← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36997

شرح رياض الصالحين - حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (1 057 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره

стр. 737

شرح حديث أبي مسعود البدري: (دعا رجل النبي لطعام صنعه) في الصحيحين عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: دعا رجل النبي ﷺ لطعام صنعه له خامس خمسة، أي: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أنت معزوم وأربعة معك، فتكونون خمسة على الطعام، فتبعهم رجل فأصبحوا ستة، وعرفنا من حديث النبي ﷺ الآخر أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، فجاء معهم سادس والرجل أعد طعاماً لخمسة، وفي هذا الموقف لم يقل النبي ﷺ : طعام الخمسة يكفي الستة، ففي هذا تأديب لأصحابه وهم القدوة الذين يأتسى بهم وتأديب لمن يأتي بعدهم، أن يستنوا بسنة النبي ﷺ ، فبيوت الناس حرمات، فإذا جاءك ودعاك لوحدك أو دعاك أنت والثاني فلا تدخل عليه شخصاً آخر، فلعله لا يحب هذا الإنسان، ولعله يفسد عليه طعامه، ولعلك عندما تأخذ هذا الإنسان معك وتدخل معه البيت تحصل بينك وبينه مشكلة عند صاحب الطعام الذي لم يدعه أصلاً، فلا تؤذ صاحب الطعام بإنسان حضر معك لم يدعه، ولكن إن اضطررت لذلك فعند دخولك عليك أن تفعل كما فعل النبي ﷺ ، فقد تبعهم رجل فلما بلغ الباب، قال النبي ﷺ : (إن هذا تبعنا) أي لم ندعه نحن، هو الذي أتى لوحده، (فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع) فهنا لا يوجد مزاح في هذا الشيء، فهذا البيت لصاحبه، وصاحبه يدخل من يريد إلى بيته، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي). إذاً: فعند اختيار الأصحاب يجب اختيار المؤمن وعندما أدخل بيتي إنساناً فأنا أدخل من أريد، فالإنسان الذي في ظني أنه تقي له أن يدخل البيت، فلذلك قال النبي ﷺ : (إن هذا تبعنا) أي: نحن لم ندعه هو الذي أتى بنفسه، (إن شئت أذنت له، وإن شئت رجع) أي: لن نتوسط له ولن نشفع له ولكن حسب ما تريد، فالرجل قال: بل آذن له يا رسول الله! فأذن له. إذاً: الأدب في ذلك أن الإنسان لا يتبع إنساناً خاصة إذا كان في طعام، فلا يفعل هذا الشيء، فإذا فعل فإنه يستحق هذا الجواب الذي قاله النبي ﷺ ، وأحياناً يستهين بعض الناس بهذا الشيء، يعرف أن فلاناً داعي إنسان للطعام، فيقول له: خذني معك نأكل عنده، فيذهب معه ظاناً أن له محبة عند صاحب الطعام، وأنه يحب حضوره، فليس كل إنسان يحب هذا الشيء، فلعل إنساناً يتأذى من إنسان ويكتفي بأنه صاحبه في المسجد فقط، أو في الطريق فقط، أو في الكلية فقط، أو في المدرسة، لكن لا يريد أن يدخل بيته، لذلك لا يفرض المسلم نفسه على أحد أبداً، فإذا لم يدعه أحد لا يذهب، إلا أن تكون دعوة عامة في مسجد، أو وليمة زواج، وإذا كانت الدعوة مفتوحة للجميع، فعلى ذلك لم يحجر على أحد، أما البيوت فالبيوت حرمات لأصحابها، فقد يحب الإنسان إنساناً يدخل عليه بيته، وقد يتأذى من إنسان آخر، لذلك لا يدخل إنسان بيت أحدٍ إلا بإذنه. وعلّم الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ في إجابة الدعوة عند النبي ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فإذا كان النبي ﷺ يتأذى أن يأتي إليه البعض من أصحابه من غير أن يدعوهم أو يأتوا إليه ويجلسون لفترة طويلة، فغيرهم كذلك يتأذى من هذا، فعلّم الله الجميع هذا الأدب القرآني. نسأل الله أن يعيننا على التأدب بآداب القرآن، والتخلق بأخلاق النبي ﷺ .

стр. 738

شرح رياض الصالحين - من (الأكل مما يلي الآكل) إلى (كراهية الأكل متكئًا) تكمن عظمة الإسلام في تشريعه العام الشامل الذي يهذب النفوس في صغائر الأمور وكبارها، ومن ذلك تشريع جملة من الآداب العظيمة في تناول الطعام، من حيث جلسة الأكل وما يتناول به، والجهة التي يؤكل فيها، وغير ذلك من الآداب التي ينبغي أن يراعيها الكبار ويربى عليها الصغار.

стр. 739

الآداب النبوية في أكل الطعام

стр. 740

الأمر بالأكل مما يلي الآكل عن عمرو بن أبي سلمة ﵁ قال: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه. وعن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال النبي ﷺ : كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر. فما رفعها إلى فيه) رواه مسلم. باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته. عن جبلة بن سحيم قال: (أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمراً، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل، فيقول: لا تقارنوا؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران، ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه) متفق عليه. أورد الإمام النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في كتاب آداب الطعام، في باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله حديث عمرو بن أبي سلمة، والمعنى واضح، وهو أن المسلم إذا أكل من طعام فإنه يأكل من الطعام الذي يليه، دون أن تطيش يده في الصحفة فيأكل مرة مما يليه ومرة من آخر الصحفة! فيأكل كما أمر النبي ﷺ أصحابه وعلمهم. ومما ورد من تعليمه ﷺ أصحابه حديث عمر بن أبي سلمة قال: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ . وذلك لأنه كان ابن زوجة النبي ﷺ ؛ إذ إنَّ أمه أم سلمة زوجة النبي ﷺ ، وعمر ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى الحبشة، وكان مع أبيه ومع أمه في الحبشة رضي الله ﵎ عنهم. ثم قدم مع أبيه وأمه إلى المدينة عند النبي ﷺ ، ومات أبوه أبو سلمة رضي الله ﵎ عنه، ودعا له النبي ﷺ ، وطلب من أم سلمة ﵂ أن تسأل الله أن يخلفها خيراً من أبي سلمة، وعلمها أن تقول: (اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها). ولم تكن تدري ما هو الخير من أبي سلمة، فقالت: ومن خير من أبي سلمة؟! ولم يخطر على بالها أن النبي ﷺ سيتزوجها، وإنما نظرت في الصحابة لترى من هو خير من أبي سلمة، فإذا بالنبي ﷺ يخطبها بعد انقضاء عدتها! وتصير أم سلمة أماً للمؤمنين وزوجة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، ويصير ابنها هذا في حجر النبي ﷺ ، أي: أنه يتيم في حجر النبي ﷺ يرعاه ويحوطه وينظر في أمره، وهو في بيته ﵊، فكان ربيب النبي ﷺ . وكان وهو صبي صغير يأكل مع النبي ﷺ ، ولم يكن قد تعود آداب الطعام بعد، فكانت يده - كما يقول -: تطيش في الصحفة، يعني: إذا أكل يضع يده في أي مكان، ويغمسها في الصحن الذي يلي النبي ﷺ . فعلمه النبي ﷺ بقوله: (يا غلام! سم الله تعالى)، يعني: قل: (باسم الله) حين تأكل، (وكل بيمينك، وكل مما يليك). وهذه آداب من آداب الطعام عظيمة جداً، فعلى الإنسان أن يعود أولاده على آداب الطعام وهم صغار لتبقى تلك الآداب عادة للصبي سواءٌ أكان وحده، أم مع أقربائه، أم مع الغرباء عنه، فلا ينتقد أمام الناس حين يأكل. وكم من إنسان يكون كبيراً وإذا جلس ليأكل يقوم الناظرون فينظرون إليه بنظرة انتقاد لأنه لا يعرف كيف يأكل، فيده تطيش في الطعام، ويأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويقذر المائدة؛ إذ ليس عنده من آداب الطعام شيء. وقد علم النبي ﷺ أصحابه أن لا يفعلوا ذلك، فقال: (يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، وهذا تأديب، فقد كان النبي ﷺ يربي الكبار والصغار ويؤدب الجميع ﵊. ثم إن عمر بن أبي سلمة صار بعد ذلك رجلاً كبيراً، وشهد مع علي ﵁ يوم الجمل، واستعمله علي ﵁ على فارس، واستعمله على البحرين، فاستحق أن يتولى أمر الناس ويكون أميراً على بلاد فارس وعلى بلاد البحرين، رضي الله ﵎ عنه. وعاش زمناً طويلاً، حيث مات في حدود سنة ثلاث وثمانين رضي الله ﵎ عنه، أي أنه عمر أكثر من خمسة وثمانين عاماً رضي الله ﵎ عنه. والغرض هنا: بيان تعليم الأطفال كيف يأكلون، حتى لا يمد الصبي يده إلى طعام ليس له. ولعلنا نذكر أن النبي ﷺ رأى تمرة من تمر الصدقة مد الحسن أو الحسين يده إليها فأخذها ووضعها في فمه، وكان النبي ﷺ قد شرفه الله عن ذلك، وكذلك آل بيته ﵊ إلى يوم القيامة؛ إذ تحرم عليهم الصدقة، فلا يجوز لآل بيت النبي ﷺ أن يأكلوا من الصدقة. بل شرف بذلك موالي رسول الله ﷺ ، وهم العبيد الذين أعتقهم النبي ﷺ فانتسبوا إليه بالولاء. فلما أخذ الحسن أو الحسين تمرة من الصدقة ووضعها في فمه رآه النبي ﷺ ، فأخرجها ﷺ من فمه، وقال: (كخ كخ. أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟). والنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو أرحم خلق الله بالخلق ﵊، ومع ذلك يعود هذا الصغير على أن لا يأكل هذه التمرة ولو كان قد وضعها في فمه. ولو أن أحدنا رأى ابنه يفعل ذلك، فهل - يا ترى - سيفعل مثلما فعل النبي ﷺ أم أنه كحال الكثير سيقول: ليس في ذلك شيء، فهذا ولد صغير لا يعرف، وسأدفع ثمنها؟! ولم يقل ذلك النبي ﷺ ، وإنما أخرج التمرة من فمه، لأنه لا يحل له أن يأكلها، ولم يقل ﷺ : (كخ) لطفل عمره سبع سنين، بل قال ذلك لولد عمره سنتان أو نحوهما، فالنبي ﷺ يقول ذلك ويردفه بقوله ﷺ : (أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟)، وقد يفهم الصبي وقد لا يفهم هذه الكلمة. ولكن ليفهمها الكبار الذين كانوا حول النبي ﷺ ، فيتعلمون كيف يربون أبناءهم على ذلك، وهو أنه ما يحرم عليك لا يجوز لك أن تمد يدك إليه. وقد نجد اليوم العكس، فالأب يأخذ ابنه ويذهب به إلى السوق، ويمد الولد يده إلى تمرة فيأكلها وأبوه ساكت كأنه لا يعنيه هذا الأمر، ويمد يده إلى خيار أو نحوها ويأكل، والأب والأم لا يتكلمان بشيء. بل قد يقول: ليس في ذلك شيء! وهذا ليس من الأدب، وإنما هو أكل حرام بغير إذن من صاحب الطعام، فليس لك أن تمد يدك إلى طعام إنسان إلا بعد أن يأذن لك في ذلك، فإذا قال لك: ذوق فلتذق وحدك دون أن تدع أحداً معك يمد يده إلى هذا الطعام.

стр. 741

الأمر بالأكل باليمين عن سلمة بن الأكوع ﵁: (أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: كل بيمينك)، فهذا رجل أكل مستكبراً بيده الشمال، فالنبي ﷺ يعلمه، والفرض على كل مسلم إذا أمره النبي ﷺ بشيء أن يقول: سمعنا وأطعنا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]. وكذلك قال الله مقسماً: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فعلى كل مؤمن أن يسلم بما يقوله النبي ﷺ . فلو إن إنساناً كان أعسر يأكل بيده الشمال، وهو متعود على ذلك، فقال له النبي ﷺ : (كل بيمينك)، فالخير أن يأكل بيمينه، لكن بعض الناس فيهم استكبار، فهذا الرجل يستكبر على النبي ﷺ ، ويقول: (لا أستطيع) مع أنه يحرك يديه، فلما قال ذلك وعلم النبي ﷺ قدرته وعلم استكباره قال: (لا استطعت). يعني: إذا كان الأمر كذلك فلا استطعت أن تأكل بها. قال: (فما رفعها إلى فيه) يعني أنه كان قد رفع اللقمة بشماله من أجل أن يضعها في فمه، فلما قال: لا أستطيع أن آكل باليمين، قال له النبي ﷺ : (لا استطعت)، فلم يرفعها إلى فمه. وقد كان في قدرته أن يأكل بيمينه مع سلامة شماله، فدعا عليه النبي ﷺ فشلت يده التي رفعها فما استطاع أن يرفعها.

стр. 742

النهي عن القران في الأكل مع الجماعة في الحديث الآخر النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل المرء في جماعة إلا بإذن رفقته، فهنا تعليم الصغار والكبار آداب الطعام، فإذا كان الطعام فيه تمر أو نحوه مما يؤكل واحدة واحدة، وكان معك أحد يأكل فالأدب أن تأكل واحدة واحدة، كما يأكل هو، إلا أن يكون الأمر الجاري هو الاتفاق على تأكلا اثنتين اثنتين أو ثلاثاً ثلاثاً، أو استأذن أحدكما صاحبه، لكن لا تعود نفسك على هذا الشيء. فهنا يقول جبلة بن سحيم: (أصابنا عام سنة مع ابن الزبير). فقوله: (عام سنة) يعني: عام جدب وقحط وشدة، قال: (فرزقنا تمراً) يعني: قسم علينا تمراً، قال: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يمر بنا ونحن نأكل. وذلك في عام مجاعة لم يصيبوا فيه إلا التمر فكانوا يأكلون التمر، فقال عبد الله بن عمر ﵁: (لا تقارنوا؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الإقران) يعني: لا تأكلوا اثنتين اثنتين، ولا يمد أحدكم يده ليأخذ تمرتين تمرتين، بل ليأخذ كل منكم واحدة واحدة من الطعام الذي أمامكم. وذلك ليعلم المرء أنه كما أن له حقاً في الطعام فللذي يأكل معه - أيضاً - حق في الطعام، فإذا كان سيأكل أكثر من واحدة فإنه سيقول: اسمحوا لي بأن آكل اثنتين اثنتين. وهذا صعب على نفس الإنسان، وحينئذ سيستأذن مرة وسيستحي بعد ذلك فلن يستأذن، وحينئذ سيأكل واحدة واحدة. فهذا أدب يؤدبنا به النبي ﷺ ، فلا تأكل طعام غيرك، وإلا فإن الجميع سيقومون وفي نفوس بعضهم شيء على الآخرين، فتسمع بعضهم يقول: فلان هذا لا أحب أن آكل معه؛ لأنه يقعد ليأكل معنا فيمد يده ليأكل الطعام كله، كما جاء الأعرابي وأكل الطعام الذي أمام النبي ﷺ وكان يكفي ستة أفراد، فأكله هو كله، ولم ير أن غيره محتاج إلى أن يأكل، بل نظر إلى نفسه فقط! فهذا الذي يكون بهذا المنظر يكون بغيضاً عند الناس، فالناس لا تحبه ولا تحب أن تأكل معه، وفي النهاية سيحصل أن الطعام سيُخفى عن هذا الإنسان، ومما يذكر في ذلك أنه في الاعتكاف كان الطعام يوضع في الدور الأرضي من المسجد، وكان الأكل مباحاً لمن شاء، وكان الناس يراعي بعضهم بعضاً، ثم إذا بناس من الشارع يدخلون ليأكلوا فكان أحدهم يمد يده أول الأمر إلى اللحم فيأكله ويترك المعتكف في المسجد ليل نهار من غير أن يصيب حاجته، فكان الحاصل في النهاية أن منع هذا الأمر، وصار الأكل في الدور الثاني أو الدور الثالث بعيداً عن الناس، وصار ممنوعاً أن يأكل أحد إلا المعتكفين، فانظر إلى هذا الجاني كيف مُنع من الطعام ومنع غيره؛ لأنه أكل شيئاً ليس له، أكل طعام غيره ولم يعرف أن هذا معتكف وأن هذا طعامه، وهذا الداخل ممن يأكل ويخرج ويذهب إلى بيته ليأكل، فلما مد يده إلى أشرف الطعام الموجود عوقب بعد ذلك بأن يحرم منه. وكذلك كل إنسان طماع، لو أنه اتقى الله سبحانه ﵎ وراعى غيره في طعامه وعرف آداب الطعام؛ فإن الناس سيحبون أن يأكلوا معه؛ لأنه طيب؛ ولأن قعدته فيها بركة للناس. وأما الإنسان الطماع فإنه لا أحد يحب أن يأكل معه، ولسان حال الآكل معه: سأترك لك طعامي، لكن ليس في كل يوم أترك لك الطعام؛ لأني محتاج إلى أن آكل لأقوم للصلاة وللعمل، فلن تأكل طعامي كل يوم. فهنا تعلمنا الشريعة آداب الطعام. والتسمية عظيمة جداً؛ فإنها تمنع الشيطان من أن يجلس معك على الطعام، وتمنعك شر نفسك، فالإنسان إذا كان في نفسه شيء من الشر فنوى أن يأكل الطعام طمعاً فإنه يذرك الله سبحانه ﵎ فيستحيي ويتأدب بآداب الطعام حين يأكل.

стр. 743

الحث على الاجتماع على الطعام رجاء حصول بركته من الأبواب المتعلقة بآداب الطعام هنا: [باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع] فإذا كان الإنسان يأكل ولا يشبع، ويريد أن يأكل كثيراً فإنه يعمل بما رواه الإمام أبو داود بإسناد فيه ضعف وله شواهد بمعناه عن وحشي بن حرب ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: (يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع)، وطعامهم كان قليلاً، ومع قلة الطعام كان كل واحد يأخذ نصيبه ويقعد ليأكل، فلا يكيفهم الطعام. لما قالوا ذلك قال النبي ﷺ : (فلعلكم تفترقون)، فقالوا: نعم. قال: (فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)، فالجواب من النبي ﷺ كان متعلقاً بأمر ليس على بالهم فلماذا كانوا يأكلون متفرقين؟ إن العادة أن كل واحد يقول: أريد نصيبي؛ إذ الطعام قليل، فلو قعدت آكل مع الناس سيأكلون نصيبي، فكان واحد يأخذ نصيبه من أجل أن لا يأخذ أحد حق الآخر، وكان الطعام لا يكفيهم، وكان أحدهم يأكل ولا يشبع من قلة الطعام، فكان جواب النبي ﷺ على عكس ما توهموه، ومع الإيمان وتقوى الله يحدث ما ليس في حسبانك، فالبركة تنزل من عند رب العالمين سبحانه. فأمرهم النبي ﷺ بأن يأكلوا جميعاً فقال: (فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله)، فإذا حصل ذلك جاءت البركة من عند رب العالمين، ويبارك في هذا الطعام، فكان الأمر على ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. والبركة شيء لا يراه الإنسان، بل شيء يستشعره بقلبه ويستشعره بما يكفيه من هذا الطعام الذي دخل في فيه. فالطعام هو هو، وقد كان كل واحد يأخذ نصيبه لوحده ويأكل ولا يكفيه الطعام، ولما وضعوا الطعام كله وجلسوا جميعاً، جاءت البركة من عند ربنا سبحانه، فأكلوا وشبعوا، فما هو الذي حصل هنا؟ لقد زاد الطعام وإن لم يزد أمامهم في النظر، ولكن جاءت البركة من عند الله سبحانه. فعلم النبي ﷺ الصحابة وعلم من بعدهم الاجتماع على الطعام؛ حتى تأتي البركة من عند الله سبحانه. وقد كانوا أحياناً يرون هذه البركة أمامهم شيئاً حقيقياً، وأحياناً تكون شيئاً مدركاً في النفس. ومن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁، فقد جاءه ضيوف في يوم من الأيام، وقد كانوا ضيوف النبي ﷺ ، ولم يكن عند النبي ﷺ طعام يطعمه هؤلاء الضيوف، فأخذهم أبو بكر رضي الله ﵎ عنه، ونادى ابنه عبد الرحمن ليطعم هؤلاء الضيوف، ثم تركهم وانصرف إلى النبي ﷺ ، فسهر مع النبي ﷺ ، ثم رجع فوجد الضيوف لم يأكلوا، فلما سألهم عن سبب ذلك قالوا: انتظرناك! فقال: والله لا آكل من هذا الطعام. فقالوا: والله لا نأكل. أي: ونحن - أيضاً - لن نأكل. وهذا تعنت من الضيوف، حيث وضع الطعام، وإذا وضع فما هو المعنى لانتظارهم إلى أن يأتي أبو بكر ليأكل معكم؟ فلذلك غضب أبو بكر وأقسم أنه لا يأكل هذا الطعام، ولما وجد أن الضيوف لن يأكلوا رجع في يمينه؛ فاليمين يسهل أن أكفرها، ولا داعي لأن أحرج الضيوف، ولا داعي لانصرافهم من غير أن يأكلوا. فلما قالوا ذلك قال: إنما كانت هذه من الشيطان. وجلس وأكل، وأكل الضيوف، وإذا بالطعام يزيد، فقد كان ما في الصحفة يربوا من أسفله، وحين قاموا عنها كانت أكثر مما وضعت أمامهم! فهنا شيء ملحوظ محسوس كانوا يرونه أمامهم. فإذا به يأخذ الصحفة ويذهب إلى امرأته فيقول: ما هذا يا أخت بني فراس؟! أي: ما هو الذي حصل في الطعام؟ فقالت: والله لهي الآن أكثر مما وضعناها. فأخذها وذهب بها إلى النبي ﷺ ، ففرح النبي ﷺ بذلك، وأخبره أنها بركة من عند الله سبحانه ﵎. وليست هذه هي المرة الوحيدة، بل حدث ذلك مرات ومرات، فقد خرجت البركة من أصابع النبي ﷺ في ماء قليل يسقي به جيشاً كاملاً صلوات الله وسلامه عليه في يوم الحديبية وفي غيره. ووضع ﷺ سهماً في عين ماء بالحديبية كان الماء فيها قليلاً وإذا بالعين تجيش بالماء، ويشرب منها الجيش، ويسقون إبلهم وما معهم من هذه العين. فالبركة هنا شيء حقيقي يراه الإنسان زائداً أمامه، وقد لا يرى زيادة، ولكن يعلم أنهم كانوا عشرة أنفار يقعدون على مثل هذا الطعام فلا يكفيهم، فصار يكفيهم، فهذه بركة لم ترها، ولكن الله جعلها في الطعام.

стр. 744

الأمر بالأكل من جانب قصعة الطعام دون وسطها يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها]. وأورد الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه). وقد جرت عادة الناس بأن الأكل من وسط الطعام يقذره في أنفسهم ويجعل شكله غير لائق. وهذا صحيح، إلا أن هناك أمراً أهم، وهو أن ربنا إذا تعلمنا آداب الطعام - ينزل بركة من السماء في وسط الصحفة، فإذا بالطعام يزيده الله ويبارك فيه.

стр. 745

الجلسة المستحبة في الأكل روى أبو داود عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: (كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها: الغراء)، والنبي ﷺ كان يسمي ما يملكه، فيسمي الفرس الذي يركبه، ويسمي الحمار الذي يركبه، والناقة التي يركبها، ويسمي القصعة التي يأكل فيها ﵊. فهذه القصعة كان يقال لها: الغراء، وكأنها كانت بيضاء، أو لما يوضع فيها من لحوم وغيرها، قال: (يحملها أربعة رجال) فهذه القصعة كان لا يقدر على حملها إلا أربعة رجال، وهذا من كرمه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يملأ هذه القصعة ويضعها لأصحابه ليأكلوا قال: (فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة) أي: كان من عادة النبي ﷺ أن يصلي الفجر ويجلس في مصلاه يذكر الله سبحانه إلى وقت الضحى، فلما صلوا الضحى أتي النبي ﷺ بتلك القصعة، قال: (وقد ثرد فيها) يعني أنه موضوع فيها خبز عليه اللحم، قال: (فالتفوا حولها، فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ . فالقصعة كان يحملها أربعة رجال، فحجمها قد يكون مثل الطست، فإذا جلسوا حولها وهم مجموعة لن يسعهم المكان، فكان لابد أن كل إنسان يأخذ ويبتعد عنها قليلاً لتتسع الدائرة ويكفي المكان للجميع، فلما وجدهم قد كثروا جثا ﵊ أي: اعتمد على ركبتيه، أي: جلس على ركبتيه على هيئة القاعد للتشهد في الصلاة، فرآه أعرابي فقال: (يا رسول الله! ما هذه الجلسة؟) ولم يكن الأعرابي متعوداً على ذلك؛ إذ تلك الجلسة جلسة إنسان خاشع في صلاة. فقال النبي ﷺ : (إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً)، فهو عبد لله سبحانه، كرمه الله بهذه الرسالة العظيمة. وأما الجبابرة والملوك وأشباههم، فإن أحدهم يجلس ليأكل لوحده، وحوله الحراس قائمين يحرسونه، أما النبي ﷺ فقد كان يجلس مع غيره ويأكل كما يأكل غيره، ويقول ﷺ : (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، فعليه الصلاة والسلام. وكان يمنعهم أن يمدحوه بما ليس فيه ﵊، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله)، ﵊. ثم قال رسول الله ﷺ لمن كان يأكل: (كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها)، فالقصعة كانت كبيرة يحملها أربعة رجال، ولكن مع ذلك كان عددهم كبيراً، ويمكن أن تنفذ بسرعة، فأمرهم بأن يتأدبوا بأدب الطعام، فكل واحد يأكل مما يليه ولا أحد يمد يده إلى وسط الصحفة. والعادة أنه في وسط الصحفة يوضع لحم أو نحوه فيصبر الإنسان حتى يبلغ هذا المكان فيأخذه منه، فعلمهم النبي ﷺ هذا الأدب، وعلمهم تلك الجلسة، فلم يجلس متكئاً، وهذا الأدب يجيء في الباب الآتي، حيث يقول الإمام النووي: [باب كراهية الأكل متكئاً]. والمراد بذلك التمكن من الأرض، وقد جاء في ذلك حديث رواه البخاري عن أبي جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا آكل متكئاً) والمتكئ إذا كان قاعداً متربعاً على الطبلية أو على الأرض فمعنى ذلك أنه سيأكل كثيراً. أما النبي ﷺ فما كانت هذه عادته، وليس بحرام أنك تجلس متربعاً من أجل أن تأكل، إنما قال ﷺ : أنا لا أعمل هذا ففيه بيان أن ذلك خلاف الأولى، ولم يحرم ربنا علينا ذلك، بل قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]. ولكن النبي ﷺ علمنا أدباً من الآداب، وهو أنك إذا أكلت أن تأكل شيئاً وتدع شيئاً، فاجعل في معدتك الثلث لطعامك والثلث لشرابك والثلث لنَفَسِك، فإذا جلست متكئاً فمعنى ذلك أنك ستأكل كثيراً، ولعلك تتخم بهذا الطعام. يقول الخطابي: المتكئ هو الجالس المعتمد على وطاء تحته قال: أراد أنه لا يقعد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام. وهذا ليس بحرام، ولكنَّه ﷺ قال: لا أعمل هذا الشيء. فلا يجلس جلسة تدعو للإطالة، وكذلك النوم، فالنبي ﷺ كان ينام على سرير من حبال، فيوضع له عليه شيء ﵊، كثوب مثني ثنيتين، فينام عليه وتؤثر حبال السرير في جنبه ﷺ . وفي مرة ثني ما يوضع على السرير أكثر مما كان يثنى، فوجد النبي ﷺ تلك النومة مريحة زيادة على ما يلزم، ومعنى ذلك أن الإنسان لن يقوم ليصلي صلاة الليل، فأمر النبي ﷺ بأن يثنى كما كان. ونحن اليوم ننام على قطن لم يره النبي ﷺ ، ولا نام عليه ﵊، ولم يحرم ذلك، ولكن يعلمنا أن مثل هذا الشيء يعود الإنسان على الراحة، فإذا تعود على الراحة يبقى دائماً يريد أن ينام على السرير الوثير من أجل أن يستريح، فإذا أراد أن يصلي بالليل وجد السرير ممتعاً فيقول: لا أريد أن أقوم، ويضيع الفجر، ثم يقوم في الضحى وقد فاته الصبح. فكان النبي ﷺ أزهد خلق الله ﵊ في نومه، وكذلك إذا قعد كان يقعد على الأرض ﷺ ، ولا يجعل تحته وسادة، ولا يجعل تحته شيئاً، خاصة عند الأكل، وإن كان في غير الأكل قد يجلس على وسادة ﵊. يقول الخطابي هنا: بل يقعد مستوفزاً لا مستوطئاً، ويأكل بلغة، وأشار غيره إلى أن المتكئ هو المائل على جنبه، وهذا أشد فالمتكئ يقعد متربعاً، وهذا ليس حراماً، ولكن لم يفعله النبي ﷺ ؛ خوفاً من كون هذه الجلسة تدعو للإكثار، بحيث يقعد فيأكل فترة طويلة فيمتلئ، فما كان يفعل ذلك، إنما كان يجلس ﷺ مستوفزاً، وهي جلسة الجاثي يجثو على ركبتيه، أو أنه يقعد على رجل وينصب الأخرى ويضع عليها يده ﷺ ، وهي جلسة الذي لا ينوي أن يقعد طويلاً؛ لأنها جلسة متعبة، فكان في طعامه يجلس كذلك ﵊. وقال البعض ممن فسر الحديث: المتكئ الذي كره النبي ﷺ جلسته أن يجلس متكئاً على أحد جنبيه، كما يحصل أحياناً أن يكون الإنسان متكئاً على الأرض على مرفقه ويأكل بيده الثانية وهو على هذه الحال، فهو قاعد مستريح همه في الطعام، فالنبي ﷺ ما كان يفعل هذا، بل قال: (لا آكل متكئاً)، وفي حديث لـ أنس رواه مسلم قال: (رأيت رسول الله ﷺ جالساً مقعياً يأكل تمراً) أي أنه جالس على مقعدته.

стр. 746

شرح رياض الصالحين - من (استحباب الأكل بثلاث أصابع) إلى (استحباب إدارة الإناء عن يمين المبتدئ) الطعام والشراب نعمتان من نعم الله تعالى، ويجب أن نشكر الله على ذلك، ومن الشكر أن نتأدب بآداب المصطفى ﷺ عند الأكل والشرب فمن ذلك: التسمية، والأكل مما يلي، والأكل بثلاث أصابع، ولعقها بعد الأكل، ولعق الصحفة، وعدم التنفس في الإناء، والشرب ثلاثاً، والتيامن عند سقي الآخرين.

стр. 747

أحاديث في آداب الطعام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الإمام النووي ﵀: [باب استحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرهما. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها) متفق عليه. وعن كعب بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها) رواه مسلم. وعن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) رواه مسلم. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) رواه مسلم]. هذا باب آخر من أبواب آداب الطعام ذكر فيه الإمام النووي جملة من الآداب، منها: استحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، فالإنسان بعد الانتهاء من أكله لو بقي شيء من الإدام في أصابعه فإنه يلحسها بلسانه. وكراهة مسحها قبل لعقها وهذا فعل الإنسان المترف المستغني فإنه بعد ما أكل يمسح يده في فوطة أو في شيء وما زال عليها بقايا من الأكل. واستحباب لعق القصعة فإذا أكلت طعاماً فليكن الطعام في الطبق أو الصحن الذي تأكل فيه، فإذا انتهيت فالعق ما تبقى في الصحن من الإدام الباقي لعلة ذكرها النبي ﷺ . وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، وجواز مسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرهما، فإذا سقطت على الإنسان اللقمة على الأرض فالمستحب أنه يأخذها ولا يتركها، وكذلك إذا انتهى من طعامه وبقي شيء بعد ما لعق يده جاز أن يمس يده في يده الأخرى إذا لم يجد ماء ومناديل يمسح بها، فعلى ذلك جاز مسح يده في يده الأخرى أو في ساعده أو في رجله. والدين الإسلام دين عظيم، ودين فيه يسر، والإنسان الناظر إلى هذا الدين يجد فيه الذوقيات والأخلاق العظيمة الراقية، ومراعاة الجميع الغني والفقير، ومراعاة الأحوال، فقد تكون غنياً اليوم وفقيراً غداً فراع النعمة التي منحك الله سبحانه ﵎، وحافظ عليها، وتأدب بآداب تنفعك في وقت غناك وفي وقت فقرك. فهنا يعلمنا النبي ﷺ المحافظة على نعمة الله سبحانه، فالمحافظ على النعمة جدير أن يحفظه الله وأن يحفظ له النعمة التي في يده. ولو زالت عنك هذه النعمة لا تلوم نفسك بأنه كانت عندي النعمة، وكنت أستكبر وأقعد آكل وأنا مضايق وآكل وأنا شبعان، وأرمي الأكل وإذا وقع مني ما يهمني، والآن أنا محتاج لهذا الشيء! ما تضيع النعم حتى لا تندم يوماً من الأيام على ما فاتك من نعم الله سبحانه أو على تقصيره في شأن هذه النعم. والإنسان إما غني واجد، أو فقير فاقد، فعد نفسك أنك اليوم واجد، وغداً فاقد، فاعمل لهذا اليوم الذي سيأتي، تأدب بالأدب مع الله ومع الخلق، فاليوم أنت موظف وغداً قد تفقد الوظيفة. وعامل الخلق المعاملة التي سيدوم لك أثرها بعد ذلك من أنك في حياتك محبوب عند الناس وبعد وفاتك يدعون لك، كذلك مع نعم الله سبحانه، فحافظ على النعمة، فالنعمة موجودة فكل واشرب ولا تسرف، وتعود الآداب التي علمتك الشريعة كيف تصنع معها. فنحن تركنا الآداب الشرعية وبدأنا ننظر للذوقيات الذي اخترعها الأجانب وإن كانوا قد يأخذون هذه الذوقيات من ديننا ومن أفعال النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنحبها بعد ذلك؛ لأن النبي ﷺ فعلها؛ ولأن الغرب أخذوا بها وعملوا بها فنعمل بها! فالأولى أن نعمل بسنة النبي ﷺ اتساءً واقتداء به ﷺ ، لنؤجر على هذا الشيء في اقتدائنا بالنبي ﷺ ، وليحفظ الله لنا هذه النعم التي معنا.

стр. 748

شرح حديث: (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها) من الأحاديث التي جاءت حديث لـ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها أو يلعقها). حياة النبي ﷺ كانت فيها ضيق وشدة، فكان يجد أحياناً وكثيراً لا يجد ﵊، وليس وحده بل وأصحابه كذلك قد يجدون أياماً وقد لا يجدون. ويخرج النبي ﷺ في يوم من شدة الجوع وقد عصب الحجر على بطنه ﵊، فيمشي في الطريق حتى لا يشعر بالجوع، بل كان من دعائه ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة، وأعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع). والإنسان الجائع لا يستطيع أن ينام من شدة الجوع، وحين يأتي علينا شهر رمضان ونجوع في النهار فإننا نهرب من الجوع بالنوم، أما النبي ﷺ فكان يتخلص من الجوع بالمشي؛ لأنه غير قادر أن ينام من شدة الجوع، فيمشي في الطريق ﵊، وقد يجد من كبار أصحابه من حالهم كحاله صلوات الله وسلامه عليه كـ أبي بكر، وعمر ﵁. فهو ﵊ يعلم المؤمنين أن يتذكروا أنهم في يوم من الأيام قد جاعوا فلا يبطروا بالطعام بأن يأكلوا ويتركوا أكلاً قليلاً في آخر الطعام، فإن البركة تنزل في الطعام، ولا يدرون في أي طعامهم البركة. وقد تكون هذه البركة في آخر جزء من طعامك الذي رميته في كل ذرة من ذرات طعامك قد تكون فيما تركت. فحين تغرف لنفسك الطعام اغرف على قدر ما أنت آكله بحيث تأكل جميع ما في الصحن ولا تترك شيئاً بعد ذلك لئلا تضيع منك بركة هذا الطعام. وقد تكون البركة في كمية قليلة جداً في الشيء الذي بقي على يدك، فالعق أصابع يدك بعد الطعام ولا تمسحها بالمنديل فيتوسخ، وبعد لعقها امسح بالمنديل أو اغسل يديك. فتعلم أدب الطعام من النبي ﷺ في كل أحوالك، فهذه عادة المسلم في كل وقت، فهي ملزمة للمسلم، فيعود نفسه ويربيها بأدب وسنة النبي ﷺ فيفعل ما فعله النبي ﷺ ولا يفعل أفعال المستكبرين.

стр. 749

شرح حديث: (أن النبي ﷺ أكل بثلاث أصابع) يقول كعب: (رأيت رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع)، الآداب عند الغرب أن الإنسان لا يأكل بيده كلها وإنما يأكل بثلاث أصابع ولا يملأ يده بالطعام، ولا يقعد أبداً على الطاولة أو يحط مرفقه عليها بأن يتكأ والطعام موضوع عليها. فهذه آداب إسلامية من عندنا وليست من عندهم، فالنبي ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع صلوات الله وسلامه عليه، فإذا فرغ من طعامه لحسها أو لعقها صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يأكل متكئاً، وكان الصحابة يتأسون به فيفعلون مثل فعله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 750

شرح حديث: (أن الرسول أمر بلعق الأصابع والصحفة) في حديث جابر أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة، وعلل الحكمة في ذلك فقال: (إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)، فأنت تقول: يا رب بارك لي فيما رزقتنا وأعطيت وقنا عذاب النار، فينزل الله البركة على الطعام ثم في آخر الأكل نرمي الباقي في القمامة وكان فيه البركة! فيعلمك النبي ﷺ أن تلعق أصابعك بعد الأكل؛ لأن البركة قد تكون في هذا الشيء الباقي الذي أنت ستغسله أو ستمسحه أو سترميه، كذلك الصحن الذي أمامك العق آخر لقمة فيه وكلها فلعل أن يكون فيها البركة فتنال من بركة رب العالمين سبحانه ﵎.

стр. 751

شرح حديث: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى) وحديث آخر أيضاً لـ جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها). اللقمة التي وقعت من الإنسان إما أن تقع في مكان نظيف أو في مكان فيه تراب أو شيء آخر، فإذا وقعت في مكان نظيف فخذها وكلها مرة ثانية، وإن وقعت في مكان فيه أذى فأمطه وإذا لم يمكن إماطة الأذى منها فاتركها. قال ﷺ : (ولا يدعها للشيطان)، فالذي يترك الطعام الواقع منه فكأنما يترك تلك اللقمة للشيطان، وكأنه يدعو الشيطان ليأكل معه، فتضيع البركة لإنه ترك الشيطان يأكل معه. وقال ﷺ : (ولا يمسح يده بالمنديل)، المنديل من المندلة والتمندل بمعنى: إزالة الوسخ، فالمنديل يعني: الشيء الذي تزيل به الوسخ عن يدك أو جسدك، فالمنديل كلمة عربية. قال ﷺ : (ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة). فيأكل الطعام الذي أمامه ولا يترك منه شيئاً للشيطان إذا وقع منه، فإذا كان لم يصبه أذى أخذه فأكله، وإذا أصابه أذى أماط عنه الأذى وأكل الباقي ولا يترك منه شيئاً للشيطان فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. وفي حديث آخر أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى)، كأن حرباً بينك وبين الشيطان مباشرة في بيتك، وفي مسجدك، وفي صلاتك، وعند وضع طعامك، وعند أخذ شرابك، وعند نومك، فالشيطان يحاربك لكي يمنعك من طاعة الله سبحانه ﵎، وأنت لا ترى ذلك والذي يرى ذلك هو الله سبحانه ﵎، ويعلمك على لسان النبي ﷺ أن تحذر من الشيطان فإنه واقف لك بالمرصاد فلا تضيع بركة الطعام، فإن الشيطان منتظر للقمة التي ستقع لكي يأخذها، فلا تتعود أن ترمي ما تبقى من الطعام فإن هذا فعل المتكبرين وفعل الأغنياء المترفين. فأنت لا تدري كيف يأتي عليك الزمان فأنت الآن واجد للطعام، لكن قد يأتي عليك زمان لا تجد هذا الشيء، وجرب هذا الأمر الذين دخلوا السجون ووضعوا لهم الأكل ليأكلوا غصباً عنهم، وقد يؤتى لهم في اليوم برغيفين أو بثلاثة أرغفة محروقة! وقد يوضع الطعام في صحن ثم يسكب على الأرض ثم يأكلونه وهو على الأرض! فرب نفسك على الأدب الشرعي الذي علمك النبي ﷺ فلا تضيع نعمة ربنا، فأنت اليوم واجد وغداً لا تجد، واشكر نعمة الله عليك، فقد تكون غنياً ثم يحال بينك وبين مالك فلا تقدر أنْ تتصرف في هذا المال. وبعض الصحفيين المصريين تكلموا عن اليابانيين بأنهم بخلاء جداً، وذلك لما رأوا مجموعة من اليابانيين الذين هم من أغنى الناس في العالم، ولكن تربوا على آداب معينة، فوضع أمامهم الدجاج فأكلوها مع عظامها! فاستهزءوا بهم، فلماذا لم تتكلموا على الذي يرمي نصف الطعام في القمامة؟! فارجع لحديث النبي ﷺ فما قال لك: كل العظم، ولكن قال لك: كل الشيء الطيب وخذ على قدر ما تأكله ثلث لطعامك، وثلث لشرابك، وثلث لنفسك. وهذا الذي تأكله من الطعام لا ترميه ولا تضيعه ولا تبطر فيه، فكل منه ما اشتهيت، ودع منه ما لا تشتهيه، وإذا أكلت فكل بهذه الآداب التي يذكرها ﷺ . ويقول أنس: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث). وقال: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان)، ومعنى يمط أي: يزيل. وأمرنا أن نسلت ما تبقى في الصحن من الإدام ولا نرمه، فإما أن نأكله وإما أن نطعم غيرنا كجار محتاج أو حيوان يأكله، فلا نرم طعاماً طالما أنه صالح لأن يؤكل.

стр. 752

معنى قوله ﷺ : (ولا يدعها للشيطان) قال ﷺ : (ولا يدعها للشيطان)، فالذي يترك الطعام الواقع منه فكأنما يترك تلك اللقمة للشيطان، وكأنه يدعو الشيطان ليأكل معه، فتضيع البركة لإنه ترك الشيطان يأكل معه.

стр. 753

معنى المنديل وقال ﷺ : (ولا يمسح يده بالمنديل)، المنديل من المندلة والتمندل بمعنى: إزالة الوسخ، فالمنديل يعني: الشيء الذي تزيل به الوسخ عن يدك أو جسدك، فالمنديل كلمة عربية. قال ﷺ : (ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة). فيأكل الطعام الذي أمامه ولا يترك منه شيئاً للشيطان إذا وقع منه، فإذا كان لم يصبه أذى أخذه فأكله، وإذا أصابه أذى أماط عنه الأذى وأكل الباقي ولا يترك منه شيئاً للشيطان فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. وحديث آخر أيضاً لـ جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما كان بها من أذى)، كأن حرباً بينك وبين الشيطان مباشرة في بيتك، وفي مسجدك، وفي صلاتك، وعند وضع طعامك، وعند أخذ شرابك، وعند نومك فالشيطان يحاربك لكي يمنعك من طاعة الله سبحانه ﵎، وأنت لا ترى ذلك والذي يرى ذلك هو الله سبحانه ﵎، ويعلمك على لسان النبي ﷺ أن تحذر من الشيطان فإنه واقف لك بالمرصاد فلا تضيع بركة الطعام، فإن الشيطان منتظر للقمة التي ستقع لكي يأخذها. فلا تتعود أن ترمي ما تبقى من الطعام فإن هذا فعل المتكبرين وفعل الأغنياء المترفين. فأنت لا تدري كيف يأتي عليك الزمان فأنت الآن واجد للطعام، لكن قد يأتي عليك زمان فلا تجد هذا الشيء، جرب هذا الأمر في الذين دخلوا السجون ووضعوا لهم الأكل ليأكلو غصباً عنهم، وقد يؤتى لهم في اليوم برغيفين أو بثلاث أرغفة محروقة. وقد يوضع الطعام في صحن ثم يسكب على الأرض ثم يأكلونه وهو على الأرض. فرب نفسك على الأدب الشرعي الذي علمك النبي ﷺ فلا تضيع نعمة ربنا، فأنت اليوم واجد وغداً لا تجد، واشكر نعمة الله عليك، فقد تكون غنياً ثم يحال بينك وبين مالك فلا تقدر أنْ تتصرف في هذا المال.

стр. 754

عادة بعض اليابانيين في الطعام وبعض الصحفيين المصريين الذين تكلموا عن اليابانيين بأنهم بخلاء جداً، وذلك لما رأوا مجموعة من اليابانيين الأغنياء الذين هم من أغنى الناس في العالم، ولكن تربوا على آداب معينة فوضع أمامهم الدجاج فأكلوها مع عظامها فاستهزءوا بهم، فلماذا لم تتكلموا على الذي يرمي نصف الطعام في القمامة؟ فارجع لحديث النبي ﷺ فما قال لك كل العظم، ولكن قال لك كل الشيء الطيب وخذ على قدر ما تأكله ثلث لطعامك، وثلث لشرابك، وثلث لنفسك. وهذا الذي تأكله من الطعام لا ترميه ولا تضيعه ولا تبطر فيه، فكل منه ما اشتهيت، ودع منه ما لا تشتهيه، وإذا أكلت فكل بهذه الآداب التي يذكرها ﷺ . ويقول أنس: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاثة). وقال: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان)، ومعنى يمط أي: يزيل. وأمرنا أن نسلت ما تبقى في الصحن من الإدام ولا نومه، فإما نأكله وإما نطعم غيرنا كجار محتاج أو حيوان يأكله، فلا نوم طعاماً طالما أنه صالح لأن يؤكل.

стр. 755

سؤال في حكم الوضوء مما مست النار وقد كان الحكم الشرعي أن ما مسته النار يجب فيه الوضوء ونسخ هذا الحكم، وكان الأمر في آخر حياة النبي ﷺ عدم الوضوء مما مسته النار. وسأل سعيد بن الحارث جابر بن عبد الله ﵁ عن الوضوء مما مست النار فقال: قد كنا زمن النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلاً، الطبيخ الذي يوضع تضعوه على النار والخبز فإذا وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، يعني: ما كان كلهم كان معهم مناديل إلا القليل منهم، ولم يكن عندهم. الماء الكثير، وكانوا يستعذبون للنبي ﷺ ماء من بعض الآبار البعيده عن المدينة والتي فيها مياه عذبة طيبة، وكان يدخل إلى بستان لـ أبي طلحة ﵁ به ماء عذب يشرب منه النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالمياه التي يغسلوا فيها أيديهم كانت قليلة، فلم يجدوا ماء يغسلوا فيها أيديهم، فمن انتهى من الأكل لحس يده ثم مسح اليدين بعضها مع بعض أو مسح يده في المنديل، ثم يصلي ولا يتوضأ. فالدين يكون لجميع الناس لمن يجد ولمن لا يجد، ويعلم الجميع الاقتصاد وأداء العبادة.

стр. 756

الوضوء مما مست النار قد كان الحكم الشرعي أن ما مسته النار يجب فيه الوضوء ونسخ هذا الحكم، وكان الأمر في آخر حياة النبي ﷺ عدم الوضوء مما مسته النار. وسأل سعيد بن الحارث جابر بن عبد الله ﵁ عن الوضوء مما مست النار فقال: قد كنا زمن النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلاً، الطبيخ الذي يوضع تضعوه على النار والخبز فإذا وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، يعني: ما كان كلهم كان معهم مناديل إلا القليل منهم، ولم يكن عندهم، الماء الكثير، وكانوا يستعذبون للنبي ﷺ ماء من بعض الآبار البعيدة عن المدينة والتي فيها مياه عذبة طيبة، وكان يدخل إلى بستان لـ أبي طلحة ﵁ به ماء عذب يشرب منه النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالمياه التي يغسلوا فيها أيديهم كانت قليلة، فلم يجدوا ماء يغسلوا فيها أيديهم، فمن انتهى من الأكل لحس يده ثم مسح اليدين بعضها مع بعض أو مسح يده في المنديل، ثم يصلي ولا يتوضأ. فالدين يكون لجميع الناس لمن يجد ولمن لا يجد، ويعلم الجميع الاقتصاد وأداء العبادة.

стр. 757

البركة في الطعام من سنة النبي ﷺ التي علمها للناس أن يأكلوا جميعاً حتى يبارك في الطعام، وقد شكا الصحابة للنبي ﷺ قلة الطعام وأنه لا يكفيهم، فقال: (لعلكم تأكلون متفرقين؟ قالوا: نعم، قال: فاجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه)، فأمرهم أن يجتمعوا على الطعام حتى تنزل البركة على هذا الطعام. وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب تكثير الأيدي على الطعام. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) متفق عليه. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية). رواه مسلم. فالحديثان يدلان على أن طعام الواحد يكفي الاثنين، فإذا كنت ستأكل ببطن كاملة فكل بنصف بطن واترك النصف الآخر لزميلك، وسيكفي لكما وستبيتان وأنتما لستما جائعين. والثلاثة سيأكلون من طعام اثنين وما يشعروا بفرق كبير، وطعام الثلاثة كافي الأربعة. وفرق بين من يأكل نصف طعامه، أو ثلاثة أرباع طعامه أو ثلثي طعامه بحسب الحاجة الموجودة، فالطعام لو كان قليلاً فإن فيه بركة، فلو قل ثلثه أو نصفه فإنه سيكفيك، فعود نفسك على أن تأكل ما تجد، وإذا وجدت محتاجاً ادعه ليأكل معك فتنتفع وينتفع وما تتأثر وستأخذ ثواباً من الله سبحانه ﵎، فالدين ما ترك شيئاً إلا وتكلم فيه ودلنا على الخير من ورائه.

стр. 758

من آداب الطعام من آداب الطعام أن تأكل مما يليك، فلا تأكل من أمام الذين أمامك مثلاً. وتسمي الله سبحانه ﵎ عند الطعام. ومن أدب الطعام أن الإنسان لا يجمع بين فاكهتين في آن واحد، ولكن يأخذ واحدة واحدة. كذلك يحمد ربه في آخر الطعام، وألا يأكل حتى يمتلئ جوفه فإن هذا تعب على الإنسان. ولعله في البداية لا يستشعر بهذا التعب وهذه أشياء تراكمية عليه، فتتراكم حتى يستشعر الإنسان بالآلام وبالتعب في المعدة أو في الاثني عشر أو في القولون أو في قلبه بسبب كثرة ما يأكل من طعام. فالنبي ﷺ يقول: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)، فثلث المعدة اجعلها لأكلك، والثلث الثاني للشراب، والثلث الثالث للنفس. فلو أن الإنسان ملأ معدته، فإنها تضغط على الحجاب الحاجز فيضغط على الرئة فيصعب عليه التنفس؛ فصدق رسول الله ﷺ .

стр. 759

آداب الشرب

стр. 760

النهي عن التنفس في الإناء قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [أدب الشرب واستحباب التنفس ثلاثاً خارج الإناء. عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الشراب ثلاثاً) متفق عليه]. يعني: في أثناء شرابه كان يتنفس خارج الإناء ثلاثاً أي: يشرب قليلاً من الماء ثم يبعد الإناء عن فمه ويتنفس، ثم يرجع الإناء مرة ثانية ويكمل شرابه ثم يتنفس خارج الإناء ثم يشرب للمرة الثالثة، فلو أنه مسك الإناء ووضعه على فمه وشربه دفعة واحدة؛ لأنه قد يكون عطشان عطشاً شديداً، فتنفس فيه فالذي يشرب من بعده قد يتقذر منه فيمتنع من الشرب وقد يكون الماء قليلاً، وقد يكون الإنسان في سفر مع أناس ومعه ماء قليل فيجب عليه أن يسقيهم إذا كانوا عطشى لئلا يموتوا من العطش. فعلمك النبي ﷺ أن لا تقذر الناس في الشرب، فلا تتنفس في الإناء حتى لا تؤذي غيرك بهذا الذي فعلته. وهذا أدب طبي عظيم جداً أنك لا تتنفس في الإناء، فإن نفس الإنسان قد يكون فيه جراثيم عظيمة تؤذي غيره، وقد لا تكون تؤذيه، وقد يكون حاملاً لمرض من الأمراض غير متأثر به، فإذا نزل في الإناء شرب غيره فتأثر غيره بهذا الشيء لضعف مناعته.

стр. 761

النهي عن شرب الماء دفعة واحدة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تشربوا واحداً كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن أي: لا تتشبه بالجمل فإنه يشرب مرة واحدة، ولكن اشرب مثنى وثلاث، يعني: على مرتين أو على ثلاث مرات. وسم الله سبحانه ﵎ عند الشرب فقل: باسم الله. والحديث إسناده ضعيف ولكن معناه صحيح كما في الأحاديث الأخرى عنه ﷺ الذي فيها الأمر بتسمية الله عند البدء في الطعام وغيره، كذلك الحمد عند الانتهاء منه. وعن أبي قتادة ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء) متفق عليه. فالنبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء حتى لا يقذر الماء، وأحياناً بعض الناس تكون رائحة فمه غير طيبة خلقة، أو بمرض موجود في فمه أو في رئتيه ونحو ذلك، فإذا تنفس في الإناء فغيره يشرب فيشم رائحة قذرة فيفضل أنه يبقى عطشان ولا يشرب أبداً.

стр. 762

البدء بالأيمن فالأيمن عند سقي القوم عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر ﵁، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن) متفق عليه. اللبن كان قليلاً فزيد عليه ماء، إما لقلة اللبن أو لتبريده وخلط اللبن بالماء جائز للشرب والتهادي وليس للبيع. وجلس عن يمين النبي ﷺ أعرابي وعن شماله أبو بكر الصديق، ولا شك أن أبا بكر الصديق أفضل من الأعرابي ومن كل الخلق إلا النبي ﷺ ، ومع ذلك لم يعط النبي ﷺ هذا اللبن لـ أبي بكر لأنه عن شماله، فالأدب إذا كان معك شيء وتريد أن تهديه لشخصين فابدأ بمن عن يمينك ثم بمن عن شمالك.

стр. 763

التبرك بآثار النبي ﷺ عن سهل بن سعد ﵁: (أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)، هذا الغلام هو ابن عباس رضي الله ﵎ عنه، كان عن يمين النبي ﷺ ، وعن شماله الأشياخ كـ أبي بكر وغيره من كبار الصحابة. فيعلمنا أدباً آخر وهو: أنه إذا كان على اليمين طفل صغير فليعط الذي عن الشمال بعد ما يستأذن هذا الصغير، والأفضل للطفل الصغير أن يقدم الكبار على نفسه ليعتاد احترام الكبار. ولكن ابن عباس لم يفعل ذلك لعلة أخرى وهو أنه يريد أن يتبرك بأثر النبي ﷺ . فرفضه لذلك ليس من عدم إجلاله لـ أبي بكر وغيره، ولكن ليتبرك بأثر فم النبي ﷺ في هذا الإناء. وهذا بركة دعوة النبي ﷺ لـ عبد الله بن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فكان فقيهاً ﵁ وعنده فهم وعلم وحكمة ﵁، وهذا من أثر النبي ﷺ ولهذا قال رضي الله ﵎ عنه: (لا والله! لا أوثر بنصيبي منك أحداً). والمفهوم من هذا الأثر عن ابن عباس: أنه لو كان هذا من غيرك فلا بأس بالإيثار، قال: (فتله رسول الله ﷺ في يده) أي: وضعه في يده. فإذا أردت أن تشرب فافعل ما فعله النبي ﷺ ، فسم الله تعالى في بداية الشرب وإذا انتهيت من طعامك أو من شرابك فاحمد الله سبحانه ﵎، والله يرضى عن عبده إذا حمده على الطعام وعلى الشراب. بل إنه إذا أنعم عليك نعمة فحمدت الله سبحانه وشكرته على هذه النعمة كان حمدك له وشكرك له أحب إليه من هذه النعمة التي أعطاك، فيدعك على ذلك الفضل ويحب منك ذلك ويجعل لك ذلك ذخراً. نسأل الله أن يعلمنا ديننا، وأن يفقهنا فيه، وأن يجعلنا نقتدي بالنبي صلوات الله وسلامه عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 764

شرح رياض الصالحين - من (كراهة الشرب من فم القربة ونحوها) إلى (النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة) وضح شرعنا الحنيف جملة من الآداب التي تواجه الفرد المسلم في حياته اليومية، ومنها: آداب الأكل والشرب، والنهي عن الشرب من فم القربة ونحوها، والنهي عن النفخ في الشرب؛ حتى لا يؤذي الإنسان غيره بنفسه، ومنها: الجلوس أثناء الشرب والأكل، وعدم استخدام أواني الذهب والفضة فيهما.

стр. 765

حكم الشرب من فم القربة ونحوها الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها، وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية يعني: أن تكسر أفواهها، ويشرب منها) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من فيّ السقاء أو القربة) متفق عليه. وعن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت ﵁ وعنها قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائمة، فقمت إلى فيها فقطعته) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح]. هذا باب يذكره الإمام النووي من أبواب الآداب في الطعام والشراب، وذكر هنا كراهة الشرب من فم القربة ونحوها، والقربة سقاء يكون من جلد، يملؤه صاحبه بماء كثير، وقد تكفي القربة أياماً يشرب منها. فلو أن الناس تعودوا على الشرب من فم القربة وهي ستمكث معهم أياماً فإن رائحة النفس ستكون بداخلها مما يؤذي بعضهم بعضاً بذلك. فنهانا النبي ﷺ من هذا الأمر، وأرشد إلى إفراغ الماء المطلوب من القربة على شيء آخر ثم الشرب من هذا الشيء الآخر. ويمكن أن تكون هناك حكمة أخرى وهي أن الشارب من في السقاء يمكن أن يؤذي نفسه بأن يرفع السقاء وهو كبير إلى فيه فينزل الماء متدفقاً على وجهه وفيه وأنفه مما يؤدي به إلى أن يغص نفسه بالماء، فينهاك الشارع لهذه العلة أيضاً. أمر آخر وهو أن أحد أصحاب النبي ﷺ شرب من فم القربة فنزلت حية إلى فمه، وكأن القربة ما كانت مربوطة بإحكام مما أدى إلى دخول الحية فيها، فنهاهم النبي ﷺ عن الشرب من فم القربة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية)، الأسقية: جمع سقاء، وهي القرب والأوعية التي يوضع فيها الماء، وتكون متخذة من الجلد غالباً. ومعنى: (اختناث الأسقية) أي: أن تكسر أفواهها ويشرب منها. وهذا الحكم يجري كذلك في كل إناء كبير يوضع فيه الماء. واكتشف حديثاً في الأبحاث الطبية أن على فم الإنسان آلاف بل ملايين من أنواع الجراثيم، فلو أن إنساناً فيه مرض معين في فمه، أو معدته، أو أمعائه، ثم صعد ميكروب إلى فمه، فلعله إن شرب من في السقاء ينزل الميكروب في هذا فيؤذي غيره، ولعله يكون حاملاً للمرض فقط، وما يكون هذا الإنسان مريضاً به، فعندما يشرب من فم القربة ينتقل هذا المرض لغيره، مما يؤدي إلى إيذاء أناس كثيرين بهذا الشيء؛ فلذلك النبي ﷺ نهى عن ذلك. ولكن قد يحتاج الإنسان إلى الشرب من فم السقاء، أو قد يكون الماء في القربة قليلاً فيشربه كاملاً من فم القربة، فعند ذلك لا بأس بهذا الأمر، ولذلك فعلها النبي ﷺ مرة. وقول أبي هريرة: (نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من في السقاء) أي: من فم السقاء، فكلمة في بمعنى: فم. وقوله: (من في السقاء أو القربة) القربة هي السقاء.

стр. 766

كراهة الشرب من فم القربة وكراهة الشرب قائماً عن أم ثابت واسمها كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت، شاعر النبي ﷺ قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائماً)، وهذه الصحابية بينت أن النبي ﷺ شرب من فم القربة وكأن القربة، كان فيها ماء قليل فشرب النبي ﷺ منها، أو ليبين أن النهي عن ذلك مع عدم الحاجة إليه، ومع الحاجة إليه إنما هو للتنزيه لا للتحريم. ولذلك الإمام النووي قال تفقهاً: بيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم، يعني: المنع بقولنا: نهى النبي ﷺ ، الأصل فيه أنه على التحريم، لكن كونه نهى عنه وفعله ﷺ دل على صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة فقط. وهنا شرب النبي ﷺ من فم القربة وهو قائم ﵊. فدل على أن الأحاديث التي جاءت في النهي عن الشرب من فم السقاء إنما هي للكراهة فقط، ومثله النهي عن الشرب قائماً فهو للكراهة أيضاً. قالت: (فقمت إلى فيها فقطعته) وهي إنما فعلت ذلك لأن أثر فم النبي ﷺ كان على تلك القربة، فهي تريد أن تحتفظ بهذا الشيء لنفسها فقط، فقطعت فم القربة حتى يبقى أثر النبي ﷺ معها فتشرب منه كلما أرادت الشرب، ولتحظى من ذلك ببركة من أثر النبي ﷺ ، وذكرنا قبل ذلك أنه يجوز التبرك بآثار النبي صلوات الله وسلامه عليه، والراجح في ذلك أنه لا يلحق به غيره، فلا يقاس على النبي ﷺ غيره في ذلك. يقول النووي ﵀: [إنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ ، وتتبرك بها، وتصونه عن الابتذال] يعني: أن تصون هذا الموضع من احتمال وقوعه على الأرض ووطئه بالأقدام، وهذا نوع من أنواع إكرامها للنبي ﷺ . يقول النووي ﵀: [هذا الحديث محمول على بيان الجواز] أي: محمول على بيان جواز الشرب من فم القربة إن احتاج إلى ذلك، أو الشرب قائماً إن احتاج إلى ذلك.

стр. 767

حكم النفخ في الشراب ذكر المصنف باب كراهة النفخ في الشراب، سواء كان الإنسان وحده أم مع جماعة؛ وذلك حتى لا يعتاد الشخص على النفخ، فإن كان الشراب ساخناً فإنه ينتظر برده ثم يشربه. عن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء) أي: يريد الشخص أن يستفسر عن حكم النفخ عند وجود علة أو ضرورة على الإناء، كأن تكون عليه عشبة أو قذى معين، فهنا يرشده النبي ﵌ إلى عدم النفخ حتى لو أدى الأمر إلى صب الشراب كاملاً، ولذلك قال له النبي ﷺ : (أهرقها) أي: أرقها وصبها. والقصد من ذلك الخوف على الإنسان من أن يعتاد على النفخ في الإناء، فينفخ فيه وهو بحضرة جماعة فيؤدي إلى تأذيهم من هذا العمل واستقذارهم له، فيتركون الأكل والشرب لذلك، فيكون بهذا قد أدى إلى الإضرار بالناس؛ ولهذا نهي عن هذا العمل. يسأل الرجل النبي ﷺ مرة أخرى فيقول: (إني لا أروى من نفس واحد)، يريد بذلك أن يتعلل للتنفس في الإناء، وكأنه يقول: إني إذا شربت من الإناء لا أستطيع أن أشرب بنفس واحد، بل أحتاج إلى التنفس في الإناء، فقال له النبي ﷺ : (فأبن القدح إذاً عن فيك) أي: إذا أردت أن تتنفس فأبعد القدح عن فمك، وهذا محمول على الشرب الكثير، وإلا فمن الممكن أن يشرب الإنسان ماءً قليلاً ولا يحتاج معه إلى التنفس. وعن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو أن ينفخ فيه)، وهذا الحديث راجع إلى نفس المعاني السابقة، من النهي عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه في كل حالة من الأحوال.

стр. 768

حكم الشرب والأكل قائماً ذكر المؤلف باب جواز الشرب قائماً، وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعداً. قد مر حديث سابق معنا في جواز الشرب قائماً وهو حديث أم ثابت حيث ذكرت (أن النبي ﷺ شرب عندها وهو قائم ﵊. وهنا حديث لـ ابن عباس ﵄ قال: (سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم) ﵊. وفيه أن النبي ﷺ جاء عند بئر زمزم وشرب وهو قائم ﵊ مما يدل على الجواز؛ لأنه لن يفعل الشيء المحرم ﵊. وحديث آخر للنزال بن سبرة ﵁ قال: (أتى علي ﵁ باب الرحبة فشرب قائماً)، والرحبة: موضع في الكوفة. فـ علي بن أبي طالب لما وجد أن النبي ﷺ فعل ذلك ليدل على الجواز، شرب هو أيضاً في الكوفة ﵁، وقال: (إني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت)، الحديث في البخاري والذي قبله في الصحيحين. وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام)، الحديث رواه الترمذي، وإسناده حسن أو قريب من ذلك، وقال الترمذي: حسن صحيح. وهذا محمول على الحاجة لا على السبيل العادة لهم؛ إذ لا يعقل أنهم كانوا لا يأكلون إلا وهم ماشون في الطريق، وإنما الأمر محمول على سبيل الحاجة كما قلنا، كأن يكونوا في جهاد، أو استعجال من أمرهم، فيضطرون إلى الأكل وهم يمشون. وقوله: (ونشرب ونحن قيام) يعني: إذا احتجنا إلى ذلك. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً)، لكن كان أكثر أحواله ﷺ الشرب قاعداً ﵊، والحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقد ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب جملة أحاديث، بعضها في إسناده شيء، لكن يشهد بعضها لبعض أنه شرب وهو قائم. وفي حديث لـ أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه (نهى أن يشرب الرجل قائماً)، وهذا نهي منه ﷺ ، وبدأ الإمام النووي بتقديم أحاديث شربه قائماً ﷺ ؛ حتى لا يظن أن النهي على التحريم. فقال هنا: (نهى النبي ﷺ أن يشرب الرجل قائماً. قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث)، هذا في صحيح مسلم. والذي قال ذلك هو أنس بن مالك ﵁، وأنس هو خادم النبي ﷺ ، وله اختصاص بخدمة النبي ﷺ ورؤيته ﷺ كثيراً؛ لأنه خادمه منذ أن قدم النبي المدينة إلى أن توفي ﷺ ، فخدمه وعمره عشر سنوات إلى أن بلغ عمره عشرين سنة وهو يخدم النبي ﷺ في المدينة، فهو رأى النبي ﷺ يجلس عندما يشرب أو يأكل ﵊، وهو روى أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائماً، فقيل له: والأكل قائماً؟ فقال تفقهاً: (ذاك شر وأخبث)، فهذا من قول أنس وليس من قول النبي ﷺ . وفي رواية: (زجر -بمعنى نهى- النبي ﷺ عن الشرب قائماً). حديث آخر في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسي فليستقئ) رواه مسلم. وهذا الحديث فيه النهي عن الشرب قائماً، وفيه أيضاً شيء من التعزير وهو أنك إذا نسيت وفعلت هذا الشيء فاستقئ، وليس محمولاً على الوجوب، ولكنه كنوع من التأديب حتى يعود الإنسان نفسه على أدب الشرب قاعداً، وكذلك علماء الطب يقولون: إن الشرب قاعداً أفضل من الشرب قائماً، قالوا: لأن الإنسان إذا شرب قاعداً نزل الشراب من فمه نزولاً خفيفاً هيناً، أما إذا كان قائماً فإنه ينزل متدفقاً ومندفعاً نحو المعدة. أضف إلى ذلك أنه إن كان التخيير للإنسان في الشرب قائماً أو قاعداً إلا أنه يقال لك: لا تشرب وأنت واقف. وإن كان الأطباء في الماضي يقولون: يستوي فعل هذا وهذا. وذلك نظير ما كانوا يجهلونه من الطب. ولقد كان يقال سنة ألف وتسعمائة ونيف وخمسين: ليس على الإنسان حرج في جماع المرأة وهي حائض، وإنما النهي عنه موجود في الشرائع السماوية فقط، أما طبياً فليس فيه شيء! وهذا دليل على جهلهم، حيث قد نهانا الله عن ذلك فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وتمر خمسون سنة على هذا الأمر ثم يغير الأطباء قولهم، حيث يكتشفون أن دم الحيض دم متعفن، وأنه مليء بالميكروبات، فلو جامع الرجل امرأته في هذا الحال لتأذى الرجل يقيناً بهذه الميكروبات الموجودة في هذا الدم، حيث تدخل إليه عبر القضيب فضلاً عن أن المرأة تتأذى بهذا الشيء أيضاً؛ لأنها إذا جومعت وقت حيضها وكان منها اندفاع أدى ذلك إلى زيادة في ضغط الدم؛ لأجل أن يخرج هذا منها، فيؤدي إلى طروء التهابات في أعضائها، فتتأذى من الرجل إذا جامعها وهي على هذه الحال. وأحياناً تكون هناك بعض الميكروبات موجودة في المرأة وهي ساكنة، وبسبب جماع المرأة تنشط هذه الميكروبات فتؤذي المرأة وتظهر أثرها عليها. فهذه أبحاث جديدة اكتشفوا بعد فترة من جهلهم، فكانوا لا يعرفون شيئاً عنها! فالنبي ﷺ لا يأمرنا بشيء إلا وفيه الخير لنا، ولا ينهانا عن شيء إلا وفيه الشر لنا. ولذلك نهانا النبي ﷺ عن الشرب قائمين في حالة الاختيار، وأرشدنا إلى جواز ذلك حالة الحاجة والضرورة، كما فعل النبي ﷺ ذلك عند زمزم، وعند أم ثابت حيث شرب وهو قائم ﷺ . ولذلك كان النبي ﷺ يؤدب المسلم ويربيه على ذلك، حتى يعود نفسه عليه. ولقد كان يؤدب أصحابه أحياناً ببعض العقوبات عليهم، ومن ذلك الأمر بإهراق الشراب إذا حل فيه قذى، فهو ليس محمولاً على الوجوب، وإنما هو أمر إرشاد منه وتأديب للرجل. ومن ذلك أيضاً وجد أصحابه مرة قد طبخوا القدور وفيها لحم الحمير، فقال لهم النبي ﷺ : (أهرقوها واكسروا آنيتكم) أي: صبوا اللحم ومرقه، واكسروا الأواني التي طبختم بها، (قالوا: أو نغسلها؟ قال: اغسلوها). فنلاحظ هنا أن الأمر الأول بكسر هذه الآنية محمول على الإرشاد والتأديب لهم، وإلا فلو كان أمراً واجباً لأصر على ذلك، ولكنه أراد تأديب أصحابه فعمد إلى هذه العقوبة التعزيرية.

стр. 769

ما يستحب لساقي القوم يقول أبو قتادة ﵁ عن النبي ﷺ : (ساقي القوم آخرهم شرباً) وكان يفعل ذلك النبي ﷺ ، إذ كانوا يأتونه بلبن ﷺ فيعطي أصحابه إلى أن يشرب الجميع، ثم يبقى الفضل فيشرب هو صلوات الله وسلامه عليه منها. فعلى الإنسان أن يعود نفسه على الشرب آخر الناس إن كان هو ساقيهم؛ وذلك حتى لا يساء فيه الظن ويتهم بالطمع، وحتى لا يؤدي ذلك إلى جشعه أيضاً، بأن يشرب في أول أمره مرة فإذا اعتاد شرب مرات ومرات، فتتكون لديه صفة الجشع والطمع، وهذا هو الأدب الذي يسميه غير المسلمين (الإتيكيت)، وهو أدب قد سبقهم الإسلام إليه قبل مئات السنين.

стр. 770

ما يجوز استعماله من الأواني وما يحرم ذكر المصنف باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة، وجواز الكرع: وهو الشرب بالفم من النهر وغيره، بغير إناء ولا يد، وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال. جاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: (حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة)، فالناس كانوا موجودين مع النبي ﷺ ، ولما حضرت الصلاة قام من كان قريب الدار إلى أهله ليتوضأ، إذ لم تكن لديهم في ذاك الزمان دورات للمياه، بل كان الصحابة يجلسون مع النبي ﷺ ليعلمهم ويؤدبهم ﵊، فلما قرب وقت الصلاة، قاموا من عنده ﵌ ليتوضئوا، ثم يرجعون للصلاة مع النبي ﷺ . وبقي قوم معه ﷺ (فأتي رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة)، والمخضب يطلق على الإناء المصنوع من الحجر، فأوانيهم كانت تصنع إما من الحجر أو النحاس ونحو ذلك. قال: (فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه) ﵊، والمعنى: أنهم أتوا له بإناء من حجر صغير الحجم، عجزت كف النبي ﷺ أن تدخل فيه. قال: (صغر المخضب أن يبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم)، وهذا بركة من بركات النبي صلوات الله وسلامه عليه، حيث كان القاعدون معه ﷺ يريدون أن يتوضئوا من ذلك الإناء، والإناء صغير لا يكفي لأكثر من واحد، ومع ذلك توضئوا منه جميعهم. قال: (قالوا: كم كنتم؟) يسألون أنس: (كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة) أي: كانوا ثمانين رجل توضئوا من إناء لا يكفي إلا أن يتوضأ منه واحد، وهذه بركة من بركات ربنا سبحانه جعلها في وضوء النبي ﷺ وإنائه. والشاهد من الحديث: أنه يجوز الوضوء في أي إناء من الأواني: كما يجوز استعماله في الأكل أو الشرب إلا أن يكون من ذهب أو فضة فذلك ممنوع. وفي رواية له ولـ مسلم (أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء، فأتي بقدح رحراح فيه شيء من ماء)، أي: قدح متوسط، ليس بالكبير ولا بالصغير، ولكن فيه ماء قليل. وذكر في الحديث السابق أنه لا يكفي النبي ﷺ أن يضع فيه كفه ويبسطها فيه ﵊. قال في رواية مسلم هنا: (فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه. قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه) ﵊، وليست بأول بركاته، بل بركاته عظيمة ﵊، وآيات معجزاته التي جعلها الله له ومعه آيات عظيمة جداً ﵊. قال: (فحزرت من توضأ؟) أي: خمنت عدد المتوضئين منه (ما بين السبعين إلى الثمانين). حديث آخر في صحيح البخاري عن عبد الله بن زيد ﵁، قال: (أتانا النبي ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صفر فتوضأ)، أي: أخرجوا له إناء من صفر أي: من نحاس، فتوضأ منه ﷺ ، وهذا يدل على جواز الوضوء من الأواني الطاهرة، والأكل والشرب فيها، إلا أواني الذهب والفضة.

стр. 771

بيان حكم الكرع ومعناه روى البخاري عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فقال رسول الله ﷺ : إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا) رواه البخاري. والشنة: هي القربة، والمعنى: أن النبي ﵌ يحب أن يكون الماء بايتاً في القربة، ومعلوم أنك إن ملأت قربة من الماء وتركتها إلى أن تبيت، فإن كان الماء متعكراً بالتراب فسيصفى وينقى، حيث ينزل التراب إلى أسفل القربة، أما إذا ملئت القربة قريباً ولم يبت الماء فيها فسيبقى فيها أثر التعكر بالتراب، وهذا هو مقصد النبي ﵌. وقوله: (وإلا كرعنا)، وهذه وإن كان ليست عادة النبي ﷺ إلا كأن ذلك كان مراعاة للحال، حيث لم يجد عند الرجل شيئاً أمامه، وكأنه وجد ماء في إناء كبير ومرتفع، ولم يجد كيزاناً ليشرب، ولعل يده كانت متسخة أو فيها قذى معين، فيلجأ إلى الكرع: وهو أخذ الماء بفمه من ذلك الإناء. ويحتمل أن يكون قال ذلك تواضعاً منه ﵌، وكأنه يقول لصاحب الدار: إنا لن نثقل عليك، ولن نكلفك بأن تشتري لنا كيزاناً، أو تأتي بها من جيرانك، بل إذا لزم الأمر سنكرع من هذا الإناء كرعاً، وفيه دلالة على أدب النبي ﷺ وتواضعه الجم.

стр. 772

حكم استعمال الحرير والديباج والذهب والفضة عن حذيفة ﵁ قال: إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة) متفق عليه. والحرير: هو ما كان ثوباً خالصاً من حرير، فإن كان الحرير رقيقاً سمي بالسندس، وإن كان غليظاً سمي بالإستبرق، وقد يكون مخلوطاً بغيره فيسمى بالديباج، وذلك كأن يكون الثوب الحرير فيه بعض الصوف، إلا أن الغالب عليه أنه حرير. فالنبي ﷺ نهى الرجل أن يلبس ثوباً خالصاً من حرير، أو ثوباً أكثره حرير. ويجوز أن تكون بعض الخيوط في الثوب الذي تلبسه حريراً، لكن بمقدار أصبع أو أصبعين، أو ثلاث أو أربع كأقصى حد، فقد رخص فيه النبي ﷺ . فقال: (نهانا النبي ﷺ عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة) أي: لا يجوز لك أن تشرب أو تأكل في آنية الذهب والفضة؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا المستكبرون، وأنت عبد مؤمن متواضع لله ، ومن فعل ذلك فقد حرمه الله من الجنة، وكان مصيره إلى النار، فلا تفعل هذا الشيء، فيكون مصيرك النار. قال: (هي لهم في الدنيا) أي: الكفار في الدنيا يستخدمونها ويستكبرون بها، أما أنتم فهي لكم في الجنة، ومن ذا الذي يضيع الجنة بأن يأخذ حظه في الدنيا، فيبدل الشيء العظيم بالشيء التافه الحقير الذي لا قيمة له؟ قال ﷺ : (هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة). فإذاً: لا يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، فإن كانت أواني الذهب والفضة محرمة في العبادة حيث لا يجوز للإنسان أن يتوضأ من إناء ذهب أو فضة، فهذا من باب أولى في النهي عنه. عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) متفق عليه. وفي رواية لـ مسلم: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، والمعنى: كأن من يشرب في إناء الذهب والفضة يعجل على نفسه نار جهنم والعياذ بالله. ومن هذا الحديث نعرف لم قذف حذيفة دهقان الفرس بإناء الذهب أو الفضة، وذلك أن حذيفة ﵁ عطش ذات مرة وكان أميراً في المدائن ﵁، فطلب ماءً فإذا بالدهقان يأتي له بإناء من ذهب أو فضة فيه ماء، فأخذه وقذفه به؛ وذلك لأن هذا الرجل عرف نهي النبي ﷺ ، ولكنه كان يستهين بهذا النهي، ولذلك التفت لمن معه وقال: أما إني لو لم أنهه مرة ولا مرتين ولا ثلاثة، يعني: أنا نهيته كذا مرة، إلا أنه متعمد لمخالفة ما قاله النبي ﷺ ، فاستحق أن يقذفه بهذا الإناء ليؤدبه، والله أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 773

شرح رياض الصالحين - استحباب الثوب الأبيض واستحباب القميص وصفة طوله ما ترك النبي ﵊ شيئاً ينفعنا إلا وعلمنا إياه، ولا شيئاً يضرنا إلا حذرنا منه، حتى في أمور اللباس، فقد رغب في لبس الثوب الأبيض، وبين جواز لبس جميع أنواع الثياب من القطن والكتان والصوف، وحرم لبس الحرير للرجال دون النساء.

стр. 774

استحباب الثوب الأبيض الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الإمام النووي ﵀: [كتاب اللباس. باب: استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود، وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١]. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم) رواه النسائي والحاكم وقال: صحيح. وعن البراء ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ مربوعاً، ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئاً قط أحسن منه) متفق عليه]. هذا كتاب آخر من كتب رياض الصالحين للإمام النووي ﵀، ويتكلم فيه عن اللباس، بعدما تكلم عن آداب الطعام والشراب يتكلم هنا عن الثياب التي يلبسها الإنسان، والأدب في ذلك. قال في الباب الأول: استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر، والأخضر، والأصفر، والأسود. المعنى: أن أي لون من ألوان الثياب جائز، سواء للرجال أو للنساء، والمستحب الثوب الأبيض، وغيره جائز. قال: وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف، يعني: أي نوع من الأنواع إلا أن يكون محرماً مثل الحرير يحرم على الرجال، فلا يجوز للرجل أن يلبس ثوب حرير. والأدلة على ذلك: قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، الله أنزل على العباد ما يلبسونه، والله سبحانه ﵎ خلق لهم ذلك، فجعل لهم ثمانية أزواج من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وذكر أننا نستفيد من هذه الأشياء فنأخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، فالله أنزل ذلك وخلقه في الأرض للناس لينتفعوا به. فالإنزال من عند الله سبحانه ﵎، ومجيء الخير من عنده، وهو الذي خلق الإنسان، وهو الذي رزقه سبحانه ﵎، ينزل المطر من السماء على الأرض، فيخرج منها الزرع للإنسان من كتان، ومن قطن ونحوهما، أنزل الله من السماء مطراً فأخرج الله به النبات للعباد، فكان منه ثياب العباد: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، الريش والرياش الثياب التي يتجمل بها الإنسان، فقد يواري سوأته بثوب يكون قبيحاً، ولكن الثوب الجميل الذي يتزين به الإنسان هو الريش. قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] يعني: من وراء ذلك ما هو خير لكم وأفضل لكم مع كونكم تنتفعون بذلك، فلا تنسوا أن الله قد أعطاكم ما هو خير وأفضل لكم من ذلك، وهو أن تتجملوا بلباس التقوى فهو زادكم كما قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، وهو لباسكم الذي تتجملون به، فالإنسان زاده طعامه وشرابه وتقوى الله سبحانه ﵎، وإذا عمر ظاهره وباطنه بتقوى لله حصل خير مقصود له، وهو جنة الله سبحانه، وإنما ينالها من اتقى الله سبحانه ﵎ كما قال الله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ:٣١ - ٣٢]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر:٥٤]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:٤٥]، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧]؛ فنالوا بتقواهم جنات رب العالمين نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ [النحل:٨١] سرابيل: قمص تلبسونها، يلبس الإنسان هذا السربال ويتسربل به الإنسان، ويلبس العباية ويتسربل بها الإنسان. قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] في الصيف تلبسون ثياباً تقيكم الحر، وفي الشتاء تلبسون ثياباً تقيكم البرد، وتلبسون ثياباً تقيكم بأسكم يعني: تقيكم من أعدائكم، وهو لبس الزرود ولبس الدروع، ولبس الخوذات.

стр. 775

شرح حديث: (البسوا من ثيابكم البياض) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم). هذا الحديث جاء عن ابن عباس وجاء عن سمرة ﵄، وفيه أن النبي ﷺ ذكر اللون الأبيض من الثياب قال: (البسوا البياض) واللون الأبيض فيه جمال، وفيه طهارة، حيث إن الثوب الأبيض إذا كان عليه شيء من تراب أو من وسخ أو من نجاسة تظهر فيه، ولذلك عندما تدعو تقول: (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) يعني: لا تترك علي خطيئة لا ظاهرة ولا باطنة، حتى لا يكون علي شيء منها يوم القيامة، والثوب الأسود قد يغسله الإنسان وعليه بعض الكدرات فلا تظهر عليه، فيغسل أدنى غسل ويتنظف الثوب، أما الثوب الأبيض فلا بد أن تغسله جداً من أجل ما يبقى عليه أي أثر من الدرن أو الوسخ. قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) من السنة تكفين الميت بالكفن الأبيض، ولبس الحي للثوب الأبيض، وعلل الأمر بلبس البياض فقال: (فإنها أطهر وأطيب)، فالثوب الأبيض أطهر للإنسان، فإذا وقع فيه شيء من الوسخ يبدو له فيغسله بسرعة، فهو أطهر وأطيب للإنسان، كما أنه لون جميل. قال: (وكفنوا فيها موتاكم) الأمر هنا: للرجال والنساء.
следующие страницы →