شرف الكبير، الكبير في العلم، والكبير في السن، والكبير في القدر والمقام، فيعرف شرفه فيقدره فهذه الأمة مترابطة يحترم الصغير فيها الكبير، ويعطف الكبير فيها على الصغير؛ لقوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
أمة ليس فيها هذا الشيء أمة متفككة لا يعرف بعضهم بعضاً، مثل دول الكفر، فإن حقيقتها التفكك، يقول الله : ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] أي: قلوبهم متفرقة، تلقى الصغير منهم لا يحترم أباه، ولو أن أباه علمه أو أدبه أو ضربه لذهب هذا الصغير إلى الشرطة يشتكي أباه، ويحاكم الأب في المحكمة، ولعلهم يضربون الأب أمام الابن؛ لكي لا يجرؤ على ضرب ابنه مرة ثانية.
والطفل في المدرسة يعطونه (تلفون) الشرطة و (تلفون) المحكمة؛ حتى إذا ضربه المعلم اتصل بهم، والمسلمون يذهبون إلى تلك البلاد ليتعلم أولادهم هذه الأخلاق من هؤلاء، ويرجعون إلى بلادهم بلا أدب ولا أخلاق ولا تربية ولا دين، بل لعلهم ينظرون إلى دينهم على أنه تخلف، وعلى أن ما تعلموه من بلاد الكفر هو الأدب والحرية، وأن هذه الأخلاق هي إلى لوصول إلى الرقي والحضارة.
стр. 177
شرح أثر (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس)
عن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس.
وعيينة بن حصن هو رجل كبير في قومه، وكان ممن يتألفه النبي ﷺ في حياته؛ لأنه كبير في قومه مثل: العباس بن مرداس، والأقرع بن حابس، كان هؤلاء الثلاثة كانوا كبراء في قومهم، وكان النبي ﷺ يتألفهم ليثبتوا على هذا الدين، فقدم عيينة على عمر رضي الله تعالى عنه، وابن أخيه الحر كان صغيراً في السن، ولكنه كان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله تعالى عنه لعلمه.
وكذلك كان ابن عباس صغيراً في السن وكان عمر ﵁ يدنيه؛ ليس لمكانته من النبي ﷺ ، وإنما لعلمه رضي الله تعالى عنه، وأهل شورى عمر هم أهل العلم، يقول ابن عباس: كان القراء حفاظ القرآن أصحابَ مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، والكهل هو الذي جاوز الثلاثين سنة، أما الشاب فهو دون ذلك.
فالشاهد هنا: أن أهل مجلس شورى عمر ﵁ هم حفاظ القرآن في ذلك الزمان، وليس كهذا الزمان يحفظ الواحد القرآن ولا يفهم منه شيئاً، بل كان الواحد من الصحابة والتابعين يحفظ عشر آيات، ويعرف مضمون هذه الآيات ومعانيها وأحكامها وينفذها ويعمل بها، وهكذا حتى يحفظ القرآن كله على هذه الطريقة، فهؤلاء كان يدنيهم عمر ﵁؛ لأنهم أحق أن يشاورهم في أمور المسلمين.
فجاء عيينة وطلب من ابن أخيه الذي هو الحر بن قيس أن يستأذن له على عمر، فاستأذن له على عمر رضي الله تعالى عنه، وأكرم عمر هذا الشاب الحافظ للقرآن، وجعل عمه يدخل عليه.
فلما دخل على عمر ﵁، قال لـ عمر: هيه يا ابن الخطاب!، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل.
هذا من الكذب على عمر رضي الله تعالى عنه، عمر ذلك الذي عدله الكفار وعرفوا فضله وعدله، وهذا يأتي ويقول عن عمر: أنت لا تحكم بالعدل، ولا تعطينا الجزل!! فلما قال ذلك، غضب عمر غضباً شديداً، وهم أن يوقع به؛ لأنه كذاب يكذب على عمر رضي الله تعالى عنه، فلما أراد معاقبته إذا بـ الحر بن قيس يقول لـ عمر ﵁: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين.
فلما سمع الآية التي خوطب بها النبي ﷺ كأنه صُبَّ عليه ماء بارد، فسكت وسكن غضبه، وكان وقافاً عند كتاب الله .
قال ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله، فهدأ وسكت ﵁ وأعرض عنه لكونه جاهلاً.
فإذاً: الغرض من هذا الأثر بيان الذين كان يدنيهم عمر ﵁، وعمر هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وزير النبي ﷺ بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، ولو وزن إيمان عمر بإيمان الأمة ليس فيها النبي ﷺ ولا أبو بكر لوزنهم عمر وثقل إيمانه على إيمان الأمة.
стр. 178
شرح حديث سمرة (فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني)
عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلاماً فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني).
كان سمرة ﵁ صغير السن في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو يذكر أنه كان غلاماً، أي: أنه ابن أربع عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، والظاهر أن هذا كان في غزوة الخندق أو غزوة أحد، لأنه جاء في أيامها أنه كان في مثل هذا السن.
فقوله: (كنت أحفظ عن النبي ﷺ ، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالاً هم أسن مني) يعني: كان ﵁ إذا جلس في مجلس فيه من هو أكبر منه سناً من الصحابة فإنهم يقولون: قال النبي ﷺ كذا، وكان يسكت احتراماً لهؤلاء مع أنه حافظ لما يحفظونه وربما كان يحفظ أكثر منهم، ولكن كان يمنعه أن يقول أن هناك من هو أكبر منه سناً في المجلس، فيسكت ليتكلم الكبير ولا يتكلم رضي الله تعالى عنه.
هل يوجد مثله في زماننا هذا؟ أم أن الإنسان بمجرد أن يحفظ آية أو آيتين يكون فرحاً بهما، ويريد أن يقول في كل مجلس ويقاطع الناس في كلامهم وفي حديثهم؟! ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتعلم العلم ابتغاء وجه الله سبحانه، فإذا احتاجوا إليه في علمه قال ما عنده، وإذا لم يحتج إليه سكت حتى يحتاج إليه، وإذا وجد غيره ممن هو أقدر منه على الإبلاغ ترك المجال له، واحتسب عند الله ؛ لأن العلم ليس للظهور ولا للرياء، وإنما العلم ليقول قال الله قال رسول الله ﷺ ، وليقيم شرع الله سبحانه على الإخلاص لا على الرياء والسمعة.
стр. 179
شرح حديث (ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه)
عن أنس ﵁: (ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند كبر سنه) رواه الترمذي وقال: حديث غريب.
هذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن تجده مشاهداً بين الناس، وأن الإنسان الذي تربى من صغره على إكرام الكبار فهو عندما يكبر في السن يجد الصغار يكرمونه، والضريبة التي يدفعها الإنسان فإنه يستردها يوماً من الأيام، والجزاء من جنس العمل، وربنا لن يضيع جزاء من أحسن عملاً.
قدم الخير في شبابك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولن يضيع عند الله، فإذا كبرت سخر الله من أولادك ومن أولاد المسلمين من يخدمك ويرفع قدرك، ويعطيك الجزاء بما صنعت قبل ذلك.
فهنا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد ولكن معناه مشاهد بين الناس، فكم من إنسان يحترم من هو أكبر منه، فيجعل له ربنا هيبة في النفوس، وكم من إنسان تجده يستهزئ بالناس فيسلط عليه ربه سبحانه من يستهين به ويستهزئ، فلذلك الإنسان المؤمن يعمل العمل ابتغاء وجه الله سبحانه، وخوفاً من عقوبة الله سبحانه، ويعلم أن ما بذله الآن سيرد إليه في يوم من الأيام، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 180
شرح رياض الصالحين - زيارة أهل الخير ومجالستهم
إن زيارة أهل الخير ومجالستهم ومحبتهم فيها خير عظيم؛ لأن الأخلاق تعدي، والمرء على دين صاحبه وخليله، وإن الحذر من أهل الشر ومن مصاحبتهم أمر مطلوب؛ لأن أخلاقهم تعدي، وليس وراءهم إلا الوقوع في المعاصي والذنوب.
следующие страницы →