← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وصايا الأنبياء عند وداعهم وسفرهم إلى الآخرة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]. وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ فينا خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم، الله في أهل بيتي) رواه مسلم. إن الإنسان إذا كان مسافراً أو مفارقاً الفرقة الكبرى فرقة الموت فإنه يودع ويوصي، فيدعو للمسافر ويطلب من المسافر أنه يدعو له. والوصية من الدين وكذلك النصيحة، فالإنسان يوصي أهله بتقوى الله ، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]. لقد شرع لنا ربنا هذا الدين الذي وصى به نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأولي العزم من الرسل، وصاهم بهذا الدين، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى:١٣] أي: أقيموا دين الله في أنفسكم وبين الناس وفي مجتمعكم، وكونوا مجتمعين على أمر الله ولا تختلفوا ولا تتفرقوا.

стр. 702

وصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهما قول الله ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣٢]، وصى بها أي: بكلمة التوحيد فإنه وصاهم بأن يديموا إقامة دين رب العالمين وشرعته ومنهاجه ، قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة:١٣٢] أي: اختار لكم دين الإسلام، فهو نعمة عظيمة وهدية من الله ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. ودين الإسلام هو دين الرسل جميعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد اختار الله للخلق هذا الدين العظيم (الإسلام)، اختار لهم أن يسلموا وجوههم وأن يسلموا قلوبهم وأبدانهم لله ليحكم فيهم بما يشاء فقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وأخبر أنه دين الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم كانوا يوصون أبناءهم به: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]. ووصى بها إبراهيم بنيه، ووصى بها يعقوب الذي هو: أبو يوسف على نبينا ﵊ وصاهم أن يموتوا على هذا الدين العظيم، ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]، غيعقوب أبو يوسف الذي لقبه إسرائيل، لما حضرته الوفاة: ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣]، وأبناؤه فيهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فجمع أبناءه وأحفاده وأوصاهم بتقوى الله سبحانه، وسألهم: من الذي ستعبدونه من بعدي؟ إنكم كنتم تعبدون الله وحده لا شريك له، فهل ستتمسكون بهذا الدين أم تتركون هذا الدين؟ وهو يعلم الجواب ﴿ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة:١٣٣]، الإله الواحد سبحانه، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣]، الذين هم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحد لا نشرك به شيئاً سبحانه، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]. فهذه الوصية ينبغي لكل مسلم أن يوصي بها نفسه وأن يوصي بها أهله وبنيه وغيرهم بأن يديموا عبادتهم لله سبحانه وأن تأتيهم الوفاة وهم متمسكون بهذا الدين. وإذا أردت أن تأتيك الوفاة وأنت على هذا الدين فتمسك به من الآن؛ لأنك لا تدري متى تأتيك الوفاة، فالمسلم مستحضر أنه ربما يموت الآن أو بعد قليل، فيكون متمسكاً بالدين لا يتركه أبداً إلى الموت.

стр. 703

وصية النبي بكتاب الله وأهل بيته ومن الأحاديث ما رواه زيد بن أرقم قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر)، وكانت خطب النبي ﷺ كلها مواعظ، فقد كان يعظ المؤمنين ويذكرهم بالله ويعلمهم. ثم قال: (أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب)، وهذا فيه التذكير بالموت، وقد قال له ربه سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال له وللمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فأخبر عن نبيه ﷺ أنه ميت كما أنهم ميتون، وأخبرهم النبي ﷺ أنكم تزعمون أني آخركم موتاً بل سأموت قبلكم ﵊، ومات قبلهم صلوات الله وسلامه عليه، وهذه من معجزاته ﵊ أن يخبر بأمر غيبي أخبره به الله فكان على ما أخبر به ﵊. وطالما أنه ميت ﵊ فكان يوصيهم بذلك، وكان من المواعظ ما يذكره أصحابه رضوان الله عليهم فقد قالوا: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، (قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا). فالصحابة كانوا يفهمون من مواعظ النبي ﷺ أنه قد اقترب أجله ﵊ فكان يعظهم ويذكرهم ﵊، إني مفارق لكم فاحذروا أن تفرطوا واحذروا أن تضيعوا قد تركت فيكم الثقلين، قال: (إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، كتاب الله وأوصيكم بأهل بيتي)، وكتاب الله يأمر بطاعة النبي ﷺ والعمل بسنته ﵊، فهو وصى بالشريعة التي هي: كتاب وسنة، وأيضاً: وصى بأهل بيته، أي: لا تظلموهم ولا تبخسوهم حقوقهم، فلعل الناس يجاملونه في حياته ﷺ ، فإذا توفي نسي الناس أهل بيته وأزواجه ﷺ ، فيذكرهم أن يتقوا الله فيهم. فعرف الصحابة قدرهم وعرفوا قدر نساء النبي ﷺ ، فكانوا يذهبون إلى نساء النبي ﷺ ويتعلمون منهن ما كان من سنة النبي ﷺ في بيته وغير ذلك من أحكام هذه الشريعة. فالنبي ﷺ وصى بالقرآن يعني: بشرع الله الذي هو: كتاب وسنة، ووصى الناس بأهل بيته ألا يظلموهم، قال ﷺ : (كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: (وأهل بيتي) يعني: أذكركم بأهل بيتي فلا تظلموا أهل بيتي، والغرض من الحديث أنه وصى صلوات الله وسلامه عليه الناس بكتاب الله وبأهل بيته ﵊.

стр. 704

وصية النبي لمالك بن الحويرث وأصحابه عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة قال: وكان رسول ﷺ رحيماً رفيقاً فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا!)، والنبي ﷺ كما ذكره الله ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكل إنسان يحافظ على نفسه، والنبي ﷺ أكثر محافظة عليكم منكم على أنفسكم فهو: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﵊. ونجد هذا في وصاياه وتأديبه لأصحابه رضوان الله ﵎ عليهم، فقد كانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، فيقول لهم: (قولوا: ما استطعنا)، فيأخذ عليهم البيعة وهو أرحم بهم من أنفسهم فيقول: (قولوا: ما استطعنا) أي: لعلكم لا تقدرون على بعض هذه الأشياء فيكون لكم عذر عند الله . وهنا كذلك فإن مالك بن الحويرث ومعه أقارب له قدموا على النبي ﷺ وهم شببة متقاربون، أي: شباب قد تركوا أهلهم وتركوا بلادهم وقدموا على النبي ﷺ ليتعلموا منه، ومكثوا عنده عشرين ليلة، فلما أقاموا عنده كان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً خلقه الرحمة والرفق، قال: فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا أي: فظن ﷺ أنهم يريدون الرجوع؛ لذلك لم يتركهم حتى يقولوا: نريد أن نرجع، ولكن رحمة النبي ﷺ جعلته هو الذي بدأ فسألهم عمن تركوا وراءهم، فكأنه يذكرهم ارجعوا إلى أهليكم يكفيكم ما قد تعلمتم، وهذا من رحمته ﷺ بهؤلاء وبغيرهم. قال: فأخبرناه فقال: (ارجعوا إلى أهليكم)، أي: الذي تعلمتموه هنا اذهبوا وعلموه أهليكم؛ ليكون لكم الثواب في ذلك، قال ﷺ : (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وأمروهم، وصلوا صلاة كذا!) في حين كذا! وربما أنه ظن أنهم غير متقنين لمواقيت الصلاة فعلمهم صلاة كذا! في حين كذا! وصلاة كذا في حين كذا، قال: (وصلوا كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم). يجوز (وليؤُّمكم أكبركم) ويجوز (وليؤَّمكم أكبركم) والأولى أوجه في اللغة لأن أصلها من أممه ففيها ميمان يأمم والجازم وقع على الثانية والأولى ما زالت مرفوعة فلذلك حركتها أولى بالبقاء هنا، فإن قيل: لماذا يؤمهم أكبرهم والمعروف أنه يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؟ لماذا لم يقل: يؤمكم أعلمكم بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ؟ الجواب لا يصح هذا في هذه الحالة؛ لأنهم مكثوا عشرين يوماً مع النبي ﷺ ولو حفظوا سيحفظ جميعهم مثل بعض، ولم يحاول أن يحفظ أحدهم أكثر من الثاني، فلم يبق تفاضل بينهم إلا بالسن، فطالما أنهم كلهم ذهبوا إلى النبي ﷺ في وقت واحد وأخذوا العلم وحفظوا من القرآن خلال عشرين ليلة مثل بعض فلم يبق إلا (وليؤمكم أكبرهم)، وهذا لا يعارض ما جاء في أحاديث أخرى عنه ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإذا كانوا فيها سواء فأقدمهم هجرة). فيقدم الأحفظ لكتاب الله ثم الأعلم والأفقه بدين رب العالمين ثم الأقدم هجرة والأكبر سناً، لكن إذا لم يوجد إلا خيار واحد بأن يكونوا متساويين في القرآن والسنة والهجرة لم يبق إلا بالسن، قال: (وصلوا مثلما رأيتموني أصلي)، والغرض هنا بيان وصية النبي ﷺ . ومن سنة النبي ﷺ التوديع للمسافر وقد وصاهم حين ودعهم وأمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم بالصلاة وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ في حياته وقبل وفاته ﷺ فإن آخر ما سمعوا منه: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) أي: الزموا الصلاة، واحرصوا على الصلاة، لا تتركوا الصلاة، (الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وملك اليمين هم: العبيد أي: احذروا أن تفرطوا في حق العبيد فإن الله يقتص لهم يوم القيامة.

стр. 705

مشروعية طلب الدعاء من المسافر روى الإمام الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد فيه ضعف قال: (استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن وقال: لا تنسنا يا أُخيّ من دعائك، قال عمر: فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا)، في رواية قال: (أشركنا يا أخي في دعائك) يا أُخيَّ تصغير يا أخي، قال الترمذي: حسن صحيح، وفي إسناده عاصم بن عبد الله العمري، قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، فإسناد هذا الحديث ضعيف، لكن يجوز للإنسان إذا كان يودع إنساناً مسافراً أن يطلب منه الدعاء لقول النبي ﷺ : (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة الوالد على ولده أو لولده)، ومن هذا الباب نقول للمسافر: لا تنسنا من دعائك.

стр. 706

دعاء المقيم للمسافر روى سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر ﵃ جميعاً كان يقول للرجل إذا أراد سفراً، وكان من أشد أصحاب النبي ﷺ متابعة للنبي ﷺ ، فقد كان يحاول أن يقتدي به في كل شيء لآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. حتى إنه إذا علم بالمكان الذي نزل فيه النبي ﷺ وتبول فيه ينزل في هذا المكان أيضاً ويتبول فيه، يريد أن يقتدي بالنبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ راكباً على ناقته فجذب زمامها في مكان في الطريق لتقف أو لوى رقبتها لتقف فـ ابن عمر كان يفعل هذا الشيء ولو كان غير محتاج إليه، فقد كان يفعله اقتداء بالنبي ﷺ ، فكان من أكثر أصحاب النبي ﷺ اتباعاً للنبي ﷺ واقتداءً به. فـ عبد الله بن عمر كان يقول للرجل الذي يريد أن يسافر: ادنو مني حتى أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا. فكان ابن عمر ﵁ يأتسي بالنبي ﷺ في توديع الإنسان المسافر ويعلمه السنة في ذلك، ويقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).

стр. 707

شرح حديث: (أستودع الله دينك) كان النبي ﷺ يقول للمسافر: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)، وهذا الحديث العظيم معناه جميل جداً لمن يتدبره يقول ﷺ : (أستودع الله) يعني: أجعل هذه الأشياء التي تخصك وديعة عند الله أي: أسأل الله وأدعوه أن يحافظ لك على هذه الأشياء كما يحافظ المودع الأمين على الوديعة التي عنده، ولله المثل الأعلى. (أستودع الله دينك) يعني: ما أنت عليه من دين الإسلام والمعنى: أدعو الله ألا يضلك وأن تظل ثابتاً على هذا الدين. (وأمانتك) سواء كانت الأمانة مع الله أو مع الخلق، فأسأل الله أن يحافظ لك على أمانتك جميعها فتؤدي التكاليف الشرعية ولا تضيعها، فتحافظ على الصلوات في وقتها، وتحافظ على صومك، وتحافظ على ما تؤديه من أمانة الله وكذلك أمانات الخل. ، (وخواتيم عملك)، وفي الحديث: (الأعمال بالخواتيم)، فقد يكون الإنسان على عمل صالح وفي آخر حياته كما قال النبي ﷺ : (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، والعياذ بالله. وقد يكون على عمل غير صالح وفي آخر حياته يسبق عليه كتاب الله فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، فكأنه يودع هذا الإنسان ويسأل من الله أن يحافظ له على هذا العمل حتى يختم له به. فتدعو للإنسان المسافر وتوصيه بتقوى الله لأنه سيكون غريباً في بلاد أخرى لست فيها، وليس هناك من يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر؛ لذلك توصي الإنسان حين يسافر إلى مكان بقولك: اتق الله ، واحذر الفتن، واحذر النساء، واحذر أهل الفسق وأهل الضلال، واحذر الكفار؛ فلعله يرجع ولعله لا يرجع فتدعو له بقولك: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).

стр. 708

ما يقال في توديع الجيش عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يودع الجيش قال: استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم)، حتى الجيش الذي يسافر مجاهداً في سبيل الله يحتاج لهذه النصيحة ويحتاج لهذه الوصية ولهذا الدعاء، وهذا أولى من أن يذهب الإنسان إلى المسافر فيقول له: أعطني كذا وكذا! انتبه لنفسك من كذا! فأنت تجعل الله هو الذي يرعاه حين تدعو لهذا الإنسان المسافر، ولا مانع من أن تقول للإنسان المسافر: أعطني كذا وكذا! ولا مانع إن كان متهوراً أن تقول له: انتبه من نفسك، ولكن لا تنسى أن تدعو له بهذا الدعاء العظيم (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك).

стр. 709

شرح حديث: (زودك الله بالتقوى) روى الإمام الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أريد سفراً فزودني) أي: أعطني زاداً في هذا السفر، والله يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، يعني: أعطني ما أستعين به في هذا السفر من نصيحة، فقال ﷺ : (زودك الله بالتقوى)، زودك يعني: أسأل الله أن يعطيك التقوى ويجعل التقوى زادك، ففرح بذلك وقال: زدني أيضاً، قال ﷺ : (وغفر ذنبك). قال الرجل: زدني قال: (ويسر لك الخير حيثما كنت)، وهذا دعاء جامع لخير الدين والدنيا والآخرة، ماذا تريد بعد التقوى؟ وإذا كان زادك التقوى فاعمل أي عمل لله ، فإن الله يتقبله منك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. وإذا كنت قد زودك الله التقوى فكل الأعمال الصالحة لن يدخلها رياء، فكلها ستكون لله وكلها يقبلها الله ، وإذا زودك الله التقوى سييسر لك الخير في كل مكان؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. والتقوى رأس مال المؤمن، وهي عظيمة جداً وهي تفتح لك أبواب السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وإذا زودك الله التقوى تقبل منك عملك ورزقك من حيث لا تحتسب وجعل لك مخرجاً، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق:٥]، وتقوى الله جمعت كل خير في الدنيا وفي الآخرة. قال: (وغفر ذنبك)، فدعا له بالمغفرة، فإذا غفر الله له انتظر الجنة من رب العالمين. قال: (ويسر لك الخير حيثما كنت) يعني: في أي مكان تكون أسأل الله أن ييسر لك الخير. وهنا ما قال له: الله يعطيك الذي تتمناه مع أن الإنسان يتمنى لنفسه خيراً كثيراً لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وقد يتمنى الشيء ويأتي بغير حينه، فلا يكون له عند الإنسان منزلة، والإنسان قد يتمنى المال فحين يأتيه المال يفرح به، وقد يأتيه المال فتكون تعاسته هي أن يأتي له المال! والإنسان الذي كان مسافراً في الصحراء ثم ضلت ناقته فظل في الصحراء تائهاً لا يعرف أين يذهب وعطش عطشاً شديداً وأخذ يبحث عن ماء وحفر بئراً وحصل على كنز في الداخل فهل ينفعه هذا الكنز الآن؟ لا ينفعه بشيء، فهل هذا الكنز خير في مكان لا ينتفع به؟! يقول هذا الإنسان: أريد من زمني ماءً فيمنحني مالاً فما ذلك التنغيص يا زمن أينفع المال والإنسان في غصص تأتي عليه فلا قبر ولا كفن لا ينفع المال عند الموت صاحبه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فجاءت له الريح بالذي لا يشتهيها ربان السفينة. فهذا الإنسان في مكان لعله في غيره قد يطلب المال ويكون خيراً عظيماً له، فكان دعاء النبي ﷺ يسر لك الخير حيثما كنت، أي: الخير الذي يناسبك في هذا المكان ييسره الله لك، ولذلك ينبغي على المسلم أن يسأل الله الخير في سفره، وأن يدعو للمسافر: (زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما كنت). نسأل الله أن يزودنا التقوى في سفرنا للآخرة، وأن ييسر لنا الخير حيثما كنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 710

شرح رياض الصالحين - الاستخارة والمشاورة لقد قرر الإسلام في عدد من الآيات والأحاديث مبدأ: ما خاب من استخار ولا خسر من استشار، فبهذين الأمرين يكون الإنسان مطمئن النفس سالي الخاطر قرير العين، والخيرة فيما اختاره الله.

стр. 711

ما جاء في الاستخارة والمشاورة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب الاستخارة والمشاورة. قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] أي: يتشاورون بينهم فيه. وعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، قال: ويسمي حاجته) رواه البخاري]. باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمة الله عليه يذكر فيه الاستخارة والمشاورة، والاستخارة على وزن استفعال أي: طلب شيء، فهنا استخار أي: طلب الخير واستدعاه، والمشاورة على صيغة مفاعلة وتكون في مجموعة بين اثنين فما فوقهما، وهي بمعنى طلب الشورى ممن حوله من أهل الخبرة ومن أهل العلم والصلاح، فيطلب رأيه في الأمر الذي يريد أن يفعله، وكذا ينبغي أن يكون المؤمن، فعليه أن يستخير ويستشير، فيستخير ربه سبحانه بأن يطلب منه تقدير الخير له وإرشاده إليه، ويستشير بأن يطلب من الناس آراءهم. فالله أمرك بالاثنين فقال في المؤمنين مادحاً لهم: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فأمر المؤمنين فيه مشاورة، ولا يوجد أحد يستبد برأيه عن الباقين ولكن يستشير الإنسان في قراره أو فيما يريد تدبيره من أمره، ويستشير أهل العلم والصلاح والتقوى وأهل الخبرة في المسألة التي يريد عملها. فالمؤمنون أمرهم شورى بينهم، وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، أمره الله بذلك مع أنه المؤيد بالوحي من السماء ﵊، ولا شك أن رأيه فوق آرائهم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الله يقرر مبدأً من المبادئ العظيمة وهو مبدأ الشورى، فلو كان كل أمر منه ﷺ يعطي رأيه فيه دون استشارة، لكان الأمر على من بعده صعباً. فلو جاء بعده خليفة أو أمير لقالوا: كان النبي ﷺ يتكلم في الأمر ويعطي رأيه وينفذ دون استشارة، فأنا أيضاً الملك أفعل هذا الشيء، فبدأ الله بنبيه ﵊ وأمره بالمشاورة بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فكان يستشيرهم وينزل على رأيهم حتى وإن خالف رأيهم رأيه ﷺ ، فطالما اجتمعوا على شيء وكانت الأكثرية في رأيهم فالنبي ﷺ يأخذ بآرائهم ويعمل بقولهم، وقد يكون الرأي الذي يراه الأكثرون ليس هو الذي يراه النبي ﷺ ، ومع ذلك يترك رأيه ويأخذ آراءهم ليعلِّم من بعده ﵊. وينبغي على المؤمنين أن يكون أمرهم شورى، فالشورى تجعل في الرأي أكثر من عقل واحد، فالإنسان المؤمن يتعلم من القرآن أن استشر من حولك من أهل الخبرة وإذا بلغت برأيك الصواب مرة، فلن تصيب كل مرة. وفي المشاورة تنقيح الآراء، انظر إلى إنسان يؤلف كتاباً مثلاً ويظن أنه أبدع في الكتاب، وعندما يراجع كتابه بنفسه يجد أشياء أخرى غفل عنها، وبالآراء يجد أموراً غفل عنها ونسيها؛ لذلك لا تحتقر آراء الرجال ولا تحتقر آراء الآخرين، بل خذ بآرائهم وانظر فيها حتى ولو لم تعمل بها، لكن قد تنفعك بعض آرائهم في يوم من الأيام، وهذا مبدأ الشورى الذي علمه لعبادة المؤمنين، فيتواضع الإنسان ويتجنب التهور. وعلى الإنسان أنه كما يحسن الظن بنفسه أن يحسن الظن في غيره؛ لذلك تجد العلماء حين يؤلفون كتبهم كالإمام الشافعي يؤلفه ثم يعطيه للبعض ويقول: خذ هذا الكتاب وأنا أعلم أن فيه أخطاء فأصلحها وأنا لا أعرف مكانها! كيف لا تعرف مكانها وأنت تقول: أعرف أن فيه أخطاء؟ قال: مستدلاً بكتاب الله وما أجمل ما يستدل به الإمام الشافعي من الكتاب والسنة، فقد كان عالماً عظيماً فقيهاً إماماً رضي الله ﵎ عنه، توفي وعمره أربع وخمسون سنة، ووصل إلى العلم الذي لم يصل إليه إلا الندرة من العلماء أمثاله من الأئمة رضوان الله ﵎ عليهم، يقول ﵀: قال الله في كتابه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فأي كتاب من عند غير الله لابد أن يكون فيه خلاف، ولابد أن يكون فيه خطأ، فالذي يؤلف شيئاً لا يمكن أن يكون كله صواباً، وهذه من طبيعة البشر، فلابد من الخطأ فهو مقتضى البشرية، ولذلك قال الشافعي ﵀ ذلك. فعندما يستشير الإنسان غيره فهم يدلونه على أخطاء نفسه، وهو بذلك يمحص كتابه ورأيه ويستفيد من آراء غيره من الناس، لذلك قالوا: ما خاب من استشار، لا يخيب الإنسان الذي يشاور غيره، إن وصل للصواب في مسألة وعمل بما قالوه، فوجد النتيجة حسنة فرح بهذا الشيء، وإذا وجد النتيجة على غير ما توقعه فلا يلوم إلا نفسه. وهذا الحافظ ابن حجر العسقلاني وهو من هو رحمة الله عليه يذكر في آخر حياته أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما كان ألف هذه الكتب، وأنه وجد في كتبه أخطاء كثيرة، فقد ألف وصنف كثيراً ولكن في نهاية الأمر راجع نفسه، وعلم أن هناك أشياء تحتاج لتنقيح، ولعله تسرع في بعض المسائل، هذا وهو أمير من أمراء المؤمنين في علم حديث رسول الله ﷺ ، وعالم من علماء المسلمين! فالغرض أن كل إنسان في نفسه أشياء صحيحة وأشياء قد تكون خلاف الصحيح، فحين يقدم على الشيء وحده لعله يندم في يوم من الأيام، ومهما ادعى الإنسان أنه لا يندم فهذا خطأ، وسيأتي زمن يصف نفسه بالجنون وأن كلامه كان خطأ، وسيعرف أنه كان مغروراً عندما قال ذلك. ولذلك المؤمن يجب أن يأخذ بكتاب الله مسلماً، قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] حتى لو اعتقدت أنهم أقل منك رأياً، ولعل الأقل منك رأياً قد يوفقه الله للشيء الذي لا يوفقك إليه وقد تكون نتيجة رأيه حسنة. فالمؤمنون أمرهم شورى بينهم، وكذلك يذكر الله سبحانه ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وهذا الأمر للنبي ﷺ وغيره بالتبع.

стр. 712

شرح حديث: (كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن) أي: حديث الاستخارة لابد أن تحفظه كما تحفظ السورة من القرآن، وكان يحفظهم النبي ﷺ هذا الحديث كما يحفظهم السورة من القرآن، يقول لهم ﵊: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة)، إذا أراد أحدكم أمراً من الأمور التي ينتفع بها في الدنيا أو في الآخرة وهو محتار في أن يعمله أو يتركه فعليه أن يستخير ربه سبحانه. فالاستشارة تكون من الخلق بأن يشيروا عليك بآرائهم، والاستخارة: طلب الخير وهو ما لا يملكه إلا الله سبحانه ﵎، فتطلب الخير منه أن يهديك ويوفقك للصواب، والأفضل أن تجمع الأمرين. قال هنا: (فليركع ركعتين من غير الفريضة)، فلابد أن تكون ركعتي نافلة، ولا يصح أن يكونا من الفريضة، فيصح أن أصلي سنة الفجر وأنوي أن أستخير ربنا بعد هاتين الركعتين، لكن لا ينفع أن أصلي صلاة الصبح وبعدها أستخير، فقد قال: (ركعتين من غير الفريضة)، ويستحسن أن تكون الركعتان قائمتين بذاتهما، وأن تكونا ركعتين مخصوصتين للاستخارة، ويجوز أن تدخلها مع أي نافلة من النوافل، كأن تصليها مع سنة الظهر أو سنة العشاء أو سنة المغرب وتدخل معها نية الاستخارة. قال ﷺ : (فليركع ركعتين من غير الفريضة)، بأي ركعتين: (ثم ليقل)، الدعاء الذي ينبغي أن تحفظه كما قاله النبي ﷺ : (اللهم إني أستخيرك بعلمك) يعني: أطلب منك الخير الذي تعلمه بعلمك وأطلب منك أن تعلمني وأن تدلني على ما لا أعلم، وفي هذا اعتراف الإنسان بجهله. (وأستقدرك)، السين للاستدعاء على صيغة استفعال، فالمقصد أني أطلب منك أن تقدرني، فأستقدرك بمعنى أطلب منك بقدرتك أن تقدرني على الصواب في هذا الشيء. (وأسألك من فضلك العظيم)، فأنا أطلب من فضلك، ولا أطلب فرضاً عليك أنك تعطيني، ولكني أعترف بعجزي وبجهلي، وأني عبد لك وأنت المتكرم المتفضل، وهذا من التواضع بين يدي الله ، وهذا يجعل سؤالك محل جواب من الله سبحانه ﵎، والمستكبر لا ينظر الله إليه، ولكن المتواضع هو الذي يعترف بالعجز وبالتقصير والجهل، ويقر لله بالقدرة بالعلم والفضل، فهذا جدير أن يستجيب الله له. قال: (أستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم)، أطلب من فضلك فإنك كريم وفضلك كثير عظيم. (فإنك تقدر وأنا لا أقدر)، أنت تقدر على كل شيء وأنا لا أقدر إلا على ما تقدرني عليه. (فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم)، وهنا يكون الاعتراف بالجهل، (تعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب)، تعلم ما ظهر وما خفي. (اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسمي الأمر)، أي: الأمر الذي سيقدم عليه فيقول مثلاً: أن هذا الزواج الذي أقدم عليه، أو سيقدم على شراء شيء فيقول: هذه البضاعة التي أشتريها، فيذكر الشيء الذي يستخير الله به. ثم يقول: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري)، وبهذا لا يضيع ديني، وخير في معاشي وفي حياتي ونفقتي ومعيشتي في هذه الدنيا، ثم العاقبة يوم القيامة، وهذا صالح ونافع لي في الدين، ونافع لي في معاشي وحاجتي في الدنيا، ونافع لي في قبري ويوم القيامة، وبهذا الدعاء يكون قد جمع الخير كله. قال: (أو قال: عاجل أمري وآجله)، وهو نفس المعنى: عاجل الأمر ما كان فيه منفعة دينية أو دنيوية، وآجل الأمر ما كان يوم القيامة، فيجوز لك أن تقول أي من الصيغتين: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري)، أو تقول: (خير لي في عاجل أمري وآجله)، قال: (فاقدره لي ويسره لي)، أي: اجعلني قادراً عليه واكتب لي أن أفعله واجعلني أفعل هذا الشيء بتيسيرك لي. ويمكن أن يقدرك على شيء هو في الأصل خير ولكن الإنسان بسفاهته يستخدمه في غير الخير. قال: (ثم بارك لي فيه) أي: تقدرني عليه فإذا قدرتني عليه اجعل لي من وراء ذلك: البركة في العمل، والبركة في النماء، والبركة في الأجر والثواب، فجمعت خيراً عظيماً باستخارتك ربك، ويكفي هذا الدعاء العظيم الذي دعوته. قال: (وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) أي: الأمر الذي أستخيرك به وأطلبه سيكون فيه شر، وكم من أمر ينظر الإنسان إليه على أنه خير فيحرص على أخذه، وبعد ذلك يجد فيه الشر فيتركه ويزهد فيه، فبدلاً من أن تجرب اطلب من ربك سبحانه أن يرشدك إلى الصواب. قال ﷺ : (أو قال: عاجل أمري وآجله)، إذا كان شراً قال: (فاصرفه عني واصرفني عنه)، فأريد عملاً في المكان الفلاني وأنا أسعى لهذا الشيء، وصليت صلاة استخارة ثم أقدمت عليه ولكنه ضاع، فلذلك كان الدعاء الكامل أن تقول: اصرف هذا الشيء عني واصرفني أنا أيضاً عنه، فلا أندم عليه ولا أحزن إذا لم أحصل عليه. قال: (واقدر لي الخير حيث كان) أي: قدر لي الخير في أي مكان يكون، واجعلني أتوجه إليه وأحصله. (ثم أرضني به)، قد يقدر لك الخير الذي يراه وقد لا ترضى عنه، والرضا شيء عظيم جداً، إن ترضى فلك الرضا من الله ولك الرضا من الخلق، مهما سخطوا عليك فهم يرضون عنك برضا الله عنك. وشيء عظيم أن يعيش الإنسان راضياً مستريح النفس قرير العين، يحس أنه ملك، يقول: الله وقد أعطاني الله أعظم شيء، فقد يتزوج امرأة فقيرة ولا تكون جميلة وقد تكون مريضة ولكن أرضاه الله بها، فرضي بها ويفرح بها ويستريح إليها، ويستشعر أنه ملك من الملوك. وقد يتزوج امرأة غنية وامرأة جميلة وامرأة ذات منصب وجمال، وإذا به يكون في ذل عظيم، يراها شيطانة أمامه لا يطيقها، فهنا يطلب الخير ويطلب من الله أن يرضيه به، فيجعل نفسه راضية بهذا الذي هو فيه، لا ينظر إلى غير ما أعطاه الله سبحانه ﵎. قال النبي ﷺ : (من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) أي: الذي يرضى عن الله سبحانه ﵎ فالله يرضيه، ويرضى عنه ويعطيه ما يرضى به، حتى ولو كان قليلاً من متاع الدنيا القليل، ولكن تجده فقيراً وتجده راضياً عن الله سبحانه، وكم من إنسان تراه فقيراً ولكنه فرحان؛ لأن الله ملأ قلبه بالإيمان الذي يجعله راضياً عن الله. ويقول: يمكن لو أخذت المنصب ضللت وضعت وتركت دين الله ورائي، وهكذا المؤمن يحمد الله وهو راض عن قضائه وقدره سبحانه ﵎، ورضاه يمنعه من التطلع، فلا ينظر إلى ما أغنى الله جاره أو فلاناً من الناس، فيبدأ يتسخط على أمر الله سبحانه، لكن المؤمن الذي يرضى عن الله سبحانه ﵎، يرضيه الله . لعل هذا الفقير يمرض مرضاً فيضع يده على مكان المرض ويدعو الله سبحانه فيذهب الله هذا المرض عنه دون تعاطي دواء، ولعل الغني يصاب بمثلما أصيب به الفقير فيصرف أمواله كلها عليه! وكم من طالب شيء لا يناله، فكم رأينا من أناس يطلبون مناصب في الدنيا ويسعون إليها، ولكن الله لا يقدرها لهم! وكل هذا حكمة من الله ، فقد تحصل على منصب ويضيع به دينك، وتفسد فيه أخلاقك، لهذا الله يصرفه عنك. فالمؤمن يستخير الله في كل أمر هو مقدم عليه، ولا يطلب المؤمن إلا رضا الله سبحانه ﵎، ويطلب من الله أن يرضيه ويصبر على أمر الله سبحانه، فيرضى بما قسمه الله له كما جاء في حديث أبي هريرة الذي قاله النبي ﷺ : (أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، فالغنى غنى القلب، والله يجعل قلبك غنياً، والفقر فقر النفس وفقر القلب، وقد تجد إنساناً لديه من الأموال الكثيرة ولكنك تجده يتكفف الناس ويطلبهم، وهذا هو فقر القلب بعينه، وتجده يخاف بشكل كبير على أمواله، وقد تجد إنساناً لا يوجد في جيبه ما يكفي قوت يوم أو أقل من ذلك، ومع ذلك يكون مسروراً لا يحتاج لأحد، فهذا هو الرضا بالله . فخذ بالأسباب، وتستشير وتستخير فالله يقدر لك الخير، فما خاب من استخار ولا استشار. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 713

شرح رياض الصالحين - تغيير الطريق عند الذهاب إلى مواطن العبادات والعودة منها وتقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم من الأمور المستحبة في الشرع: إذا خرج المسلم إلى صلاة العيد أن يذهب من طريق ويعود من آخر، اقتداء بالنبي ﷺ ، وتكثيراً لمواضع العبادة، وحتى تشهد له الملائكة في الطريقين، ويلتقي بعدد كبير من المسلمين. كذلك من الأمور المستحبة في الشرع: تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء، والغسل، والمصافحة، والطعام، والشراب، والأخذ، والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع الخف، والاستنجاء، وأشباه ذلك.

стр. 714

ما جاء في تغيير الطريق في الذهاب إلى صلاة العيد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة. عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس، وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى) متفق عليه]. غرض الإمام النووي رحمه الله تعالى من ذكر هذا الباب أن العبد وهو يسير على هذه الأرض في عبادة لله سبحانه، فإنه تكتب له خطواته ومشيه إلى الطاعة. فمثلاً: الذهاب إلى الصلاة، فكلما كثرت خطوات العبد إلى بيت الله كان له أجر عظيم بسبب هذه الخطوات. وكان النبي ﷺ إذا خرج إلى صلاة العيد ورجع منها، يذهب من طريق ويرجع من طريق آخر. ويسن التكبير عند ذهابه وإيابه، وفي أيام التشريق الثلاث، وهذا في عيد الأضحى، وهكذا كان النبي ﷺ يكثر من تكبير الله ، ويعلم المسلمين أن يكثروا من ذلك، لأنه كلما أكثروا من ذكر الله تشهد لهم الأرض التي يمشون عليها، وتشهد لهم الملائكة في الطرقات، ويمر المسلم على أكثر عدد من المسلمين، فيسلم على أخيه المسلم ويسلم عليه، ويدعو لأخيه المسلم ويدعو له، فإن تيسر للمسلم أن يذهب من طريق ويرجع من طريق أخر فحسن، وإذا لم يتيسر فعلى الأقل ذكر الله في كل مكان يمشي فيه. وأما حديث ابن عمر المتفق عليه: فهو في حج النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يدخل من طريق ويخرج من طريق آخر، فإذا خرج من المدينة خرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس، وإذا دخل مكة يدخل من الثنية العليا، أي: من الحجون، ويخرج من الثنية السفلى صلوات الله وسلامه عليه. والغرض: أن الحج عبادة لله تعالى، فيدخل عابداً لله تعالى، ويخرج ذاكراً لله سبحانه، فيخالف في الطريق، يعني: في الخروج وفي الدخول.

стр. 715

ما جاء في استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء والغسل والتيمم] يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، يعني: اليد اليمنى للأشياء التي يكرمها، وأما اليد اليسرى فتكون للأشياء الأخرى التي فيها إزالة قذارة ونحو ذلك كالوضوء، فيبدأ فيه باليمين ثم بالشمال، والغسل، والتيمم، فيبدأ كذلك بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، وقد ذكرنا في أبواب الوضوء والغسل والتيمم أن البدء باليمين سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلو أنه خالف في الوضوء، فبدأ بالشمال قبل اليمين فهل يصح وضوءه أم لا؟ الجواب يصح وضوءه، لكن خالف السنة. قال النووي: [ولبس الثوب] فيدخل يده اليمنى ثم يده اليسرى. قال النووي: [والنعل] أي: كذلك يبدأ باليمين ثم بعد ذلك باليسار. قال النووي: [والخف، والسراويل، ودخول المسجد] أي: يستحب عند لبسك للخف أو للسراويل أو عند دخولك إلى المسجد أن تبدأ باليمين. قال النووي: [والسواك] أي: إذا تسوك أخذ السواك بيمينه، وبدأ بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر. وقال: [والاكتحال] أي: إن احتاج للاكتحال، ووضع الكحل في عينيه، بدأ باليمنى، وكذلك ما كان مثلها من قطرات للعين فيبدأ بالعين اليمنى قبل اليسرى، والأنف اليمنى قبل اليسرى وهكذا. قال: [وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس] فهذا كله يبدأ فيه باليمين قبل اليسار، وهو من باب النظافة التي أمر بها الإسلام، وقد كان النبي ﷺ في حلقه وهو في الحج يبدأ بالجانب الأيمن قبل الجانب الأيسر، فيقاس عليه ما كان من إزالة شعر الإنسان. قال: [والسلام من الصلاة] أي: عند التسليم من الصلاة يبدأ باليمنى قبل اليسرى. قال: [والأكل، والشرب، والمصافحة] أي: يأكل بيمناه، ويشرب بيمناه، ويصافح بيمناه. قال: [واستلام الحجر الأسود، والخروج من الخلاء] أي: يستلم الحجر الأسود بيمينه، ويخرج من الخلاء بيمينه، لكن الخلاء موضع قذارة يستقذر منه الإنسان، فإذا دخله بدأ باليسرى وليس باليمنى؛ لأنه مكان للشياطين، وإذا خرج فليكن باليمنى. قال: [والأخذ، والعطاء] أي: يأخذ ويعطي بيمينه. قال: [وغير ذلك مما هو في معناه، ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط] أي: إنسان سيمتخط في أثناء الوضوء مثلاً، فيدخل الماء إلى فمه وإلى أنفه ثم يستنثر بيده اليسرى وليس باليمنى. قال: [والبصاق عن اليسار] أي: إذا كان يتفل فليتفل في منديل أو نحوه إن احتاج، وإن تفل على الأرض في مكان يغطى بتراب ونحوه تفل عن يساره. قال: [ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف، والنعل، والسراويل، والثوب، والاستنجاء، وفعل المستقذرات، وأشباه ذلك].

стр. 716

تكريم اليمنى في الدنيا والآخرة يقول الإمام النووي: [قال الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٩] فشرف الله اليمنى بأخذها الكتاب يوم القيامة، ليكون من الناجين، نسأل الله أن يجعلنا منهم، فيقبض ويأخذ كتابه بيمينه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢١]. هذا الذي أخذ كتابه بيمينه هو في عيشة راضية، وانظروا إلى الإنسان الذي ينجح في دراسته، كيف أنه يفرح فرحاً شديداً، لكن أعظم نجاح للإنسان عندما يأخذ كتابه بيمينه، فهذا هو النجاح الأبدي والحقيقي. ولذلك المؤمن يقول فرحاً مسروراً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] أي: تعالوا اقرءوا كتابي، فرح عظيم يوم القيامة لا يساويه فرح أبداً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] أي: كنت خائفاً من أن عملي لا يدخلني الجنة، ولكن الله تكرم عليَّ ومنّ عليَّ. ثم قال الله : ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤]. قال الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦] أي: لم أكن متوقعاً هذا الحساب، ولم أدر ما هو الحساب: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] أي: يا ليت هذه الموتة التي متها كانت آخر موتة لي، وما حييت بعدها أبداً: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩]. كلام فيه الحسرات والعياذ بالله، فيتحسر على نفسه، حيث لا ينفعه شيء يوم القيامة. والمقصود: أن اليمين كرمت في الدنيا وفي الآخرة، بأن يأخذ بها الإنسان كتابه من الله سبحانه ﵎ يوم القيامة. قال الإمام النووي: [وقال الله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨] فكرمها ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٨ - ٩] ففرق بين هؤلاء وهؤلاء!

стр. 717

استحباب التيمن في الطهور والترجل والتنعل قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله) متفق عليه]. كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، أي: يلبس النعل اليمنى قبل اليسرى، وفي طهوره، أي: في وضوئه وغسله، وترجله، أي: تسريح شعره، فيبدأ بالجهة اليمنى قبل اليسرى ﵊. قال الإمام النووي: [وعنها قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه) أي: كان النبي ﷺ يستعمل يده اليمنى في طهوره وفي تناول طعامه. (وكانت اليسرى لخلائه) أي: للاستنجاء وتناول الأحجار لإزالة الأقذار. (وما كان من أذاه) أي: وكذلك لما كان من أذى، نحو بصاق ومخاط وغيرهما.

стр. 718

استحباب البدء بالميامن عند غسل الميت قال النووي: [وعن أم عطية ﵂: (أن النبي ﷺ قال لهن في غسل ابنته زينب ﵂: ابدأن بميامنها وبمواضع الوضوء منها) متفق عليه. أمر النبي ﷺ أم عطية ومن معها أن يغسلن ابنته زينب ﵂ فقال: (ابدأن)، أي: يعلمهن النبي ﷺ : (بميامنها). فهذه هي السنة في الغسل، فيبدأ الإنسان الذي يغسل الميت بإزالة النجاسة من المخرجين، ثم يبدأ بمواضع الوضوء، فيبدأ بالأيمن قبل الأيسر، ثم الغسل لجميع أجزاء الجسم.

стр. 719

استحباب التنعل باليمين والنزع بالشمال في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع). فهذا أمر إرشاد منه ﵊ يدل على الاستحباب، فإذا لبس الإنسان نعله بدأ باليمنى لشرفها، والإنسان مادام أنه منتعل كأنه راكب، قال النبي ﷺ : (ما زال الرجل راكباً ما انتعل) أي: مادام هو منتعل كأنه راكب. إذاً: إذا لبس فليبدأ باليمنى، وإذا نزع فليبدأ باليسرى، وكأنه يؤخر اليمنى فتبقى أطول وقت وهي لابسة قبل غيرها، قال ﷺ : (لتكن اليمنى أولهما تنعل) أي: إدخال الرجل اليمنى أولاً في النعل وبقاؤها فيه كرامة: (وآخرهما تنزع) أي: آخر الرجلين تنزع منها النعل.

стр. 720

استحباب اليمين للطعام والشراب والثياب قال النووي ﵀: [وعن حفصة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه) أي: يجعل يمينه ليوصل بها الطعام والشراب إلى فيه، ويدخل اليد اليمنى في القميص عند ارتدائه. (ويجعل يساره لما سوى ذلك)، أي: ويجعل اليسرى لما سوى ذلك، كإزالة مخاط وغائط وبول ونحوه. قال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيمانكم)] أي: إذا لبست ثيابك فابدأ باليمين، وإذا أردت الوضوء فابدأ باليمين.

стр. 721

جواز التبرك بآثار النبي ﷺ قال ﵀: [وعن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر). أي: لما حج النبي ﷺ رمى جمرة العقبة الكبرى، ثم أتى منزله بمنى فنحر، ولم ينحر عن جمرة العقبة الكبرى، ثم أتى الحلاق فأمره أن يحلق جانبه الأيمن ثم جانبه الأيسر: (ثم قال للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس) متفقه عليه]. وفيه دليل على جواز التبرك بآثار النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإنه لما حلق له الحلاق الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، وزع شعره على الناس صلوات الله وسلامه عليه. وفي رواية: (لما رمى الجمرة، ونحر نسكه وحلق: ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري ﵁ فأعطاه إياه) أي: أن أبا طلحة أخذ شعر الجانب الأيمن كله له، وهذا يدل على أن له منزلة كبيرة عند رسول الله ﷺ . (ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: (احلق) فحلقه، فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس) فأخذوا شعر النبي صلوات الله وسلامه عليه يتبركون به، ويستشفون به، ولعلهم يضعون شعرات للنبي ﷺ في ماء، ثم بهذا الماء يغتسل إنسان مريض أو يشربه إنسان مريض فيشفيه الله سبحانه ﵎. وهنا السؤال هل يلحق بالنبي ﷺ غيره؟ الجواب لا، سداً للذريعة. والغرض من هذا الحديث" بيان أن النبي ﷺ حتى في حلقه بدأ بالجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، وفيه رد على الأحناف الذين يقولون: يستحب في الحلق أن يبدأ بالأيسر؛ لأنه من باب الإزالة، يعني: الترفه وإزالة الشيء الذي يؤذيه، والصواب: أنه يبدأ بالجانب الأيمن للحديث المتفق عليه الذي جاء عن النبي ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 722

شرح رياض الصالحين - التسمية في أول الطعام والحمد في آخره حاجة الإنسان إلى الطعام ناشئة عن جبلته الآدمية التي فطره الله تعالى عليها، وداعية الشهوة في نفس الآدمي ترد به موارد الطمع في تحصيل حاجته من الطعام، وقد جاء الإسلام ليهذب النفوس بآدابه الحكيمة، ومن ذلك الآداب العظيمة المتعلقة بأكل الطعام، فشرع للآكل ذكر الله تعالى على طعامه، وحمد الله تعالى عند الفراغ منه، إلى جانب بعض الآداب الأخرى؛ ليهذب نفسه، ويطرد الشيطان عن طعامه، ويحصل رضا الله تعالى عنه ومغفرته له.

стр. 723

الآداب النبوية في أكل الطعام قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [كتاب آداب الطعام. باب التسمية في أوله والحمد في آخره. عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) رواه مسلم. هذا باب آخر من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، فبعدما ذكر كتاب الآداب ذكر أدب الطعام. ويعني بذلك: ما ينبغي على المؤمن إذا أكل أن يصنعه من ذكر الله ، ومن طريقة معينة في الأكل يقتدي فيها بالنبي ﷺ ، ومن ترك أذية من يأكل معه، ومن ترك الجشع والنهم في طعامه وغير ذلك. ذكر الإمام النووي هنا باب التسمية في أوله والحمد في آخره، يعني بذلك أن السنة أنك تسمي الله عند أول طعامك، وكلنا يعرف ذلك، وفي آخر الطعام يحمد المؤمن ربه سبحانه على ما أعطاه من فضله سبحانه. وأورد من الأحاديث حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه، وراوي هذا الحديث هو عمر بن أبي سلمة، وأبوه هو أبو سلمة، وأمه أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فـ عمر بن أبي سلمة كان حينها صبياً صغيراً، ولذلك جاء في رواية أن النبي ﷺ قال له: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك)، وكان يأكل مع النبي ﷺ فتطيش يده في الصحفة أو القصعة التي فيها الطعام، أي: يأكل مرة من أمامه ومرة من وسط الصحفة ومرة من آخرها، فعلمه النبي ﷺ الأدب في الطعام، فهذا ابن زوجة النبي ﷺ ، وهو صبي صغير، ومع ذلك لا بد من التعليم والتعويد على الآداب في الطعام والشراب وغير ذلك؛ لأن الإنسان إذا شب على شيء شاب عليه، فإذا شب على أنه يأكل بيده الشمال، أو على أن يده تطيش في الصحفة، أو على أنه لا يحترم الذي أمامه في الأكل، أو على أنه يمد يده إلى الذي أمام غيره فيأخذه ويأكله، فإنه يصير هذا دأبه وطبعه بعد ذلك، فلذلك كان النبي ﷺ يعود أصحابه من صغرهم على أن يتأدبوا بالآداب الشرعية، فقال له النبي ﷺ : (سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، وهذا أدب عظيم في الطعام، وهو تسمية الله ، أي: تذكر اسم الله بقولك: (باسم الله) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فتسمي ربك في أول الطعام. قال: (وكل بيمينك) أي: لا تأكل بشمالك، وإنما كل بيمينك. (وكل مما يليك) هذا أدب ثالث، وهو أنك تأكل من أمامك، ولا تمد يدك إلى جهة غيرك، ولكن كل من أمامك ليبارك لكم في الطعام، ولا يكون في نفس بعضكم شيء على الآخرين.

стр. 724

الأدب المتعلق بمن نسي ذكر الله تعالى على طعامه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى) أي: يبدأ بتسمية الله سبحانه، ولعل الإنسان ينسى حين يأكل فيمد يده ويطعم، فيذكره النبي ﷺ بقوله: (فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وآخره). يعني: إذا نسي وبدأ في طعامه فحين يذكر يستدرك فيقول: (باسم الله أوله وآخره) يعني: في أول الطعام على اسم الله سبحانه نأكل، وفي آخر الطعام على اسم الله أيضاً نأكل.

стр. 725

فضل ذكر الله تعالى في طرد الشياطين عن الأكل والمبيت عن جابر كما في صحيح مسلم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء). هذا الحديث يفسر ما قبله، ويبين الحكمة من تسمية الله في أول طعامه، فتسمي الله تبركاً باسمه ، وتسمي الله فيحدث الخير والزيادة والبركة في طعامك، وتسمي الله فيطرد عنك الشياطين التي تريد أن تأكل معك وتذهب بالبركة من الطعام الذي تأكله. فالنبي ﷺ يقول: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء)، فحين تدخل البيت تقول: باسم الله. وتعلم أطفالك ذلك، وتعلم الزوجة ذلك عند دخول البيت، وكذلك أنت حين تدخل بيت غيرك، فحين تدخل تقول: (باسم الله)، ولا تكن مصاحباً للشيطان في الدخول إلى بيتك أو بيت غيرك، فالداخل بغير ذكر الله يدخل معه الشيطان تابعاً له، فتعود على أنك لا تدخل الشياطين بيتك بأن تدخل فتقول: (باسم الله)، وعود أولادك حين يدخلون البيت أن يقولوا: (باسم الله) فلا يأتي الشيطان ولا يدخل بيتك طالما أن الداخلين إلى البيت يقولون: (باسم الله). قال ﷺ : (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء) فلا ينال منك شيئاً، لن ينقص لك طعامك، ولن يذهب بالبركة الموجودة في هذا الطعام، ويقول لأصحابه: لا مبيت لك، فستنامون في الشارع، ولن تناموا داخل البيت، ولن تدخلوا مع هذا الإنسان بيته، ولا طعام لكم، فستبيتون جوعى ليس لكم طعام عند هذا الإنسان؛ لأنه ذكر الله على طعامه. قال ﷺ : (وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت)، فحين يدخل المرء البيت يكون الشيطان واقفاً له بالمرصاد، ليرى هل سيدخل ويسمي أم لا، فإذا لم يسم الله يفرح الشيطان ويقول لأتباعه: أدركتم المبيت، أي: ستبيتون الليلة في هذا البيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: (وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء)، فالشيطان يهنئ نفسه بالإنسان الذي لا يذكر الله ، فيدخل معه بيته، ويأكل معه طعامه، فيصبح وليس هناك بركة في هذا البيت. ولذلك فإن الإنسان الذي يعتاد على ألا يذكر الله تجده مبتلى بالوساوس، ومبتلى بعدم البركة، ومبتلى بأنه ينام فيرى الكوابيس؛ لأنه يدخل ويدخل الشيطان معه إلى بيته، والحل للتخلص من ذلك يسير، وهو أنه حين يدخل بيته يسمي فيقول: أبدأ مستعيناً بذكر اسم الله سبحانه ﵎.

стр. 726

استحلال الشيطان للأكل مما لم يذكر اسم الله عليه أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: (كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامه لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده) فهنا بيان أدب الصحابة مع النبي ﷺ ، حيث اعتادوا على أن الذي يبدأ هو النبي ﷺ ، فيبدأ ويسمي ثم يأكلون هم معه ﷺ ، وفي مرة من المرات حضروا مع النبي ﷺ طعاماً، قال حذيفة: (فجاءت جارية كأنها تدفع) أي: جاءت طفلة صغيرة كأن أحداً دفعها، جاءت تجري إلى الطعام ومدت يدها إلى الطعام، قال (فذهبت لتضع يدها في الطعام) فيا ترى ماذا عمل النبي ﷺ ؟ إنها طفلة صغيرة، فهل قال: دعوها لتأخذ من الطعام ما في نفسها؟! إنه لم يقل هذا، بل أمسك يدها ﷺ ، ومنعها من أن تأكل؛ إذ لم يأكل النبي ﷺ بعد، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، والأعراب فيهم غلظة في أخلاقهم وصعوبة وشدة، فهم أجلاف، فجاء هذا الأعرابي، وما استأذن، ومد يده إلى الطعام ليأكله، فأمسك النبي ﷺ بيده هو الآخر، ثم قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم الله تعالى عليه)، فالشيطان يريد أن يأكل من هذا الطعام، ويريد أن يمنع البركة في هذا المكان، فلأجل أن يأكل وسوس لهذه الجارية بأن: اذهبي وضعي يدك في الأكل. فحين تمد يدها يمد هو يده مع يد هذه الجارية، ووسوس لهذا الأعرابي بأن: مد يدك بغير إذن ومن غير ذكر الله . ويده مع يد هذا الأعرابي، أمسك النبي ﷺ بيدي الاثنين، ثم قال ﷺ : (وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها) أي: لأجل أن يستحل هذا الطعام: (فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما ثم ذكر اسم الله تعالى وأكل). فالذي يمنع الشيطان ويدفعه عن ذلك الطعام هو ذكر اسم الله تعالى عليه. فالشيطان لا يزال وراء الإنسان يوسوس له، فإذا لم يقدر عليه يسلط عليه غيره، فالإنسان في حاله قد يذكر الله ، فيأتي الشيطان إلى هذا الإنسان ويحاول أن يوسوس له ليبعده عن ذكر الله سبحانه ﵎، فإذا لم يستطع الوسوسة والخداع لهذا الإنسان فإنه يسلط عليه من بجواره، فيأتي ويلهيه بقوله: أتذكر الشيء الفلاني؟ أتذكر القصة الفلانية؟ أتذكر العمل الفلاني؟ فيخرجه عن ذكره لله . ولذلك فإن المؤمن يعتصم بالله ، ويلجأ إلى الله سبحانه ﵎، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله عند دخوله بيته، وأكله طعامه وغير ذلك.

стр. 727

تأذي الشيطان من ذكر الله تعالى على الطعام روى أبو داود والنسائي عن أمية بن مخشي الصحابي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ جالساً ورجل يأكل) أي: في مرة من المرات كان النبي ﷺ جالساً وأمامه رجل يأكل، فهذا الرجل لم يقل: (باسم الله) قال: (حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة) يعني: مضى يأكل، ولم يبق إلا لقمة واحدة في الطعام، قال: (فلما رفع اللقمة إلى فيه قال: باسم الله أوله وآخره. فضحك النبي ﷺ فهو يرى ما لا نرى صلوات الله وسلامه عليه، حيث أطلعه الله على أشياء من الغيب، فهنا رأى الرجل يأكل والشيطان يأكل معه من هذا الطعام، فلما تذكر الرجل في آخر لقمة وقال: (باسم الله أوله وآخره) استقاء الشيطان ما في بطنه، فلم يهنأ بهذا الطعام، ولم يستقر في جوفه، وإنما استقاء بسبب ذكر الله .

стр. 728

محق بركة الطعام بترك ذكر الله تعالى عليه أخرج الترمذي عن السيدة عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يأكل طعاماً في ستة من أصحابه) أي: كان في مرة من المرات جالساً ومعه ستة من أصحابه يأكلون من قصعة فيها طعام يكفي هؤلاء الستة، فأكل النبي ﷺ وأكل أصحابه معه، وكانوا في بداية الطعام، قالت (فجاء أعرابي وجلس فأكل الطعام كله بلقمتين، فقال النبي ﷺ : أما إنه لو سمى لكفاكم) أي: لو أن هذا الأعرابي الجاهل قال: (باسم الله) لكفاكم هذا الطعام. فذكر الله يجعل البركة تحصل في الطعام، ويجعل الإنسان يخاف من الله ، فالأكل موضوع، والذي يمنع الإنسان من أن يمد يده فيأكل ما أمامه إلا أن يتذكر ربه سبحانه، فيخاف من الله أن يحاسبه على ذلك، فلو أن هذا الأعرابي قال: (باسم الله) فذكر الله لاستحيى من كونه يقصر الأكل كله على نفسه ويأخذه كله من أمام النبي ﷺ ومن أمام أصحابه، ولأكل على تؤدة، ولكفى الطعام الجميع. ولكن الإنسان الذي لا يذكر الله يزين له الشيطان شهواته، ويقول له: كل لكي تشبع، فلن تجد أكلاً مثل هذا بعده. فيمد يده ويأكل الطعام كله، ويترك من أمامه لا يجدون شيئاً! فالتسمية تحدث البركة في الطعام، وبها يجعل الله في قلب الإنسان التقوى التي بها يحافظ على نفسه وعلى غيره، بل يؤثر غيره على نفسه، فحين يأكل ويرى غيره لا يأكل يقول: هو أولى مني بهذا الشيء. فيعطي الطعام لغيره وحينئذٍ يكفي الجميع. ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة أو الأربعة)، فإذا أكل الإنسان بمعدة كاملة أكل الطعام كله، وإذا أكل وترك شيئاً لنفسه وشيئاً لشرابه أمكن أن يأكل آخر معه فالطعام الهنيء الطيب يكفي عدداً من الناس. فإذا قال الإنسان: (باسم الله) حدثت التقوى في قلبه، فآثر غيره على نفسه، وأشبعه الله بالذي أكله وجعل في الطعام بركة، وأبعد الشيطان عنه.

стр. 729

ما يقال عند الفراغ من الطعام روى البخاري عن أبي أمامة ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه ربنا)، فهذا الحديث العظيم فيه أن الإنسان يقول كما قال النبي ﷺ ، فيعرف حق المنعم الذي أنعم على العبد بالطعام، وأنعم عليه بالشراب، وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمْ ، فالله يكفيك وهو غير مكفي ، فهل أحد يكفي الله ؟ أما نحن فكل منا يقول: أنا أحتاج إلى من يكفيني، وأحتاج إلى من يؤويني، وأحتاج إلى من يطعمني ويسقيني. فكلنا نحتاج إلى ذلك، أما ربنا فلا أحد يكفيه، فهو مستغنٍ عن العالمين ، ولا يحتاج إلى أحد. فيقول النبي ﷺ : (الحمد لله) يعني: أثني على الله سبحانه بالثناء الجميل الذي يستحقه سبحانه على أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلى ما أنعم به علينا من فضل ونعم. وقوله: (حمداً كثيراً طيباً) أي: يطيب هذا الحمد على لسان المؤمن، فيكون المقصود به الحمد الكثير، الحمد الذي يقوله الإنسان مع تنزيهه ربه سبحانه عن أي نقص. وقوله: (مباركاً فيه) يعني حمداً يزداد كلما زادت نعم الله . قوله: (غير مكفي) يعني: لا أحد يطعمه سبحانه، ولا أحد يسقيه حاشاه ، فلا يحتاج إلى أحد، بل هو الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَمْ . (ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) يعني: لا نودع ولا نستغني عن ربنا ، ولا نودع هذا الطعام بحيث يكون آخر طعام، فربنا سبحانه يعطي ويعطي، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فنحن غير مستغنين عن طعام يطعمناه ربنا سبحانه، ولا عن شراب يسقيناه ربنا ، فقوله: (ولا مودع) يعني: غير متروك الطلب. وكأن المعنى أن ربنا غير محتاج إلى أحد سبحانه، ولا نودعه ، بل نحتاج إليه أبداً ، ولا نستغني عنه، وهذا الذكر يقال بعد الطعام. وفي حديث آخر رواه أبو داود والترمذي من حديث معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه). فانظر إلى كرم ربنا ، فهو كريم عظيم ، أعطى، وأطعم، وسقى، ثم يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فإذا أكل المرء وحمد الله تعالى أو شرب وحمد الله تعالى غفر له ربه بالشيء القليل الذي يقوله، وهو قوله: (الحمد لله). فقول المرء: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة) معناه أن ربنا هو الذي أطعمني، وهو الذي رزقني هذا من غير حول مني، أي: من غير حيلة مني، ولكن الرزق بيد الله سبحانه، فهو الذي وجهني، وهو الذي جعلني أكسب هذا الشيء بفضله ورحمته، فهو الذي يوفق العبد للكسب الهنيء الطيب، فلا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله ، فإذا قال ذلك غفر الله له ما تقدم من ذنبه. نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل -اللهم- وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 730

شرح رياض الصالحين - مدح الطعام وعدم عيبه وما يقوله من حضر طعامًا وهو صائم إن النبي الكريم ﵊ هو حامل لواء الآداب والأخلاق العظيمة وقد جاء متمماً لها، ومن ذلك أنه ﵊ ما عاب طعاماً قط قدم إليه لعلمه أنه إن عابه فستتأثر نفسية صاحب الطعام، وهذا كله من كرم أخلاقه ﵊.

стр. 731

ما جاء في استحباب مدح الطعام وكراهة إعابته الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه. عن أبي هريرة ﵁ قال: (ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه) متفق عليه. وعن جابر ﵁: (أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به رسول الله ﷺ ، فجعل يأكل ويقول: نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل) رواه مسلم. باب: ما يقوله من حضر الطعام وهو قائم إذا لم يفطر. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم)، قال العلماء: معنى (فليصل) أي: فليدع، ومعنى (فليطعم) أي: فليأكل]. باب من أبواب الآداب في الطعام يذكرها الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين منها: لا يعيب الطعام واستحباب مدحه. فالسنة أن المسلم إذا قدم له طعام سواء كان طعاماً غالياً عالياً، أو كان طعاماً رقيقاً على قدر ضعيف يسير ألا يعيب الطعام ويأكل منه، ويستحب أن يمدحه فهو نعمة من الله سبحانه ﵎، وله أن يعيب الطعام لكونه معيباً أي: إذا كان ناقص الملح أو زائد السكر فلا بأس أن يقول: هذا ناقص كذا، هذا محتاج لكذا، ويعلم الطابخ الأدب في الطبخ، فهذا ليس عيباً للطعام. فالطعام خلقه الله سبحانه ﵎، فمهما قدم له من طعام قبله وأكله، ولكن من الممكن أن يتكلم عن الطبخ نفسه كأن يقول: هذا طبخ رديء، أو طعام محروق، وهذا ليس عيباً للطعام كطعام ولكنه عيب في الصناعة والطبخ، فالصانع نفسه رديء في صناعته، لذلك البعض يخلط، المرأة تطبخ طعاماً سيئاً ومحروقاً وتقدمه لزوجها فيقول لها: هذا طعام غير جيد، طعام محروق، فتقول له: (ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط!) وهذا غير المقصود من الحديث. إذاً: هناك فرق بين المرأة التي تجيد الطبخ وتقدم الطعام بحسب المستوى الموجود، الإنسان يحمد الله ﵎ عليه، سواءً كان أكلاً غالياً أو رخيصاً. إذاً: هذا شيء، وأمر أن الطعام رديء في الصناعة نفسها، فعلى الرجل أن يقوم بتقويم الطباخ أو الطباخة التي تقوم بطباخته هذا شيء آخر، كأن يذهب إلى المطعم فيقدموا له طعاماً فاسداً منتهي الصلاحية، وهذا ينبغي له أن يكلم صاحب المطعم أو الطابخ بهذا الشيء، ولكن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه التواضع وأنهم مهما وجدوا من شيء كان غالياً أو رخيصاً أكلوا منه وحمدوا الله سبحانه ﵎.

стр. 732

شرح حديث: (ما عاب رسول الله طعاماً قط) يقول أبو هريرة ﵁: (ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه). هذا من حسن خلقه ﵊، فقد كانوا فقراء وكان الطعام قليلاً، وكسرة الخبز كانت شيئاً كبيراً جداً بالنسبة لهم، وما أكل النبي ﷺ حتى مات طعاماً مرققاً من عيش قط ﷺ ، إنما كان يخبز للنبي ﷺ الخبز والدقيق بنخالته، فقد كانوا يأخذنه وينفخون في الدقيق، حتى يذهب منه بعض نخالته، ويخبز بباقيها، أما أنه يعمل له منخل وينتخل فيه الدقيق مثلما يحصل الآن، فلم تكن مثل هذه الأشياء موجودة في عهد النبي ﷺ . وكان ﵊ يدعى إلى طعام فمع فقر الداعي يعطي للنبي ﷺ شيئاً بسيطاً من طعام، فمرة دعاه خياط إلى خبز وإهالة سنخة، والإهالة شيء مثل الزيت أو الدهن وكان قد تغير، فدعا النبي ﷺ ، فأكل النبي ﷺ من هذا الذي دعي إليه ولم يعب الطعام. إذاً: الطعام قد يكون خلقة طعاماً جميلاً، وقد يكون له فترة طويلة وبدأ يتغير شيئاً، فلا مانع لمن استساغ ذلك أكله، فالنبي ﷺ لم يكن يجد في كل حين الطعام، بل كان يبيت الليالي ذات العدد من غير طعام ﵊، وكان يضع على بطنه الحجر من شدة الجوع لكي يقيم صلبه ﷺ ويستطيع المشي في الطريق، فإن وجدوا أكلوا، وإن لم يجدوا حمدوا الله سبحانه وصبروا على هذا الأمر. فيقول أبو هريرة: (ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله)، عندما كان يوضع الضب على مائدة النبي ﷺ لم يكن يشتهيه، والضب نوع من الحيوانات الصحراوية وشكله مثل التمساح ولكنه بري، فالتمساح حيوان برمائي، وهذا يوجد في الصحاري ونحوها، وأراضي الحجاز ونجد مليئة بالضباب، وفي غيرها من المناطق الصحراوية، وهو صغير في الحجم، فكانوا يشوونه ويقدمونه لحماً يأكل، فكان العرب يشتهون ذلك، والضباب لم تكن موجودة في مكة أو المدينة، فلذلك كان يعافه، وأيضاً كان يخاف أن يكون مسخاً مسخه من البشر على هذه الهيئة، فخشي ﷺ وأخبر أن أمة من الأمم فقدت فهو يخشى أن تكون مسخت على هذه الهيئة. وعلمنا من حديث آخر للنبي ﷺ أن الممسوخ لا يعيش فوق ثلاثة أيام، فبني إسرائيل عندما مسخهم الله إلى قردة وخنازير، لم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، ولا يكون للمسوخ نسل، فهو ﷺ علمنا ذلك وعرف ذلك، ولكنه لم يحرمه ﷺ ولكن قد يكون من الناس من مسخ على هذه الهيئة فعافه النبي ﷺ ، قال: (إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) أي: أجدني لا أشتهيه، وأكل على مائدة خالد بن الوليد وقد كان جالساً فقال للنبي ﷺ : (أحرام هو؟! قال: لا، ليس حراماً) فأكله خالد، وخالد ﵁ كانت زوجة النبي ﷺ السيدة ميمونة خالة خالد بن الوليد، فدخل عند النبي ﷺ واجتره من على المائدة، وأكله خالد ولم يأكله النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 733

شرح حديث جابر: (أن النبي سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل) من الأحاديث حديث لـ جابر ﵁: (أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل). الأدم جمع إدام، ويقال: إدام، ويقال: أدمة أيضاً في المفرد. وهذا حديث رواه مسلم من حديث جابر ورواه أيضاً من حديث السيدة عائشة ﵂، ففي رواية أن النبي ﷺ مر بالطريق فوجد جابراً ﵁ تحت ظل بيت وكأنه استشعر أن جابر جائعاً، فأمره النبي ﷺ أن يتبعه، فتبع النبي ﷺ فلما دخل النبي ﷺ عند أهله، فسألهم عن الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا النبي ﷺ به ليأكل، وقال: (نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل) والإدام: هو الشيء الذي تغمس الخبز فيه، والإدام شيء يساعدك على ابتلاع الطعام واستساغته من زيت أو دهن أو غيره، فأكل النبي ﷺ الخل وقال: (نعم الأدم الخل). وأخبر جابر بن عبد الله ﵁ أنه لم يزل يحبه منذ رأى النبي ﷺ يأكله، وقد غمس الخبز بالخل فأكله ﷺ ومدحه أيضاً، فيستحب مدح الطعام فقد خلقه الله ، وهو من فضله ومن رحمته على خلقه. والمدح للخل يبين أن هناك فائدة كبيرة في الخل، والنبي ﷺ لم يمدحه إلا وهو يعلم فوائده، فقال: (نعم الأدم الخل) فأكله النبي ﷺ وأكله جابر ﵁ وبحث العلماء في ذلك. يقول الخطابي والقاضي عياض: معنى مدح النبي ﷺ : الاقتصاد في المأكل، ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، فالإنسان يربي نفسه ويعود نفسه على القليل، وليس ضرورياً دائماً أن يكون ما يغمس فيه الإنسان خبزه شيئاً فاخراً عالياً، ولكن فليكن من الخل أحياناً كما فعل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال تقديره: ائتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز وجوده، أي: عود نفسك على أن تأكل من الطعام الموجود عند الناس فلو عودت نفسك على الغالي وعلى الفاخر فلعله يعز في زمن من الأزمان فلا تجد هذا الطعام، فعود نفسك على الشيء القليل حتى لا تظل متعلقاً بالشيء الغالي وقد لا تجده فيحدث في نفسك شيء، لا تتأنقوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين، مسقمة للبدن. ويقول العلماء أيضاً أن في هذا الحديث مدح للخل سواء عرفنا السبب في مدحه أم لم نعرف، لكن العلماء الذين بحثوا في أمر الخل الذي مدحه النبي ﷺ وقال أنه نعم الأدم، قالوا: إنه لا بد أن يكون هناك فائدة للخل فقد ذكر في موسوعة من موسوعات الصيدلة وهي موسوعة مارتن بل الصيدلانية، ذكر فيها فوائد عديدة للخل، فقد قالوا: إن الخل له فوائد يدفعنا أن نأكل منه كما أكل النبي ﷺ ، فهو يستعمل كعلاج في معالجات حالات التسمم من المواد القلوية، وهو يفيد في علاج الحمى، فالإنسان الذي أصيب بحمى عاليه يساعد على أن ينزل درجة حرارته، وإذا استخدمت كمادات من ماء الخل على رأس الإنسان أو على جسده، وقالوا: إن الإنسان يستخدم أحياناً مضادات حيوية كثيرة فتتسبب في ظهور طبقة سوداء على اللسان لا تذهب، فقالوا: إن الخل يفيد في إزالة هذه الطبقة فإذا أخذ الخل ووضع على ماء وشرب ومسح به اللسان مرة أو مرتين في اليوم لمدة أسبوع يزيل ذلك. وقالوا: إنه مفيد في التهاب المفاصل إذا وضع على هيئة كمادات فيضاف الخل إلى الماء ويسخن ويوضع على المفاصل فيريحها. وقالوا: إن لدغات النحل ولدغات السمك الهلامية في البحر إذا عولجت بوضع الخل عليه مخلوطاً بملح فإن الألم يخف ولا يبقى شيء. وقالوا: في الخل وخاصة الخل المصنوع من التفاح شفاء العديد من الأمراض: التهابات المفاصل، والتهاب الأنف، وحساسية الأنف، والربو، واضطرابات الأمعاء، وأنواع من الرشوحات موجودة في الجسم، وهو الآن يستخدم للتخسيس، (نعم الأدم الخل). وذكر الدكتور سيرلس كود وموريس هانس في كتاب عن فوائد الخل يقول: يمنع الإسهال لاحتوائه على مواد قابضة، وينشط عملية الهضم لأي إنسان؛ لأنه حامضي فيزيد من حموضة المعدة فينشط الهضم والاستقلاب في الجسم وتحويل المواد الغذائية. قالوا أيضاً: يستخدم كمضمضات ليمنع التنخر في الأسنان، كما أنه يقتل الطفيليات الموجودة في الأمعاء، ويمكن استعماله لتحسين الهضم عند مرضى عسر الهضم، إذا كانت المعدة لا تفرز الحامض المعوي بكمية كافية، وهو مطهر للأمعاء، ويذكر صاحب الكتاب أن الخل له فوائد كثيرة فيقول: لا أقول: إنه شفاء من كل داء، ولكن فيه شفاء لأدواء كثيرة تكون في البدن. فصدق النبي ﷺ حين يقول: (نعم الأدم الخل). هذا ما وصل إليه العلماء من الأبحاث ومن الممكن أن تأتي أبحاث جديدة تثبت أشياء أكثر من هذا الذي ذكر ولكن على كل نرجع لحديث النبي ﷺ أنه مدح الطعام وإن كان شيئاً يسيراً قليلاً بحسب الموجود، فيمدح الإنسان الموجود من الطعام، ويحمد ربه سبحانه ﵎ عليه وعلى نعمه، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فالمؤمن إذا أكل وحمد الله سبحانه شكر الله سبحانه فإن الله سيعطيه المزيد من فضله سبحانه.

стр. 734

ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر

стр. 735

شرح حديث: (إذا دعي أحدكم فليجب) روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم). وهذا أدب من الآداب في الدعوة، فقد يدعوك إنسان إلى طعام وليمة أو غيرها من الطعام فتجيب دعوته مجاملة له، وأداء لما أمرت به شرعاً، فإذا كنت صائماً فهل يلزمك أن تفطر طالما أنك أجبت الدعوة وذهبت إليه؟ فالحديث هنا لا يلزمنا بذلك يقول ﷺ : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل) يعني: يحضر الوليمة ويدعو لصاحب الوليمة بما يفتح الله عليه ثم ينصرف، (وإن كان مفطراً فليطعم)، لعل الإنسان يحضر الوليمة ويكون مفطراً، فيتأنف ويقول: لا أريد أن آكل، أنا شبعان، فيؤذي صاحب الوليمة، والذي جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: (يتكلف لك أخوك ثم تقول: إني صائم!)، إذاً: هنا لعل الامتناع عن طعام هذا الإنسان يتسبب له في شيء من الحرج، ويقول في نفسه: لماذا لا يريد أن يأكل طعامي، هل يظن أن مالي حرام، هل يظن كذا ويتحرج من ذلك، فالنبي ﷺ أمرنا أن نأكل مع هذا الإنسان من طعامه طالما أنك مفطر، سواءً أكلت كثيراً أو يسيراً لكن المهم أن تجامله، فإن كان صائماً ولا يريد أن يفطر فليصل، وليبين عذره؛ لأن الإنسان أحياناً قد يتكلف في إحضار الطعام فيحضره لإنسان فيرد عليه ويقول: ليس لي رغبه في الطعام وهو صائم ويخشى أن يقول: أنا صائم؛ لكي لا يحبط عمله، ولكن هذا خطأ، فكونه يخاف على نفسه الرياء شيء جيد، ولكن ليس في كل وقت، إذا حضرت عند إنسان وبدأت تتهرب في الكلام وهو أعد لك أكلاً فسيسيء بك الظن، أو يظن أنك تعاف طعامه، أو أنك مستكبر عليه ولا تريد أن تأكل عنده، فأهون من هذا كله أن تقول من البداية: أنا صائم، وأجمل من ذلك أن تقول: أنا صائم وإن شئت أفطرت، ولكن أحب أن أصوم، فإذا صمت تم صومك، وإذا وجدت أن الرجل يتأذى بهذا الشيء وقد تكلف وعمل لك أكلاً وبعد ذلك تقول له: أنا صائم، وهذا كله في غير رمضان ففي رمضان شيء آخر، لكن هذا الصوم إن لم يكن في رمضان وإن لم يكن صوم فريضة واجبة كالنذر، فإذا أصر عليك فكل ولك أجر صومك ولك أجر على أنك أدخلت الفرح والسرور على قلب هذا الإنسان، إذا كان الأمر لا يؤثر معه ولكنك لا بد أن تبدي عذرك وتقول: أنا صائم، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في الصائم (إذا سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم)، والحكمة من قول ذلك أنه تذكرة لنفسه، أي: يا نفس! لا تردي على هذا الإنسان بنفس ما يقول، وتذكرة للآخر، فلا تؤذ إنساناً صائماً، فالله يدافع عن الذين آمنوا. إذاً: يجوز للإنسان أحياناً أن يقول: إني صائم، حتى لا يسيء الإنسان فيه الظن.

стр. 736

ما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره

стр. 737

شرح حديث أبي مسعود البدري: (دعا رجل النبي لطعام صنعه) في الصحيحين عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: دعا رجل النبي ﷺ لطعام صنعه له خامس خمسة، أي: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أنت معزوم وأربعة معك، فتكونون خمسة على الطعام، فتبعهم رجل فأصبحوا ستة، وعرفنا من حديث النبي ﷺ الآخر أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، فجاء معهم سادس والرجل أعد طعاماً لخمسة، وفي هذا الموقف لم يقل النبي ﷺ : طعام الخمسة يكفي الستة، ففي هذا تأديب لأصحابه وهم القدوة الذين يأتسى بهم وتأديب لمن يأتي بعدهم، أن يستنوا بسنة النبي ﷺ ، فبيوت الناس حرمات، فإذا جاءك ودعاك لوحدك أو دعاك أنت والثاني فلا تدخل عليه شخصاً آخر، فلعله لا يحب هذا الإنسان، ولعله يفسد عليه طعامه، ولعلك عندما تأخذ هذا الإنسان معك وتدخل معه البيت تحصل بينك وبينه مشكلة عند صاحب الطعام الذي لم يدعه أصلاً، فلا تؤذ صاحب الطعام بإنسان حضر معك لم يدعه، ولكن إن اضطررت لذلك فعند دخولك عليك أن تفعل كما فعل النبي ﷺ ، فقد تبعهم رجل فلما بلغ الباب، قال النبي ﷺ : (إن هذا تبعنا) أي لم ندعه نحن، هو الذي أتى لوحده، (فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع) فهنا لا يوجد مزاح في هذا الشيء، فهذا البيت لصاحبه، وصاحبه يدخل من يريد إلى بيته، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي). إذاً: فعند اختيار الأصحاب يجب اختيار المؤمن وعندما أدخل بيتي إنساناً فأنا أدخل من أريد، فالإنسان الذي في ظني أنه تقي له أن يدخل البيت، فلذلك قال النبي ﷺ : (إن هذا تبعنا) أي: نحن لم ندعه هو الذي أتى بنفسه، (إن شئت أذنت له، وإن شئت رجع) أي: لن نتوسط له ولن نشفع له ولكن حسب ما تريد، فالرجل قال: بل آذن له يا رسول الله! فأذن له. إذاً: الأدب في ذلك أن الإنسان لا يتبع إنساناً خاصة إذا كان في طعام، فلا يفعل هذا الشيء، فإذا فعل فإنه يستحق هذا الجواب الذي قاله النبي ﷺ ، وأحياناً يستهين بعض الناس بهذا الشيء، يعرف أن فلاناً داعي إنسان للطعام، فيقول له: خذني معك نأكل عنده، فيذهب معه ظاناً أن له محبة عند صاحب الطعام، وأنه يحب حضوره، فليس كل إنسان يحب هذا الشيء، فلعل إنساناً يتأذى من إنسان ويكتفي بأنه صاحبه في المسجد فقط، أو في الطريق فقط، أو في الكلية فقط، أو في المدرسة، لكن لا يريد أن يدخل بيته، لذلك لا يفرض المسلم نفسه على أحد أبداً، فإذا لم يدعه أحد لا يذهب، إلا أن تكون دعوة عامة في مسجد، أو وليمة زواج، وإذا كانت الدعوة مفتوحة للجميع، فعلى ذلك لم يحجر على أحد، أما البيوت فالبيوت حرمات لأصحابها، فقد يحب الإنسان إنساناً يدخل عليه بيته، وقد يتأذى من إنسان آخر، لذلك لا يدخل إنسان بيت أحدٍ إلا بإذنه. وعلّم الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ في إجابة الدعوة عند النبي ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فإذا كان النبي ﷺ يتأذى أن يأتي إليه البعض من أصحابه من غير أن يدعوهم أو يأتوا إليه ويجلسون لفترة طويلة، فغيرهم كذلك يتأذى من هذا، فعلّم الله الجميع هذا الأدب القرآني. نسأل الله أن يعيننا على التأدب بآداب القرآن، والتخلق بأخلاق النبي ﷺ .

стр. 738

شرح رياض الصالحين - من (الأكل مما يلي الآكل) إلى (كراهية الأكل متكئًا) تكمن عظمة الإسلام في تشريعه العام الشامل الذي يهذب النفوس في صغائر الأمور وكبارها، ومن ذلك تشريع جملة من الآداب العظيمة في تناول الطعام، من حيث جلسة الأكل وما يتناول به، والجهة التي يؤكل فيها، وغير ذلك من الآداب التي ينبغي أن يراعيها الكبار ويربى عليها الصغار.

стр. 739

الآداب النبوية في أكل الطعام

стр. 740

الأمر بالأكل مما يلي الآكل عن عمرو بن أبي سلمة ﵁ قال: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه. وعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال النبي ﷺ : كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر. فما رفعها إلى فيه) رواه مسلم. باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته. عن جبلة بن سحيم قال: (أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمراً، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل، فيقول: لا تقارنوا؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران، ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه) متفق عليه. أورد الإمام النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في كتاب آداب الطعام، في باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله حديث عمرو بن أبي سلمة، والمعنى واضح، وهو أن المسلم إذا أكل من طعام فإنه يأكل من الطعام الذي يليه، دون أن تطيش يده في الصحفة فيأكل مرة مما يليه ومرة من آخر الصحفة! فيأكل كما أمر النبي ﷺ أصحابه وعلمهم. ومما ورد من تعليمه ﷺ أصحابه حديث عمر بن أبي سلمة قال: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ . وذلك لأنه كان ابن زوجة النبي ﷺ ؛ إذ إنَّ أمه أم سلمة زوجة النبي ﷺ ، وعمر ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى الحبشة، وكان مع أبيه ومع أمه في الحبشة رضي الله ﵎ عنهم. ثم قدم مع أبيه وأمه إلى المدينة عند النبي ﷺ ، ومات أبوه أبو سلمة رضي الله ﵎ عنه، ودعا له النبي ﷺ ، وطلب من أم سلمة ﵂ أن تسأل الله أن يخلفها خيراً من أبي سلمة، وعلمها أن تقول: (اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها). ولم تكن تدري ما هو الخير من أبي سلمة، فقالت: ومن خير من أبي سلمة؟! ولم يخطر على بالها أن النبي ﷺ سيتزوجها، وإنما نظرت في الصحابة لترى من هو خير من أبي سلمة، فإذا بالنبي ﷺ يخطبها بعد انقضاء عدتها! وتصير أم سلمة أماً للمؤمنين وزوجة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ويصير ابنها هذا في حجر النبي ﷺ ، أي: أنه يتيم في حجر النبي ﷺ يرعاه ويحوطه وينظر في أمره، وهو في بيته ﵊، فكان ربيب النبي ﷺ . وكان وهو صبي صغير يأكل مع النبي ﷺ ، ولم يكن قد تعود آداب الطعام بعد، فكانت يده - كما يقول -: تطيش في الصحفة، يعني: إذا أكل يضع يده في أي مكان، ويغمسها في الصحن الذي يلي النبي ﷺ . فعلمه النبي ﷺ بقوله: (يا غلام! سم الله تعالى)، يعني: قل: (باسم الله) حين تأكل، (وكل بيمينك، وكل مما يليك). وهذه آداب من آداب الطعام عظيمة جداً، فعلى الإنسان أن يعود أولاده على آداب الطعام وهم صغار لتبقى تلك الآداب عادة للصبي سواءٌ أكان وحده، أم مع أقربائه، أم مع الغرباء عنه، فلا ينتقد أمام الناس حين يأكل. وكم من إنسان يكون كبيراً وإذا جلس ليأكل يقوم الناظرون فينظرون إليه بنظرة انتقاد لأنه لا يعرف كيف يأكل، فيده تطيش في الطعام، ويأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويقذر المائدة؛ إذ ليس عنده من آداب الطعام شيء. وقد علم النبي ﷺ أصحابه أن لا يفعلوا ذلك، فقال: (يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، وهذا تأديب، فقد كان النبي ﷺ يربي الكبار والصغار ويؤدب الجميع ﵊. ثم إن عمر بن أبي سلمة صار بعد ذلك رجلاً كبيراً، وشهد مع علي ﵁ يوم الجمل، واستعمله علي ﵁ على فارس، واستعمله على البحرين، فاستحق أن يتولى أمر الناس ويكون أميراً على بلاد فارس وعلى بلاد البحرين، رضي الله ﵎ عنه. وعاش زمناً طويلاً، حيث مات في حدود سنة ثلاث وثمانين رضي الله ﵎ عنه، أي أنه عمر أكثر من خمسة وثمانين عاماً رضي الله ﵎ عنه. والغرض هنا: بيان تعليم الأطفال كيف يأكلون، حتى لا يمد الصبي يده إلى طعام ليس له. ولعلنا نذكر أن النبي ﷺ رأى تمرة من تمر الصدقة مد الحسن أو الحسين يده إليها فأخذها ووضعها في فمه، وكان النبي ﷺ قد شرفه الله عن ذلك، وكذلك آل بيته ﵊ إلى يوم القيامة؛ إذ تحرم عليهم الصدقة، فلا يجوز لآل بيت النبي ﷺ أن يأكلوا من الصدقة. بل شرف بذلك موالي رسول الله ﷺ ، وهم العبيد الذين أعتقهم النبي ﷺ فانتسبوا إليه بالولاء. فلما أخذ الحسن أو الحسين تمرة من الصدقة ووضعها في فمه رآه النبي ﷺ ، فأخرجها ﷺ من فمه، وقال: (كخ كخ. أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟). والنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو أرحم خلق الله بالخلق ﵊، ومع ذلك يعود هذا الصغير على أن لا يأكل هذه التمرة ولو كان قد وضعها في فمه. ولو أن أحدنا رأى ابنه يفعل ذلك، فهل - يا ترى - سيفعل مثلما فعل النبي ﷺ أم أنه كحال الكثير سيقول: ليس في ذلك شيء، فهذا ولد صغير لا يعرف، وسأدفع ثمنها؟! ولم يقل ذلك النبي ﷺ ، وإنما أخرج التمرة من فمه، لأنه لا يحل له أن يأكلها، ولم يقل ﷺ : (كخ) لطفل عمره سبع سنين، بل قال ذلك لولد عمره سنتان أو نحوهما، فالنبي ﷺ يقول ذلك ويردفه بقوله ﷺ : (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟)، وقد يفهم الصبي وقد لا يفهم هذه الكلمة. ولكن ليفهمها الكبار الذين كانوا حول النبي ﷺ ، فيتعلمون كيف يربون أبناءهم على ذلك، وهو أنه ما يحرم عليك لا يجوز لك أن تمد يدك إليه. وقد نجد اليوم العكس، فالأب يأخذ ابنه ويذهب به إلى السوق، ويمد الولد يده إلى تمرة فيأكلها وأبوه ساكت كأنه لا يعنيه هذا الأمر، ويمد يده إلى خيار أو نحوها ويأكل، والأب والأم لا يتكلمان بشيء. بل قد يقول: ليس في ذلك شيء! وهذا ليس من الأدب، وإنما هو أكل حرام بغير إذن من صاحب الطعام، فليس لك أن تمد يدك إلى طعام إنسان إلا بعد أن يأذن لك في ذلك، فإذا قال لك: ذوق فلتذق وحدك دون أن تدع أحداً معك يمد يده إلى هذا الطعام.
следующие страницы →