← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

شرح حديث: (من يضيف هذا الليلة ؟) عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود)، يعني أصابتني الحاجة الشديدة، فأنا في جهد ومشقة وتعب، وأنا في حال سيئ من العيش ومن الجوع. (فأرسل النبي ﷺ إلى بعض نسائه)، ما كان عند النبي ﷺ ولا أكلة لهذا الإنسان المجهود! (فقالت امرأة النبي ﷺ : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء)، كل بيوت النبي ﷺ أرسل إليهن، والجواب من جميع نساء النبي ﷺ : والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء. وهي لا تحتاج أن تقسم فهي صادقة رضوان الله ﵎ عليها، ولكن لتؤكد للنبي ﷺ أنه لا يوجد أي شيء، ولو كان عندها تمرة لأخرجتها، ولكن ما عندها إلا الماء، فقال النبي ﷺ : (من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رحله). وهذا الأنصاري ماذا في بيته؟ هل عنده طعام كثير سيطعم منه نفسه وامرأته؟ قال: (فقال الرجل لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، ما هو ضيفي أنا، وإنما هو ضيف النبي ﷺ فنعطيه أفضل ما عندنا. (فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني)، الذي عندي هو طعام الصبيان، أنا وأنت ما عندنا طعام، لكن عندنا طعام العيال الذي سيأكلونه بالليل. (فقال: علليهم بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل)، وكان هذا قبل نزول آيات الحجاب، فأكل الضيف وباتا طاويين، والضيف كان في غاية التعب والمشقة والجوع، والطعام قليل، فأكل الطعام كله وهما لم يأكلا شيئاً رضوان الله ﵎ عليهم. (فلما أصبح غدا على النبي ﷺ ، وكان الوحي قد سبق إلى النبي ﷺ وأخبره بما صنع هذا الرجل ﵁. فقال له ﷺ : (لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة). يعني: قد صنعتما شيئاً عجيباً ما أحد يعمل هذا الذي فعلتما، فالله عجب أن هذا الأمر الذي فعلتموه أمراً عجيباً بين الناس، ولكن الله ليس كالخلق حاشا لله ، فأعجبه هذا الصنيع الذي فعلتم فأثابكم عليه الثواب العظيم، فيعجبه هذا الذي صنعتم. أو كأنه عجب ملائكته مما صنعتم، وعجب من ذلك، وأعجبه ذلك سبحانه فأثابكما عليه، قال: (لقد عجب الله من صنيعكما)، وهذا الرجل شاركته فيه المرأة، فكان الأجر للرجل وامرأته.

стр. 457

شرح حديث: (طعام الاثنين كافي الثلاثة) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) متفق عليه. وروى مسلم من حديث جابر: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)، وهذا حق من كلامه صلوات الله وسلامه عليه. والمعنى: إذا نزل بالناس الجوع، ونزل بالناس شدة، فالإنسان إذا أكل طعاماً كاملاً سيعيش وتمر عليه الليلة، وإذا أكل في نصف بطنه فقط فأيضاً ستمر عليه الليلة وينتهي الأمر الذي هو فيه، فيعلمهم النبي ﷺ أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ويكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الخمسة ويكفي الثمانية. فإذا وجد الإنسان من يحتاج فليطعمه من طعامه، وليعطه وينتظر من الله الأجر على ذلك، ولا ينتظر الحمد من الناس، ولو انتظر الحمد من الناس تعب، وقد يطعم من يستحق ومن لا يستحق، فالمعاملة ليست مع الناس، وإنما المعاملة مع الله، والذي يتعامل مع الله سبحانه يستريح أعظم الراحة، فلا ينتظر من الناس جزاء ولا شكوراً، ولا ينظر إلى ما أخذه هذا الإنسان منه، فهو في شأن حاله يقول كما قال السلف الصالح رضوان الله عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩].

стр. 458

شرح حديث: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له) روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل). سمي السفر سفراً من الإسفار كأنه يسفر عن الشيء ويكشف عنه، ولأن الإنسان يستكشف به أرضاً جديدة لم يكن يعرفها، ويستكشف أخلاقاً في الرفقة التي معه لم يكن يعرفها، فيرى أخلاقاً عظيمة عالية ما كان يعلمها قبل ذلك، وقد يكون خلاف ذلك. فهنا النبي ﷺ كانوا في سفر، وجاء رجل على راحلة، فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فهو محتاج، ولم يدر من يسأل، وهو راكب على جمل وقد يحتاج لطعام، ولا نقول له: انحر الجمل وكله في السفر، فكيف سيكمل سفره، فرآه النبي ﷺ محتاجاً، فقال النبي ﷺ هذا الكلام العظيم الجميل: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)، يعني: لو أن إنساناً معه راحلتان فليعط راحلة لمن يحتاج إلى راحلة، فكيف يمشي ومعه ما يجعله يركب عليه. (فليعد به على من لا ظهر له)، وهم في سفر، والمسافر قد يكون غنياً في بلده، عنده رواحل وعنده جمال في بلده، لكن الآن ليس عنده راحلة. ويقول النبي ﷺ : (ومن كان له فضل من زاد، من طعام وشراب ونحوه فليعد به على من لا زاد له)، وذكر أصنافاً من المال. قال الراوي وهو أبو سعيد الخدري: حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضلة، يعني لا حق لأحد منا في زيادة، فالذي معه زيادة وأخوه محتاج في السفر فليعط هذا المحتاج، ولا يبخل عليه، فإن الله يعطي الأجر العظيم، وكلما ضاق الشيء فأعطيت صديقاً كان الأجر أوسع وأعظم من الله سبحانه.

стр. 459

شرح حديث: (أعطت امرأة رسول الله بردة فسأله رجل إياها فأعطاه البردة وهو محتاج إليها) روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ (أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها). بردة أتت بها المرأة للنبي ﷺ ، وكانت قد نسجتها له ليلبسها وهو محتاج إليها، لأن الإزار الذي كان يلبسه ﷺ مرقعاً، فاحتاج النبي ﷺ للباس وليس عنده ما يشتري به، فأتته المرأة بهذه الهدية، فلبسها وخرج إليهم. قال سهل: (فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! فقال: نعم)، خلق عظيم رفيع من النبي صلوات الله وسلامه عليه، فانظر إلى طيب قلبه ﷺ ، يكسي المحتاج وهو محتاج إليها، وعنده البردة الأخرى المرقعة فيلبسها مرة ثانية، والنبي ﷺ طيب القلب رحيم، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو لا يشتهي شيئاً من الدنيا، فقام من مجلسه ﷺ بعدما انتهى المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه. فالقوم غضبوا فقالوا: (ما أحسنت! لبسها النبي ﷺ محتاجاً إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلاً! فقال الرجل: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، فقال سهل: فكانت كفنه رضي الله ﵎ عنه). وقد كانوا يحبون أن يتبركوا بأثر النبي ﷺ ولباسه الذي كان على جسده، فلو أحسن لطلب الأخرى المرقعة التي كان يلبسها النبي ﷺ ويجعلها كفنه، ولكن على كل فهذا صنيعه وهذا كرم النبي ﷺ مع هذا الصحابي.

стр. 460

شرح حديث: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم). هؤلاء هم قبيلة أبي موسى الأشعري رضي الله ﵎ عنه، مدحهم النبي ﷺ بل إنه جعلهم منه ﷺ . فما هي هذه الخصلة الجميلة التي جعلتهم ينسبون للنبي ﷺ ؟ هذه الصفة العظيمة الجميلة أنهم كانوا إذا أرملوا أي: احتاجوا وقل طعامهم أو كاد ينفد زادهم، يجمعون طعام الجميع في إناء واحد، ثم يقسمونه بين الجميع بالسوية، ولعل بعضهم عنده الكثير، وبعضهم عنده اليسير، فيقولون: كلنا محتاجون، ولا أحد أولى من الآخر بالمال! فالنبي ﷺ يمدحهم على صفتهم هذه، فقال: (هم مني وأنا منهم). يعني: هم من أهل الإيثار ومن أهل الكرم، وقد جبل على ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فهم من النبي ﷺ وهو منهم، وهذا الشيء يسميه الفقهاء شركة التناهد، وهو من شركات الطعام، وهو اجتماع المجموعة على الطعام، أنا آتي بطعام وأنت تأتي بطعام، ثم نقسمه بيننا ونأكل كلنا منه، ولا أحد أولى بالطعام من الآخر. وإذا صفت النفوس فهذا طعام فيه بركة، لكن إذا لم تصف النفوس فلا داعي أن تأكل من هذا الطعام، وبعضهم نفسه لا ترضى أن تأكل من طعامه، فكل من طعامك أنت، ولكن هؤلاء ما كان في نفوسهم هذا الشيء أبداً، بل نفوسهم فيها الإيثار، وليس فيها الشح، فيجمعون طعام الجميع ويقسمونه فيما بينهم، سواء كانوا في المدينة أو كانوا مسافرين. ففي الحضر يمكن للإنسان أن يفعل ذلك، لكنه صعب في السفر، فالأخلاق الحسنة تظهر في سفر الإنسان، ويظهر هل هو إنسان شحيح فيظهر منه الوجه القبيح أم هو إنسان منفق فيظهر منه الوجه الحسن، فالسفر يظهر ويكشف أخلاق الناس.

стр. 461

التنافس في أمور الآخرة

стр. 462

تنافس المؤمنين على الآخرة قال المصنف ﵀: [باب التنافس في أمور الآخرة، والاستكثار مما يتبرك به قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]]. والآن يتنافس الناس في الدنيا، وإن حصل الدنيا كلها فسيموت ويتركها، أو أنها تسلب منه يوماً من الأيام، لكن التنافس في الآخرة لا يضيع أجره أبداً، فالآخرة هي الباقية عند رب العالمين ، فيتنافس المؤمن مع إخوانه في أمر الآخرة، وكل يجتهد أن يحصل الثواب الأكثر. يقول سبحانه: ﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين:٢٦]. أي في عمل الآخرة ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].

стр. 463

ابن عباس لم يقبل أن يؤثر بنصيبه من رسول الله وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ. الغلام هو ابن عباس رضي الله ﵎ عنه، وكان عن يمين النبي ﷺ ، وجيء للنبي ﷺ بشراب، وعن شماله الأشياخ كـ أبي بكر وعمر وغيرهما. فلما شرب كانت عادته أن يشرب ويعطي اليمين، ولكن الكبار كانوا عن شماله ﷺ ، والسنة أن يستأذن الصغير ليعطي الشراب للكبير، فلأن الصغير أحق فيستأذن في ذلك، فالنبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم استأذن ابن عباس في أن يعطي الأشياخ قبله. فرفض ابن عباس وكان فقيهاً، فهو يريد أن يشرب مما شرب منه النبي ﷺ ولا يؤثر به أحداً، فالنبي ﷺ قال له: (أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله! لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فدله رسول الله ﷺ في يده) يعني: وضعه في يده رضي الله ﵎ عنه. وهذا ابن عباس هو الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله سبحانه ﵎ التأويل، وأن يفقهه في الدين، فاستجاب الله ﵎ دعوة النبي صلوات الله وسلامه عليه له.

стр. 464

نبي الله أيوب يأخذ من بركة الله تعالى روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بينا أيوب ﵇ يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه : يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟!). أيوب ﵊ أعطاه الله مالاً كثيراً، وقد كان من أنبياء الله ذوي الغناء واليسار، ثم ابتلاه الله فأخذ منه ماله وعياله، وإذا به يصبر الصبر العظيم الذي يضرب به المثل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ثم إذا بالله يعطيه مالاً عظيماً وفيراً، وكان عنده بيدران أحدهما للقمح والآخر للشعير، فإذا بالله يمطر عليه في أحدهما ذهباً وفي الآخر فضة، فامتلأ البيدران بالذهب وبالفضة، ورد الله عليه من ماله وعياله ما شاء الله . وبينما هو يغتسل خر عليه جراد من ذهب، فإذا به يحثو منه في ثوبه، وكان عنده بيدران من ذهب ومن فضة، فلماذا يأخذ هذا الذهب؟ فإذا بالله يختبره ويسأله فقال له: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ فقال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك! أي فشيء نزل من عندك فيه بركة، فلا أرده أبداً، فكان الرد جميلاً منه ﷺ ، وقد كان رسول الله ﷺ إذا نزل المطر من السماء يخرج تحت المطر ويحسر عن رأسه حتى يصيبه ماء المطر، مع أن الماء موجود في البيت، ويستطيع أن يغتسل منه، لكن المطر قريب العهد بالرب سبحانه، فيرجو بركته صلوات الله وسلامه عليه. كذلك أيوب، فهذا ذهب نازل من عند الله سبحانه، فهو يرجو البركة من ذلك، وليس لكونه ذهباً، ولكن لأنه شيء ينزل من عند رب العالمين، وهي هدية من السماء لعباده، فيستقبلها أيوب ويطلب البركة من ذلك، وهذا هو الذي بوب عليه الإمام النووي بقوله: التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به. نسأل الله سبحانه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 465

شرح رياض الصالحين - فضل الغني الشاكر ربما يخلق الله الإنسان فقيراً فيصبر على فقره وما أصيب به، وفي المقابل يوجد الغني فيشكر ربه بلسانه وبأفعاله، فيشكر الله له فعله وييسره لليسرى في كل شيء، ويزيده غنى على غناه.

стр. 466

المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب فضل الغني الشاكر، وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها: قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١]. وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)]. باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ فضل الغني الشاكر، ويفسر الغني الشاكر بمن أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها؛ فمن يرزقه الله مالاً فيشكر نعمة الله عليه، ويؤدي الحقوق كما أمر الله بها، فهذا له أجر عظيم عند الله سبحانه. والعلماء ينظرون في الترجيح بين اثنين: الفقير الصابر والغني الشاكر، فقير لم يعطه ربنا ﵎ شيئاً من المال وإن كانت نعم الله على خلقه عظيمة، فالمال ليس النعمة الوحيدة، ولكن هذا منعه الله من المال فصبر وحمد الله تعالى على نعمه، فأيهما أفضل: أن يكون فقيراً صابراً، أم أن يكون غنياً شاكراً لرب العالمين؟ لا شك أن الأنفع للناس هو الغني الشاكر، والأنفع لنفسه يوم القيامة الفقير الصابر، ولكن الإنسان لا يملك أن يقول: يا رب اجعلني فقيراً، بل الإنسان يسأل الله أنه يرزقه من فضله، ويتعوذ بالله من الفقر كما كان النبي ﷺ يتعوذ. وما فعل الله بعبده فكله خير، إذا أغناه شكر، وإذا أفقره صبر، فالفقير يقدم يوم القيامة على الغني، فعندما يؤتى بالفقراء المهاجرين للسؤال يقولون: وعماذا تسألنا؟ لم تعطنا مالاً فتسألنا عليه، فيؤمر بهم إلى الجنة ويسبقون الأغنياء بنصف يوم، أي: بخمسمائة عام، والأغنياء وإن كانوا شاكرين حامدين لكن السؤال من أين اكتسبت؟ وفيم أنفقت؟ ثم النجاة بعد ذلك. فالفقير يوم القيامة لا سؤال له ولا شيء عليه ويسبق إلى جنة رب العالمين سبحانه، وجاء في حديث النبي ﷺ : (ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده عليها أحب إلى الله منها). نعمة طعام أو شراب أو مال يعطيها الله للعبد، فإذاً: العبد يأكل ويحمد الله سبحانه، ولاحظ أن نعمة المال والطعام من الله، ونعمة الحمد والشكر من الله فهو الذي وفقك لها، ولكن أي النعمتين أحب إلى الله سبحانه؟ أن ألهم العبد أن يحمده كان هذا أحب إلى الله من إعطاء العبد مالاً.

стр. 467

تيسير الغني الشاكر لليسرى في الدنيا والآخرة يذكر المصنف هنا قول الله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. اليسرى: هو التيسير من الله سبحانه في الدنيا بأعمال الخير، وفي الآخرة على الصراط المستقيم إلى جنة رب العالمين سبحانه، والشرط الذي فيه هو: التصديق رجاء الثواب، والإعطاء، والتقوى لله ، وقد جمعها الله في قوله: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى)) هذه واحدة، ((وَاتَّقَى)) هذه الثانية، ((وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)) هذه الثالثة. شرط قبول العمل والأجر العظيم: الإيمان، فالإنسان المؤمن يجد هذه الأعمال يوم القيامة وافية عند الله سبحانه، أما الكافر فيجازى في الدنيا ويمنع ذلك يوم القيامة. المؤمن أعطى لله سبحانه مع التقوى، فهو ليس فاجراً يعطي المال رياء وسمعة، ولكنه يعطيه ليتقي النار يوم القيامة، فهو أعطى ابتغاء مرضاة الله، خائفاً من عذاب الله سبحانه، وكما أنه أعطى واتقى فهو مصدق مؤمن بالجزاء يوم القيامة وليس مكذباً، أو كافراً، أو مشركاً، إنما هو مصدق بجنة رب العالمين، وأن الذي يعطي فإن الله يكافئه ويعطيه، هذا الذي يستحق التيسير. قال سبحانه: ((وَسَيُجَنَّبُهَا))، أي: يجنب العقوبة ويجنب النار الكبرى ((الأَتْقَى)) والأتقى من التقي، وسبب تجنيب هذا الإنسان التقي أنه ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨]، فهو ينظر في المال ويخرج منه الزكاة. إذا أخرج زكاة المال طيبة بها نفسه طهر الله المال والنفس مما فيها من معاص وذنوب. ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨]، أي: يعطي ماله يتزكى بذلك. ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩]، الذي يعطي المال ربما يعطيه هدية في مقابل شيء ما وينتظر مقابل هديته شيئاً آخر، أما هذا فقد تعلم ما علمه الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦]، يعني: لا تعط مالاً فتمن على من أعطيت مستكثراً لهذا الذي آتيته، أعط ولا تستكثر المال، فليس المال مالك إنما المال مال الله ﵎. ومن معانيها أيضاً: لا تعط مستكثراً من عطاء الناس، عادة الإنسان أن تعطيه هدية فيردها لك بهدية مثلها، وقد يعطي الفقير للغني مالاً ابتغاء أن يعطيه الغني أكثر. ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] أي: لا تعط هدية تطلب عليها المثوبة، أو تطلب من الناس أن يعطوك أكثر منها، وحاش للنبي ﷺ أن يكون هذا خلقه، فما كان يعطي هدية إلا ابتغاء وجه الله ﵎، فقال له ربه مؤدباً: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦]. وهنا قال سبحانه في هذا الإنسان الأتقى الذي يعطي ماله يتزكى، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩]. وفي الحديث: (أن رجلاً خرج مسافراً لزيارة أخ له في الله، فأرصد الله له على مدرجته في طريق السفر ملكاً في صورة إنسان فسأله: إلى أين تذهب؟ قال: لأخي فلان أزوره في الله، قال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا. قال: لنعمة تردها عليه؟ قال: لا، ولكني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته). وجاء في الحديث: (ليس الواصل بالمكافئ)، الذي نصفه ونقول: هذا يصل رحمه ليس هو المكافئ، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها. إذاً: المكافئ هو من يرد على الزيارة بأخرى، هذا ليس بالواصل، إنما الواصل الحقيقي الذي يزور من لم يزره، فهنا يقول الله: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٨ - ١٩]، فليس يعطي لأنهم أعطوه قبل ذلك، ولكنه يعطي ابتغاء وجه ربه سبحانه، قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١]. وهذا الذي يعطي قال عنه النبي ﷺ : (اليد العليا خير من اليد السفلى) فجعله الله عالياً؛ لأنه ابتغى وجه الله الأعلى . قال: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١] أي: سوف يثيبه الله ويعطيه حتى يرضى.

стр. 468

فضل الصدقة قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١].

стр. 469

فضل صدقة السر (إن تبدوا الصدقات) أي: أن تعط الصدقة أمام الناس طالما أنها حسنة فلك الأجر على ذلك، ويجوز إعطاء الصدقة أمام الناس مع حسن النية، ولكن حسن النية هذه ستضبطه، كيف؟ لعل الإنسان في مرة يكون حسن النية ومرة يكون سيئ النية، مرة يبتغي وجه الله ومرة يبتغي رضا الناس، فهنا الإعطاء أمام الناس الأفضل منه الإعطاء في السر، فقال هنا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١] نعمت الصدقة هذه، ولكن ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]. إذا أخفيتها وذهبت لهذا الفقير في السر فأعطيته هذا المال يكون لك ما في الحديث: (صدقة السر تطفئ غضب الرب)، الله قد يغضب على العبد، لكن إذا تصدق هذا العبد في السر فالله يكف عنه غضبه، ومقتضى غضب الله عقابه، فقال هنا سبحانه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، وخير هنا أفعل تفضيل، يعني: هو أخير لكم وأفضل. ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] ليس خيراً فقط بل أيضاً تكفير للسيئات، فكأنه عطف على شيء محذوف، يعني: هذا خير لكم، وسيعطيكم الله من فضله، وأيضاً يكفر عنكم من سيئاتكم، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١].

стр. 470

فضل الإنفاق من المال المحبوب قال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. البر يشمل كافة وجوه الخير، ولكي تكون من أصحاب البر ووجوه الخير أنفق مما تحب، قد ينفق العبد الشيء الذي لا يحب، وقد يؤجر عليه، ولكن أن ينفق من أنفس وأفضل ماله وأحب ماله إليه فهذا هو البر، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، عندما يريد الإنسان أن ينفق لله فإنه يخرج أفضل وأجود ما عنده ويعطيه للفقير، وعندما يعطي طعاماً لفقير يعطيه أفضل وأطيب الطعام، وعندما يريد أن يشتري أضحية يذهب إلى السوق وينظر إلى السمينة الجميلة التي فيها الشروط التي تعتبر في الأضحية ويأتي بأفضل ما يكون. إذاً: عندما يعطي ما يحبه ينال درجة البر، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. ثم قال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٩٢] يعني: وإن قل هذا الشيء، قد ينفق الإنسان مما يحب وقد ينفق الشيء الأقل فالله يقول لك: لن يضيع أجر هذا ولا هذا، وسيعطيكم من الجميع إلا أن تتعمد الشيء الرديء الذي لا تقبله فتنفقه فهذا لا ينفع، ولكن تنفق مما تحب وتنفق الشيء الذي ينتفع به الفقير.

стр. 471

فضل تمني التصدق من الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن ابن مسعود -ومثله عن ابن عمر - قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق). والحسد هنا بمعنى الغبطة، وهي: أن تحب أن تكون مثله، وأن يكون عندك مثل ما عند هذا الإنسان. يجوز لك أن تتمنى المثل عندما ترى ما أعطى الله لفلان من مال ينفق منه في الخير، وتقول: ليت الله يعطني مالاً فأنفق منه كما ينفق فلان، (رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته -على إنفاقه- في الحق، ورجل آتاه الله حكمة) علمه القرآن، علمه السنة، آتاه حكمة الفصل في القضايا (فهو يقضي بها ويعلمها)، تغبط مثل هذا الإنسان وتتمنى أن تكون مثله. عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن -بين لنا الحكمة التي في الحديث السابق- فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار) وفي الحديث السابق: (يقضي به ويعلم الناس). ثم قال: (ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)، فينفق من ماله لله سبحانه ﵎، أنفق في الليل وأنفق في النهار، عندما تغبط مثل هذا فإن لك مثله من الأجر العظيم عند الله سبحانه.

стр. 472

تنافس الفقراء والأغنياء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم). انظروا هنا كيف كان الصحابة يتنافسون في أفعال الخير، وعندما يرى غيره يفعل خيراً أكثر منه وهو لا يستطيع أن يدركه يحزن لأنه سيسبقه إلى الجنة ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. فذهب فقراء المهاجرين للنبي ﷺ ، وقالوا: ذهب أهل الدثور، وهي: الأموال الكثيرة، والدثور جمع دثر، والدثار الثياب الخارجية، والشعار الثياب التي تلي البدن، والثياب الخارجية دائماً نظيفة وغالية وشكلها فخم، فكأن هؤلاء أصحاب الدثور الذين لهم أموال كثيرة يظهرون بها ويظهر غناهم بهذه الأموال. (فذهب أهل الدثور بالدرجات العلى)، كأن النظرة إلى أن الدرجات وزعت عليهم وضاعت منا. (فذهبوا للنبي ﷺ ، وقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم والمقيم، قال: وما ذاك؟ فقالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق)، لأنهم أصحاب أموال. فلما قالوا ذلك، قال لهم رسول الله ﷺ : (أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم)، يعني: أعلمكم شيئاً ينفعكم، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، فعلمهم شيئاً يسبقون به من لا يفعل مثله، (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ . المرة الأولى جاءوا يشتكون فأعطاهم الشيء الذي ينفع، ثم رجعوا إليه بشكوى جديدة، فقالوا: (سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله). هم كانوا يطمعون فيما عند الله، لكن لا تمنع رحمة الله على غيرك، فقال رسول الله ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، هم سمعوا وعملوا مثل ذلك ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤]، وأنت لكي تبلغ درجة هذا الإنسان تحب هذا الإنسان، وإذا أحببته فقد ورد: (المتحابون على منابر من نور). إذاً: أي إنسان فقير، أو غير قادر أن يعمل كعمل هؤلاء يحب هؤلاء، فيحشر معهم يوم القيامة، ولذلك كانت التجارة العظيمة هي الحب في الله، أن تحب رسول الله ﷺ ، وتحب المهاجرين والأنصار والسابقين فتحشر معهم يوم القيامة، أما أن تريد من النبي ﷺ أن يخصك بشي فهذا ليس بيده ﷺ ، ولم يؤمر أن يبلغ البعض دون البعض فتسبح أنت دون غيرك فلا، ولكن علم الجميع صلوات الله وسلامه عليه، فمن فعل ذلك كان له الأجر العظيم. إذاً: لا تهمل وتضيع هذا الأمر العظيم عقب كل الصلاة، فتقرأ آية الكرسي، ويقول النبي ﷺ في الحديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت). وإن ذكر لنا في الحديث أن هذه الخصال العظيمة قليل من يعمل بها، فسألوا النبي ﷺ : كيف تكون هذه الخصال خصالاً عظيمة؟ وكيف يكون فيها الأجر العظيم وقليل من يعمل بها؟ فقال: (يأتي الشيطان أحدكم فيلهيه عن ذلك فلا يقول بهذا الذكر). فالشيطان يلهي الإنسان ويشغله بسؤال أو بكلمة حتى ينسيك الأذكار، ويضيع عليك هذا الأجر العظيم عليك بالذكر عقب الصلاة، وتقرأ آية الكرسي، وتقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وتسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، وتكبره ثلاثاً وثلاثين، وتختم بـ: لا إله إلا الله، فيكون لك أجر عظيم عند الله ، لا تدع الحديث الذي فيه لهو يشغلك عن ذلك فيضيع عليك هذا الأجر العظيم. فأهل الدثور لما تعلموا من النبي ﷺ ذلك عملوا به، وأخبر النبي ﷺ : (أنه فضل الله يؤتيه من يشاء، ويوفق له من يشاء). نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 473

شرح رياض الصالحين - ذكر الموت وقصر الأمل لقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مذكرة بالموت، وما يحصل بعده من نعيم لأهل الطاعة، وعذاب لأهل المعصية، وكذلك مذكرة بقصر الأمل، وعدم الغفلة عن الموت وما يتبعه، فالذي ينبغي للمرء أن يتذكر الموت الذي يدفعه إلى الطاعات واجتناب السيئات، وعدم الركون إلى الدنيا.

стр. 474

ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب ذكر الموت وقصر الأمل]. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]. وقال : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. وعن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. وفي رواية لـ مسلم: (يبيت ثلاث ليال، قال ابن عمر ﵄: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي)].

стр. 475

أهمية ذكر الموت وقصر الأمل لا بد أن يكون الموت على بال الإنسان، والموت أمر حقيقي يقيني، وكل إنسان يعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن هذا العلم وحده لا يكفي ليحرك في الإنسان الخوف من الله ، حتى يستيقن أنه إذا مات يبعث يوم القيامة، وأن الله يسأله عما فعله في هذه الدنيا، وعما آتاه الله وأنزل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه من كتاب، وأمرَ بمعروف ونهى عن المنكر، وما الذي صنع الإنسان في هذه الدنيا، وعمر الإنسان قصير جداً، وقد يشعر الإنسان أنه عاش وقتاً طويلاً. يقول الشاعر: ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم فـ زهير يقول: إنه تعمر ثمانين سنة، فيرى هذه الثمانين سنة التي عاشها طويلة، ولكن هذه الفترة التي يستكثرها الإنسان يحس أنها طويلة يوم القيامة؛ لأن اليوم عند الله كما قال: ﴿َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: أن عمر الإنسان في الدنيا كان قصيراً جداً، لا يبلغ عشر يوم من أيام يوم القيامة أو أقل من ذلك، ولذلك في يوم القيامة عندما يسأل الناس: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]. وهذا العمر الذي قضاه الإنسان نصفه في النوم والباقي بين عمل وبين طعام وشراب، وجزء منه يعبد الله ، يستشعر أنه عمر يجري يوماً وراء يوم، وفي النهاية عند الموت يفيق الإنسان على حقيقة وهي أنه ضيع عمره وأنه غبن نفسه، وأنه فرط في هذا العمر، والعمر قيمته عظيمة جداً، أعطاه الله للإنسان يستغله في عبادته وفي طاعته، وفجأة أخذ منه هذه الروح وترك الدنيا بما فيها، ولن يرجع إليها مرة ثانية، مثل الحرب، فالحرب خدعة يا قاتل يا مقتول، كذلك تعيش الدنيا سعيداً أو شقياً، ولن ترجع إليك هذه الدنيا مرة ثانية. فالإنسان المؤمن لما يتذكر هذا الموت، ويتذكر الدنيا وكيف أنه يرجع إلى الله ليسأله عما فعل في هذه الدنيا، يجهز ويحضر الجواب، ماذا سيقول لله ؟ لو لم يكن إلا الوقوف بين يدي الله لاستحق أن يعمل الإنسان لهذا اليوم، أما ربنا سيسأله، وليس سؤالاً فقط، بل بعد السؤال يكون المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، إذا كانت المكافأة من الله بأنه سيعطيه قصراً في الجنة، فهذا شيء عظيم يستحق أن يعمل له الإنسان، فكيف إذا كان سيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا يجعل الإنسان يفكر في الجنة، وفي السعادة العظيمة التي ينالها حين يدخل هذه الجنة العظيمة. والعكس لو تفكر الإنسان في النار وما الذي يلقاه فيها، لو قيل له: سنحرقك بنار الدنيا، لكان شيئاً فظيعاً وأليماً، فكيف بنار جهنم؟! ونار الدنيا قد أطفئت مرتين حتى استطاع الإنسان أن ينضج عليها طعامه في الدنيا وأن ينتفع بها، ولكنها تكون يوم القيامة على هيئتها والعياذ بالله، يعذب فيها أهل النار ويخلدون في نار جهنم، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فالكافر يتمنى أن يصير تراباً ولن يصير تراباً. فهنا يتضح أن الإنسان المؤمن فُضِّلَ على غيره، بأن جعل الله له قلباً عاقلاً يعقل ويفهم ويتدبر ويتذكر، فيعبد ربه سبحانه حتى يأتيه اليقين، ويعبد ربه بالصورة الصحيحة للعبادة والصورة العظيمة للعبادة، ليست بالصورة الضيقة التي أكثر الناس يفكر ويقول: أنا صليت أنا صمت وانتهى الأمر، وإنما العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، أي: كل ما يحبه الله منك أن تقوله وأن تنويه وأن تفعله، هذه عبادة لله . جاء في الحديث أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ : (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فعبادة الله أن يجعل الإنسان عمره كله فيما يرضي الله ، بالنية الصالحة، ينام العبد ليتقوى على عبادة الله سبحانه، يصلي لله، ويصوم لله، ويذهب ليكسب عيشه من حلال لينفق على أهله. كذلك الإنسان المؤمن يتفكر في الدنيا وأنها ستنقضي ويستغلها قدر ما يستطيع.

стр. 476

ذكر بعض ما جاء من ذكر الموت في القرآن لا بد أن يكون الموت على بال الإنسان، والموت أمر حقيقي يقيني، وكل إنسان يعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن هذا العلم وحده لا يكفي ليحرك في الإنسان الخوف من الله ، حتى يستيقن أنه إذا مات يبعث يوم القيامة، وأن الله يسأله عما فعله في هذه الدنيا، وعما آتاه الله وأنزل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه من كتاب، وأمرَ بمعروف ونهى عن المنكر، وما الذي صنع الإنسان في هذه الدنيا، وعمر الإنسان قصير جداً، وقد يشعر الإنسان أنه عاش وقتاً طويلاً. يقول الشاعر: ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم فـ زهير يقول: إنه تعمر ثمانين سنة، فيرى هذه الثمانين سنة التي عاشها طويلة، ولكن هذه الفترة التي يستكثرها الإنسان يحس أنها طويلة يوم القيامة؛ لأن اليوم عند الله كما قال: ﴿َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: أن عمر الإنسان في الدنيا كان قصيراً جداً، لا يبلغ عشر يوم من أيام يوم القيامة أو أقل من ذلك، ولذلك في يوم القيامة عندما يسأل الناس: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]. وهذا العمر الذي قضاه الإنسان نصفه في النوم والباقي بين عمل وبين طعام وشراب، وجزء منه يعبد الله ، يستشعر أنه عمر يجري يوماً وراء يوم، وفي النهاية عند الموت يفيق الإنسان على حقيقة وهي أنه ضيع عمره وأنه غبن نفسه، وأنه فرط في هذا العمر، والعمر قيمته عظيمة جداً، أعطاه الله للإنسان يستغله في عبادته وفي طاعته، وفجأة أخذ منه هذه الروح وترك الدنيا بما فيها، ولن يرجع إليها مرة ثانية، مثل الحرب، فالحرب خدعة يا قاتل يا مقتول، كذلك تعيش الدنيا سعيداً أو شقياً، ولن ترجع إليك هذه الدنيا مرة ثانية. فالإنسان المؤمن لما يتذكر هذا الموت، ويتذكر الدنيا وكيف أنه يرجع إلى الله ليسأله عما فعل في هذه الدنيا، يجهز ويحضر الجواب، ماذا سيقول لله ؟ لو لم يكن إلا الوقوف بين يدي الله لاستحق أن يعمل الإنسان لهذا اليوم، أما ربنا سيسأله، وليس سؤالاً فقط، بل بعد السؤال يكون المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، إذا كانت المكافأة من الله بأنه سيعطيه قصراً في الجنة، فهذا شيء عظيم يستحق أن يعمل له الإنسان، فكيف إذا كان سيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا يجعل الإنسان يفكر في الجنة، وفي السعادة العظيمة التي ينالها حين يدخل هذه الجنة العظيمة. والعكس لو تفكر الإنسان في النار وما الذي يلقاه فيها، لو قيل له: سنحرقك بنار الدنيا، لكان شيئاً فظيعاً وأليماً، فكيف بنار جهنم؟! ونار الدنيا قد أطفئت مرتين حتى استطاع الإنسان أن ينضج عليها طعامه في الدنيا وأن ينتفع بها، ولكنها تكون يوم القيامة على هيئتها والعياذ بالله، يعذب فيها أهل النار ويخلدون في نار جهنم، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فالكافر يتمنى أن يصير تراباً ولن يصير تراباً. فهنا يتضح أن الإنسان المؤمن فُضِّلَ على غيره، بأن جعل الله له قلباً عاقلاً يعقل ويفهم ويتدبر ويتذكر، فيعبد ربه سبحانه حتى يأتيه اليقين، ويعبد ربه بالصورة الصحيحة للعبادة والصورة العظيمة للعبادة، ليست بالصورة الضيقة التي أكثر الناس يفكر ويقول: أنا صليت أنا صمت وانتهى الأمر، وإنما العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، أي: كل ما يحبه الله منك أن تقوله وأن تنويه وأن تفعله، هذه عبادة لله . جاء في الحديث أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ : (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فعبادة الله أن يجعل الإنسان عمره كله فيما يرضي الله ، بالنية الصالحة، ينام العبد ليتقوى على عبادة الله سبحانه، يصلي لله، ويصوم لله، ويذهب ليكسب عيشه من حلال لينفق على أهله. كذلك الإنسان المؤمن يتفكر في الدنيا وأنها ستنقضي ويستغلها قدر ما يستطيع.

стр. 477

معنى قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. فقوله: (كل نفس) لم يخص نفساً دون نفس، أي: كل نفس منفوسة وكل حي مولود لابد وأن يموت. قوله: (وإنما توفون أجوركم) أي: الجزاء الأوفى، فما تقدم أيها الإنسان من خير تجده عند الله خيراً وأعظم أجراً مما كنت تتخيل وتتوقع، حتى إن الإنسان ليأتي يوم القيامة فيجد له جبالاً من حسنات، ويسأل ربه الكريم : لم أعمل هذه الحسنة؟ فيكون الجواب أن هذا دعاء ادخرناه لك لهذا اليوم، أي: لم يستجب لك في الدنيا وإنما أخرناه ليوم القيامة، فالله يوفي عباده الأجر الوافي يوم القيامة، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، قوله: (زحزح) يعني: كأن الأصل الولوج على النار والعياذ بالله. قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ [مريم:٧١] ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، أي: وما منكم إلا واردها ووالج فيها، ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]. فقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، هذا الذي يزحزح عن النار حين تشتد فهو يزحزح عنها حتى ينجو منها، فهو فائز، فما بالك بمن سبق غلى جنة الخلد كيف يكون فوزه!! وجاء في الحديث، حين يمر الإنسان على الصراط والنبي ﷺ واقف فيقول: (يا رب سلم سلم، يا رب سلم سلم)، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ويمر الإنسان فوق الصراط، وهو مضروب على ظهر جهنم وهو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، وهو دحض مزلة، وحوله كلاليب تخطف الذي يسير عليه، والمؤمن يجعل الله مروره بفضله وبكرمه سبحانه كمرور البرق، كلمح طرف الإنسان عندما ينظر، وأقل منه من يكون في سرعة الريح حين يمر على الصراط، وأقل منه من يمر كأجاويد الخيل، أي: كالخيل السريع، فهو يجري على الصراط المضروب على متن جهنم، وهذا الذي كأجاويد الخيل يا ترى هل سيضعف أم يجري هذا الجري السريع؟! يا ترى هل يكون الجري في وقت طويل جداً على ظهر جهنم، أم في وقت قصير؟! ومنهم من يمشي على الصراط، ومنهم من يحبو على الصراط، ومنهم من يمشي مرة ويكبو مرة وتلفحه النار أخرى، وتخطفه الكلابيب التي عن يمينه وعن شماله مرة حتى ينجو، فإذا نجا من فوق الصراط قال: الحمد لله الذي نجاني، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من العالمين، ما رأى غيره، ما رأى إلا نفسه وهو على الصراط، ويظن أن ربنا أعطاه ما لم يعط أحداً من العالمين. فهذا الذي يمر على الصراط، كيف إذا سقط وهوى في نار جهنم والعياذ بالله؟! نسأل الله العفو والعافية. قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: الفوز العظيم ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: هذه الدنيا التي نعيش فيها ما هي إلا متعة يسيرة يستمتع بها الإنسان كما يستمتع المغرور بغروره، مثل: إنسان يلعب كمال أجسام حتى يبقى الجسم ضخماً جداً ويفرح به، وتراه يمشي منفوخاً في الناس، وفجأة جاء الله بمرض أضعفه أو جاءته شيخوخة وقعد في فراشه، فهذا كم استمتع بقوته؟ شيئاً يسيراً جداً. والأخرى استمتعت بجمالها، كانت جميلة ومتبرجة وتمشي في الناس تفتنهم، وفجأة دب على شعرها الشيب وجاء على وجهها الخطوط، وهذه كم استمتعت بجمالها؟ عصت الله فترات وفي النهاية قالت: يا ليتني ما عملت هذا الشيء، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: متعة يسيرة قليلة زائلة بعد ذلك.

стр. 478

معنى قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) قال الله سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، هذا كلام عظيم لمن يتأمل ويتدبر فيه، فهو عظة، أنت لا تدري ماذا ستكسب في غدك، من حسنات؟ وماذا تكتسب من سيئات؟ لا تدري ولكن الله يدري، ويعلم . يصبح الإنسان يفكر ويقول: سأعمل وأعمل وأعمل، ولا يقدر أن يعمل شيئاً مما نوى أن يفعله إلا أن يعينه الله، وقد لا يوفقه. قوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] أي: هذا الإنسان لا يدري متى يموت وفي أي مكان يموت؛ لأن المرء قد يبني له مقبرة وفي النهاية يسافر فيموت ويدفن في مكان آخر، وتذكرون المليونير اللبناني الذي عمل لنفسه مقبرة، وكان يريد أن يستهزئ من الموت، فهو لما عمل مقبرة قال لأهله: إذا أنا مت فاعملوا لي حفلة كل سنة في يوم موتي، وذلك بأن تأتوا وتغنوا وترقصوا عند المقبرة، ويشاء الله أن هذا الإنسان يركب طائرة، وهذه الطائرة تسقط في البحر فيغرق كل من فيها ويخرجون من البحر إلا هو لم يخرج من البحر، وإنما ضاع في البحر، ﴿ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، يعني: لست أنت الذي تحدد أين تموت، ولكن الله هو الذي يحدد مكان الموت، وأين يموت الإنسان. وهذه قصة عجيبة جداً، تحت عنوان: (لعنة الله على هذه المومياء)، يقول صاحب القصة يحكي عن نفسه: إنه كان رجلاً فقيراً وكانت هناك امرأة غنية عجوزة، فأحب أن يتزوج هذه المرأة من أجل أن يرثها، بعد أن تموت، فاستمر مع هذه المرأة فترة طويلة ولم تمت، وكانت بخيلة شحيحة، وهو منتظر على هذه المرأة أن تموت فيرثها، لكنه لم يصبر فطلقها ثلاث تطليقات، فبعدما طلقها الثلاث تطليقات بدأ الشيطان يوسوس له أن يرجع لها مرة ثانية؛ لأنها كانت مريضة، فأحب أن يرجع إليها وهي مريضة من أجل أن تموت فيرثها، فإذا به يبحث عن حل للرجوع؛ لأنه لا يمكن الرجوع إليها إلا بعد أن تتزوج من غيره، فأتى بمحلل فتزوجها عند المأذون وبات معها ليلة حتى الصباح فماتت، فمشى الناس في الجنازة وصاحبنا قام يصوت ويلطم خده على المال الذي ضاع منه وورثه هذا الذي تزوجها. انظروا الإنسان يريد أن يكسب في هذه الدنيا أشياء، فتراه يدبر ويخطط وفجأة ذهب الشيء منه لغيره، لو أنه رضي بما قسم الله له لكان خيراً له، ما الذي جعله يبحث عن الحرام ليأخذ الحرام مع أنه لن يستمتع بهذا الحرام أبداً؟ قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] يعني: إذا جاء الأجل لا يستأخرون ساعة، ولا دقيقة ولا ثانية ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] يعني: لن يخطئ الملك ويأتيه قبل الموت بساعة ويقول له: سأقبض روحك الآن، ولكن على وقته يقبض الإنسان.

стр. 479

معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩]. تجد المرء إذا قيل له: صل، يقول: عندي شغل، وعندي أولاد، فيترك الصلاة والصوم والعبادة من أجل أولاده ومن أجل زوجته، فالله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] أي: احذر، فأنت لا تدري ماذا يخبئ لك القدر. عليك أن ترضي ربك سبحانه حتى يرضي عنك الجميع؛ لأنك إذا أسخطت الله سخط عليك وأسخط عليك الجميع. قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:٩ - ١٠]. فقوله: ﴿رَبِّ لَوْلا﴾ [المنافقون:١٠] أي: هلا أخرتني قليلاً حتى أعبدك وأتصدق وأكن من الصالحين. قال تعالى: ﴿َلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] أي: جاء الأجل انتهى كل شيء، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١].

стр. 480

معنى قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت وأنكم إلينا لا ترجعون) قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]. أي: أن كل إنسان عندما يأتيه الموت يتمنى أن يرجع، يقول الكفرة والفجرة: ((رَبِّ ارْجِعُونِ)) أي: أرجعنا إلى الدنيا، يقولون ذلك بعدما ذاقوا النار والعياذ بالله، وبعدما نظروا هول الموت وهول المطلع، وبعدما رأوا ما في القبور من سؤال وغير ذلك، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار. فأصحاب النيران يقولون: ((رَبِّ ارْجِعُونِ)) فيقول الله لهم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: وعد من الله قد قاله الله، ولا رجوع مرة ثانية. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] أي: إذا نفخ في الصور يوم القيامة النفخة الأولى فالكل يموتون، فينتهي أمر الدنيا، ثم تكون النفخة الثانية فيبعثون من القبور للحساب، ويخرجون مدهوشين، ويجمعون إلى المحشر بين يدي الله سبحانه في يوم عظيم مهيب مخيف، كل إنسان يقول: نفسي نفسي. يسألهم الله : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] أي: اسأل الذين كانوا يعدون، وهم يظنون يوماً أو جزءاً من اليوم، لكن في الحقيقة يوم القيامة قدره خمسون ألف سنة. قال سبحانه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]. أي: المؤمنون الناجون ثقلت موازينهم فربنا سبحانه جعلهم من المفلحين، أما الذين كانوا في الدنيا في بعد عن الله وفي غفلة عن دينه فخفت موازينهم، يأتي الرجل السمين الضخم من هؤلاء فلا يزن عند الله جناح بعوضه، ليس له قيمة يوم القيامة، فأولئك الذين خسروا أعظم الخسران، فأعظم خسران أن الإنسان يخسر نفسه التي يدافع عنها في الدنيا بماله وبكل شيء، هذه النفس خسرها وشهدت عليه يوم القيامة، قال سبحانه في حال هؤلاء: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٤] أي: يدخلون النار، فتأتي على وجوههم، وأشرف ما في الإنسان وجهه. قوله: ((تَلْفَحُ)) أي: تحرق، ((وُجُوهَهُمُ النَّارُ)). ((وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)) أي: مشوهون والعياذ بالله، مناظرهم كمنظر الإنسان المحترق في الدنيا، قد احترق جلده وانكمش من جانب وطال من جانب آخر، تغيرت هيئة وجوههم التي كانت أشرف ما فيهم في الدنيا. قال تعالى مبكتاً لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] أي: أتتكم الآيات وقرأها عليكم رسولكم صلوات الله وسلامه عليه فكذبتم بها. ويقول في الآية الأخرى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:١١٥]، أي: أحسبتم أننا نلعب، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤ - ١١٥]. قال سبحانه ﵎: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد:١٦] أي: ألم يحن ولم يجيء الوقت، ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ [الحديد:١٦] أي: أهل الكتاب طالت عليهم الدنيا، فإذا بالأمد لما طال زاد الأمل في رءوسهم، وزاد حب الدنيا في قلوبهم فنسوا الآخرة، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].

стр. 481

ما جاء من قصر الأمل في السنة لا بد أن يكون الموت على بال الإنسان، والموت أمر حقيقي يقيني، وكل إنسان يعلم أن كل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن هذا العلم وحده لا يكفي ليحرك في الإنسان الخوف من الله ، حتى يستيقن أنه إذا مات يبعث يوم القيامة، وأن الله يسأله عما فعله في هذه الدنيا، وعما آتاه الله وأنزل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه من كتاب، وأمرَ بمعروف ونهى عن المنكر، وما الذي صنع الإنسان في هذه الدنيا، وعمر الإنسان قصير جداً، وقد يشعر الإنسان أنه عاش وقتاً طويلاً. يقول الشاعر: ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم فـ زهير يقول: إنه تعمر ثمانين سنة، فيرى هذه الثمانين سنة التي عاشها طويلة، ولكن هذه الفترة التي يستكثرها الإنسان يحس أنها طويلة يوم القيامة؛ لأن اليوم عند الله كما قال: ﴿َإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: أن عمر الإنسان في الدنيا كان قصيراً جداً، لا يبلغ عشر يوم من أيام يوم القيامة أو أقل من ذلك، ولذلك في يوم القيامة عندما يسأل الناس: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]. وهذا العمر الذي قضاه الإنسان نصفه في النوم والباقي بين عمل وبين طعام وشراب، وجزء منه يعبد الله ، يستشعر أنه عمر يجري يوماً وراء يوم، وفي النهاية عند الموت يفيق الإنسان على حقيقة وهي أنه ضيع عمره وأنه غبن نفسه، وأنه فرط في هذا العمر، والعمر قيمته عظيمة جداً، أعطاه الله للإنسان يستغله في عبادته وفي طاعته، وفجأة أخذ منه هذه الروح وترك الدنيا بما فيها، ولن يرجع إليها مرة ثانية، مثل الحرب، فالحرب خدعة يا قاتل يا مقتول، كذلك تعيش الدنيا سعيداً أو شقياً، ولن ترجع إليك هذه الدنيا مرة ثانية. فالإنسان المؤمن لما يتذكر هذا الموت، ويتذكر الدنيا وكيف أنه يرجع إلى الله ليسأله عما فعل في هذه الدنيا، يجهز ويحضر الجواب، ماذا سيقول لله ؟ لو لم يكن إلا الوقوف بين يدي الله لاستحق أن يعمل الإنسان لهذا اليوم، أما ربنا سيسأله، وليس سؤالاً فقط، بل بعد السؤال يكون المصير إما إلى الجنة أو إلى النار، إذا كانت المكافأة من الله بأنه سيعطيه قصراً في الجنة، فهذا شيء عظيم يستحق أن يعمل له الإنسان، فكيف إذا كان سيعطيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهذا يجعل الإنسان يفكر في الجنة، وفي السعادة العظيمة التي ينالها حين يدخل هذه الجنة العظيمة. والعكس لو تفكر الإنسان في النار وما الذي يلقاه فيها، لو قيل له: سنحرقك بنار الدنيا، لكان شيئاً فظيعاً وأليماً، فكيف بنار جهنم؟! ونار الدنيا قد أطفئت مرتين حتى استطاع الإنسان أن ينضج عليها طعامه في الدنيا وأن ينتفع بها، ولكنها تكون يوم القيامة على هيئتها والعياذ بالله، يعذب فيها أهل النار ويخلدون في نار جهنم، والكافر يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، فالكافر يتمنى أن يصير تراباً ولن يصير تراباً. فهنا يتضح أن الإنسان المؤمن فُضِّلَ على غيره، بأن جعل الله له قلباً عاقلاً يعقل ويفهم ويتدبر ويتذكر، فيعبد ربه سبحانه حتى يأتيه اليقين، ويعبد ربه بالصورة الصحيحة للعبادة والصورة العظيمة للعبادة، ليست بالصورة الضيقة التي أكثر الناس يفكر ويقول: أنا صليت أنا صمت وانتهى الأمر، وإنما العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، أي: كل ما يحبه الله منك أن تقوله وأن تنويه وأن تفعله، هذه عبادة لله . جاء في الحديث أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ : (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فعبادة الله أن يجعل الإنسان عمره كله فيما يرضي الله ، بالنية الصالحة، ينام العبد ليتقوى على عبادة الله سبحانه، يصلي لله، ويصوم لله، ويذهب ليكسب عيشه من حلال لينفق على أهله. كذلك الإنسان المؤمن يتفكر في الدنيا وأنها ستنقضي ويستغلها قدر ما يستطيع.

стр. 482

شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب) من الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه الإمام البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). هذه نصيحة النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمر يوصيه ويقول له: (كن في الدنيا كأنك غريب). الغريب لا يفكر في المكان الذي هو فيه غريب وأنه دار إقامة؛ لأنه مسافر من بلد إلى آخر، ويريد أن يؤدي الذي عليه ويرجع لداره، فدارك الجنة، فكن في الدنيا كأنك غريب سترجع إلى دارك، فجهز الهدايا لهذه الدار التي ستبقى فيها بلا نهاية، فأنت مثل الغريب الذي يقيم في بلد أخرى غير بلده لا على وجه الاستيطان والإقامة، وإنما يمكث فترة ويرجع، فتراه يحاول أن يدخر المال من أجل أبنائه وزوجته، فأنت تدخر عملك الصالح في دار الدنيا لهذه الدار الآخرة. يقول ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أي: عابر طريق يمر بالطريق ولا يبني في الطريق بيتاً. فالإنسان لا يؤمل في الدنيا كأنه سيخلد فيها، وإنما يكتفي برزق الله الحلال الذي آتاه، ويحمد الله عليه، ولا يكون شرهاً في الدنيا طماعاً فيها؛ فإن الطماع والشره يموت بما يأكله. قال: (وكان ابن عمر ينصح بعد ذلك فيقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك). انتفع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بهذه النصيحة، فكان من أفاضل أصحاب النبي ﷺ ، وكان محبوباً إلى الناس، وكان كثير الصدقة، وكان عظيم التواضع، وكان إذا قام يتعشى أو يتغدى يقول لمن حوله: اذهبوا لجارنا فلان المفلوج فائتوا به، فيجلس فيأكل مع ابن عمر ولعابه يسيل على صدره، ما قال له: أنا أتقزز منك، ولكن جلس يأكل معه تواضعاً لله ؛ لأنه تعلم من النبي ﷺ التواضع، فكان يقول: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، فكان يقول: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء). يعني: أن المؤمن ينبغي أن يعلم أنه في كل لحظة قد يأتيه الموت، فليكن في هذه اللحظة في خير عمل يلقى به الله . ولذلك جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (إن الله إذا أراد بعبد خيراً استعمله، قالوا: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، وإذا أراد الله بعبد شراً استعمله في الشر) أي: إذا أراد به شراً إذا به يسخر من الناس، وإذا به يصنع أفعالاً، بأن يمد يده ويسرق أو يرتشي أو غير ذلك، ويموت على ذلك، فهنا استعمل في الشر فكان من أهله. أما المؤمن فالله يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه، بأن يصلي فيموت وهو يصلي، أو يكون صائماً فيموت وهو على صيامه، أو يتصدق بصدقة ويموت بعدها، فيوفقه الله أن يكون آخر عمله الذي عمله من الأعمال الصالحة فيقبله سبحانه ﵎. يقول ابن عمر: (وخذ من صحتك لمرضك) يعني: استغل الوضع الذي أنت فيه، فأنت الآن شاب قوي وتقدر على أن تحفظ كتاب الله، فاحفظ القرآن، وإذا كنت تقدر أن تتعلم العلم الشرعي فافعل قبل أن تأتي عليك المشاغل فلا تقدر، وقبل أن يأتي عليك الكبر والشيخوخة فتنسى، لكن وأنت صغير تدرك ما لا تدركه وأنت كبير، فخذ من وقت صحتك لوقت مرضك، فالله كريم ، يعامل العبد معاملة الكرم، فانظر حين تواظب على صلاة الجماعة إذا مرضت تسأل عنك الملائكة: أين فلان الذي كان يصلي هنا؟ وتذهب تعودك في بيتك، ويأمر الله الملائكة أن تكتب للعبد ما كان يصنعه وهو صحيح، كذلك إذا سافر يكتب له ما كان يفعله مقيماً، فإذا كان مواظباً على الصيام في الحضر ثم سافر فلم يصم يكتب له كأنه صائم، هذا كله من فضله ومن رحمته سبحانه وعلى ذلك فقس. ثم قال: (وخذ من حياتك لموتك) أي: خذ من حياتك ما تدخره بعد موتك.

стр. 483

شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه) جاء عن النبي ﷺ في الصحيحين أيضاً عن ابن عمر: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده؟). قوله: (ما حق امرئ مسلم) أي: حق للمرء المسلم وحق عليه حين يكون له شيء يوصي فيه، من حقوق للناس من ودائع وديون وعرايا موجودة عنده، فإنه يلزمه أن يعيدها لأصحابها، فإذا فرضنا أنها ديون ولم يأت وقت تسديدها فإن عليك أن تكتب في البيت عندك في صحيفة: فلان له عندي كذا وكذا، وتبقى معروفة وتشهد على ذلك؛ حتى إذا مت عرف أهل البيت أن عليك الدين الفلاني فيؤدونه لصاحبه، فيا ترى من من الناس يصنع ذلك؟ أكثر الناس يكتبون ما لهم: لي عند فلان كذا ولي عند فلان كذا، أما ما عليه فالأكثر من الناس ينسون ذلك، وقد يكون المبلغ حاضراً عنده، فيقول: أرده غداً أو في الشهر الآتي، ينسى هذا المسكين أنه لو مات لعل الورثة يأخذون هذا المال ولا يردونه لصاحبه، فيحبس في النار ويعذب بذلك. إذا كان الرجل قد حبس بدينارين كما جاء في الحديث: (أنه أتي للنبي ﷺ بجنازة ليصلي عليها، فكان يسأل: هل عليه دين؟ فلما جاءوا بهذه الجنازة وسأل، قالوا: عليه ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، فـ أبو قتادة صعب عليه أن النبي ﷺ لم يصل عليه وصلاته بركة ورحمة ونور لهذا الإنسان في قبره، فقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي الدينارين، فقال: هما عليك وفي مالك والميت منهما براء، فقال: نعم، فصلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، في اليوم التالي سأل النبي ﷺ أبا قتادة: ما صنع الديناران؟ فقال: يا رسول الله! العهد قريب، فسكت النبي ﷺ ، بعد ذلك سأله: ما صنع الديناران؟ فقال ذلك، فسكت، وبعد ذلك سأله فقال: أديتهما يا رسول الله! قال: الآن بردت عليه جلدته)، هذان ديناران، فكيف بمن يأخذ مائة ألف ومائتي ألف، ويسرق الفلوس ويهرب بها؟! مصيبة من المصائب، والناس في غفلة، يأكل أموال الناس وينسى. ومن عذاب الله للإنسان في الدنيا الغفلة، مثل المريض بالسكر عندما يأتيه المرض فيأكل أعصابه ومع ذلك لا يحس برجله حين يقوم، أقول: هذا من البلاء، فلا بد للإنسان أن يراجع نفسه عندما ينزل به المرض، فهاهو المرء ينتبه ويبعد رجله عن النار، وكذلك إذا مر على مسمار يبتعد عنه، لكن المصاب بمرض السكر أعصابه لا تحس بشيء، فهو يدوس مسماراً ولا يحس به؛ لأنه قد حصل في رجله (غرغرينا) وقد تنقطع رجله في يوم من الأيام، كذلك الإنسان الذي يكون في غفلة، فتراه يأكل المال الحرام ولا يبالي، فهذا شبهه النبي ﷺ بإنسان جاءت على أنفه ذبابة فقال بيده هكذا، هشها فطارت الذبابة، ونسي ما كان من أمر الذبابة، فذنب الفاجر على رأسه كذبابة، قال بيده هكذا فطارت. أما المؤمن فالذنب الذي يقع فيه يكون على رأسه كالجبل، يستشعر عظم هذا الذنب، ويقول: يا ترى ربنا سيتوب علي فيه؟ يا ترى ربنا سيعذبني؟ ويظل يستغفر ويستغفر ويصلي لله ويسأل الله أن يتجاوز عنه في ذنب واحد فعله، فهناك فرق بين من قلبه حي ومن قلبه ميت. لذلك الإنسان المؤمن دائماً متذكر ما يقوله الله ، وعلى باله أن الموت سيأتيه ليلاً أو نهاراً. نسأل الله أن يعيننا على التذكر وعلى العمل، وأن يجعلنا من عباده المخلصين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 484

شرح رياض الصالحين - ذكر الموت وزيارة القبور وكراهية تمني الموت إن تذكر الموت ما كان في واسع إلا ضيقه ولا في كثير إلا قلله، فالموت هادم اللذات ومفرق الجماعات وقاطع الأمنيات، وهو البوابة التي يعبر من خلالها المرء إلى الحياة الآخرة، وتذكر الموت أقض مضاجع الأنام، وأذهل عقول الصادقين من العباد فحملهم على الزهادة في الدنيا واطراحها والإقبال على ما ينفعهم في دار المعاد.

стр. 485

تابع ما جاء في ذكر الموت وقصر الأمل من الأحاديث

стр. 486

شرح حديث أنس وابن مسعود: (خط النبي ﷺ خطوطاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب ذكر الموت وقصر الأمل. عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خط النبي ﷺ خطوطاً فقال: هذا الإنسان وهذا أجله فبينما هو كذلك إذ جاء الخط الأقرب)، رواه البخاري. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (خط النبي ﷺ خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: هذا الإنسان وهذا أجله محيطاً به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)، رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال سبعاً؛ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات، يعني: الموت)، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن]. هذا باب ذكرنا بعضاً من الأحاديث التي فيه، والمقصد من الباب بيان أن الموت قريب جداً من الإنسان وأنه يأتيه من حيث لا يحتسب، وأنه ينبغي عليه أن يتفكر في هذا الموت، وأنه إذا قابل ربه سبحانه فسيندم على ما فرط في هذه الدنيا من أعمال كان يقدر أن يعملها فتركها وسوّف حتى لقي الله فلم يجد إلى الرجوع إلى الدنيا سبيلاً. كلما يتذكر الإنسان الموت يحفزه على العمل الصالح وعلى تقوى الله ﵎، وهذه الأحاديث تفهمنا هذا المعنى، ومنها حديث أنس ﵁ ومثله حديث ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه. وفي حديث أنس: (خط النبي ﷺ خطوطاً)، وفي حديث ابن مسعود: (خط النبي خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه)، وكأنه رسم مستطيلاً ورسم خطاً طويلاً في وسط هذا المستطيل خارجاً منه. وكأن الإنسان في أول هذا الخط يحيط به هذا المستطيل أو المربع، والخط الطويل الخارج من المستطيل هو خط أمل الإنسان، فالإنسان أمله بعيد جداً، فهو ينال منه أشياء وهي التي في حدود هذا المستطيل، وهذا المستطيل هو أجل الإنسان، فأمل الإنسان أمل بعيد، فهو يتمنى أن يكون كل شيء عنده، فقال هنا في الحديث: (وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي هو في الوسط)، فالخط الطويل الذي ذكره هو أمل الإنسان ومن حوله على الشمال واليمين خط خططاً صغاراً، صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الخطوط الصغيرة هي الأعراض التي تعتري الإنسان من مرض أو من أطماع يطمعها، أو أشياء يأخذها وينالها وأشياء لا ينالها، ولكن ما زال أمل الإنسان بعيداً يمثله الخط الطويل، حتى إذا جاء الموت انقطع هذا الخط وانقطع الأمل، قال ﷺ بعد أن خط هذه الخطوط: (هذا الإنسان وهذا أجله محيطاً به). فحال هذا الأجل أنه محيط بالإنسان، فلا يمكن للإنسان أن يفر من أجله أبداً ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. قال: (وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)، فأعراض الدنيا التي تعتري الإنسان كثيرة من أمراض وأطماع وهموم وكروب وسعادة وشقاء. وفي الحديث الأول قال: (هذا الإنسان وهذا أجله، فبينما هو كذلك - أي: ينظر إلى الخط الأبعد - إذ جاء الخط الأقرب)، يعني قطع عليه الموت أمله فالموت هو قاطع آمال الإنسان. لذلك فإن المؤمن يكون أمله في حدود ما يقدر عليه، وأمله العظيم يكون في رب العالمين سبحانه وفي جنة الخلود، ويكون أمله في السعادة الأبدية عند الله ، أما الآمال التي في الدنيا فلا يمكن للإنسان أن يحصل على جميع ما يؤمله وخاصة إذا كانت خيالات، حيث يجلس الإنسان فيتخيل أن يكون عنده قصر وأن يكون عنده سيارة ويريد أن يكون عنده كذا من الآمال وهو لا يعمل لهذه الأشياء، وقد يعمل الإنسان وينسى ربه سبحانه. وهناك فرق بين المؤمن والكافر، فالكافر أدخل نفسه باختياره في دوامة الآمال فيظل يدور مع الدنيا وتدور به، أما المؤمن فإنه قد حدد هدفه وعرف ما الذي يريده من هذه الحياة الدنيا القصيرة، وهو أن يستغلها في عبادة الله وفي طاعة الله سبحانه، لا شك أنه يحتاج في هذه الدنيا إلى طعام وشراب وكسوة وسكن وزوجة، ويحتاج إلى أن يكون عنده أولاد، وأن يكون عنده عمل يعمل به، ولا أحد يمنعه من هذا الشيء، لكن الأمل في أن يحصل الدنيا كلها فهذا لا يحصل لأحد، فلا يؤمل الإنسان أن يكون أفضل الناس في الدنيا، وإنما يتمنى أن يكون أفضل الناس عند الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فبتقوى الله يحصل المرء الخير العظيم ويحصل أعظم الغنى وهو غنى القلب.

стр. 487

شرح حديث: (بادروا بالأعمال سبعاً) ومن الأحاديث التي ذكرها الإمام النووي حديث ضعيف رواه الترمذي وقال: حديث حسن، هو حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (بادروا بالأعمال سبعاً). ورغم أن الحديث ضعيف من ناحية الإسناد، لكن المعنى الذي في هذا الحديث معنى حكيم وجميل، فالإنسان ماذا ينتظر في هذه الدنيا؟ قال: (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر). يعني: الإنسان الذي ينكب على الدنيا ويريد أن يحصل عليها يقال له هنا: بادر قبل أن يأتي عليك واحد من سبعة لأشياء، (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً)، لعلك الآن في غنى فبادر بالعمل الصالح، فالإنسان عند فقره ينسى الله سبحانه ﵎ ويبقى يفكر بما عليه من دين ويريد أن يعمل لقضاء هذا الدين، فالفقر ينسي الإنسان ربه سبحانه ﵎، (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً)، يعني: ينسيكم الطاعة وينسيكم العبادة. (أو غنى مطغياً)، يعني: غنى يطغي الإنسان ويجعله يحتقر غيره، أو فقراً ينسيه ربه ﵎، فما دمت الآن في حالة سوية فأحسن عبادة ربك . (أو مرضاً مفسداً) أي: مرضاً يفسد على الإنسان صحته، أو يفسد على الإنسان عقله، أو يفسد على الإنسان تفكيره، فالمرض حين يأتي على الإنسان يبقى تفكيره في الوجع الذي يلم به وفي الشكوى وينسى عبادته وطاعته. (أو هرماً مفنداً)، أي: يفند الإنسان ويذهب عقله فيرد إلى أرذل العمر، فإذا بتفكيره غير سوي وإذا بتطلعاته وطلباته تضايق من حوله. (أو موتاً مجهزاً)، يأتي فجأة فيقضي عليه فلا يتمكن من أن يتوب أو يعمل عملاً صالحاً، وإن فرضنا أن العمر طال به فماذا ينتظر؟ قال: (أو الدجال فشر غائب ينتظر)؛ لأن فتنته فتنة عظيمة، (أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)، يعني: أن أمر شيء أن تقوم الساعة على الناس، فقد قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، فكأن الحديث يحث المسلم على أن يبادر بالعمل الصالح الذي يريد أن يعمله قبل أن يدركه واحد من هذه السبعة.

стр. 488

شرح حديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) وجاء عن أبي هريرة ﵁ وهو عند الترمذي وقال: حديث حسن - أن النبي ﷺ قال: (أكثروا ذكر هاذم اللذات). وهاذم اللذات بمعنى: قاطع اللذات، وهو الموت، فالموت يهذم لذة الإنسان يقطعها فإذا مات غيره فإذا به يتكدر، أما إذا مات هو فسيقدم على أهوال في قبره من سؤال منكر ونكير، وهل سيقدر على أن يجيب أم لا؟ فهنا يقول لنا ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات). وجاء في بعض الروايات: (أنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا ذكر في سعة إلا ضيقها)، فالإنسان إذا ضاقت عليه الدنيا بمرض أو بأي شيء من المكدرات فإنه حين يذكر الموت يقول: لا والله أنا في رحمة، فالموت أشد من ذلك؛ لأن الموت حين يأتي يأتي بكل ما فيه من سكرات وقبر وسؤال؛ فأنا مازلت في نعمة. فهو عندما يتذكر الموت يرضى بحاله الذي هو عليه الآن. والإنسان عند السعة وفي وقت الرخاء سيطغى عندما يرى كثرة أمواله، فإذا تذكر الموت فإنه يضيق عليه هذه السعة التي كادت أن تطغيه وأن تذهب بعقله.

стр. 489

شرح حديث: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة) وعن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه). فالحديث فيه أن النبي ﷺ كان يقوم إذا ذهب ثلث الليل ويقول: (يا أيها الناس اذكروا الله جاءت: الراجفة) يعني: كأنها جاءت، فالله حين يقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، معناه: أنه سيأتي يقيناً، ولذلك عبر عنه بالماضي فقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١]، ولا أحد يقدر على دفع أمر الله سبحانه، وكذا قوله ﷺ : (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة)، يعني: ستقوم وكأن ذلك قد حدث. والراجفة: النفخة الأولى التي ترجف بالخلق وتميتهم. (تتبعها الرادفة) أي: النفخة الأخرى ترجف بهم فيبعثون من قبورهم لحسابهم. قال: (جاء الموت بما فيه)، يعني: بما فيه من سؤال ومن حساب. قال أبي بن كعب: (قلت يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟). يعني: كم أجعل لك من دعائي، وليس معناه: أنني سأصلي ركعتين وأجعلها للنبي ﷺ ، بل المعنى: أنا أكثر من الدعاء فكم مرة أقول: اللهم صل على محمد ﵊؟ قال: (فقال ﷺ : ما شئت. قلت: الربع؟)، يعني: ربع دعائي أجعله صلاة عليك؟ قال: (قال ﵊: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف) أي: أجعل نصف دعائي لك والنصف الآخر دعاء لنفسي؟ قال: (قال ﷺ : ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قالت: فالثلثين؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟) يعني: أجعل دعائي كله صلاة عليك؟ قال: (إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك). يعني: لو كان دعاؤك كله صلاة على النبي فإنك في ذكر لله سبحانه بأن تطلب من الله الثناء والصلاة عليه، فإذا كان الأمر كذلك قال ﷺ : (إذاً: تكفى همك)، فأفضل من دعائك لنفسك أن تكثر من الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه قال: (ويغفر لك ذنبك).

стр. 490

استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر

стр. 491

شرح حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) من الأبواب التي ذكرها النووي: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر. تشرع زيارة القبور للرجال، وكان جاء عن النبي ﷺ النهي عن زيارة القبور فترة وكأنه لسد ذريعة الشرك بالله سبحانه، حيث كان الناس قريبي عهد بعبادة الأوثان، فكان قد منعهم ﷺ من زيارة القبور ثم قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة). فهو أولاً نهاهم، ولكن عندما استقر التوحيد في قلوبهم أمرهم أن يزوروا القبور؛ لأنها تذكر الآخرة، وأهل الجاهلية كانوا يفتخرون بكل شيء فكانوا يفتخرون بقبورهم، لذلك كان من الحكمة في أول الإسلام أن نهى النبي ﷺ المسلمين عن زيارة القبور، والله ذكر الكفار فقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]. ومن المعاني لهذه الآيات: أن هؤلاء ألهاهم تفاخرهم عن عبادة الله سبحانه حتى ماتوا، أو حتى ذهبوا ليفتخروا بعدد أمواتهم والذي يدل على أن القبيلة الفلانية أعظم من القبيلة الأخرى. ولما جاء الإسلام نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فلما استقر في قلوبهم الطاعة والخشوع لرب العالمين سبحانه والبعد عن هذا الفخر والعجب والخيلاء رأى النبي ﷺ أن يأمرهم بزيارة القبور ليتعظوا فقال هنا في حديث بريدة: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، فأمر بزيارة القبور بعد ذلك ﷺ . وفي الباب يقول الإمام النووي: استحباب زيارة القبور للرجال: فهذا الاستحباب للرجال وليس للنساء، بل جاء الوعيد في حق زوارات القبور من النساء، أي: المكثرات من زيارة القبور، قال النبي ﷺ : (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد)، لعن الله الزورات للقبور من النساء، ولن تكون زوارة إلا بأن تزور مرات ومرات، وكلما مات شخص ذهبت المرأة إلى القبر، فإذا ذهبت إلى المقابر فإنها ترجع بلعنة الله عليها، فلا ينبغي للنساء أن يذهبن إلى المقابر، ويمكن أن تقول بعض النساء: سأذهب للعبرة والذكرى. فنقول: حتى وإن حصل هذا في الأول إلا أنه بعد ذلك سيرافقه النياحة والندب ورفع الأصوات بالبكاء وغير ذلك، وهذا لا يجوز، فسداً للذريعة منعت المرأة من زيارة المقابر لا للاتعاظ ولا لغيره، ولكن إذا أرادت أن تتعظ فتبقى في بيتها وتدعو للميت، ولا فرق بين دعائك للميت وأنت في بيتك ودعائك وأنت في المقابر. مع ما في الدعاء عند المقبرة من الخصوصية حيث تنظر إلى المقابر وكيف أن أصحابها كانوا في الدنيا يوماً من الأيام، وكل إنسان منهم له بيته، والآن صار في قبر مع سائر الأموات ولا يتميز عنهم بشيء، فنفس الإنسان عندما تحدثه أنه أعلى من غيره وأفضل من غيره، فيتطاول بذلك على الغير فعليه أن يتذكر هذا اليوم حين يكون بداخل القبر محتاجاً إلى الغير، أن يدعو له، وأن يسأل الله له الرحمة.

стр. 492

شرح حديث عائشة في خروج النبي إلى البقيع ودعائه لأهله وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). يعني: عندما يكون النبي عندها في ليلتها التي تكون كل تسع ليال مرة، كان النبي ﷺ يخرج، ولأنه تكرر منه ذلك قالت: (كلما كان ليلتها) فكان ﷺ يخرج ليزور قبور شهداء أحد ويدعو لأهل المقابر هنالك. قالت: (فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون)، يعني: الموت الذي وعدتم به قد جاءكم. (غداً مؤجلون)، يعني: القيامة ستكون في الغد، والكل سيبعث للحساب يوم القيامة. (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، يعني: أنتم سبقتم ونحن وراءكم. ثم يدعو ويقول: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). فهنا في هذا الحديث ذكر بقيع الغرقد، وفي حديث آخر عن عائشة ﵂: (ذهب يدعو لشهداء أحد)، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان في آخر حياته ﷺ كالمودع للأحياء وللأموات.

стр. 493

شرح حديث بريدة في زيارة المقابر والدعاء للموتى وعن بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)، فيشرع للمسلم أن يسلم عليهم قائلاً: (السلام عليكم أهل الديار)، أي: الذين سكنتم هذه الديار، (من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). فالإنسان يتذكر وهو في المقابر أنه أتى لهذا المكان اليوم سائراً وغداً أو بعد غد سيذهب إليه محمولاً ويوضع في قبر، فيسأل الله العافية للأحياء والأموات، فالحي يحتاج إلى العافية، والميت أحوج إليها. والعافية بمعنى: المعافاة من الذنوب، والمعافاة من العقوبة، والمعافاة من الحساب، فيسأل الله له وللأموات أن يعافيه الله من عقوبته.

стр. 494

شرح حديث: (مر رسول الله بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه) وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر). أنتم سلفنا ونحن بالأثر، أي: أنتم تقدمتم وسبقتم ونحن وراءكم في نفس طريقكم، فنرد الموت كما وردتم عليه. ففي زيارة القبور عظة عظيمة للإنسان، ويضيع هذه الموعظة على الإنسان ما يكون فيه عند زيارة القبور من اشتغال بذكر الدنيا والغفلة عن تذكر الآخرة، فعلى الإنسان عندما يصل إلى المقبرة أن يكون في خشوع وصمت إلا من دعاء وذكر لله سبحانه ﵎، ويتذكر ما فيه هؤلاء الأقوام ويعتبر بهم، وكم من إنسان تحمل جنازته ويكون له عند الله منزلة عظيمة، وكم من إنسان آخر لا يكون له عند الله منزلة. وكم من إنسان تشهد جنازته أعداد غفيرة من الناس يكون مذكوراً عند الناس منسياً عند الله ﵎، وكم من إنسان يذهب به قلة من الناس إلى القبور وله عند الله درجة عظيمة، فكثرة العدد وقلة العدد ليس دليلاً على حب الله للعبد أو بغض الله للعبد، ولكن كلما كثر العدد فلعله أن يكون أدعى لإجابة الدعاء من مخلصين وموحدين لله عندما يدعون للميت.

стр. 495

ما جاء في كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين
следующие страницы →