← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

شرح حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) من الأبواب التي ذكرها النووي: باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر. تشرع زيارة القبور للرجال، وكان جاء عن النبي ﷺ النهي عن زيارة القبور فترة وكأنه لسد ذريعة الشرك بالله سبحانه، حيث كان الناس قريبي عهد بعبادة الأوثان، فكان قد منعهم ﷺ من زيارة القبور ثم قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة). فهو أولاً نهاهم، ولكن عندما استقر التوحيد في قلوبهم أمرهم أن يزوروا القبور؛ لأنها تذكر الآخرة، وأهل الجاهلية كانوا يفتخرون بكل شيء فكانوا يفتخرون بقبورهم، لذلك كان من الحكمة في أول الإسلام أن نهى النبي ﷺ المسلمين عن زيارة القبور، والله ذكر الكفار فقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]. ومن المعاني لهذه الآيات: أن هؤلاء ألهاهم تفاخرهم عن عبادة الله سبحانه حتى ماتوا، أو حتى ذهبوا ليفتخروا بعدد أمواتهم والذي يدل على أن القبيلة الفلانية أعظم من القبيلة الأخرى. ولما جاء الإسلام نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فلما استقر في قلوبهم الطاعة والخشوع لرب العالمين سبحانه والبعد عن هذا الفخر والعجب والخيلاء رأى النبي ﷺ أن يأمرهم بزيارة القبور ليتعظوا فقال هنا في حديث بريدة: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، فأمر بزيارة القبور بعد ذلك ﷺ . وفي الباب يقول الإمام النووي: استحباب زيارة القبور للرجال: فهذا الاستحباب للرجال وليس للنساء، بل جاء الوعيد في حق زوارات القبور من النساء، أي: المكثرات من زيارة القبور، قال النبي ﷺ : (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد)، لعن الله الزورات للقبور من النساء، ولن تكون زوارة إلا بأن تزور مرات ومرات، وكلما مات شخص ذهبت المرأة إلى القبر، فإذا ذهبت إلى المقابر فإنها ترجع بلعنة الله عليها، فلا ينبغي للنساء أن يذهبن إلى المقابر، ويمكن أن تقول بعض النساء: سأذهب للعبرة والذكرى. فنقول: حتى وإن حصل هذا في الأول إلا أنه بعد ذلك سيرافقه النياحة والندب ورفع الأصوات بالبكاء وغير ذلك، وهذا لا يجوز، فسداً للذريعة منعت المرأة من زيارة المقابر لا للاتعاظ ولا لغيره، ولكن إذا أرادت أن تتعظ فتبقى في بيتها وتدعو للميت، ولا فرق بين دعائك للميت وأنت في بيتك ودعائك وأنت في المقابر. مع ما في الدعاء عند المقبرة من الخصوصية حيث تنظر إلى المقابر وكيف أن أصحابها كانوا في الدنيا يوماً من الأيام، وكل إنسان منهم له بيته، والآن صار في قبر مع سائر الأموات ولا يتميز عنهم بشيء، فنفس الإنسان عندما تحدثه أنه أعلى من غيره وأفضل من غيره، فيتطاول بذلك على الغير فعليه أن يتذكر هذا اليوم حين يكون بداخل القبر محتاجاً إلى الغير، أن يدعو له، وأن يسأل الله له الرحمة.

стр. 492

شرح حديث عائشة في خروج النبي إلى البقيع ودعائه لأهله وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). يعني: عندما يكون النبي عندها في ليلتها التي تكون كل تسع ليال مرة، كان النبي ﷺ يخرج، ولأنه تكرر منه ذلك قالت: (كلما كان ليلتها) فكان ﷺ يخرج ليزور قبور شهداء أحد ويدعو لأهل المقابر هنالك. قالت: (فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون)، يعني: الموت الذي وعدتم به قد جاءكم. (غداً مؤجلون)، يعني: القيامة ستكون في الغد، والكل سيبعث للحساب يوم القيامة. (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، يعني: أنتم سبقتم ونحن وراءكم. ثم يدعو ويقول: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد). فهنا في هذا الحديث ذكر بقيع الغرقد، وفي حديث آخر عن عائشة ﵂: (ذهب يدعو لشهداء أحد)، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كان في آخر حياته ﷺ كالمودع للأحياء وللأموات.

стр. 493

شرح حديث بريدة في زيارة المقابر والدعاء للموتى وعن بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)، فيشرع للمسلم أن يسلم عليهم قائلاً: (السلام عليكم أهل الديار)، أي: الذين سكنتم هذه الديار، (من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). فالإنسان يتذكر وهو في المقابر أنه أتى لهذا المكان اليوم سائراً وغداً أو بعد غد سيذهب إليه محمولاً ويوضع في قبر، فيسأل الله العافية للأحياء والأموات، فالحي يحتاج إلى العافية، والميت أحوج إليها. والعافية بمعنى: المعافاة من الذنوب، والمعافاة من العقوبة، والمعافاة من الحساب، فيسأل الله له وللأموات أن يعافيه الله من عقوبته.

стр. 494

شرح حديث: (مر رسول الله بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه) وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر). أنتم سلفنا ونحن بالأثر، أي: أنتم تقدمتم وسبقتم ونحن وراءكم في نفس طريقكم، فنرد الموت كما وردتم عليه. ففي زيارة القبور عظة عظيمة للإنسان، ويضيع هذه الموعظة على الإنسان ما يكون فيه عند زيارة القبور من اشتغال بذكر الدنيا والغفلة عن تذكر الآخرة، فعلى الإنسان عندما يصل إلى المقبرة أن يكون في خشوع وصمت إلا من دعاء وذكر لله سبحانه ﵎، ويتذكر ما فيه هؤلاء الأقوام ويعتبر بهم، وكم من إنسان تحمل جنازته ويكون له عند الله منزلة عظيمة، وكم من إنسان آخر لا يكون له عند الله منزلة. وكم من إنسان تشهد جنازته أعداد غفيرة من الناس يكون مذكوراً عند الناس منسياً عند الله ﵎، وكم من إنسان يذهب به قلة من الناس إلى القبور وله عند الله درجة عظيمة، فكثرة العدد وقلة العدد ليس دليلاً على حب الله للعبد أو بغض الله للعبد، ولكن كلما كثر العدد فلعله أن يكون أدعى لإجابة الدعاء من مخلصين وموحدين لله عندما يدعون للميت.

стр. 495

ما جاء في كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين

стр. 496

شرح حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت) ومن الأبواب التي ذكرها النووي ﵀: [باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به، ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمن أحدكم الموت؛ إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب). وفي الحديث الآخر: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)]. فهنا ينهى النبي ﷺ عن تمني الموت مهما جاء على الإنسان من أشياء تضايقه، فلعله يدعو على نفسه بالموت فيستجيب الله له فيموت، وهذا المتمني إما هو محسن وإما مسيء، فإن كان محسناً فطول العمر أفضل في الإحسان، ولذلك جاء في الحديث الآخر: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، فإذا كان الإنسان مصلياً صائماً عابداً لله سبحانه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، فطول العمر له فيه ثواب عظيم ودرجات عالية. فعلى ذلك لا يتمنى المرء الموت؛ لأن ربه أعلم بما يصلح له، قال: (إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب) يعني: يطلب من الله أن يقبل منه عذره وأن يتوب عليه، ولعل الله يعتبه. وفي الحديث الآخر: (لا يتمن أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً). كلما ازداد عمر المؤمن ازداد خيراً بالأعمال الصالحة، يكفي أنه يصلي، ويقرأ القرآن، ويواظب على حضور الجمعة والجماعات، ويصوم رمضان، فيكتب له بذلك حسنات عظيمة، فلا معنى لأن يتمنى لنفسه الموت. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه). كأن الغالب أن الذي يدعو على نفسه بالموت حصل له مصيبة، كأن يكون ذهب إلى الامتحان وكانت نتيجته سيئة فقام يدعو على نفسه بالموت، أو كان يطلب شيئاً معيناً فضاع منه هذا الشيء فضاق صدره فقام يطلب الموت، فإذا كان على هذه الحال ضيق الصدر فإنه لا يدري فلعله ساخط على ربه فيموت على ذلك فيلقى ربه وهو ساخط عليه. (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلاً)، يعني: إذا ضاق به الحال ويريد أن يدعو فليدع بهذا الدعاء: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي). فتكون بذلك قد أرجعت الأمر إلى ما يشاؤه ربك سبحانه وما يراه الأنفع لك إما الموت العاجل، وإما أن يؤخر لك في العمر.

стр. 497

شرح حديث خباب: (ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به) وعن قيس بن أبي حازم قال: (دخلنا على خباب بن الأرت ﵁ نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا). وخباب بن الأرت رضي الله ﵎ عنه رجل من أصحاب النبي ﷺ الذين ابتلوا ابتلاء شديداً، فلما أسلم ﵁ أخذه المشركون وعذبوه عذاباً شديداً، ومرة في خلافة عمر ﵁ كان الناس يتكلمون عما كان يفعله المشركون بالمسلمين، فهنا كشف خباب عن ظهره ﵁ فقال عمر ﵁: ما رأيت أبشع من ذلك، حيث رأى لحم ظهره قد ذاب وكشف عن عظام ظهره، فقد كان المشركون يوقدون النار حتى تصير جمراً ثم يطرحونه عليها حتى تنطفئ بشحم ظهره رضي الله ﵎ عنه. فهذا الرجل الفاضل ﵁ أصابه بلاء ومرض في آخر عمره وبسبب هذا المرض اكتوى سبع كيات، وقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب. يعني: بعد الفتوحات أصبنا من الغنائم وجاء لنا من الرزق، وهو لم يذكر أنه كان مجاهداً، وكأنه يقلل من شأن نفسه رضي الله ﵎ عنه، فيقول خباب ﵁: إنه من كثرة المال لم يجد إلا أن يحفر مكاناً في الأرض ويجعل فيه هذا المال. وذكروا عنه في رواية عند الترمذي أنه قال: (لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وما أملك درهماً وإن في جانب بيتي الآن أربعين ألف درهم)، ولا بد أن يكون مال خباب رضي الله ﵎ عنه هذا حلالاً، ولكن مع ذلك خاف أن يموت وقد ترك أربعين ألف درهم فيسأله الله عنها. ثم يقول ﵁: (ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب). من تواضعه رضي الله ﵎ عنه يذكر الشيء الذي يحقر به نفسه، فالإنسان عادة إذا صار غنياً فإنه يحب أن يظهر أمام الناس بما رزقه الله من المال ويقول: أنا سأبني وأنا سأعمل وأنا عندي، لكن هذا يقول: إن الإنسان يؤجر في كل شيء ينفقه إلا ما يجعله الإنسان في التراب. يعني: كما يفعل هو في تلك الساعة! قال: (إن المسلم ليؤجر في كل شيء)، يعني: كل عمل حسن يعمله يؤجر عليه إلا في شيء يجعله في هذا التراب، وهذا محمول على الكثرة، يعني: يكون عنده ما يستغني به ثم يبني بيتاً ثانياً وثالثاً فهذا لا يؤجر عليه عند الله، إنما يكون الأجر على عمل ينفعه، فلعله بنى لابنه أو لابنته، أو أراد بذلك أن يعين إنساناً فيؤجر على هذا كله، أما أن يكثر لنفسه هذه الأشياء فقال خباب: إن النبي ﷺ ذكر أنه لا يؤجر على ذلك، لكن لا نقول إنه يأثم، وإنما المعنى: أن الذي يكثر من البنيان كأنه يؤمل في الدنيا، وهذا لا يحرم عليه، ولكن غير ذلك أولى، وهو أن يعتبر الإنسان من هؤلاء الأفاضل الذين كان الواحد منهم يبني البيت ومع ذلك لا يمدح نفسه بذلك، وإنما يقول: إن النبي ﷺ قال: إن المرء لا يؤجر على هذا الشيء، ولكن لاحتياجه يصنع ذلك، والله أعلم. فالمقصود: أن الإنسان المؤمن يذكر الموت فيستعين بذلك على العمل، ويخاف من الموت الخوف الذي يعينه على طاعة الله ، فالمؤمن خوفه من الموت يحمله على أن يتذكر الحساب ومن ثم يطيع الله سبحانه بأن يبتعد عن الحرام ويرد المظالم إلى أصحابها. فالخوف المندوب هو الخوف الذي يدفع للعمل، وليس الخوف الذي يجعل الإنسان يجلس في بيته ولا يصنع شيئاً. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرحمنا في الدنيا وفي قبورنا وفي الآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 498

شرح رياض الصالحين - الورع وترك الشبهات إنَّ الله قد بيَّن الحلال والحرام، ولكن بينهما أمورٌ مشتبهات، والوقوع فيها يؤدي إلى الوقوع في الحرام؛ ولذلك سدَّ أبواب الوقوع فيها بأن أمر عباده أن يجتنبوها، وقد حثَّ الإسلام علي الورع والزهد عما في أيدي الناس وقاية من الوقوع في الأشياء المحرمة.

стр. 499

ذكر ما جاء في الورع وترك الشبهات

стр. 500

معنى قوله تعالى: (وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الورع وترك الشبهات. قال الله تعالى: ﴿وَتحْسَبُونَهُ هَيِّناً وهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر:١٤]. وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) متفق عليه. وعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه]. يكون الإنسان المسلم ورعاً إذا اتقى ما حرم الله سبحانه. والإنسان يطلب من الله أن يؤجره على تركه المحرمات أو المشتبهات، فإذا به يتضرع ويحتاط لنفسه، ويحتاط لدينه بزهده في الدنيا، وبزهده في الحرام. قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. هذه الآية سيقت في حديث الإفك، وذكر الله في سورة النور براءة السيدة عائشة ﵂، وأنب الذين خاضوا في عرضها ﵂، فقال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ [النور:١٥] يعني: هذا الحديث تحسبون نقله فيما بينكم شيئاً هيناً لا قيمة له، بل هو عند الله عظيم. وكذلك كل حديث فيه كذب، وفيه إفك، وفيه إلقاء تهم على مسلم أو مسلمة، وكل حديث فيه قول زور، أو فيه شهادة زور، أو فيه بهتان للإنسان المسلم فهذا قد يحسبه قائله هيناً، يحسبه شيئاً يسيراً لا قيمة له وهو عند الله عظيم جداً. وقد كان الصحابة يقولون لمن بعدهم: إنكم لتفعلون أشياء هي في أعينكم أدق من الشعرة، كنا نعدها في عهد رسول الله ﷺ من الكبائر. فالصحابة ينصحون التابعين فيقولون: تفعلون أشياء هي في أعينكم هينة، ولكن كنا نعدها في عهد النبي ﷺ من الكبائر. يعني: لا نفعها أبداً؛ لأننا نعتبر ذلك كبيرة من الكبائر، ولكنكم تهاونتم بها ونسيتم إثمها فظننتموها شيئاً يسيراً لا قيمة له. قال الله ﵎: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] وهنا المقصود: التخويف، أي: أن الله يرصدك ويراقبك، فإذا وقعت في الإثم فاحذر من أن يعاجلك بالعقوبة؛ لأن الله بالمرصاد، والله قد يملي للإنسان لعله يتوب، وقد يملي له ليأخذه أخذ عزيز مقتدر، قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).

стр. 501

شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين) وورد حديثٌ للنعمان بن بشير في الصحيحين، وله روايات كثيرة مضمونها ما في هذه الرواية، قال ﷺ : (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس). فقوله ﷺ : (الحلال بين والحرم بين) أي: في كتاب الله بيان ما أباحه الله وما أحله لعباده، وفي سنة النبي ﷺ بيان ذلك، فمن تتبع الكتاب والسنة عرف الحلال وعرف الحرام. وقوله ﷺ : (وبينهما -بين الحلال والحرام- مشتبهات)، أي: أمورٌ تشتبه على الكثير من الناس، فلو ردوا الأمر لأهل العلم وأهل التقوى عرفوا أن هذه المشتبهة من باب الحلال أو من باب الحرام. فإذا اشتبه على الإنسان شيء من الأحكام رجع لسؤال أهل العلم في ذلك، فإذا اشتبه على أهل العلم في ذلك وقالوا: شبهة، فيجب اجتناب هذا الشيء الذي فيه شبهة، وقوله: (لا يعلمهن كثير من الناس) يعني: الذي يعلم ذلك القليل وليس الكثير. وقوله ﷺ : (فمن اتقى الشبهات) يعني: الحكم الشرعي فيما إذا وجدنا شيئاً يشكل علينا ويشتبه علينا فلم نعرف له حكماً أن نبتعد عنه، فلو تهاون الإنسان في هذا الشيء الذي يحتمل أن يكون حراماً قد يجره لأن يقع في الحرام المحض. فقال: (فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)، (استبرأ): السين للطلب والاستدعاء بمعنى: أنه استدعى البراءة وطلبها للدين وللعرض، فلا يقدح في دينه، ولا يقدح في عرضه، فلا يقال: فلان هذا يفعل الحرام، أو يأكل الحرام، فيبرئ دينه بينه وبين ربه سبحانه وعرضه أمام الناس. وقوله ﷺ : (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) المعنى: أنه شيء يجر إلى الحرام، مثلما ذكر لنا النبي ﷺ في الحديث: (لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده)، مع أن البيضة ليس إقامة الحد ولكن تجر إلى غيرها، فإذا مد يده وأخذ بيضة فإنه في المرة الثانية يمد يده ويأخذ شيئاً له قيمة، ثمَّ المرة التي بعدها يأخذ ربع دينار فتقطع يده بسبب ذلك. فالمشتبه يجر إلى الحرام، والحرام يجر بعضه إلى بعض حتى يعيش الإنسان من الحرام ويستمرئه، وينسى أمر الحلال، فقال ﷺ لنا: (من وقع في الشبهات وقع في الحرام) وضرب لنا مثلاً جميلاً صلوات الله وسلامه عليه فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه). الحمى: المكان الذي يحميه الحاكم، فهذا خاص بخيول الدولة، وهذا خاص بخيول المسلمين، وهذا خاص بإبل الصدقة، وهذا خاص بأغنام الزكاة، فهذه المحمية مكان محرم ممنوع، فإذا استخف الراعي بالأمر وأخذ الغنم وقال: هذا الحمى حمى السلطان، سأذهب أرعى بجواره، فتدخل غنمة حمى السلطان، ويأمر السلطان بمصادرتها، ويأمر بمعاقبة هذا الإنسان، ولا يقدر أن يدفع الضر عن نفسه. فالراعي حين يرعى حول الحمى فإنه قد يدخل فيه؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (يوشك أن يَرتع فيه)، فإذا دخل حمى السلطان فإنه قد يؤخذ ويعاقب، كذلك إذا وقع في حمى الله . فكلمة: (حمى) معناها الشيء الممنوع، والمكان المحمي مصان من وجود أي إنسان فيه، والإنسان الذي يحوم حول الشبهات، ظناً منه أنها ليست حراماً، يقع فيها ويستهين بها، حتى تجره إلى الحرام فيقع فيه وهو يعلم أنه حرام. وقال النبي ﷺ : (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فإذا كانت ملوك الأرض يجعل الواحد منهم له محمية فالله ملك الملوك له حمىً، وحمى الله محارمه، فهو سبحانه حرم عليكم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالذي يحوم حول الفواحش، ويستهين بها، تجره إلى الحرام فيقع فيه، كأن يذهب إنسان إلى مكان فيه فتنة معللاً ذلك أنه محصن بالإيمان، فيستهين بهذه الفتنة وتجره إلى الحرام، ففي البداية يكون مشتبهاً عليه، وبعد ذلك يكون حراماً ولا يهمه إن وقع فيه أو لا. وقال ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب). ذكر الله القلوب في قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. فعمى البصر يؤجر عليه الإنسان طالما أنه صابر محتسب، (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -أي: بعينيه- فصبر، عوضته عنهما الجنة). فالله يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ [الحج:٤٦] إذاً: العمى عمى القلب ليس عمى البصر، والقلب في الصدر، وقلب الإنسان يعمى عن معرفة الحق. فهذا الذي قاله النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، وهذا القلب محل تفكير الإنسان ومحل ما يعقل به، ويؤكد ذلك أنه لم يقل (القلوب) فقط، ولكنه قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. فمحل فكر الإنسان وتعقله وعواطفه هو قلَبْه الذي في صدره، وهذه النكتة ذكرها القرآن في الماضي واكتشفها العلماء حديثاً، وذلك لما بدءوا في زراعة القلوب بدأ ينكشف لهم أن القلب هو محل تعقل الإنسان ومحل عواطفه وبصيرته، فعندما ينقلون قلب إنسان لإنسان آخر يجدونه حياً أشبه بالميت، ليس عنده عاطفة ولا حواس، ولا يعرف أقاربه، ولا يعرف أن بينه وبينهم رحماً؛ لأن قلبه حَلَّ مكانه قلب آخر، فسبحان الله الذي يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. ويخبرنا النبي ﷺ : أنَّ هذا القلب قطعة من اللحم موجودة في صدره، إذا صلحت هذه القطعة من اللحم صلح عمل الإنسان كله، فالقلب ملك والجوارح جنود، إذا صلح الملك صلحت رعيته. قال: (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت -إذا فسد قلب الإنسان- فسد الجسد كله)، والقلب يدفع الإنسان بتهوره إلى أن يقع في الحرام، وذلك عن طريق وقوعه في الشبهات، واستهانته بمحارم الله سبحانه. فالإنسان يصلح قلبه بموافقة شرع الله سبحانه، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) [الشمس:٩ - ١٠]، إذاً: يزكي نفسه، ويطهر قلبه من الآفات، ويطهر نفسه من البلايا والمعاصي، ويئوب إلى الله سبحانه ويتوب، ويصلح حاله مع الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].

стр. 502

شرح حديث: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة) وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها). تمرة وجدها في الطريق، وما قيمة التمرة؟ فلو وجدها أي إنسان جاز له أن يأخذها ويأكلها، لكن النبي ﷺ أورع الخلق لم يأكل هذه التمرة التي وجدها خوفاً أن تكون هذه التمرة من الصدقة، وقد حرم الله على النبي ﷺ وعلى آل بيته أن يأكلوا من الصدقة أو الزكاة. فلما وجد النبي ﷺ هذه التمرة خشي أن تكون من الصدقة فلم يأكلها ﷺ ، وقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)، يبين لهم أن هذا يجوز لكم ولا يجوز لي، فهذا ورعه ﷺ في تمرة. وفي إحدى المرات وجد النبي ﷺ تمرة في فم الحسين، فإذا به يخرجها من فمه ﷺ ويقول له: (كخ كخ إنا لا نأكل الصدقة). والنبي ﷺ يعلمه من صغره فيقول: (يحرم علينا الصدقة فلا يجوز لنا أن نأكل منها).

стр. 503

شرح حديث: (والإثم ما حاك في النفس) وفي حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) حديث في صحيح مسلم. يبين لنا صلوات الله وسلامه عليه قاعدة ذهبية عظيمة، والبر: كلمة تجمع جميع وجوه الخير، وحصرها النبي ﷺ في قوله: (البر حسن الخلق). فإذا حسنت خلقك كنت من أهل البر، والإنسان يتعجب ما علاقة حسن الخلق بالبر؟! إن من حسن الخلق أن يحسن الإنسان خلقه في معاملته مع ربه، وفي معاملته مع الناس، وفي معاملته مع أهل العلم، وفي معاملته مع الشيخ الكبير والطفل الصغير، ومع أهل بيته. وحسن الخلق يجعل الإنسان متواضعاً، فإذا تواضع لن يستكبر على طلب العلم، فيطلب العلم من الصغير ومن الكبير ومن أهله، فهو يريد وجه الله، فإذا به بحسن خلقه يكون قريباً من الناس، فإن أخطأ في شيء وقالوا: هذا خطأ؛ يجتنب هذا الخطأ، وإذا وجدوه على شيء من الأمور الذي قد ينحرف بها سرعان ما يرشدونه؛ لأنهم يحبونه، فهو محبوب من الله محبوب عند الخلق. فبحسن خلقه يرشده الله ، ويدله على الخير، ويتقرب الناس إليه، ويدعون له وينصحونه ويفيدونه ويستفيدون منه، فحسن الخلق جمع كل الخير، فصار كريماً مع الناس؛ لأن الكرم من حسن الخلق، وصار رحيماً شفوقاً عطوفاً على الناس، فيكون أنفع الناس للناس، وأحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. وحسن الخلق يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن وجوه الخير ليفعلها؛ لأنه يريد أن يكون رحيماً، وأن يكون جواداً، وكريماً وشجاعاً، وأن يكون متقدماً على غيره في طلب العلم رضاً لله سبحانه، وأن يتنافس في فعل الخير، فحسن الخلق مفتاح البر. قال ﷺ : (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس). الإثم ليس عصياناً ظاهراً يعرفه الإنسان، وكل إنسان يعرف المعصية الظاهرة، فالإثم فيه كبائر الذنوب، وفيه الموبقات، وفيه صغائر الذنوب، وفيه الشرك الخفي والشرك الجلي، ولكن هذه الأشياء يعرفها الإنسان المسلم، واللص يأتي كبيرة من الكبائر ويتوارى عن الناس ويسرق، ولكن بينه وبين الله يستحل المحارم ولا يخاف؛ لأنه لا يستحضر مراقبة الله له، فقال النبي ﷺ : (الإثم ما حاك في نفسك)، فأي إثم تريد أن تعمله وحاك في نفسك وتردد، أو كرهت أن يراك الناس على ذلك، فهو إثمٌ ينبغي لك أن تجتنبه. إذاً: الشيء الذي تفعله أمام الناس وأنت في غير حرج فهذا ليس من الإثم، طالما أن الفطرة نقية والقلب سليم، ولكن عندما تنعكس الفطر والقلوب وتنتكس فإذا بالمرء يتبجح ويقول: ليس في ذلك حرج أن أعْمله أمام الناس، فيسرق أمام الناس، ويزني أمام الناس، ويضايق البنات أمام الناس، ويتبجح بهذه المعصية، فهو يعرف أنها معصية، فهذا الإنسان قد صار المعروف عنده منكراً، والمنكر عنده معروفاً، فأصبح قلبه مظلماً لا يتبين له الخير من الشر، وإذا مات على ذلك صار من أهل الجحيم، والعياذ بالله؛ لأنه إنسان ظالم لنفسه ظالم لغيره. لكن الإنسان المؤمن في قلبه ما يدله على أن هذا خير فيفعله، وأن هذا شر فيجتنبه.

стр. 504

شرح حديث: (البر ما اطمأنت إليه النفس) روى الإمام أحمد والدارمي بإسناد فيه ضعف: عن وابصة بن معبد ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم. فقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك). هذا الحديث له شاهد آخر من حديث أبي ثعلبة بالمعنى نفسه، فالمعنى صحيح، ويدل عليه حديث النواس الذي ذكرناه قبله، وهذا الحديث فيه حكاية ذكرها الإمام أحمد في مسنده، فيها: أن الرجل ذهب إلى النبي ﷺ والناس مزدحمون حوله، فأراد الإقبال على النبي ﷺ ، فنهاه الناس أن يفعل هذا أمام النبي ﷺ ، فالرجل علل بأنه يحب النبي ﷺ حباً شديداً يدفعه لذلك، فقال النبي ﷺ لهم: (أفسحوا لـ وابصة). فجاء وابصة يريد أن يسأل النبي ﷺ ، وقبل أن يسأل قال له النبي ﷺ : (تسأل أم أخبرك؟) قال: بل أخبرني يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ : (جئت تسأل عن البر؟ قال: نعم، فقال ﷺ : استفت قلبك)، يعني: الأمر الذي يشكل عليك لعلك تسأل عالماً من العلماء وبحسب صيغة السؤال يعطي الجواب، فالمرء قد يسأل بطريقة معينة ويفتي العالم بأن ذلك حلال ليس فيه شيء، فإذا بالعالم الآخر يعطي تفاصيل أكثر وينقلب الجواب؛ لأنه حرام ليس حلالاً، فعلى هذا المرء أن يستفتي قلبه ويأخذ بأحد الأمرين، فالنبي ﷺ قال: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب). وإذا اطمأن قلبك لشيء فافعل هذا الشيء، وإذا شككت فيه وحاك في قلبك وفي صدرك فاترك هذا الشيء، والإنسان أدرى بما في قلبه وبما يريد؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك). يعني: الفتوى وحكم الحاكم لا تغير من حقيقة الأمر شيئاً فالحرام حرام وإن أجاب المفتون على سؤالك بأنه حلال، كأن يجد الإنسان قطعة من الأرض في مكان، وصاحبها غائب منذ زمن، فيأخذ الأرض ويضع يده عليها، ويأتي إلى المحكمة والقاضي يحكم له، أنه بوضع اليد تكون قطعة الأرض له. فهي ليست أرضه وليست ملكه، حتى وإن حكم القاضي أنها له؛ لأنه يعرف بنفسه أنها ليست له، فلا يخدع نفسه بذلك، فإن النبي ﷺ يقول: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، يعني: يجعل الطوق في عنقه من سبع أراضٍ يوم القيامة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، فلا يخدع نفسه، ولا يخدع غيره.

стр. 505

شرح حديث: (كيف وقد قيل ؟) وعن أبي سروعة واسمه عقبة بن الحارث: (أنه تزوج ابنة لـ أبي إهاب بن عزيز فأتت امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها). وفي رواية: أن هذه المرأة التي جاءت كانت أمة سوداء، فكأنه استقل أمر هذه الأمة، (فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ يعني: الرجل كان في مكة فركب وسافر المدينة، (فسأله، فقال رسول الله ﷺ : كيف وقد قيل؟!). يعني: الرجل يقول: هذه المرأة تزعم أنها أرضعتني أنا وزوجتي وأننا إخوة من الرضاعة، فقال له النبي ﷺ : (كيف وقد قيل؟!) وأمره أن يفارقها (ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره).

стр. 506

شرح حديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) من الأحاديث: حديث رواه الترمذي عن الحسن بن علي ﵁ قال: (حفظت من رسول الله ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). فإذا شككت في شيء وحاك في صدرك فاتركه ولا تنشغل به؛ لأنه يلهيك عن صلاتك وعبادتك وعملك، والنبي ﷺ يقول: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). إذاً: إذا كثرت الاستفهامات في هذا الأمر فاتركه ولا تعمل به، فإن كان في السوق أشياء قديمة وشككت أنها فاسدة فابتعد عنها وامتنع عن شرائها، أو رجل ليس ما له حلالاً ويريد أن يشغل ماله عندك، وأنت تعلم أن معاملته غير طيبة، فابتعد عن هذا الإنسان الذي تشك في أن ماله ليس حلالاً. كان رجلٌ موظفاً في شركة، واعتاد أن يأخذ رشوة من الناس فجمع في البنك مائة ألف ومات وتركه، فأخذ الورثة يسألون عما خلف لهم من مالٍ مقداره مائة ألف عن طريق الرشوة، فهي فلوس من حق الشركة وليست من حقه، إذ كان يأخذها ولا يسلمها للشركة، فهذا المال ليس حقاً له؛ لأنه مال حرام لم يستمتع به في الدنيا، ومات ليحاسب عليه يوم القيامة. رجل آخر جمع مالاً عن طريق الحرام وكان له أملاك طائلة، فاستيقظ قلبه وحاك الإثم في نفسه فأفاق فإذا كل المال الذي معه حرام، فعليه أن يخرج من هذا الحرام، قبل أن يسأله الله عليه يوم القيامة، ولا بد أن يرجع الأموال لأصحابها إذا كانت مسروقة، أو مغصوبة، أو حقوقاً للشركة، أو غير ذلك، فعليه أن يبدأ طريقه من جديد ولا يأكل إلا حلالاً، ولا يجوز أن تتصدق بالمال وصاحبه موجود، فالحق يرجع إلى نصابه. ورجل أخذ شيئاً لقطة، ثم بعد عشر سنين أخذ يسأل ماذا يعمل بها؟ فعليه إثمها؛ لأنه يلزمه أن يعلن عنها عندما وجدها، والإعلان يكون سنة، ويعلن عنها إعلاناً يراه الناس، ويعرفون أن هناك شيئاً قد ضاع فيجيء الناس إليه. إذاً: من البداية إذا حاك في نفسك شيء فابتعد عنه؛ لأنه شبهة كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) هذا فيما يحيك في صدرك، فكيف بما تعلم يقيناً أنه حرام؟

стр. 507

من ورع أبي بكر وعمر

стр. 508

ذكر قصة أبي بكر عندما أعطاه غلامه شيئاً حراماً أكله ثم تقيأه وعن عائشة ﵂ قالت: (كان لـ أبي بكر الصديق ﵁ غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) رواه البخاري. غلام أبي بكر أي: عبد عند أبي بكر ﵁ كان يأتي بالخراج فيدفعه لـ أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، فهذا العبد كان كلما أتى إلى أبي بكر بشيء من طعام حلال يأخذه أبو بكر ﵁. وفي مرة من المرات أخذ أبو بكر ما أتاه الرجل به وأكله رضي الله ﵎ عنه، ولم يأخذ في باله أنه حرام؛ لأنه دائماً كان يأتيه بحلال، لكن هذه المرة قال الغلام لـ أبي بكر الصديق ﵁: تدري ما هذا الذي أكلته؟ وكأنه قد أفلح أنه استطاع أن يجعل هذا الرجل الذي تكهن له أن يعطيه حلوى. فقال الغلام: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وفي رواية: (لإنسانة) امرأة كانت حامل، فعلمها كلمات تقولها حتى يكون المولود ذكراً حسب زعمه، فلمَّا خلفت المرأة ولداً قابله زوجها وأعطاه حلوى، فأخذها وذهب إلى أبي بكر يخبره عما فعل، وكأنه يشير إلى أنه كان ذكياً في ذلك. (فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه)، فقد حاول أبو بكر أن يستفرغ كل الذي في بطنه حتى أجهد نفسه، فدلوه على شرب الماء ثمَّ يتقيأ ففعل رضي الله ﵎ عنه وهو يقول لهم: لو لم تخرج إلا بروحي لأخرجتها، وأخبر أن النبي ﷺ قال: (ما نبت من حرام فالنار أولى به)، أي: الجسد الذي ينبت من الحرام أولى أن يدخل نار جهنم، فلذلك خشي أبو بكر رضي الله ﵎ عنه على نفسه من النار ففعل هذا الشيء.

стр. 509

ورع عمر في إنقاص ابنه من العطاء وعن نافع: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصه؟ فقال: إنما هاجر به أبوه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه. الحديث رواه البخاري. إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كانت ولايته رحمة للناس، ورحمة بالمؤمنين، وكان على عدالة عظيمة جداً، إذ كان يحكم فيعدل بين الناس، ولا يخاف من أحد، إنما يخاف من الله ، ولما جاءت المغانم وفتح الله عليه الفتوحات إذا به يقسم للناس هذه الغنائم. فكان يقسم للناس على حسب مراتبهم، ففرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، يأخذ المهاجر أربعة آلاف درهم من الدولة كل عام، وذلك من المغانم ومن الفيء ونحو ذلك، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ﵁ ثلاثة آلاف وهو من المهاجرين وقد كان عبد الله بن عمر في غزوة أحد عمرة حوالي أربع عشرة سنة، ولم يجزه النبي ﷺ ، فلما بلغ عمره خمس عشرة سنة أجازه النبي ﷺ . فـ عبد الله بن عمر ﵁ هاجر مع أبيه إلى النبي ﷺ وعمره إحدى عشرة سنة مثلاً، فأبوه يراعي أنه لمَّا هاجر كان صغيراً، وأن الذي هاجر به أبوه، فأعطاه أقل مما أعطى للمهاجرين.

стр. 510

الزهد باب من أبواب الورع واجتناب الشبهات عن عطية بن عروة السعدي الصحابي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس). الحديث رواه الترمذي وحسنه ولكن إسناده ضعيف. والمعنى: أن العبد حتى يكون تقياً، وحتى يكون ورعاً لابد أن يزهد فيما في أيدي الناس، ويبتعد عن ذلك، (ويدع ما لا بأس به) يعني: من الأمور، فإنه إذا وجد مباحاً فإن المباح يليه المشتبه فيه، ويليه المحرم، فعليه أن يأخذ من المباح بقدر ما يحتاج إليه، فلو توسع في المباح فإنه سيقع في الشبهة، فإذا به يقع في الحرام. فلذلك الإنسان يفطم نفسه، ولا ينبغي له أن يأخذ كل شيء مباح، فهناك مستحبات وهناك واجبات، فيأخذ بعضاً من المباحات، ويترك بعضها أحياناً، حتى يربي الإنسان نفسه؛ لأنه لو فتح على نفسه كل المباح لَفتح المكروه، وفتح المشتبه وفتح الحرام بعد ذلك. وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث في الورع، وفي أن الإنسان إذا اجتنب الحرام كان ورعاً، فقال لـ أبي هريرة: (اتق المحارم تكن أعبد الناس)، وإذا بعدت عن الحرام يجعل الله في قلبك نوراً، وبهذا النور تسير إلى الحلال، وتسير فيما يرضي الله فتكون أورع الناس. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وعلى حسن عبادته، وعلى أن نكون من أهل الزهد والورع. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 511

شرح رياض الصالحين - اعتزال الناس عند فساد الزمان إن الاختلاط بالناس والصبر عليهم، ودعوتهم إلى الله تعالى من أحسن الأعمال والطاعات، ومن أجل القربات، لكن إذا كان الاختلاط بهم قد يضر المرء في دينه كأن يكونوا عصاة ولم يستجيبوا لدعوته، فرأى أنهم سيؤثروا عليه سلباً فهنا يعتزلهم ويجالس أهل الصلاح، فإن السلامة لا يعادلها شيء.

стр. 512

محافظة المسلم على دينه واعتزال الفتن وأهلها الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب العزلة عند فساد الزمان، أو الخوف من فتنة في الدين، أو وقوع في حرام وشبهات ونحوها. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)، رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟! قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، قال: ثم من؟ قال: ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه - وفي رواية - يتقي الله ويدع الناس من شره)، متفق عليه. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن)، رواه البخاري]. هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي ﵀ استحباب العزلة عند فساد الزمان، والعزلة أن يعتزل الإنسان الناس عند كثرة الشرور، فإذا كان الإنسان لو اختلط بالناس سيصل به ذلك إلى أن يهوي معهم، وإلى أن يضيع ويفتن في دينه، ويفتن عن هذا الأمر العظيم الذي في قلبه وهو الإيمان، فعليه أن يبتعد عما يكون سبباً في ذلك. فالمؤمن يختلط بالناس اختلاطاً ينتفع به وينتفعون به، وأما اختلاط يضيع على الإنسان دينه، فالمسلم يضن بدينه أن يضيع، فلذلك إذا لم تكن هناك وسيلة إلا أنه يعتزل الناس فهذا آخر ما يلجأ إليه المؤمن. فليس الأصل هو الاعتزال، وإنما الأصل الاختلاط بالناس، ولذلك جاء فيها أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، بل هو فعله ﷺ وفعل أصحابه والتابعين من بعدهم أنهم يختلطون بالناس، ويدعون الناس إلى الله ، ويجاهدون في سبيل الله، ولكن حين يضيق الأمر بالمؤمن ولا يجد مكاناً يذهب إليه إلا وفيه الفتن، فإنه يعتزل إما اعتزالاً مخصوصاً لأناس معينين ويختلط بغيرهم، أو أنه يعتزل الجميع إذا كان يخشى أن يضيع باختلاطه بالناس. إذاً فتستحب العزلة عند فساد الزمان، فتفسد أحوال الناس، ويصير الحرام هو الذي يشيع بين الناس في كل شيء: في أخلاق الناس، وفي معاملاتهم؛ في أخذهم وعطائهم، فيعتزل هؤلاء الذين يخاف منهم على دينه. إذاً فعند فساد الزمان أو الخوف من فتنة الدين، أو يخاف على نفسه الردة، ويخاف على نفسه أن يصير فاسقاً بعدما كان مؤمناً، ويخاف أن يقل إيمانه فله ذلك. وأما إذا كان يختلط بالناس فيزداد إيماناً فليختلط. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]. فالنبي صلوات الله وسلامه عليه نذير من عند الله مبين، أي: نذير واضح جلي مبين لشرع الله بياناً واضحاً عظيماً جلياً، فلم يستسر بالدعوة وإنما أعلنها، وهو نذير مبين للناس الأحكام الشرعية، فلم يخفِ شيئاً عنهم من دين رب العالمين، بل بينه، فهو نذير يخوفهم عذاب الله ، وما أعده للقادمين، فقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] فهو يدعوهم إلى أن يفروا من الناس وأن يلجئوا إلى الله ﵎، فهو الملجأ سبحانه، وهو الذي يغيث عباده ويعصمهم، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].

стр. 513

ما جاء في فضل العزلة عند فساد الزمان

стр. 514

شرح حديث: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) أي: الإنسان الذي يتقي الحرام. وقد جاء في حديث أبي هريرة قبل ذلك أن النبي ﷺ قال له: (اتق الحرام تكن أعبد الناس) أي: إذا أردت أن تكون أفضل العبّاد لله فلا تقرب الحرام، فصفة العبودية لله صفة تشريف، فالله سبحانه وحده هو الخالق، وما سواه مخلوقون، فهم عبيد لله، فهو سبحانه يحب من عباده من كان متصفاً بهذه الصفات: أن يكون تقياً غنياً خفياً. فالتقي هو الذي يتقي الحرام، ويتقي غضب الله، ويتقي المعاصي والذنوب، فهو تقي وهو غني. قال لنا النبي ﷺ في تعريف الغنى: (ليس الغنى عن كثرة العرض) أي: ليس الغنى أن يكون لديك مال كثير، (ولكن الغنى غنى القلب)، أي: امتلأ قلبه إيماناً فاستغنى بهذا الإيمان، وامتلأت نفسه شبعاً بتقوى الله سبحانه، فلا ينظر إلى الدنيا ولا يأبه لها مهما أوتي الناس من كنوز، فكنزه في قلبه وهو إيمانه العظيم، فقد علم أنه مهما أوتي من مال فسيتركه يوماً من الأيام، فاستغنى بما عنده من إيمان وبعمله الصالح، فغناه في قلبه وليس محتاجاً إلى أحد، وإنما هو محتاج إلى الله ، فقد ركن إلى الله ولم يركن إلى الذين ظلموا، فقد امتلأ قلبه غنى. قال: (إن الله يحب العبد التقي الغني) يعني: أن قلبه غني غير محتاج إلى أحد، فلا يستشرف إلى شيء من الدنيا. قوله: (الخفي) يعني: الذي يداوم على العمل ويخفي هذا العمل، فلا يعلن العمل أمام الناس وهو في السر لا يعمل شيئاً، فهذا عمله صالح، وأكثر ما يكون من عمله في الخفاء، فالله يحب هذا. فإذا أحبه الله كان الأمر كما قال الله تعالى في الحديث الآخر: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). فالعبد الذي يحبه الله عبد قريب من الله، وهو عبد إذا طلب من الله أعطاه، ومع ذلك فهو لا يطلب من الله دنيا؛ لأن الدنيا أحقر من أن يطلبها، وإنما يطلب الآخرة، ويطلب أن يكون مع النبي ﷺ : ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فتجده يطمع الطمع الحقيقي، وهو الطمع فيما عند الله . وأما الطمع في الدنيا فهو شيء حقير؛ لأنك مهما أوتيت من الدنيا فستتركها يوماً من الأيام، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، لذلك فهذا العبد يطمع فيما عند الله سبحانه، يطمع في جنة الله سبحانه، فهذا هو الطمع الحقيقي، وهذه هي المنافسة الحقيقية، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فالله يحب من عبده أن يكون تقياً غنياً خفياً.

стр. 515

شرح حديث: (أي الناس أفضل يا رسول الله ؟) ومن الأحاديث في ذلك: حديث في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري وفيه: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي الناس أفضل يا رسول الله؟! قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله). إذاً: فالاختلاط بالناس أمر حسن وجميل إذا كان على هذه الهيئة، فهو مجاهد بنفسه وماله، فيبذل نفسه في سبيل الله ، ويجاهد الكفار، ويجاهد المنافقين بيده وبلسانه وبقلبه، ويختلط بالناس فيأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فهو مؤمن مختلط بالناس مجاهد في سبيل الله ، فهذا أفضل ما يكون، ونفعه متعدٍ فكان أفضل. والذي يليه قال ﷺ : (ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب)، فليس كل الناس يستطيعون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، فالرجل يسأل النبي ﷺ : ثم من؟ أي: فالذي لا يقدر على هذا الشيء، فمن الذي يلي هذا؟ قال: (ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب). والشعب هو الطريق بين الجبلين، وكأن الدنيا قد ضاقت عليه، فالدنيا كلها فتن وبلاء ومصائب، فكلما ذهب إلى ناحية وجد الفتنة، وكلما ذهب إلى معاملة وجد الحرام، فإذا به يذهب إلى الشعب بين جبلين؛ من أجل ألا يرى أحداًً من الناس. ويكون معه غنم في ذلك الشعب؛ من أجل ألا يحتاج إلى أحد من الناس، فهو يلبس من صوفها، ويأكل مما يستخرجه منها، ويشرب من ألبانها، فزهد هذا في الدنيا لأنه يخاف على نفسه من الفتن، فإذا به يعتزلها إلى أن يصل به الحال إلى هذه الصفة. وليس ذلك مطلوباً من الناس كلهم، ولكن إذا ضاقت على المؤمن الدنيا فوجد الملجأ في البعد عن الناس فله ذلك، وكل إنسان يبتعد بحسب ما يقدر عليه، فهذا يجد مثلاً في الحي الفلاني فتناً فيبعد عنهم، وهذا يجد في القبيلة الفلانية الفتن فيبعد عنها، أو في البلدة الفلانية فتناً بعد عنها، فيعتزل الإنسان أهل الفتن وأهل المعاصي، ويكون أصحابه ورفقاؤه هم أهل الله ، وهم عباد الله سبحانه، هم أصحابه في بيت الله، فيصلي مع المسلمين، ويكون مع الناس في طاعتهم لله سبحانه، ويقلل من رفقاء السوء قدر المستطاع، وهذا طالما أنه لا يقدر على أن يدعوهم إلى الله، بل يخاف أن يفتنوه. وقال النبي ﷺ للرجل الذي سأله عن المخرج: (ابك على خطيئتك، وليسعك بيتك)، إذاً فابق في بيتك وقلل من الخروج إلى الناس طالما أن المخالطة مع الناس تؤذيك وتفتح لك طريق النار. إذاً: فهذا الإنسان يلزم بيته ويبتعد عن شرور الناس، وأفضل شيء أن يدعو إلى الله ، وأن يختلط بالناس ليدعوهم إلى الهدى، ولكن إذا وصل أمر الاختلاط إلى أنه سيضيع فليتدارك نفسه وليبتعد عن شرار الخلق، قال لنا ﷺ : (ثم الرجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه)، وفي رواية: (يتقي الله ويدع الناس من شره).

стр. 516

شرح حديث: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال) وفي حديث آخر عن أبي سعيد أيضاً ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن). فهذا أفضل أموال المسلم، وقوله: (يوشك) يدل على أنه سيكون قريباً، وما هو آت فهو قريب، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، بل يقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، فالساعة قريبة وآتية لا ريب في ذلك، فما هو آت فهو قريب. وانظر إلى أحاديث النبي ﷺ العجيبة، فهو لا ينطق عن الهوى، وإنما ذلك وحي من الله سبحانه يوحيه إليه، فهو يخبر بأشياء فتكون كما قال، فقد قال: (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)، وهذا ما نراه ونلمسه. وقال: (صنفان من الناس لم أرههما: رجال معهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)، فأحد هذين الصنفين هم الشرط، والنبي ﷺ لم يرهم، ومع ذلك أخبر أنهم سيكونون، فكانوا كما قال ﷺ . قوله: (ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)، مثل أن تلبس المرأة ثياباً خفيفة تشف عما تحتها، أو أن تلبس ثياباً ضيقة تفصل الجسد تحتها، أو أن تلبس ثياباً قصيرة لا تستر إلا بعض الجسم. وهذا كله قد وجد في عصرنا هذا، فصدق رسول الله ﷺ ! فإذا صارت الفتن تحيط بك ولا تقدر على مدافتعها، فاعتزل هذه الفتن، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. يقول ﷺ : (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال)، شعف الجبال هي رءوس وقمم الجبال، يعني: يأخذ معه غنمات فيها كل ما يحتاج إليه الإنسان، فهي طعامه وفيها شرابه وكسوته، فاكتفى بهذا الشيء اتقاء لغضب الله سبحانه، فابتعد عن الفتن بذلك. قال: (يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر)، يعني: يبحث عن المكان الذي وقع فيه المطر؛ من أجل أن تشرب الغنم، ومن أجل أن يكون هناك كلأ تأكل منه الغنم. وبعض الناس يجد أمامه الفتن فيقول: ماذا أعمل، فالدنيا كلها فتن ومثلي مثل الناس! فهو إمعة إذا أحسن الناس أحسن، وإذا أساءوا أساء، نسأل الله العفو والعافية. وفي حديث آخر يرويه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، فقال: أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)، فكان يرعى الغنم صلوات الله وسلامه عليه. وهنا عندما يقول: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً) لعل بعض الناس يأنف أن يرعى الغنم فنقول له: إن النبي ﷺ قد رعى الغنم يوماً من الأيام، فلا يأنف الإنسان المسلم من مثل ذلك. وفي هذا حكمة من الله في كون الأنبياء يرعون الغنم، فالغنم فيها الكبير وفيها الصغير وفيها الضعيف، وصاحب الغنم يكون فيه حنان على غنمه، فتحتاج أن يحوطها، وأن يرعاها، وأن يذهب بها إلى مكان الرعي. وأما صاحب الإبل فإنه عندما يرى نفسه فوق الناس يأتيه الغرور، وأما صاحب الغنم فيستشعر التواضع، فإذا وجد غنمه مريضة حملها على ظهره، أو أكلها بنفسه، فيستشعر التواضع، ففي تربية الغنم تعويد للإنسان على سياسة الناس، فما من نبي إلا وقد جعله الله يرعى الغنم. فراعي الغنم يكون فيه حنان على الغنم، فيجمعها ولا يفرقها، وانظر لو دخل صاحب الغنم بالعصا في وسط الغنم فإنها تتفرق وتهرب كلها، وحين يسقيها فإنه يضع لها الماء ويبعد عنها عصاته؛ من أجل أن تأتي وتشرب، وإذا رفع العصا نفرت كلها، فهنا يعود الله أنبياءه ويربيهم على ذلك، فرعي الغنم تحتاج إلى نوع من السياسة في التأليف والوفاق بينها، فإذا كان يسوس الناس كان متعودا ًعلى هذا الأمر: أنه يجمع ولا يفرق الناس. فالنبي ﷺ رعى الغنم، وهنا يقول لنا: (يوشك) أي: سيأتي يوم من الأيام يكون فيه خير مال المسلم غنمات يتبع به شعف الجبال، ومواقع القطر، والقطر هو المطر، ويفعل ذلك فراراً من الفتن.

стр. 517

شرح حديث: (من خير معاش الناس بهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله) وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : (من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل). فهذا من خير المؤمنين، وهو من أفضل الناس وأحب الناس إلى الله ، فهو أنفع الناس للناس، وأنفع المسلمين للمسلمين، فهذا المجاهد في سبيل الله بمجرد أن يأتي العدو إلى المكان فهو يطير إلى هذا المكان؛ من أجل يكف الشر عن الناس، فهذا يضحي بنفسه من أجل غيره من المسلمين، ويطلب القتل في مظانه. قال: (ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه -أي: على ظهر الفرس- كلما سمع هيعة -صيحة الفزعة- أو فزعة طار عليه يبتغي القتل مظانه) يعني: هو حريص على الشهادة في سبيل الله سبحانه. قال: (أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف). وانظروا إلى هذا التعبير: (أو رجل في غنيمة)، فلو كان لديه قطيع من الغنم فمعناه أنه يريد الدنيا، لكن هذا في غنيمة قليلة، والنبي ﷺ لما فتح الله عليه الفتوح وأصبح يملك مائة غنمة قال: (لا أحب أن تزيد) أي: لا أريد أكثر من ذلك. وقد كان نصيبه ﷺ في المغانم خمس الخمس، وكان له من الفيء الخمس، ومع ذلك ما كان عنده أكثر من مائة غنمة، فكان إذا ولدت واحده منها ذبح واحدة مكان هذه المولودة حتى لا تزيد. وكأنه يعلم المؤمنين ألا يطمعوا، بل يأخذون من الدنيا على قدر حاجتهم، فإذا كان عندك مائة غنمة فلا تتمن أن تكون ألفاً وإنما تطلب الحاجة التي تحتاجها فقط. فهنا النبي ﷺ يقول: (أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف -أي: في رأس جبل من الجبال- أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين). فهو يعطي الحقوق لأصحابها، فيقيم الصلاة، أي: لا يصلي فقط، بل يصلي ويقيم الصلاة، فيحسن صلاته، ويستقيم فيها، ويواظب عليها ولا يضيعها، ويحسنها كما يريد الله سبحانه. (ويؤتي الزكاة)، وقد يقال: لمن سيعطي الزكاة إذا كان معتزلاً للناس؟! و الجواب أنه لا يعتزل كل الناس، بل سيكون في وسط أناس يحتاجون، فيؤتي زكاة ماله لهؤلاء، إذاً: فليس المراد بالاعتزال أن يعتزل كل الناس، ولكن يعتزل أهل الشر من الناس ولو أن ينفرد وحده، أو ينفرد في مجموعات من الناس من أهل التقوى وأهل الإحسان. (ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين) يعني: حتى يموت. فالمؤمن يحب للناس الخير ولا يضن عنهم بخير، وهو لا يحسد أحداً على ما آتاه الله من خير، بل يتمنى زيادة الخير، فيخالطهم كي ينفعهم، فإذا وجد المضرة في المخالطة اعتزل الناس إلا من خير.

стр. 518

فضل الاختلاط بالناس وحضور مجامع الخير يقول الإمام النووي ﵀: [باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم، وجماعاتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر إلى آخر ما ذكره] ولم يذكر في هذا الباب حديثاً. وترجمة الباب تدل عليها أحاديث كثيرة جداً، من عادة النبي ﷺ ، ومن أفعاله ﷺ : كجهاده في سبيل الله، ودعوة الناس في خطب الجمعة، ودروسه وتذكيره للناس ﷺ ، ففي هذا كله مخالطة لهم، فلا نحتاج أن يقول: كان يختلط بهم في كذا وكذا، فقد كانت كل حياته ﷺ اختلاطاً بالناس من المؤمنين وغيرهم يعلمهم ويهديهم إلى ربه سبحانه. فكأنه يريد أن يقول: إن الاختلاط بالناس بأن تعلمهم فيهديهم الله على يديك، فهذا أفضل من أن تعتزل الناس، فتحضر الجمع وتحضر صلاة الجماعة مع الناس، وتحضر دروس العلم ومشاهد الخير مع الناس، وتحضر مجالس الذكر وتعود المرضى، وتحضر جنائز المسلمين، وتواسي المحتاجين، وترشد الجاهلين، وغير ذلك من المصالح لمن يقدر على ذلك، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقمع نفسه عن الأذى. إذاً: فهو لا يؤذي الناس، وإذا حضر مع الناس كان حضوره خيراً، فخير الناس وأحب الناس إلى الناس وإلى الله الذي ينتفع به الناس، فيعلمهم الخير ولا يتعالى عليهم، ويرشدهم إلى الخير ابتغاء وجه الله سبحانه، فيقمع نفسه عن الإيذاء فلا يؤذي أحداً من الناس، بل هو خير حيثما كان، فإذا احتاج إليه الناس فإنه يعلمهم ويهديهم إلى ربهم سبحانه، وتراه ينفق عليهم ويتصدق ويفعل الخير الذي أمر الله به، ويصبر على هذا. يقول النووي: (قمع نفسه عن الإيذاء، وصبر على أذى الناس)، فالمؤمن لا يؤذي أحداً، ولا يدفع الضرر بالضرر، فإذا أوذي صبر على ذلك ونصح، ولعل الإنسان بحسن خلقه وصبره على غيره أن يقتدي به الناس في ذلك ويفعلون كما يفعل، فيكون قد سن للناس سنة طيبة. وللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 519

شرح رياض الصالحين - التواضع وخفض الجناح للمؤمنين لقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأوحى إليه أن يخبر أمته بأن يتواضعوا، وألا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد، وأخبر ﷺ أنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه، فالتواضع خلق حميد يحبه الله ورسوله.

стр. 520

ما جاء في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين

стр. 521

ذكر بعض النصوص الدالة على فضل التواضع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين: قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. وروى مسلم عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) رواه مسلم)]. هذا باب آخر من كتاب (رياض الصالحين) يذكر فيه الإمام النووي ﵀ التواضع وخفض الجناح للمؤمنين. التواضع: هو وضع الشيء وإنزاله بخلاف رفع الشيء. فالإنسان المؤمن يتواضع، ويتكلف خلق التواضع، حتى يكون له سجية، ويضع نفسه أمام المؤمنين ويذل نفسه لهم، ولا يفتخر عليهم ولا يستكبر ولا يبغي على أحد من الناس. فالتواضع أن يرى الإنسان نفسه أنه ليس أعلى من غيره وليس أفضل من غيره، وأنه مخلوق من طين، ومخلوق من ماء مهين، فيرجع إلى أصل وضعه وإلى أصل خلقته، قال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:١٨ - ٢١]. فهو مخلوق من الأرض وفيها يقبر وإليها يعود مرة ثانية، ومنها يخرج، فيستشعر في نفسه العبودية لله ، فيتحلى بالتواضع؛ لأنه عبد لله سبحانه، فيتواضع ولا يفتخر على غيره. فيتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، يعني: يميل ويلين ويذل نفسه لإخوانه المؤمنين.

стр. 522

أمر الله تعالى لنبيه بخفض الجناح والتواضع للمؤمنين قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]. والجناح هو جانب الإنسان، كأنه يقول: لا تصعر خدك، ولا تتعال على الخلق، لا تمل بجانبك ولا تعرض به عن الناس، ولكن كن متواضعاً معهم، فهذا النبي سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه وهو من هو على ما فيه من تواضع يأمره ربه وينصحه بالتواضع وخفض الجناح للمؤمنين فيكون أمراً له ولغيره من المؤمنين: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥] فالنبي ﷺ كان للمؤمنين كالوالد مع ولده، ولذلك كان يقول للمؤمنين: (إنما أنا بمنزلة الوالد أعلمكم) فيعلمهم فلا يستحيون منه ويسألونه عن كل شيء دق أو جل مما يحتاجون إليه، حتى إن اليهود ليحسدون المؤمنين على نبيهم ﷺ فقالوا: (هذا الرجل يعلمكم كل شيء حتى الخراءة) يعني: أنه يعلمكم حتى أدب دخول الخلاء. ويقول: (هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العي السؤال) فيأمرهم أن يسألوا إذا جهلوا حكماً من الأحكام، حتى لا تقع عبادتهم ولا تقع أفعالهم على الوجه الذي يكرهه الله سبحانه ويحرمه. لقد جعل الله في قلب النبي ﷺ لين الجانب والرفق بالمؤمنين، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. ويحذره سبحانه ويقول له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: والحال أنهم مجتمعون حوله ﷺ بفضل الله وبرحمته، فهو الذي جعل في قلبه الشفقة والحنان والرحمة على المؤمنين؛ ليقتدي به المؤمنون، فكل إنسان مؤمن قدوته النبي ﷺ ، فهو مهما أنفق على الناس من مال فلن يجمع قلوبهم، وقد يجمع أبدانهم، لكن القلوب يجمعها الله بما يجعله في خلق الإنسان من تواضع ومن لين جانب ومن حب للغير، فمن يحب الخلق يحبه الخلق، أما من يكره الناس تكرهه الناس، ولذلك كان الرجل الجاهلي يقول: لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني أي: لا أسأل أحداً هل تحبني أو لا تحبني، ولكن أبحث في قلبي إذا كنت أحب إنساناً فإن الله يجعل في قلب هذا الإنسان المحبة لي. أما إذا كنت أكرهه فكيف أرجوا المحبة منه؟! فعلى ذلك لا تطلب محبة من تكرهه. فجعل الله في قلب النبي ﷺ المحبة للمؤمنين، فكان يدعو لهم ويشفق عليهم ويرحمهم ويرأف بهم، فيحبونه ويجتمعون حوله صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 523

مدح الصالحين بأنهم أذلة على المؤمنين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. إن دين الله دين عزيز، وكتاب الله كتاب عزيز، وربنا هو القوي العزيز، وأنت أيها العبد تحتاج إلى الدين، والدين لا يحتاج إليك، وتحتاج إلى رحمة رب العالمين، والله ليس محتاجاً إليك، وتحتاج إلى كتاب الله ليكون نوراً في قلبك، وكتاب الله في غنى عنك. فالإنسان المؤمن يتقرب إلى ربه سبحانه يبتغي فضله ورحمته، ويدعو ربه أن يملأ قلبه بنور الإيمان، فهنا يقول لنا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] يعني: إذا توليتم فلن تضروا الله شيئاً، لا يضر أحدكم إلا نفسه، فإذا توليت عن الطاعة استبدل الله غيرك، واستخلف غيرك ممن يستحق أن يدخل الجنة، وهذا الذي أعرض لا يستحقها، وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أي: يكونوا أفضل منكم. فلو أن إنساناً يرتد عن دينه فهل الدين سيخسر بارتداده؟ لن يخسر شيئاً؛ لأن دين الله دين عزيز عظيم، ولكن الذي يخسر هو المرتد، ويأتي الله بغيره ممن يحب هذا الدين ويحب المؤمنين، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] أي: الله يحبهم الله وهم يحبون الله . قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] هذه صفة الإنسان المؤمن أن يخفض جناحه ويذل لإخوانه المؤمنين، فالمؤمنون يذلون أنفسهم لإخوانهم، ولا يستكبرون، بل يتواضعون بين إخوانهم، قد يكون أحدهم صاحب مال وصاحب غنى وصاحب منصب، ولكن في وسط المؤمنين هو واحد منهم، يتواضع لهم فيحبهم ويحبونه، يتألفهم ويتألفونه، فالمؤمن إلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. فهؤلاء المؤمنون الذين هم أذلة على المؤمنين كيف حالهم مع الكافرين؟ ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]؛ لأنهم تمسكوا بدين الله ، فهو دين عزيز، وكتاب عزيز من رب عزيز ، فأعطاهم العزة، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. فالعزة لله يعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما أذل المؤمنون أنفسهم لربهم سبحانه، وتواضعوا بين المؤمنين إذا بالله يكسبهم العزة، فإذا به في موطن الجهاد والقتال مع أعداء الله يعزهم ويرفعهم سبحانه، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. أي: هذا الفضل العظيم فضل الله سبحانه، ولا يحصل هذا الفضل بكسب يكتسبه الإنسان بمال أو منصب، وإنما بتقواه لله سبحانه، وبحبه لدين الله، وبتواضعه، فيرفعه الله سبحانه ويعزه.

стр. 524

التقوى هي معيار التفاضل قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] قوله: (يا أيها الناس) أي: أن الخلق جميعهم يناديهم ربهم سبحانه، (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) أي: أصل خلقة الإنسان من آدم وحواء، ثم بعد ذلك يتناسل الناس من ذكر وأنثى، فلا أحد أفضل من أحد، هذا ابن أبوين وذاك ابن أبوين، هذا من ذكر وأنثى وذاك من ذكر وأنثى، كلما ارتفعوا نظروا في النهاية فوجدوا أن أباهم آدم وآدم من تراب، فعلام يفتخر بعضهم على بعض؟ فالإنسان المؤمن يعرف أصل خلقته فيتواضع؛ لأنه يريد أن يتقرب إلى الله، فلا يتعزز على الخلق. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] أي: ليتعارف بعضكم مع بعض، ويحب بعضكم بعضاً، ويهدي بعضكم بعضاً، ويدعو بعضكم بعضاً إلى الخير، قال: ((لِتَعَارَفُوا)) لم يقل لتتنافروا، والتعارف يجلب المحبة بين الخلق. قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. الأكرم عند الله سبحانه ليس هو الأغنى، ولا صاحب المنصب، وإنما الأتقى، كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد قرباً من الله سبحانه، وإكراماً من الله له. وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] أي: لا تظل تقول: أنا أنا، فتزكي نفسك وتمدح نفسك، الله أعلم من هو من أهل التقوى، فلا تصف نفسك بصفات الكمال، فإن صفات الكمال والجمال المطلق لا تكون إلا لله . ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] . قال تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:١٣] وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، فكيف نجمع بينهما وبين قوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]؟ الجواب الإنسان مطلوب منه أن يزكي نفسه بالفعل، ومنهي أن يزكي نفسه بالقول وبالمدح. تزكي نفسك وتطهر نفسك وقلبك بالأفعال التي ترضي بها ربك، فهذه التزكية هي التي أمرك الله بها، أما التزكية التي نهاك عنها بقوله: ((فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)) فالمعنى: لا تزك نفسك ولا تتعال على غيرك، ولا تنظر لنفسك أنك أفضل من غيرك.

стр. 525

رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين المتواضعين قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٨ - ٤٩]. الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فريق دخل الجنة فكانوا السابقين. وفريق دخلوا النار فكانوا من البؤساء. وفريق على الأعراف ينتظرون فضل الله عليهم، وهم لم يدخلوا الجنة. وهم يطمعون في فضل الله ، فينظرون إلى أهل النار ويبكتونهم ويقولون: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨]، أي: أنتم الذين كنتم تجعلون من أنفسكم كباراً، فاستكبرتم وجمعتم الدنيا، فهل نفعتكم؟ لا، لم تنفعكم بل دخلتم النار والعياذ بالله. ثم قالوا لهم: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف:٤٩] أي: هؤلاء كانوا كذابين غدارين، كانوا يفتخرون بأنفسهم، حتى إنهم ليتألون على ربهم سبحانه ويقولون للمؤمنين: أنتم والله لن تدخلوا الجنة أبداً، فأصحاب الأعراف يقولون لهؤلاء الكفار يبكتونهم: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف:٤٩] أي: كنتم تحلفون أنهم لن يدخلوا الجنة، فهم الآن دخلوا الجنة، أما أنتم فـ ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] فهؤلاء دخلوا الجنة وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩]. إذاً: أهل النار كانوا مستكبرين، وأهل الجنة كانوا ضعفاء وكانوا متواضعين، فدخلوا الجنة برحمة رب العالمين .

стр. 526

فضل التواضع وقبح الكبر والفخر

стр. 527

شرح حديث: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا) من الأحاديث التي جاءت في الباب حديث رواه مسلم عن عياض بن حمار ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) أي: أنزل نفسك وحط من قدرها يرفعك الله ؛ لأن الإنسان الذي يتواضع يرفعه الله ويعزه ويعطيه من فضله سبحانه في الدنيا وفي الآخرة، أما الإنسان المستكبر فمهما استكبر فقد أبى الله أن يرتفع شيء إلا وضعه، فهذا يترفع ويرفع نفسه على الخلق فيضعه الله . قوله: (إن الله أوحى إلي) أي: هذا من الوحي إليه ﷺ ، فقد أوحى إليه بـ (أن تواضعوا) حتى لا يفخر أحد على أحد، يعني: تخلق بدرجة التواضع حتى لا تفخر على أحد، وحتى لا تقول: أنا كذا وأنت كذا، وحتى لا ترى لنفسك فضلاً على أحد من الناس، ولكن انظر للجميع على أنهم إخوة لك في دين الله ، والله سبحانه جعل بعضكم لبعض سخرياً. فمن كرمه سبحانه جعل بعضكم قوياً وبعضكم ضعيفاً، فيحتاج الضعيف إلى القوي، فجعل بعضكم عاملاً وبعضكم موظفاً وبعضكم طبيباً، فيحتاج بعضكم إلى بعض، فلو جعل الجميع شيئاً واحداً ولم يحتج أحد إلى أحد لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم شيئاً، ولكن الله بكرمه أحوج الناس بعضهم إلى بعض؛ لتكون الألفة، وليكون التعارف، ولتكون المحبة بينهم، والاحتياج يولد ذلك، فأنا إذا احتجت لفلان من الناس، فإني أتلطف معه لكي يعمل الشيء الذي لا أستطيع أن أعمله، والعكس كذلك. فهنا جعل الله الناس أصنافاً شتى حتى يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، يعني: أنا أستخدمك وأنت تستخدمني، فيحتاج بعضنا إلى بعض، فيرفق بعضنا ببعض، فنتعارف ونتحاب فيما بيننا. قوله: (ولا يبغي أحد على أحد) أي: أن الذي يبغي تكون نهايته النار، وهذا الإنسان ظالم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى:٤٢] فهؤلاء هم الذين عليهم حرج وعليهم السبيل، وأذن الله للمؤمنين أن يأخذوا حقهم من هؤلاء المعتدين. وهذا المعنى جاء في حديث آخر عن النبي ﷺ رواه الترمذي، ورواه أبو داود أيضاً بالمعنى، ورواه أحمد، ولفظ الترمذي: قال النبي ﷺ : (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه) هذا تحذير شديد من النبي ﷺ ، فإياك أن تفتخر؛ فالنبي ﷺ قال: (لينتهين أقوام) والفعل المضارع إذا دخلت عليه اللام التي للتوكيد وانتهى بالنون المثقلة التي هي أيضاً للتوكيد دل على جملة القسم، فكأنه هنا يوجد قسم محذوف تقديره: والله لينتهين أقوام عن ذلك أو ليفعلن الله بهم كذا وكذا. فهؤلاء الذين يفتخرون بهم إنما هم فحم جهنم، فهم يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية وكانوا كفاراً، أو يفتخرون بعد ذلك بآبائهم الفجار والفسقة الذين كانوا أصحاب مناصب في يوم من الأيام، كأن يقول: كأن أبي كذا، مع أن أباه كان فاسقاً، ولم يكن يدخل المسجد، إلا عندما مات أدخلوه المسجد وصلوا عليه، وبعد ذلك يقول: كان أبي وكان أبي. فالنبي ﷺ يحذر من الافتخار بالآباء الذين ماتوا على هذا الشيء، فهؤلاء قال عنهم أيضاً: (أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأ بأنفه)، والجعل كالخنفساء، وهو الذي يحرك بأنفه القذر والنجس، وهذا لو أبصرته أمامك لدسته برجلك ليموت؛ لحقارته عندك. فهؤلاء إما أن ينتهوا عن افتخارهم بالآباء، أو ليجعلنهم الله كهذا الشيء الحقير، ثم يأخذهم ويلقي بهم في نار جهنم ولا يأبه لهم. ثم قال ﷺ : (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء) العبية: الكبر والافتخار. ثم قال (إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي) يعني: الناس إما مؤمنون أتقياء أو فجرة أشقياء، والناس كلهم لآدم وآدم من تراب، فكل إنسان عندما يقول: أبي كذا وأبوك كذا، فليعلم أن الأب واحد وهو آدم، والجميع ينتهون إلى آدم، وآدم أتى من تراب، فلا داعي أن يفتخر الإنسان بخلقته، والكل سواء في أن أباهم آدم وآدم من تراب.

стр. 528

شرح حديث: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) يذكر الإمام النووي حديثاً رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). جاء في حديث آخر قال ﷺ : (ثلاثة أقسم عليهن) يعني: أنه يقسم على ذلك. ولا نحتاج لقسمه ﷺ فهو الصادق المصدوق، ولكن يريد التأكيد الشديد: أن ثق في هذا الذي أقوله لك، ثق في أنك إذا أنفقت من مالك فلن ينقص هذا المال، طالما أن النية نية حسنة والعمل لله ، فقال: (ما نقصت صدقة من مال) يعني: المال لا تنقصه الصدقة. ثم قال: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) يعني: إن ظلمك إنسان عفوت عنه، حتى وإن قال الناس: إنما عفا لأنه خائف منه، ولأنه لا يقدر على أن يأخذ الحق منه، حتى وإن استشعرت من كلامهم الإذلال والتحقير، ولكن نقول: إن ربنا يأمرك بالعفو، فقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، والنبي ﷺ يأمرك بالعفو أيضاً كما في هذا الحديث وغيره، فلا تنظر للناس الذين ينظرون إليك أنك ذليل لأنك عفوت عن هذا الإنسان، لكن الله وعدك بالعز، فالله يعزك ويذل من يحقر شأنك وشأن العفو عن الناس. قوله: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) أي: إذا كنت تريد أن يرفعك الله في الدنيا والآخرة فتواضع؛ لأنك كلما تواضعت للخلق رفعك الخلق فوق رءوسهم، وأحبوك لتواضعك، وبتواضعك تجمع حولك قلوب الناس، وتنتفع بهم في الدنيا وفي قبرك ويوم القيامة. والإنسان المتواضع خلقه عظيم، وهذا الخلق يقربه من النبي ﷺ إذا دخل الجنة؛ لأن أقرب الناس من النبي ﷺ ما جاء لنا في الحديث: (أحسنكم خلقاً أو أحاسنكم أخلاقاً)، فهذا الإنسان المتواضع عندما يأخذ الناس جنازته يزدحمون عليه، وعندما ينزل في قبره يقفون عند قبره ويدعون له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فهذا انتفع بالناس وهو في قبره، وفي الدنيا أحبوه وكانوا حوله، فهو يصلي معهم ويكون معهم في العبادة، ويأمرهم بالمعروف فيستمعون، وينهاهم عن المنكر فينتهون، فإذا به في كل أحواله على خير.

стр. 529

شرح حديث أنس: (أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله) وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: (كان النبي ﷺ يفعله). أي: كان ﷺ يسلم على الكبار، وعلى الصغار، وكان إذا مر بأحد سلم عليه، وكان يأمرنا بذلك ويقول: (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم).

стр. 530

شرح حديث: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي فتنطلق به حيث شاءت) وعن أنس قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت). صدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وتقول السيدة عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن) أي: كان ﵊ قرآناً يمشي على الأرض، وقد بلغ درجة عظيمة في حسن الخلق صلوات الله وسلامه عليه؛ رباه ربه فعلمه مكارم الأخلاق، ففي سورة المدثر يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]. يعلمه هنا آداباً منها: ((وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)) أي: عندما تعطي أحداً شيئاً فلا تستكثر أنك أعطيته، فأنت لا تعطي من جيبك، وإنما تنفق من مال الله ، وقد كان يقول لـ بلال ﵁: (أنفق بلال، ولا تخف من ذي العرش إقلالاً) أي: أنفق ولا تخف؛ لأن ربنا سيخلف ويعطينا . وهنا يذكر في الحديث أن الأمة من إماء المدينة -أي: الجارية وليست المرأة الحرة- فكانت تذهب للنبي ﷺ وتطلب حاجتها منه؛ لأنه أرفق وأحن وأرحم صلوات الله وسلامه عليه، فكانت تذهب إليه وتأخذ بيده ﷺ ، وتقول: اعمل لي كذا، فيذهب متواضعاً معها ويقضي لها حاجتها، فكان يذهب هو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه. انظروا إلى خلقه وتواضعه ﷺ ، فهو ﷺ كان يفعل ذلك ليقتدي به الناس.
следующие страницы →