Полный текст (1 057 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ما جاء في جواز الأخذ من غير مسألة والأكل من عمل اليد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه.
عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن عمر ﵃ قال: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال: خذ، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك.
قال سالم: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه) متفق عليه.
باب الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠].
وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) رواه البخاري].
يذكر الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه، وباب الحث على الأكل من عمل يده.
стр. 422
شرح حديث: (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه)
عن عمر يرويه عنه عبد الله بن عمر ابنه، ويرويه عن عبد الله ابنه سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله ﵎ عن الجميع.
يقول عمر: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني)، يعطيه من الأموال التي تأتي النبي ﷺ من مغانم الفيء ونحو ذلك، فكان يقسمها على ما أمر الله ﵎ به في الغنائم، قال الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال:٤١] الآية.
فذكر أن الخمس يصرف في هذه المصارف، والأربعة الأخماس تكون للغانمين المجاهدين في سبيل الله ﵎، وإذا كان المال فيئاً فقال الله سبحانه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧].
فكان النبي ﷺ يقسم هذا المال بحسب ما أمر الله سبحانه ﵎ به، فكان يقسم على المؤمنين بحسب ما أعطاه الله سبحانه، قد يعطي الجميع، وقد يعطي الأكثر، وقد يعطي البعض بحسب المال.
قال عمر ﵁: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء)، كأنه تكرر هذا الشيء من النبي ﷺ أن يعطيه، (فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني) يعني يوجد من هو أفقر مني، وأحوج مني لهذا المال.
فلما تكرر هذا من عمر ﵁ علمه النبي ﷺ فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه).
المشرف: أن يتطلع إليه يريده، والسائل: الطالب، فالمشرف أن يكون في نفسه يريد أن يأخذ هذا المال ولكن لا يسأل، وقد يريد الإنسان ويطلب ويسأل، وعمر لا هذا ولا هذا، لا سأل النبي ﷺ ولا استشرفت نفسه هذا المال.
فقال له النبي ﷺ : (إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله)، العطاء هو الذي يعطاه الإنسان، وقد كان النبي ﷺ يعطي، ومن بعده الخلفاء الراشدون كانوا يعطون الأموال من المغانم والفيء وغير ذلك أعطيات.
وكان عمر رضي الله ﵎ عنه في عهده يعطي الناس على حسب تقدمهم في الإسلام وتقدمهم في الهجرة وقربهم من النبي ﷺ وغير ذلك، فجعل كل سنة مرتباً لكل إنسان منهم حتى عم الخير بفضل الله على الجميع.
فتعلم عمر من النبي ﷺ أنه إذا جاءك من هذا المال شيء فاقبله طالما أنك لم تسأله ولم تستشرف له، فخذ ما آتاك الله من بيت المال، وقد أعطى النبي ﷺ لـ عمر من مال الغنائم ومن مال الفيء ونحو ذلك.
قال: (فخذه فتموله) أي: اتخذه مالاً وانتفع به.
(فإن شئت كله وإن شئت تصدق به) فالنبي ﷺ أعطى عمر ولا يرد عطاء النبي ﷺ ، وكذلك ما أعطاك الخلفاء من بيت المال فخذه وتموله إن احتجت إليه، وإن لم تحتج إليه فاقبله وأعطه للفقراء، فيجري الله على يدك الخير، ولا تمتنع من هذا المال طالما أنك لم تسأله، ولكن إما أن تنتفع به إذا كنت محتاجاً أو تعطيه لغيرك.
وهذا أدب عظيم علمه النبي ﷺ لـ عمر ولغيره، المال الذي من بيت المال حق المسلمين، ما أتى من أجل أن يدخر في بيت المال، ويمكث عند النبي ﷺ أو عند الخلفاء من بعده، بل يوزع هذا المال بحسب ما يريه الله ﵎.
ولو أنه أعطى هذا المال لـ عمر وقال عمر: لا أريد، فغيره من الناس أيضاً سيقولون: لا نريد، وعمر ما هو مستشرف ولا متطلع ولا سائل، ولكن غيره قد يكون مستشرفاً لهذا المال.
وعمر أخلص في رفضه لله سبحانه، ولعل غيره لا يخلص في رفضه لهذا الشيء، وسيفتح على الناس باب شر، فيقول أحدهم: لا أريد؛ حياءً من الناس، وهو يريده ومحتاج إليه، فيأتي من الباب الخلفي، وإذا لم يكن عنده دين يسرق من أموال الناس، فأغلق النبي ﷺ هذا الباب، فإذا رأيت أنك محتاج فأعطيتك فخذ، فإن كنت غير محتاج فأعطه لمن ترى أنت، ولكن اقبل المال بحيث أن غيرك لا يستحي أن يأخذ حقه من بيت المال.
فتعلم عمر ﵁ هذا، فأخذ هذا المال، وكان يعطي من هذا المال بعد ذلك لأصحاب النبي ﷺ لما تولى الخلافة، وقسم الناس حسب مراتبهم في الإسلام ومراتبهم في الهجرة ومراتبهم من النبي ﷺ .
وكان حكيم بن حزام يرفض أن يأخذ المال منه، فكان يشهد عليه الناس ويذكر ما حدث بينه وبين النبي ﷺ في هذا الأثر، ويقول: اشهدوا أن حكيماً لا يريد أن يأخذ المال الذي هو حقه من بيت مال المسلمين.
وفي رواية لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (فإن شئت كله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تتبعه نفسك)، أي: إذا لم تأخذ لحاجة فلا تطمع في شيء، فإذا آتاك الله المال فخذ ما آتاك الله سبحانه.
قال سالم بن عبد الله: فكان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً.
انتفع عبد الله بن عمر بما سمع من أبيه رضي الله عن الجميع، قال: (فكان لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يرد شيئاً أعطيه) يعني: ما كان يطلب من الخلفاء شيئاً ولو طلب لأعطوه، فقد كان عبد الله بن عمر محبوباً رضي الله ﵎ عنه.
ولكنه ما كان يطلب من أحد شيئاً، فإذا أعطاه الخلفاء أو أعطاه أحد على وجه الهدية قبل ذلك، لكن هو لا يطلب، والسبب ما سمعه من حديث النبي ﷺ ذلك، فهو يأخذ المال فينتفع به إما لنفسه وإما أن يتصدق به أو يعطي الناس على وجه الهدية ونحوها.
стр. 423
الحث على الأكل من عمل اليد
стр. 424
الأمر بالانتشار للعمل بعد الصلاة
ذكر المؤلف باب الحث على الأكل من عمل يده، والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء.
والمسلم يعمل ويتكسب ويعلم أن أشرف المكاسب ما تعب فيه وكد وكدح، وجاءه المكسب ولو كان قليلاً، ولكنه يفرح بهذا الشيء، فله أجره عند الله؛ لأنه يتعفف ولا يسأل أحداً من الناس، ولأنه يقوت أهله وعياله، ولو ترك ذلك لأثم، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، فإذا كان الإنسان يكتسب حتى لا يقع في هذا الإثم فهو مأجور عند الله .
جاء في القرآن في سورة الجمعة قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠].
يوم الجمعة يوم عيد، فإذا صليت الجمعة وأديت ما عليك، فاذهب وابتغ من فضل الله بالعمل، أو بالصناعة أو بالتجارة، ما طلب منك ربنا أنك تقعد يوم الجمعة في البيت، وأن تستريح في الجمعة أو في غيرها، ولكن الله أمرك أن تكتسب، فابتغ من فضل الله سبحانه، وإذا أديت الفرض فأنت حر في أن تستريح أو تعمل، ولكن لا تمد يدك للناس وأنت قادر على أن تعمل وتتكسب.
стр. 425
شرح حديث: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيحتطب)
قال النبي ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها؛ فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه).
الصحابة ما كانوا حطابين، ومهنة جمع الحطب من أقل المهن، ولكن مهما كانت فهي أفضل من أن يسأل الإنسان غيره، فالصحابة منهم التجار ومنهم الزراع، وأهل المدينة كانوا متعودين على الزراعة، والمهاجرون كانوا متعودين على التجارة، ولكن لا يقعد الإنسان من غير عمل.
النبي ﷺ يعلم المسلم ألا يسأل أحداً شيئاً، فيقول: خذ حبلاً على كتفك واذهب إلى الجبل فاحتطب من هناك، ثم بع هذا الحطب للناس، فتنتفع بهذا الشيء فتتكسب وتؤجر على ذلك.
قال ﷺ : (فيبيعها فيكف بها وجهه)، سيبيع ويكسب ويكف الله وجهه بذلك ويكتفي ولا يسأل أحداً شيئاً، فهذا خير له وأفضل له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه.
سؤال الناس فيه ذل، حتى لو أعطوك فتوجد منة من الذي أعطاك، فالأفضل أن لا يسأل أحداً.
قال هنا: (خير له)، السؤال لا خير فيه إلا للمحتاج أو المضطر، أما غير ذلك فسؤال الناس لا خير فيه.
فالخير للإنسان أن يكتسب بنفسه ويتعب نفسه، فعلينا أن نكسب المال الحلال من وجهه، ما ننتظر المال الحرام، وما ننتظر أن ينزل الله علينا رزقاً من السماء، ولكن نبحث عن ذلك ونمشي في الأرض وننتشر فيها ونأكل من رزق الله ونبحث عن فضل الله سبحانه.
والإنسان لا يستكبر عن عمل مهما كان هذا العمل، وكثير من الشباب يبحثون عن أعمال وإذا وجد عملاً قال: هذا العمل لا يناسبني! جلوسك في البيت أذل لك من عمل لا يناسبك، ابحث عن العمل الحلال ولو كان من أقل الأعمال، طالما أنك تكف به نفسك عن سؤال الناس، فهذا خير لك وأفضل لك، حتى ولو كانت الأجرة فيه قليلة، ولو علم الله في قلبك الخير لأعطاك الكثير بعد ذلك لصبرك وتعففك عن سؤال الناس، فيجب على الإنسان المسلم أن يبحث عن الرزق الحلال من وجهه، ولا يقعد في البيت ينتظر من يصرف عليه، ولا يقعد في البيت وينتظر إنساناً يعطيه مالاً يقرضه، وليس عنده ما يسدد به هذا القرض! جاء شابان إلى النبي ﷺ يسألانه فنظر إليهما، فوجدهما شابين جلدين، فقال: (إن شئتما أعطيتكما، واعلما أنه لا حظ في هذا المال لغني ولا لذي مرة سوي).
يعني: سأعطيكما من هذا المال إذا كنتما محتاجين أو مضطرين، لكن: (لا حظ في هذا المال لغني).
وقد يقولان: نحن فقراء ما عندنا فقال: (ولا لذي مرة سوي)، فالشاب القوي الذي فيه جلد وفيه قوة لا حظ له في مال الصدقة ولا حظ له في مال الزكاة.
فلا تأخذ مالاً لا تستحقه، واسع في طلب الرزق واعمل، وبفضل الله يرزقك سبحانه: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ﴾ [الأنفال:٧٠].
وعن أبي هريرة ﵁ هنا قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره)، لن يأخذ معه حماراً ولا حصاناً يحمله عليه، بل سيحمله على ظهره (خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه).
فالأفضل للإنسان أن يتعب في طلب الرزق، وهذا أفضل من أن تمد يدك لإنسان فيقول لك: ما عندي، فاذهب واعمل فأنت قوي تقدر على أن تعمل، ولا تمد يدك إلى أحد من الخلق، ومد يدك إلى الله الذي يرزق سبحانه.
стр. 426
شرح حديث: (كان داود لا يأكل إلا من عمل يده)
في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ : (كان داود ﵇ لا يأكل إلا من عمل يده)، داود كان ملكاً، ومع هذا كان يأكل من عمل يده! وغيره من الأنبياء كانوا يعملون، ولكن ذكر النبي ﷺ لنا هنا داود لأن العادة أن الملوك لا يشتغلون بالكسب، وعندما يذكرون عنه أنه يصنع الدروع قد يظن أن المقصود أن الأتباع هم الذين كانوا يصنعون السوابغ، يعني الزرود والدروع؛ فلأنه ملك فقد كان الذين حوله هم الذين يصنعون، لكن النبي ﷺ يذكر الشيء على حقيقته، فأخبر أن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده، فيعمل ﵊ وهو ملك من الملوك، ملكه الله على بني إسرائيل ومع ذلك كان يصنع الزرود، أي: يصنع القمصان من الحديد ليلبسها المجاهدون ويبيعها ويأكل من هذه الصنعة.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قال: (كان زكريا ﵇ نجاراً).
وجاء في المستدرك بإسناد واه كما ذكر الحافظ ابن حجر قال: (كان داود زراداً) يعني يصنع الزرود، وربنا قال له: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ:١١]، علمه الله صنع القميص الذي من حلق حديدية، حلقة وحلقة وبينهما مسمار يربط الحلقيتن، فيقدر المسمار على قدر الحلقة، ويصنع حلقة يضمها إلى الأخرى حتى يكون قميصاً يقدر الإنسان أن يتحرك فيه ويحميه من السهام.
قال: (وكان آدم حراثاً) كان آدم يزرع ويأكل مما زرعه ﵊.
قال: (وكان نوح نجاراً) فعلم النجارة وكان لا يعلم شيئاً عن صناعة السفن، فأوحى إليه ربه سبحانه أن يصنع السفينة.
قال: (وكان إدريس ﵊ خياطاً، وكان موسى راعياً) وكون موسى راعياً هذا مذكور في القرآن، حيث استؤجر ثمان سنوات أو عشر سنوات ليعمل بالرعي مقابل أن يتزوج ﵊.
والغرض أن الأنبياء كانوا يعملون، ونبينا عليه ﷺ عمل قبل ما يوحى إليه، فقد رعى الغنم ﷺ ، وما من نبي إلا ورعى الغنم، وكذلك تاجر مع السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، فتاجر وكسب وربح مالاً كثيراً صلوات الله وسلامه عليه.
وبعدما أوحي إليه صلوات الله وسلامه عليه وهاجر وفرض الجهاد جعل الله للنبي ﷺ أعظم المكسب، فقال: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، يعني الجهاد في سبيل الله ، فرزقه كان من المغانم، وما كان يأخذها ويستأثر بها على المسلمين وإنما كان له الخمس من المغانم، فالمغنم يقسم أخماساً كما في الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١]، لله وللرسول قسم واحد من خمسة أقسام: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] فعددهم ستة لكن الحقيقة أنهم يقسمون خمسة أقسام، فقسم للنبي ﷺ وهو خمس الخمس، وكان هذا رزقه ﵊، وكان له خمس الفيء كاملاً، فجعل الله رزقه تحت ظل رمحه كما قال ﷺ .
стр. 427
شرح حديث: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده)
عن المقدام بن معد يكرب رضي الله ﵎ عنه عن النبي ﷺ قال: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده).
خير الطعام وأفضل الطعام الذي تأكله مما كسبته بعرق جبينك، أحل المال الذي تأكله وأشهى الطعام وأفضل وأطهر الطعام وأطيب الطعام الذي تعبت أنت فاكتسبته بتعبك وعرق جبينك.
قد يأكل الإنسان من هدية، قد يأكل الإنسان من صدقة، قد يأكل الإنسان من طعام فلان، ولكن طعامك الذي اكتسبته بمالك وتعبت فيه واجتهدت فيه هذا أحل الطعام لك وأفضل الطعام لك.
قال: (وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).
стр. 428
الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير
стр. 429
إخلاف الله تعالى على المنفقين
ذكر المصنف باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى.
الثقة بالله عظيمة، المؤمن واثق في الله، ووعد الله حق، لا يخلف الله الميعاد، فإذا قال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] فيقيناً أنه يخلفه ، والمسلم يعتقد ذلك يقيناً ويقسم على ذلك، فإن الله هو الذي وعد بذلك، والله لا يخلف الموعد أبداً.
فهنا في هذه الآية قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] فأنفق ولا تخف فربنا سيخلف غيره، على شرط ألا يكون في الإنفاق سرف أو يكون الإنفاق في غير محله، فما كان واجباً عليك فأخرجه، ولا تنظر للنافلة وتترك الفرض الذي عليك! لا يجوز للإنسان الذي عليه زكاة مال أن يقول: أخرج صدقة بدل زكاة المال، فزكاة المال فرض عليك، فأخرج أولاً زكاة المال، ثم بعد ذلك أنت حر فتصدق أو لا تتصدق، ولكن الزكاة فرض عليك، والإنسان يجب عليه أن ينفق على عياله ولا يترك عياله جائعين وليس عندهم كسوة، ويصرف على إنسان غريب وعياله يحتاجون إلى ذلك، فأهل البيت أولى.
النبي ﷺ قال: (ابدأ بنفسك، وابدأ بمن تعول)، فتبدأ بنفسك وتبدأ بأقاربك الذين تعولهم ثم بعد ذلك أعط الغريب، ولذلك النفقة على القريب فيها أجران، صلة وصدقة، والنفقة على الغريب صدقة فقط، فالنفقة على القريب أعظم أجراً منها على الغريب.
قال سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].
(وما تنفقوا) يعني: مهما أنفقتم من النفقات في خير: (فلأنفسكم) يعني: نفعها لأنفسكم.
وقال الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
الإنسان الذي ينحر الذبائح في الهدي وفي الضحية وغيرها هل ربنا سيستفيد منها شيئاً؟ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج:٣٧] لن ينال الله هذه اللحوم، ولن يأكلها، ولن ينتفع بذلك حاشا لله سبحانه، ولكن ما هو الذي يصل إلى الله؟ الذي يصل إلى الله التقوى، يرفع إليه العمل الصالح، التقوى ترفع إليه لتؤجروا أنتم على هذه التقوى من فضل الله سبحانه.
وهنا قال: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢].
يعني الأصل أنك لا تنفق نفقة إلا وأنت مستحضر أن هذه لله ليست رياءً ولا سمعة، ليس لأن يقول الناس فلان أنفق أو يلقبوه بالجواد والمنفق، ولكن ينفق ليبتغي وجه الله سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢].
سيعطيك الله على الشيء الذي أنفقته عشرة أضعافه، بل لو لم تنفق أخذت مثله، أنت نويت النفقة ثم بدا لك أنك محتاج لهذا المال، أو بعدما جئت لتتصدق تذكرت أن عليك ديناً وقضاء الدين أفضل، فلم تنفقه وأرجعت المال إلى جيبك، فالله يؤجرك وكأنك أنفقت هذا المال! انظر إلى كرم ربك ، أنت لم تفعل وأعطاك الأجر كأنك فعلت، فالله يوفي لك المكيال، يعطيك ليس مثل الذي أنت عملته فقط، بل أوفى وأوفى وأفضل.
(وأنتم لا تظلمون) يعني: والحال أنكم لا تظلمون من الله .
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٧٣] فإذا علم ذلك فهو يخلف عليك ويؤجرك عليه.
стр. 430
فضل التنافس في الإنفاق
في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
الحسد هنا الغبطة، والمعنى: أنك تراه ينفق فتتمنى في نفسك وتقول: يا ليتني مثله، فما الفرق بين الغبطة والحسد؟ الحسد الذي ذكره النبي ﷺ هنا المقصود به الغبطة، أن تغبطه وتود أن لك مثله، لكن الحسد الحقيقي هو تمني زوال النعمة، مثل إنسان يرى في يد الإنسان مالاً فيتمنى أن يسرق هذا المال منه، ويتمنى أن هذا المال يضيع منه من أجل أن يبقى مثله.
وشر الحاسد على نفسه وعلى غيره أيضاً، ولعله يكون سبباً في زوال نعمة الغير بسبب عينه، فالإنسان الحاسد يستشعر أنه مظلوم، ولذلك يقولون: ما رأينا ظالماً أشبه بالمظلوم من الحاسد، هو ظالم ويتشبه بالمظلوم؛ لأنه لا يعجبه أن الله أعطى فلاناً وما أعطاه، فالحاسد متسخط على ربه سبحانه، متسخط على أقدار الله سبحانه، يقول: لماذا أعطى فلاناً وما أعطاني أنا؟ فيتمنى زوال نعمة الغير.
وهنا يقصد النبي ﷺ بالحسد الغبطة، فلا مانع من أن المسلم يجد من هو أفضل منه ويقول: يا ليتني أكون مثل هذا الإنسان.
فالحسد بمعنى الغبطة يكون في أمرين، قال: (لا حسد إلا في اثنتين)، فإذا كنت فعلاً تحسد أحد بمعنى تغتبط فيه وتتمنى مثله فليكن في هذين الأمرين وهما: (رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)، كان غنياً فسلط ماله بالتصرف في الحق، يخرجه للفقراء وللمساكين، ولا يضيع حق نفسه وحق بيته، فينفق بالقدر الذي يرضي به ربه ، فالله آتاك المال لتخرجه وليس من أجل أن تكنزه حتى تموت وتتركه لغيرك! جعل الله المال لتنفق منه في سبيل الله وفي وجوه الخير، فهذا الإنسان ينفق بالعدل، ينفق بالإحسان، يعطي ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والفقراء وغيرهم، فهذا لك أن تقول: يا ليتني مثل فلان، يا ليت ربنا أعطاني حتى أكون مثله، وهذا الإنسان لا يحرمه ربه أبداً من فضله ومن كرمه، هذا الغني الذي يعرف حق الله ويعطي من غير رياء ولا سمعة، فهذا لا يضيعه الله ، بل يزيد له من فضله ومن كرمه سبحانه.
والآخر: (رجل آتاه الله حكمة)، تعلم العلم الشرعي، فالحكمة تطلق على معان منها أن يضع الشيء في موضعه، فالحكيم يفكر بالعقل وعنده قلب وفيه لب.
وتطلق الحكمة بمعنى سنة النبي ﷺ ، والحكمة بمعنى الإصابة في الدين.
فهذا رجل أعطاه الله علماً في الكتاب وعلماً في سنة النبي ﷺ ، وأعطاه الحكم الصواب في الأشياء فهذا حكيم، فهو يقضي بها ويعلمها.
قال: (رجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها) يعني أفعاله مبنية على الحكمة، لا يخالف قوله عمله، ولا يخالف عمله علمه، ولكن يعمل بما علم، آتاه الله حكمة فهو يقضي بها في أفعاله وفي قضائه ويعلمها للناس، هذا الذي يستحق أن يقول الإنسان: يا ليتني مثله.
стр. 431
ليس مال للمرء إلا ما أنفقه لله تعالى
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) رواه البخاري.
الصحابة أهل صدق وأهل عدل، وجوابهم جواب صدق، وربما لو سئل غيرهم: هل مالك أحب إليك أو مال الورثة؟ سيقول: مال الورثة، أترك لهم فلوساً حتى لا يضيعوا، لكن الصحابة عرفوا أن المال اختبار وامتحان من الله .
المال في يدك وأنت تتصرف في هذا المال: فالإنسان إما أن ينفقه في الحق ويبقى له الأجر والثواب عند الله ، وإما أن ينفقه في الباطل فعليه الإثم، وإما أن يدخره وهذا المدخر إما أن يؤدي زكاة ماله أو لا يؤديها، فإذا أدى زكاة ماله انتفع بقدر هذه الزكاة الواجبة عليه، والباقي لم ينتفع به شيئاً، وإذا أخرج من هذا الباقي فأعطى في الحقوق فالله ينمي هذا بإعطائه.
فالإنفاق خير للإنسان من أن يترك المال للوارث، فلما سألهم النبي ﷺ من مال الوارث أحب إليه من ماله؟ يعني: أن ربنا يرزقه مالاً فيجمعه لورثته ويحرم نفسه منه حتى يموت ولم ينتفع بهذا المال ويتركه للوارث! فقالوا: مالنا أحب إلينا من مال الوارث، فنحن نتحكم به ونحكم به ونعطي ونمنع؛ فقالوا هذا لأنهم أهل صدق وأهل إنفاق رضوان الله ﵎ عليهم، والمآثر التي تكون عند الله لن تكون إلا بالبذل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
فقال ﷺ : (فإن ماله ما قدم)، حقيقة مالك ما قدمته لله سبحانه فادخرته عنده بالإنفاق في وجوه الخير.
قال: (ومال الوارث ما أخرت)، الذي ادخره في الدنيا لن ينتفع به يوم القيامة، وهذا يكون للوارث وليس لك أنت.
стр. 432
فضل التصدق ولو بشق تمرة
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
يعني لا تستقل الصدقة، وإذا عودت نفسك على الإنفاق ولو بأقل الأشياء يكون لك عند الله أجر عظيم يوم القيامة، فإذا أعطيت هذا الإنسان تمرة، وأعطيت الآخر شق تمرة، وأعطيت للثالث مثلها، وأنت لم تحتقر هذا الشيء ولكن جدت بالموجود، فهذا خير من المنع.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم منهم من ينفق الكثير جداً، ومنهم من ينفق القليل بحسب ما أعطاه الله سبحانه ﵎، فهنا قال النبي ﷺ : (اتقوا النار) يعني تتقيها بالقليل وبالكثير، ولو بأقل القليل، ولو بشق تمرة!
стр. 433
جود النبي ﷺ
وفي الصحيحين عن جابر ﵁ قال: (ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا).
انظروا إلى كرم النبي ﷺ : فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح قال الله عن النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لا يمكن أن تكون مثله ﷺ ، فالنبي ﷺ معصوم قد كمله الله فكان أكمل خلق الله، خلقاً وخلقاً، ولكن يتشبه الإنسان به.
(فما سئل شيئاً قط فقال: لا)، عادته الكرم ﷺ ، فالذي يطلب منه شيئاً يعطيه ﷺ ، حتى ولو كان الشيء الذي يرتديه، كما في قصة المرأة التي نسجت للنبي ﷺ إزاراً وكان محتاجاً إليه، فإزاره كان قد تمزق، ومع ذلك يقول له رجل: (اكسنيه يا رسول الله! فقال: نعم، ورجع إلى بيته وخلعه ولبس القديم وأعطى الرجل هذا الجديد).
ما كان يمنع أحداً شيئاً صلوات الله وسلامه عليه، فعلينا ألا نبخل، كثير منا يقول: أهلي أولى بمالي، وأنا محتاج لهذا الشيء، وليس مطلوباً منك مالك كله، ولكن تشبه بالنبي ﷺ بأن تعطي لله سبحانه ﵎ الواجب، وتعطي أيضاً من المستحب حتى يكون لك عند الله الأجر، ولا تكن صعباً فالإنسان إذا أعطى فهذا خير.
وإذا لم يعط فقال الله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨]، فترد السائل بالكلمة الطيبة، تقول مثلاً: إن شاء الله ربنا يعطيك، وإذا ربنا أعطاني أعطيك، ربنا يرزقنا ويرزقك، كلمة طيبة أفضل من أن تطرده منتهراً له، أو تقول: ما معي، ففرق بين إنسان يقول قولاً كريماً ميسوراً وبين من لا يعطي وينهر السائل.
стр. 434
دعاء الملائكة للمنفقين
في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
كل يوم في الصبح ينزل ملكان من عند الله ، عملهم هذا الدعاء، ودعاء الملائكة مستجاب عند رب العالمين سبحانه.
يقول أحدهما: (اللهم أعط منفقاً خلفاً) يعني: الذين ينفق أعطه، خلفاً مكان الذي أنفقه، والله يعطي ويزيد سبحانه بكرمه وبفضله.
والآخر يدعو على البخيل الشحيح: (اللهم أعط ممسكاً تلفاً) إذا استحضر المؤمن ذلك ووجد عنده فضل، فمن كان ذا فضل فليعد بفضل زاده على من لا زاد له، فالذي عنده من فضل الله سبحانه فليعط ولو الشيء اليسير.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 435
شرح رياض الصالحين - الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله ثقة في الله
حث الإسلام على الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله، والعبد حين ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله يثق أن الله لن يضيع ما أنفقه بل يضاعفه له أضعافاً كثيرة، والإنفاق من مال الله سبب في نجاة صاحبه من النار
стр. 436
ثقة المسلم بما عند الله
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة بالله تعالى].
قال الله تعالى: ((وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)) [سبأ:٣٩].
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].
وروى مسلم عن أبي إمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يا ابن آدم! إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى).
رواه مسلم.
وعن أنس ﵁ قال: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها) رواه مسلم].
المؤمن واثق في أن الرزق بيد الله سبحانه، ولا يزيد الرزق حرص حريص عليه، ولا يقلل من الرزق أن الإنسان يتركه ويتهاون في شيء، فكله مكتوب عند الله، يأتي الإنسان رزقه المقسوم من حيث سعى إليه، أو من حيث لم يسع إليه، والله يقتر على الإنسان كسبه بصورة معينة فيضيق عليه، ويفتح ويبسط لإنسان آخر، والله يفعل ما يشاء.
فالمسلم يثق في الله سبحانه، وأنه بيده الخير سبحانه ﵎، وأنه يعطي بقوله: كن فيكون، قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
وإذا أنفق المؤمن فإنه واثق في أن الله يخلفه خيراً مما أنفقه، قال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢].
وقال: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٧٣].
وقال: ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢] والإنسان المسلم إذا أنفق ابتغاء وجه الله سبحانه، فإن الله يعطيه أفضل مما أعطى لله ﵎.
ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى قول النبي ﷺ : (يا ابن آدم! إنك إن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك) فـ (أن والفعل بعدها) مصدر، ومعناه: بذلك الخير خير لك، وإمساكك الفضل والخير شر لك.
فإذا كان عندك فضل من طعام فعد به على من لا طعام عنده، ولا ترم به إلى القمامة، ولم يأمرك النبي ﷺ أن تنفق قوتك وقوت عيالك، وإنما تبذل الفضل.
وجاء في القرآن قول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] أي: الزائد عن حاجتك، فإذا أنفقت من هذا الزائد، فلك الأجر عند الله، ولك الوعد من الله أنه يزيد هذا المال، ويعطيك خيراً من هذا المال في الدنيا والآخرة، فينمي لك المال ببركة إنفاقك، ويثيبك الجنة في الآخرة.
وقوله ﷺ : (ولا تلام على كفاف) أي: إذا كان دخلك على قدر الواجبات من نفقتك، فلن يلومك الله على أنك لم تتصدق، فهو لم يعطك ما تتصدق به.
وقوله ﷺ : (وابدأ بمن تعول) هنا يعلمنا أدب الإنفاق وهو أن المسلم لا يترك الواجب عليه وينتقل إلى النافلة، ولكن يبدأ بالفرض الذي عليه، وهو أن يطعم نفسه ثم أولاده ثم زوجته ثم أباه ثم أمه، ثم يخرج الفضل بعد ذلك لمن أمره الله أن يخرج إليهم.
وقوله ﷺ : (واليد العليا) وهي يد المعطي كما جاء في الحديث الآخر، فهي خير من اليد السفلى، وهنا تشجيع للمسلمين على الإنفاق، سواء كان عندهم مال كثير أو قليل، فالجميع ينفقون؛ فهنا الإشارة جميلة في آخر الحديث: (اليد العليا خير من اليد السفلى) فمن من الناس يقول: لا، أنا يدي تصبح شراً، يدي تكون أقل من غيري، وغيري أحسن مني عند الله ، فأنا أنفق.
فتنفق، فتكون يدك اليد العليا خيراً من يد الإنسان الذي يتكفف ويسأل الناس.
стр. 437
إنفاق رسول الله وجوده ثقة بالله
стр. 438
شرح حديث أنس: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه)
من الأحاديث ما رواه مسلم عن أنس رضي الله ﵎ عنه، قال: (ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه).
وهذا من أجل أن يتألف الناس على الإسلام، فيأتي الإنسان يقول: إما أن تعطيني وأسلم، وإذا لم تعطني لن أسلم، فالنبي ﷺ كان يعطيه.
وقد علم الناس أن الإنسان الذي يهديه الله على يده خير له عند الله من الدنيا وما فيها، قال النبي ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك مما طلعت عليه الشمس) فهذا الإنسان لولم يعطه شيئاً وطلب منه أن يسلم إخلاصاً لله فإنه قد لا يسلم، ولعله يسلم في يوم من الأيام، ولكن يكون قد خسر أياماً كثيرة كان فيها على الكفر، ولا ندري ما الذي يصنعه في هذه الأيام.
وهذا الإنسان لو تؤلف على الإسلام، ودخل في دين الله وصلى رياءً؛ لأنه أخذ مالاً على ذلك، ولكن كلما دخل الإنسان في الدين فإن الإيمان إذا دخل القلب انفسح وانشرح، فينشرح قلبه لهذا الدين، ويصبح إسلامه حباً في الله وفي رسول الله ﷺ وفي دين الله.
وهذا الذي حصل مع كل الذين أسلموا، وتألفهم النبي ﷺ في البداية.
فالرجل الذي أعطاه النبي ﷺ غنماً بين جبلين من أجل أن يسلم، وفرح الرجل ودخل في الإسلام، وأخذ الأغنام، وذهب إلى قومه، وأخبرهم بأن يدخلوا في الإسلام، فإن محمداً ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أي: لا يخاف الفقر.
فالرجل الذي لا يريد من إسلامه إلا الدنيا، فيعطيه النبي ﷺ ، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
فينتظم مع النبي ﷺ في صلاته، ويسمع منه المواعظ، ويحتك بالمسلمين، فيعرف المحبة في الله سبحانه، وينسى أنه دخل من أجل أن يأخذ المال، ويكون الإسلام بعد ذلك أحب إليه من أي شيء.
стр. 439
شرح حديث: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل)
وروى مسلم عن عمر ﵁، قال: (قسم رسول الله ﷺ قسماً -أي: وزع غنيمة أو نحوها- فقلت: يا رسول الله! لغير هؤلاء كانوا أحق به منهم).
أي: أن عمر ﵁ كانت له نظرة أخرى، فقد رأى أن الذين أعطاهم النبي ﷺ لا يستحقون وغيرهم أولى منهم، فإنهم فقراء ومؤمنون، والذين أعطاهم إيمانهم ضعيف.
قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، ولست بباخل).
أي: أن إيمان هؤلاء ضعيف، والله أبى للنبي ﷺ البخل، وأوحى إليه أن ينفق، فإما أن يعطيهم، وإما أن يقولوا له بأنه بخيل، ولو قالوا له إنه بخيل، فقد فسقوا بذلك، وقد يكفرون لأنهم يشنعون على النبي ﷺ .
فلو أن مسلماً سب النبي ﷺ كفر، فهو أرحم بهم من أنفسهم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 440
شرح حديث: (لو كان لي عدد هذه العضاة نعماً لقسمته بينكم)
وأيضاً ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: بينما هو يسير مع النبي ﷺ مقفله من حنين، أي: مرجعه من غزوة حنين سنة ثمان من هجرة النبي ﷺ بعد فتح مكة، وقد غنم جيش المسلمين مغانم كثيرة، ولكن مع ذلك كان يود النبي ﷺ إسلام القوم فيرد عليهم المغانم، لكنهم لم يسلموا إلا بعد تقسيم الغنائم، ومع ذلك رد نصيبه من القسمة.
قال: فعلقه الأعراب يسألونه، أي: أن الصحابة كانوا يستحيون منه، وإن كانوا يريدون من هذه الغنائم، أما الأعراب فإن فيهم بجاحة، فتعلقوا بالنبي ﷺ يريدون منه عطاءً؛ (حتى اضطروه إلى سمرة) والسمر: شجر له شوك ويكون في الصحراء، (فخطفت رداءه) فتعلق بأشواك هذه الشجرة، فوقف النبي ﷺ فقال: (أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم).
أي: لو كنت أملك مثل أشواك هذه الشجرة من بهيمة الأنعام كنت قسمته بينكم.
قال: (ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً) وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه وهو أكرم الخلق وأصدقهم وأشجعهم أن يكون بخيلاً أو كذاباً أو جباناً.
فالنبي ﷺ كان يعطي، ولا يمسك لنفسه شيئاً، فإذا أخذ المغانم التي تخصه أنفق منها على أهل بيته، وعلى أضيافه، وعلى المسلمين أيضاً، وهو القائل ﵊: (ليس لي فيها إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)، يعني: لن آخذه وأدخره، بل سأرده عليكم، وهذا كرم منه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 441
بيان أن الصدقة لا تنقص المال
стр. 442
شرح حديث: (ما نقصت صدقة من مال)
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله .
فهذا وعد من الله سبحانه على لسان النبي ﷺ ، أن المال ينمو بالإنفاق، مع أن الأصل أنه ينقص بالإنفاق، فإن الله لا يخلف الميعاد أبدا، وإنما العيب منك فقط، فالإنفاق من المال بالزكاة وغيره يزيد المال وينميه.
بل ذكر في حديث آخر أنه قال: (ثلاث أحلف عليهن) وذكر منها أنه لا ينقص المال من النفقة.
وقوله ﷺ : (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا) فالجزاء من جنس عمل الإنسان، فمن عفا وكان عزيزاً، فالله زاده عزاً بهذا الشيء، وقد يعفو الإنسان في أمر ما، فينظر إليه الناس أنه وضع نفسه، لكن الله يزيده عزاً بهذا الأمر.
وقوله ﷺ : (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله التواضع يكون لله سبحانه لا للناس، فلا يظهر لهم أنه مستكين ومتواضع، وأنه فيه محبة للمسلمين، وأنه يذل نفسه من أجلهم، لكي يقال عنه إنه متواضع، فلا يكون التواضع إلا في ابتغاء مرضاة الله ، فمن فعل ذلك رفعه الله.
والنبي ﷺ علمنا أن نكون من المتواضعين، والتواضع يكون في عدة أمور منها: التواضع في السلام.
والتواضع في المناقشة.
والتواضع في الأخذ والعطاء.
والتواضع في العفو عن الناس.
والتواضع في النظر إلى النفس وإلى الغير.
والإنسان يكون متواضعاً إذا تكلم مع الغير، فإذا كان من حقه أن يتكلم فإن من حق المستمع إليه أن يستمع لكلامه، وينظر إلى رأي نفسه ورأي غيره، فإن رأيه يحتمل أن يكون صواباً ويحتمل أن يكون خطأً، وإذا كان اجتهاداً، فإن كان راجعاً إلى نصوص الكتاب والسنة فلا وجه لأن يقال ذلك، لكن إذا كان في ظن من الظنون، فإن عليه أن يتواضع مع غيره، والله يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] أي: بين المؤمنين، والتشاور لن يكون بين مجموعة متنافرين، ولن يكون بين أشخاص وكل منهم معتز برأيه، ومعتد به، إنما تكون الشورى بين أناس وكل شخص منهم يريد أن يسمع إلى رأي الثاني ويضيفه إلى رأيه، فيزداد تنقيحاً لرأيه.
فالإنسان الذي يتواضع وينظر إلى نفسه أنها مخطئة، وأنه من أصحاب المعاصي، يقوم يعذره في نفسه فيقول: أنا أيضاً أقع في المعاصي، لعل الله يتوب عليه ويصبح أحسن مني، فيذهب إليه لينصحه بمحبة، يحبه أنه مسلم، يكره منه هذه المعصية، يرجو من نصحه أنه يراجع نفسه، ويبتعد عن هذه المعصية، لكن لو نظر للإنسان على أنه عاص، وأنه يذهب إلى النار، وقال: فلان هذا هالك، فلان هذا كذا، قال النبي ﷺ : (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) المعنى: أن أهلكه غروره، مغرور، فالذي يرى أن الناس كلهم سيدخلون النار وهو فقط الذي سيدخل الجنة، إذاًَ هذا أهلكهم؛ لأنه إنسان مغرور! اعمل كما فعل النبي ﷺ قال: (إنكم تلجون النار وأنا آخذ بحجزكم) أي: أنا أمسككم من أجل ألا تدخلوا النار، إذاً كن كالنبي ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الخوف على أخيك المسلم أن يقع في النار، لا تغتر وتظن في نفسك أنك أهل للصواب، وأنك أهل للجنة، وغيرك أهل للعذاب.
الإنسان يتواضع لله سبحانه فيجد نفسه من أقل الناس، ومن أضعف الناس، وينظر إلى رأيه على أنه يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، ينظر إلى غيره على أنه لعل هذا الإنسان الضعيف يوفقه ربنا بدعوة هذا الإنسان لي، فلا تستقل أحداً من الناس.
стр. 443
شرح حديث: (ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه)
ومن الأحاديث التي في الباب: حديث عمر بن سعد الأنماري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) أو كلمة نحوها.
فالأمر الأول وهو قوله ﷺ : (ما نقص مال عبد من صدقة) يقسم النبي ﷺ على ذلك وهو الصادق المصدوق من غير أن يحلف، فنحن نصدق كلامه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه أقسم ليؤكد أن إنفاق المال لا يضيع ولا ينقص المال.
والأمر الثاني: وهو قوله ﷺ : (ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً) فهذا العبد يظلم ويصبر على هذا الظلم، وقد يكون قادراً على الدفع، فله عند الله الأجر، لكن الإنسان المؤمن لا يذل نفسه ولا يهينها، فلا يعرض نفسه للبلاء، فإذا جاءه البلاء من الله صبر عليه، بحيث لا يكون هناك تفريط في دين الله سبحانه.
فالله أمر المسلمين بالجهاد في سبيله لإعزاز دينه، فإذا كان الإنسان يتهاون في مصلحة نفسه، ولا يتهاون في أمر دين رب العالمين سبحانه، فهذا هو التواضع.
والأمر الثالث وهو قوله ﷺ : (ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) أي: أنه يمد يديه للناس فيسألهم ويطلب منهم أن يعطوه ويسلفوه ولا يرد لهم السلف، فهذا فتح على نفسه باب الفقر.
وأعظم الفقر الذي يبتلى به الإنسان وأشنعه فقر النفس، حيث يشعر أنه فقير وأنه لا يجد شيئاً، وقد يكون عنده نقود كثيرة جداً، ومع ذلك يستشعر أنه محتاج لكل الناس، وإن كان المال الذي عنده كمال قارون، فشعر أنه فقير وأن ماله سيضيع يوماً من الأيام، فيريد مالاً فوقه، وكلما حصل مالاً فتح الله عليه أبواب الفقر.
ثم قال ﷺ : (وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل) أي: من رزقه الله مالاً وعلماً فعمل بعلمه في ماله، فهو بأفضل منزلة في الدنيا وفي الآخرة.
ولذلك جاء في الحديث الآخر: (فسلطه على هلكته في الحق) يعني: أنفق هذا المال في صلة الرحم وفي إعطاء الفقراء والمساكين والمحتاجين، أي: أنفق المال في حقوقه.
ثم قال: (وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء) أي: هذا الرجل ليس فقيراً ولكنه عالم، ويتمنى لو أن الله أعطاه مالاً لعمل به كعمل الأول، فهما في الأجر سواء، ويدخلان الجنة وإن كان الفقير يدخل قبل الغني، فهو مثل الغني في أفضل المنازل بنيته الحسنة، وبفقره كان أسرع لدخول الجنة من الغني.
ثم قال: (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل) وهذا إنسان جاهل معه مال، وكلما تأتيه مناسبة من المناسبات فإنه ينفق ماله في وجوه الشر والحرام.
ثم قال النبي ﷺ : (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
أي: أن هذا رجل فقير ونوى لو أن معه مالاً لعمل به المعاصي والفواحش، فإن وزره يكون كوزر من ملك مالاً وعمل به المعاصي.
стр. 444
شرح حديث عائشة: (بقي كلها غير كتفها)
ومن الأحاديث أيضاً: ما رواه الترمذي عن عائشة ﵂ (أنهم ذبحوا شاةً، فقال النبي ﷺ : ما بقي منها؟ قالت عائشة ﵂: ما بقي منها إلا كتفها -أي: أنهم ذبحوا الشاة ووزعوها للمحتاجين ولم يبق منها إلا الكتف- قال: بقي كلها غير كتفها) أي: الذي تصدق به للفقراء مدخر عند الله ، فهذا الذي بقي عند الله تعالى.
стр. 445
ذم البخل والحث على الإنفاق
стр. 446
شرح حديث: (لا تحصي فيحصي الله عليك)
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: (قال لي رسول الله ﷺ : لا توكي فيوكى عليك).
وفي رواية: (أنفقي أو انفحي أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك) متفق عليه.
وأسماء زوجة الزبير رضي الله ﵎ عنهما، وقد كان يعطيها مالاً كثيراً، فهي تقول: ليس من مال إلا أعطاني إياه الزبير، وكانت تدخر بعضه من أجل البيت، فعلمها النبي ﷺ أن تنفق مما أعطاها الله .
وبين لها أن الذي ينفق فإن الله ينفق عليه، والذي لا ينفق فيدخر أو يكنز فإنه يعامل بمثل ما يصنع مع الفقراء، فجزاؤه من جنس عمله.
والإيكاء: هو ربط فم السقاء أو القربة، وهنا تشبيه للبخيل، فالله تعالى سوف يعامله بهذا الشيء، فلا يعطيه، أو مثلما هو يخرج الشيء القليل فالقليل، فالله يعامله بهذه الصورة أيضاً.
وقوله ﷺ : (أنفقي أو انفحي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك).
والإحصاء: هو التقصي في العد والحساب والإنسان الذي يخرج المال للمحتاجين ولا ينظر كم أعطى، فالمعاملة من الرب سبحانه ﵎ معه كذلك، فالله أحق بالجود، فمن كان كريماً مع الناس كان الله أحق بذلك منه.
لذلك رأينا الإنسان التاجر إذا ذكره النبي ﷺ وقد جاء يوم القيامة وحاسبه الله سبحانه، فلما سأله: هل عملت خيراً قط؟ اندهش وتحير فلم يعد يدري ما يقول! فهو لا يذكر شيئاً من الخير، قال: ما عملت خيراً قط! ثم ذكره الله بشيء يسير بسيط عمله، قال: بلى، أنا تذكرت شيئاً، ما هو هذا الشيء؟ قال: قلت: كنت أعامل الناس في التجارة، أي: في البيع والشراء، فكنت أنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر.
يعني: عندما يأتي شخص غني يشتري، وأخر الثمن يومين أو ثلاثة، كنت أصبر عليه.
وكنت أتجاوز عن المعسر، أي: الفقير الذي اشترى ولم يقدر أن يدفع، هنا الجزاء من جنس العمل.
فكان جواب رب العالمين أن قال: نحن أحق بهذا منك، أي: أنت تجاوزت، فالله أحق بالتجاوز منك، فتجاوز عنه وعفا عنه سبحانه ﵎، فهنا جزاؤك حين تنفق لله، أن ينفق الله عليك، تعطي أكثر، فالله يعطيك أكثر.
يقول هنا في الحديث: (ولا توعي فيوعي الله عليك) من الوعاء، أي: تأخذ الوعاء وتغطيه، حتى لا يأخذ أحد منه، فسيقفل عليك باب من أبواب الرزق، ولو أنك فتحت فتح لك هذا الباب من أبواب الرزق.
стр. 447
شرح حديث: (مثل البخيل والمنفق)
حديث آخر: وفيه مثال جميل يذكره النبي ﷺ ، وهو حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (مثل البخيل والمنفق) وبالمثل تتضح للإنسان الصورة ويستحضرها ويعرف حسنها أو قبحها.
فقال: (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه).
فهذا إنسان يريد أن يقاتل الأعداء، واشترى قميصاً حلقاته من حديد، من أجل أن يتقي به سيف الخصم، ثم وضع هذا القميص من رقبته إلى أصابع قدميه، فالإنسان المنفق يده مبسوطة، فهو ينفق في وجوه الخير ويده سهلة الحركة في الإنفاق.
والآخر خائف ضام يديه على صدره وعلى رقبته لا يريد أن يخرج شيئاً، كمثل القميص يحتبس في هذا المكان ولا ينزل.
فعندما يقاتل هذا عدوه وهذا عدوه، أيهما ينجو؟ قال ﷺ : (فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت) أي: يمد يده كالقميص ينزل ويغطي سائر جسده.
قال: (أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه) حتى يلقى ثواب الله ، ووقايته لهذا العبد من النار، تسبغ فوق هذا الإنسان فيقيه الله النار، معناه: أنه كلما أنفق استرخت المفاصل، ويسرت يده، وإذا بالقميص يوارى هذا الإنسان، فقال ﷺ : (حتى تخفي بنانه وتعفو أثره)، انظروا هنا القميص الذي لبسه، غطاه كله وغطى أصابعه وآثار مشيه.
وقوله: (تعفو أثره) المعنى: أنه يريد أن يتوارى من عدوه بلبسه هذا القميص، فحين يهرب من عدوه يطمس قميصه آثار الأقدام فيتواري عن عدوه، كذلك هذا الإنسان الذي أنفق كأنه ستر نفسه من النار، فلا تلفحه ولا تطوله هذه النار.
قال: (وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا، إلا لزقت كل حلقة مكانها) البخيل تحدثه نفسه هل ينفق أو لا؟ فيكون أكثر تثبتاً على المال، كمثل القميص الذي لبسه يقف في مكانه ولا ينزل، وكل حلقة لزقت مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع، ويريد أن ينجو من غضب الله ومن عذابه يوم القيامة وهو لا ينفق.
إذاً هنا الإنسان المؤمن ينفق لله فينفق الله عليه في الدنيا، ويعطيه الأجر العظيم في الآخرة، ويقيه النار، والعياذ بالله.
стр. 448
تربية الله لصدقة العبد حتى تكون كالجبل
وعن أبي هريرة أيضاً في الصحيحين: قال: قال رسول الله ﷺ : (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب).
هذا قيد، أن تنفق ولكن من مال طيب، وليس من مال خبيث (بعدل تمرة) أي: بقدر تمرة، من كسب طيب، (ولا يقبل الله إلا الطيب؛ لأن الله يقبلها بيمينه) أي كرم مثل هذا الكرم العظيم من رب العالمين؟ النفقة التي تعطيها للفقير تكون في يد الله قبل أن يأخذها هذا الفقير، ولذلك كان البعض من الصحابة يطيب المال؛ لأنه يعلم أنها تكون في يد الله قبل أن يأخذها هذا الفقير.
قال: (فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها) أي: قبلها رب العالمين ورباها، وزادها لصاحبها، إذاً: الأجر المضاعف عشر حسنات، ثم مائة حسنة، ثم ألف حسنة، ثم أضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله على شيء قليل فعلته.
قال: (ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه) أي: كالمهر الصغير تربيه وتطعمه حتى يكبر، وفجأة أصبح مثل الجبل شيئاً عظيماً، قال: (كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل).
стр. 449
شرح حديث: (اسق حديقة فلان)
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء).
هذا الحديث فيه فضل رب العالمين سبحانه حين يعامل عبده الجواد الكريم الذي ينفق لله ، أي: جعل حظاً في ماله لله لا بد أن يخرجه في كل وقت، فهذا شخص يمشي في صحراء، لقي سحابة، وسمع صوتاً من السحابة: اسق حديقة فلان، هنا أراد الله أن يسمعه ذلك، وأن يريه حتى يحدث غيره بذلك.
فأخذ يتتبع السحابة، ويمشي وراءها ينظر إلى أين ستصل؟ فأمطرت السحابة في مكان، وإذا بالماء يأخذ مسلكاً واحداً من المسالك، ويمشي في طريق هذا المسلك حتى يصل إلى حديقة، وهذا الشخص يتتبع ذلك، فرأى صاحب الحديقة فسأله: ما اسمك يا عبد الله؟ قال: فلان! بنفس الاسم الذي سمعه من السحابة.
فقال له: لماذا تسألني عن اسمي؟ فقال: (سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا)، والمعنى: أني لم أكن لأخبرك لولا أنك بشرتني بهذه البشارة.
قال: (أما إن قلت هذا فإني أنظر ما يخرج منها)، أي: من الحديقة (فأتصدق بثلثه)، لم يتصدق بالنصف، ولم يتصدق بثلاثة أرباع، ولكن بأقل، إذاً: هنا تصدق بالثلث والثلث كثير، كما قال النبي ﷺ : (الثلث، والثلث كثير).
فأنفق الرجل لله الثلث، قال: (فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه)، أي: الثلث الثالث أرده فيها وأزرعها مرة أخرى، فكان هذا الذي أنفق الثلث، أعطاه الله سحابة خاصة تسقي زرعه.
هذا كرم عظيم من رب العالمين سبحانه، نتعلم منه أن ننفق لله، وأن نخلص النية، وألا نستكثر شيئاً أخرجناه لله سبحانه، فإن الله يخلف خيراً، ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 450
شرح رياض الصالحين - النهي عن البخل والشح وما جاء في الإيثار والمواساة والتنافس في أمور الآخرة
أمر الله المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم، ونهاهم عن البخل، وقد جاءت نصوص كثيرة في الزجر عن البخل وبيان ضرره، وجاءت نصوص كثيرة في الحث على الصدقات والإيثار والمواساة، وبيان منافع ذلك وخيره على الفرد والمجتمع.
стр. 451
النهي عن البخل والشح
стр. 452
ذم الشح
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الإمام النووي ﵀: [باب النهي عن البخل والشح.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:٨ - ١١].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم.
باب الإيثار والمواساة.
قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك، لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال النبي ﷺ : من يضيف هذا الليلة؟)، وذكر القصة].
هذا باب من أبواب كتاب رياض الصالحين، يذكر النووي ﵀ باب النهي عن البخل والشح، فمن الناس من يكون بخيلاً لا ينفق الواجب عليه، ومنهم من يكون شحيحاً ممسكاً مقتراً يبخل على الغير بل يبخل على نفسه أيضاً.
كل إنسان في نفسه شح، قال الله سبحانه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] يعني: في نفس كل إنسان قدر من الشح، وكل إنسان مأمور أن يقاوم هذا الشح، ولو لم يوجد في قلب الإنسان الشح لم يؤمر بأن يقاومه، والله له الحكمة البالغة، وهو حكيم سبحانه، وإذا أمر العبد بشيء لم يأمره إلا بما فيه مصلحة للعبد ومنفعة له دنيوية وأخروية.
وإذا نهاه عن الشيء لم ينهه إلا عن شيء فيه مضرة عليه في الدنيا وفي الآخرة، ليأمر عباده وينهى عباده: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
فخلق الإنسان وهو أعلم بما في نفسه، خلقه فسواه فعدله ، وجعل في قلب الإنسان أشياء تدفع الإنسان إلى الضرر إلا أن يهذبها له ربه ﵎، فلم يخلقه ملكاً من الملائكة وإنما خلقه بشراً، والبشر يخطئ ويصيب، ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فالنفس خلقت وفيها قدر من الشح، لذلك أمر بمقاومة هذا الشح، ولو لم يكن موجوداً لما احتاج إلى أن يقاومه.
كذلك ركبت الشهوة في الإنسان، وأمر أن يقاوم الخطأ الذي فيها، ويهذب شهوته، فيأخذ الحلال ويمتنع عن الوقوع في الحرام، فلو أن الإنسان لم تخلق فيه الشهوة أصلاً لما أمر الإنسان أن يتزوج، ولما أمر أن يجتنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولم ينزل الله الحدود في الزنا؛ لأن طبيعة الإنسان تأنف ذلك وتبتعد عنه.
ولكن لما أوجد في الإنسان الشهوة لحكمة الله أمره أن يقاوم نفسه فيري الله ملائكته كيف أن هذا الإنسان الذي خلقه وفيه شهوة، ولكن حبه لله يجعله يهذب شهوته فيأتي ما أحل الله، ويمتنع عما حرم الله سبحانه ﵎.
الشح بخل مع حرص، فهو حريص على أن هذا المال لا يضيع منه، فإذا هو يبخل به عن الغير ويبخل به عن نفسه أيضاً لشدة حرصه.
ثم تأتي الشريعة تهذب هذا الشيء، فهذا المال انتفع به ولينتفع به غيرك، وأنت خليفة على ذلك ومسئول عنه يوم القيامة، فأنفق على نفسك، وابدأ بمن تعول، وأمره بالإنفاق في وجوه الخير، أمره بزكاة ماله، وأمره بالصدقة والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
стр. 453
تيسير البخيل للعسرى
ويؤدب الله سبحانه الإنسان ويهذبه بهذه الشريعة العظيمة الكاملة، ينهاه عن البخل وعن الشح في القرآن يقول سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠].
وقبلها: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧].
فالله ييسر العبد على حسب ما يفعله الإنسان، فالإنسان السخي ينفق ويعطيه الله ، يعامله بناءً على ذلك، فهو يستحق أن ينفق عليه، والله يعطيه، ولا ينقص مال أبداً من صدقة كما ذكر لنا النبي ﷺ ، لكن الإنسان البخيل الذي يمتنع من إعطاء الواجب يشح على نفسه وعلى غيره، فيعامل بذلك، فيستشعر في قلبه الفقر، فمهما آتاه الله مالاً يشعر أنه فقير وأنه محتاج.
وإذا أنفق ينفق القليل ولعله لا ينفق أصلاً إلا لنفسه فقط، فربنا ﵎ يذكر هذا الذي يبخل ويستغني، فيقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٨ - ٩]، فبخل بإنفاق المال واستغنى بالدنيا عن الآخرة، فكأنه اكتفى بها، واستغنى بها، ﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٨ - ٩].
بالنهاية الحسنة للمؤمنين، وهي جنة رب العالمين سبحانه، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠]، هذا لا يستحق طريق التيسير، ولكن يستحق طريق العسر، فسنيسره للآخرة العسرة الضيقة في نار جهنم والعياذ بالله.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١] إذا هلك هذا الإنسان لم ينفعه ما ادخره من ماله.
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] إذا وقاه الله شح نفسه، فهو توفيق من الله سبحانه، مثلما قال سيدنا شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، فالله يعطيك هذا المال، وهذا توفيق من الله .
الله يوفقك أن تنفق هذا المال فيما يحبه الله، والله يجنبك أن تنفق هذا المال في المعاصي وهذا توفيق من الله سبحانه، ما توفيقك إلا بربك ، قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
الموفق يجتنب شح النفس فيبذل ويعطي لله ، وهذا من المفلحين.
стр. 454
مفسدة الشح وتسببه في القتل والقطيعة
ذكر المؤلف حديثاً في هذا الباب، واستغنى بما ذكر قبل ذلك في الأبواب السابقة عن إيراد أحاديث كثيرة، قال: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).
الإنسان يظلم غيره في الدنيا، ويظلم نفسه ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فالإنسان الذي يشرك بالله ظلم نفسه بأن أشرك بالله سبحانه، فوقع في ظلمات الكفر والشرك بالله.
كذلك ظلم الغير، فقد يرى الإنسان ظلمه لغيره انتصاراً ولا يستشعر أنه في نفسه دمار له في الدنيا وفي الآخرة، يفرح بأنه ظلم الغير وأخذ حقه، فإذا جاء يوم القيامة تعسر في مروره على الصراط، أظلمت الطريق الذي أمامه فإذا به يقع في نار جهنم والعياذ بالله، فظلمه أوبقه يوم القيامة، انظروا إلى الإنسان المؤمن يوم القيامة يؤتيه الله نوراً ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨]، هؤلاء المؤمنون أهل التقوى، أما الإنسان الفاجر والإنسان المنافق فقد يؤتى شيء من النور ووقت ما يحتاجه يظلم أمامه فلا يرى شيئاً، فينادون المؤمنين ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٤]؟ كنا معكم في الدنيا ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤].
ويقولون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، (انظرونا) اصبروا من أجل أن نأخذ قليلاً من نوركم ونسير في ضوء نوركم، قال لهم ربهم سبحانه: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣]، فلما رجعوا إلى الخلف يبتغون نوراً، ضرب بسور بينهم وبين المؤمنين أصحاب النور، ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
فالإنسان في الدنيا يظلم غيره ولا يدري أن هذا الظلم سيكون عليه يوم القيامة ظلمات حقيقية، وإذا به يتوه يوم القيامة ولا يدري أين يذهب، فلا يجد طريقاً إلا إلى النار، يمر المؤمن فوق الصراط بحسب ما أعطاه الله سبحانه ﵎، فإذا به يوم القيامة يمر كالبرق، يمر كالريح، يمر كأجاويد الخيل.
وهذا الإنسان الذي ظلم عندما يمر يوم القيامة يأتيه ظلمه فيظلم عليه الموقف أمامه، فإذا به يكبو وإذا به يتعسر، وإذا به تلفحه النار حتى يسقط فيها والعياذ بالله.
قال النبي ﷺ : (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم).
استحلوا الحرام حتى يكتسبوا شيئاً من المال، يغتصب المال ويفعل الفواحش من أجل أن يحصل على المال، فسفكوا دماءهم، واقتتلوا حتى يحوزوا هذا المال، واستحلوا محارمهم وابتغاء هذا المال، فكانت النتيجة النار والعياذ بالله.
стр. 455
مدح الأنصار بالإيثار
يذكر لنا المصنف باباً في الإيثار والمواساة.
والشح أن يؤثر الإنسان نفسه على غيره، فيشح بهذا المال ويبخل به، ولكن الإيثار أن يبسط يده ويعطي غيره، ويرى لغيره فضلاً عليه.
والمواساة أن يواسي غيره ويرحم غيره، ففي قلبه العطف على الإنسان المحتاج، الذي نزلت به نوع من المآسي، فهو يواسيه بماله، ويواسيه بنفسه، ففيه الرحمة وفيه العطف، والنبي ﷺ يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
قال سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩] يؤثر المؤمن غيره على نفسه، هؤلاء أصحاب النبي ﷺ الأنصار آثروا المهاجرين على أنفسهم فأعطوهم أموالهم وأشركوهم في تجارتهم، وفي أرضهم، وفي بيوتهم رضوان الله ﵎ عليهم، قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].
الخصاصة الحاجة، أي: ولو كان بهم جوع وهم محتاجون لهذا الذي بين أيديهم، فيعطي غيره من هذا المال، قال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨].
(ويطعمون الطعام على حبه)، يعني ابتغاء حب الله سبحانه، وعلى اشتهائهم لهذا الطعام، فيأتيه مسكين يقول له: أعطني لله، فيعطيه لهذا السائل وهو يحب أن يأكل منه، ولكن فضل غيره وآثره على نفسه؛ لأنه ينتظر الأجر من الله سبحانه، ويعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
стр. 456
شرح حديث: (من يضيف هذا الليلة ؟)
عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود)، يعني أصابتني الحاجة الشديدة، فأنا في جهد ومشقة وتعب، وأنا في حال سيئ من العيش ومن الجوع.
(فأرسل النبي ﷺ إلى بعض نسائه)، ما كان عند النبي ﷺ ولا أكلة لهذا الإنسان المجهود! (فقالت امرأة النبي ﷺ : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء)، كل بيوت النبي ﷺ أرسل إليهن، والجواب من جميع نساء النبي ﷺ : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء.
وهي لا تحتاج أن تقسم فهي صادقة رضوان الله ﵎ عليها، ولكن لتؤكد للنبي ﷺ أنه لا يوجد أي شيء، ولو كان عندها تمرة لأخرجتها، ولكن ما عندها إلا الماء، فقال النبي ﷺ : (من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله).
وهذا الأنصاري ماذا في بيته؟ هل عنده طعام كثير سيطعم منه نفسه وامرأته؟ قال: (فقال الرجل لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، ما هو ضيفي أنا، وإنما هو ضيف النبي ﷺ فنعطيه أفضل ما عندنا.
(فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني)، الذي عندي هو طعام الصبيان، أنا وأنت ما عندنا طعام، لكن عندنا طعام العيال الذي سيأكلونه بالليل.
(فقال: علليهم بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل)، وكان هذا قبل نزول آيات الحجاب، فأكل الضيف وباتا طاويين، والضيف كان في غاية التعب والمشقة والجوع، والطعام قليل، فأكل الطعام كله وهما لم يأكلا شيئاً رضوان الله ﵎ عليهم.
(فلما أصبح غدا على النبي ﷺ ، وكان الوحي قد سبق إلى النبي ﷺ وأخبره بما صنع هذا الرجل ﵁.
فقال له ﷺ : (لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة).
يعني: قد صنعتما شيئاً عجيباً ما أحد يعمل هذا الذي فعلتما، فالله عجب أن هذا الأمر الذي فعلتموه أمراً عجيباً بين الناس، ولكن الله ليس كالخلق حاشا لله ، فأعجبه هذا الصنيع الذي فعلتم فأثابكم عليه الثواب العظيم، فيعجبه هذا الذي صنعتم.
أو كأنه عجب ملائكته مما صنعتم، وعجب من ذلك، وأعجبه ذلك سبحانه فأثابكما عليه، قال: (لقد عجب الله من صنيعكما)، وهذا الرجل شاركته فيه المرأة، فكان الأجر للرجل وامرأته.
стр. 457
شرح حديث: (طعام الاثنين كافي الثلاثة)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) متفق عليه.
وروى مسلم من حديث جابر: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)، وهذا حق من كلامه صلوات الله وسلامه عليه.
والمعنى: إذا نزل بالناس الجوع، ونزل بالناس شدة، فالإنسان إذا أكل طعاماً كاملاً سيعيش وتمر عليه الليلة، وإذا أكل في نصف بطنه فقط فأيضاً ستمر عليه الليلة وينتهي الأمر الذي هو فيه، فيعلمهم النبي ﷺ أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ويكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الخمسة ويكفي الثمانية.
فإذا وجد الإنسان من يحتاج فليطعمه من طعامه، وليعطه وينتظر من الله الأجر على ذلك، ولا ينتظر الحمد من الناس، ولو انتظر الحمد من الناس تعب، وقد يطعم من يستحق ومن لا يستحق، فالمعاملة ليست مع الناس، وإنما المعاملة مع الله، والذي يتعامل مع الله سبحانه يستريح أعظم الراحة، فلا ينتظر من الناس جزاء ولا شكوراً، ولا ينظر إلى ما أخذه هذا الإنسان منه، فهو في شأن حاله يقول كما قال السلف الصالح رضوان الله عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩].
стр. 458
شرح حديث: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل).
سمي السفر سفراً من الإسفار كأنه يسفر عن الشيء ويكشف عنه، ولأن الإنسان يستكشف به أرضاً جديدة لم يكن يعرفها، ويستكشف أخلاقاً في الرفقة التي معه لم يكن يعرفها، فيرى أخلاقاً عظيمة عالية ما كان يعلمها قبل ذلك، وقد يكون خلاف ذلك.
فهنا النبي ﷺ كانوا في سفر، وجاء رجل على راحلة، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فهو محتاج، ولم يدر من يسأل، وهو راكب على جمل وقد يحتاج لطعام، ولا نقول له: انحر الجمل وكله في السفر، فكيف سيكمل سفره، فرآه النبي ﷺ محتاجاً، فقال النبي ﷺ هذا الكلام العظيم الجميل: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)، يعني: لو أن إنساناً معه راحلتان فليعط راحلة لمن يحتاج إلى راحلة، فكيف يمشي ومعه ما يجعله يركب عليه.
(فليعد به على من لا ظهر له)، وهم في سفر، والمسافر قد يكون غنياً في بلده، عنده رواحل وعنده جمال في بلده، لكن الآن ليس عنده راحلة.
ويقول النبي ﷺ : (ومن كان له فضل من زاد، من طعام وشراب ونحوه فليعد به على من لا زاد له)، وذكر أصنافاً من المال.
قال الراوي وهو أبو سعيد الخدري: حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضلة، يعني لا حق لأحد منا في زيادة، فالذي معه زيادة وأخوه محتاج في السفر فليعط هذا المحتاج، ولا يبخل عليه، فإن الله يعطي الأجر العظيم، وكلما ضاق الشيء فأعطيت صديقاً كان الأجر أوسع وأعظم من الله سبحانه.
стр. 459
شرح حديث: (أعطت امرأة رسول الله بردة فسأله رجل إياها فأعطاه البردة وهو محتاج إليها)
روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ (أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها).
بردة أتت بها المرأة للنبي ﷺ ، وكانت قد نسجتها له ليلبسها وهو محتاج إليها، لأن الإزار الذي كان يلبسه ﷺ مرقعاً، فاحتاج النبي ﷺ للباس وليس عنده ما يشتري به، فأتته المرأة بهذه الهدية، فلبسها وخرج إليهم.
قال سهل: (فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: نعم)، خلق عظيم رفيع من النبي صلوات الله وسلامه عليه، فانظر إلى طيب قلبه ﷺ ، يكسي المحتاج وهو محتاج إليها، وعنده البردة الأخرى المرقعة فيلبسها مرة ثانية، والنبي ﷺ طيب القلب رحيم، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو لا يشتهي شيئاً من الدنيا، فقام من مجلسه ﷺ بعدما انتهى المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.
فالقوم غضبوا فقالوا: (ما أحسنت! لبسها النبي ﷺ محتاجاً إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلاً! فقال الرجل: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، فقال سهل: فكانت كفنه رضي الله ﵎ عنه).
وقد كانوا يحبون أن يتبركوا بأثر النبي ﷺ ولباسه الذي كان على جسده، فلو أحسن لطلب الأخرى المرقعة التي كان يلبسها النبي ﷺ ويجعلها كفنه، ولكن على كل فهذا صنيعه وهذا كرم النبي ﷺ مع هذا الصحابي.
стр. 460
شرح حديث: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو)
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم).
هؤلاء هم قبيلة أبي موسى الأشعري رضي الله ﵎ عنه، مدحهم النبي ﷺ بل إنه جعلهم منه ﷺ .
فما هي هذه الخصلة الجميلة التي جعلتهم ينسبون للنبي ﷺ ؟ هذه الصفة العظيمة الجميلة أنهم كانوا إذا أرملوا أي: احتاجوا وقل طعامهم أو كاد ينفد زادهم، يجمعون طعام الجميع في إناء واحد، ثم يقسمونه بين الجميع بالسوية، ولعل بعضهم عنده الكثير، وبعضهم عنده اليسير، فيقولون: كلنا محتاجون، ولا أحد أولى من الآخر بالمال! فالنبي ﷺ يمدحهم على صفتهم هذه، فقال: (هم مني وأنا منهم).
يعني: هم من أهل الإيثار ومن أهل الكرم، وقد جبل على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فهم من النبي ﷺ وهو منهم، وهذا الشيء يسميه الفقهاء شركة التناهد، وهو من شركات الطعام، وهو اجتماع المجموعة على الطعام، أنا آتي بطعام وأنت تأتي بطعام، ثم نقسمه بيننا ونأكل كلنا منه، ولا أحد أولى بالطعام من الآخر.
وإذا صفت النفوس فهذا طعام فيه بركة، لكن إذا لم تصف النفوس فلا داعي أن تأكل من هذا الطعام، وبعضهم نفسه لا ترضى أن تأكل من طعامه، فكل من طعامك أنت، ولكن هؤلاء ما كان في نفوسهم هذا الشيء أبداً، بل نفوسهم فيها الإيثار، وليس فيها الشح، فيجمعون طعام الجميع ويقسمونه فيما بينهم، سواء كانوا في المدينة أو كانوا مسافرين.
ففي الحضر يمكن للإنسان أن يفعل ذلك، لكنه صعب في السفر، فالأخلاق الحسنة تظهر في سفر الإنسان، ويظهر هل هو إنسان شحيح فيظهر منه الوجه القبيح أم هو إنسان منفق فيظهر منه الوجه الحسن، فالسفر يظهر ويكشف أخلاق الناس.
следующие страницы →