Полный текст (268 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
شرح أثر ابن عمر: (بل بلال رسول الله خيرُ بلالٍ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضائل بلال.
حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمزة عن سالم: أن شاعراً مدح بلال بن عبد الله فقال: بلال بن عبد الله خير بلال، فقال ابن عمر: كذبت! بل بلال رسول الله ﷺ خير بلال].
وهذا من إنصاف عبد الله بن عمر ﵁، وبلال بن عبد الله بن عمر، وهو الذي هجره أبوه عبد الله بن عمر لما روى له حديث: أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقال ابنه بلال: والله! لنمنعهن، فأقبل عليه عبد الله وسبه سباً قبيحاً، وهجره، وقال: أقول لك: قال رسول الله: (لا تمنعوا إماء الله) وتقول: والله! لنمنعهن؟ ثم هجره فحين قال الشاعر: بلال بن عبد الله خير بلال، قال له عبد الله: كذبت! هناك بلال خير منه وهو بلال مؤذن النبي ﵊، وهو خير من بلال بن عبد الله بن عمر، وهذا من كذب الشعراء، كما قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤]، ومن إنصاف عبد الله بن عمر؛ فإنه أخبر بالواقع.
стр. 142
فضائل خباب ﵁
стр. 143
شرح أثر قول عمر بن الخباب: (فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضائل خباب.
حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي قال: (جاء خباب إلى عمر ﵁ فقال: ادن؛ فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون)].
فرضي الله عنه، وهذا الأثر لا بأس بسنده، ولا شك أن خباباً ﵁ أوذي في الله وكان من الصادقين.
стр. 144
شرح حديث: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال: حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)].
وهذا لا بأس بسنده، وهو حديث عظيم فيه فضائل هؤلاء الصحابة الثمانية رضوان الله عليهم.
فكل واحد له ميزة تميزه، فـ أبو بكر اشتهر بالرحمة، وعمر اشتهر بالشدة في الدين، وعلي اشتهر بالقضاء، ومعاذ بن جبل اشتهر بالعلم بالحلال والحرام، وأبو عبيدة أمين هذه الأمة، وهذه فضائل عظيمة لهؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم.
стр. 145
حكم الهجر أكثر من ثلاثة أيام
في حديث ابن عمر الذي ذكرناه قبل أنه هجر ابنه بلالاً، فإذا كان الهجر لله فيجوز أكثر من ثلاث، حتى يتوب، فيهجر العاصي حتى يتوب؛ لأن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك وصاحبيه: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع لما تخلفوا عن غزوة تبوك هجرهم خمسين ليلة.
أما إذا كان الهجر من أجل الدنيا فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام؛ لقول النبي ﷺ : (لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، هذا إذا كان من أجل الدنيا ومن أجل حظ النفس، أما لأجل الدين فيهجر حتى يتوب من معصيته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة مثله، عند ابن قدامة غير أنه يقول في حق زيد: وأعلمهم بالفرائض].
وزيد بن ثابت ﵁ كان عنده علم بالفرائض، وكان من أهل العلم بالفرائص والعناية به.
стр. 146
فضل أبي ذر ﵁
стр. 147
شرح حديث: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضل أبي ذر ﵁.
حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأعمش عن عثمان بن عمير عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر)].
في هذا الحديث عثمان بن عمير وهو ضعيف، تكلموا فيه، فالحديث ضعيف من أجله، لكن الحديث له شواهد، فهو حسن، ولهذا اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
الغبراء هي: الأرض، والخضراء هي: السماء.
والحديث له شواهد كما ذكرنا، قال المحقق: إسناده ضعيف، فـ عثمان بن عمير ويقال: ابن قيس البجلي أبو اليقظان الكوفي ضعيف، ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وقال ابن عدي: رديء المذهب، غال في التشيع، يؤمن بالرجعة.
نسأل الله العافية، والرجعة معناها: أن علياً يرجع، وهذا معناه أنه رافضي.
لكن الحديث له شواهد، وقد اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
والحديث أخرجه الترمذي أيضاً وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
قال المحقق: وليس في هذه الطرق المتقدمة ما يصح إسناده، فالحديث ضعيف، ولا بأس من الاعتبار به في الفضائل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن أبي الدرداء وابن أبي شيبة والبزار والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن بلال بن أبي الدرداء عنه، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، ولكن أخرجه أحمد من طريق شهر بن حوشب عن عبد الله بن غنم عنه، وشهر ضعيف، يعتبر به في الشواهد والمتابعات.
وهذه كلها شواهد تشهد له، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اعتمد هذا الحديث من أجل هذه الشواهد.
стр. 148
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٠]
لقد قدم أصحاب رسول الله الكثير والكثير، حتى اهتز عرش الرحمن ﷻ لمقدم سعد بن معاذ، وكان رسول الله يكرم أصحابه فكان لا يراهم إلا تبسم كما كان يفعل مع جرير، وخيارهم وأفضلهم من شهد معركة بدر مع رسول الله، ولقد ظهرت آثار دعوة رسول الله لابن عباس حتى كان ترجمان القرآن.
стр. 149
فضل سعد بن معاذ ﵁
стр. 150
شرح حديث: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضل سعد بن معاذ ﵁: حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أهدي لرسول الله ﷺ سرقة من حرير، فجعل القوم يتداولونها بينهم، فقال رسول الله ﷺ : أتعجبون من هذا؟ فقالوا له: نعم يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا)].
هذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمة الله عليهما، وهو حديث فيه بيان فضيلة سعد بن معاذ ﵁.
قوله: (أهدي للنبي ﷺ سرقة) يعني: قطعة من قماش من حرير، قال: (فجعل الصحابة يتداولونها -ويعجبون من لينها- فقال: أتعجبون من هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه) والمناديل يمسح بها العرق فمناديله التي يمسح بها العرق في الجنة خير من هذه السرقة التي من الحرير.
وفيه الشهادة له ﵁ وأرضاه بالجنة، وهو الذي اهتز له عرش الرحمن، وهو الذي حكم في بني قريظة: بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، وهو سيد الأوس ﵁ وأرضاه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (اهتز عرش الله لموت سعد بن معاذ)].
وهذا رواه الشيخان وفيه فضل سعد بن معاذ، وقوله: (وعرش الرحمن اهتز طرباً وفرحاً)، فيه نظر، وبعضهم قال: (اهتز حزناً) والحزن أقرب من الفرح، يعني: لمكانته وعظم شأنه عند الله اهتز عرش الرحمن لموته ﵁ وأرضاه.
وسعد بن معاذ شهد له النبي ﷺ بالجنة من غير العشرة، وكذا بلال شهد له بالجنة وهو من غير العشرة، كما قال (سمعت خشخشة نعليك في الجنة)، وعبد الله بن عمر كذلك مشهود له بالجنة، وكذلك عكاشة بن محصن، وغيرهم من الصحابة كثير.
والعشرة لهم ميزة خاصة حيث شهد لهم بأعيانهم، وسردوا في حديث واحد، أما غيرهم فذكروا في أحاديث وأوقات أخرى.
стр. 151
فضل جرير بن عبد الله البجلي ﵁
стр. 152
شرح حديث جرير: (ما حجبني رسول الله منذ أسلمت)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضل جرير بن عبد الله البجلي ﵁: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً)].
رواه الشيخان في فضل جرير بن عبد الله البجلي ﵁، وفيه حسن خلق النبي ﷺ ، ومراعاته لأحوال الصحابة، فإن جرير بن عبد الله كان سيداً، والنبي ﷺ ما حجبه، يعني: كان يستأذن عليه فيأذن له، فما حجبه رسول الله ﷺ منذ أسلم، ولا رآه إلا تبسم في وجهه، وشكا إلى النبي ﷺ أنه لا يقف على الخيل، فضرب النبي ﷺ في صدره وقال: (اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً).
فجعل يرتفع على الخيل، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وهذا من دلائل نبوة النبي ﷺ .
وجرير ﵁ هو الذي أحرق صنم ذي الخلصة، وهو صنم كانت تعبده دوس، وهو الذي بايعه النبي ﷺ على الشهادتين، قال: (بايعني الرسول ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، وقد اعتنى بهذه البيعة، فلما مات المغيرة بن شعبة وكان أمير الكوفة خطب الناس ونصحهم ووعظهم، فقال لهم: (اثبتوا حتى يأتيكم أمير)، ويعتبر هذا من النصيحة التي بايعه عليها النبي ﷺ .
стр. 153
فضل أهل بدر
стр. 154
شرح حديث فضل من شهد بدراً من الصحابة والملائكة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضل أهل بدر.
حدثنا علي بن محمد وأبو كريب قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: (جاء جبريل ﵇ أو ملك إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قالوا: خيارنا، قال: كذلك هم عندنا خيار الملائكة)].
فهذا الباب ذكره المؤلف ﵀ لبيان الأحاديث الواردة في فضل أهل بدر، وهم المجاهدون من الصحابة رضوان الله عليهم، الذين حضروا أول مشهد كان للنبي ﷺ وهو غزوة بدر، وهي الفاصلة بين الإيمان والكفر، وبدر مكان بين مكة والمدينة، وهي الآن بلد تسمى ببدر، وفيها حصلت الواقعة والغزوة بين حزب الله وأوليائه نبي الله وأصحابه، وبين كفار قريش، فهزم الله كفار قريش، وقتل صناديدهم، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، وفرق الله فيها بين الحق والباطل، وسماها الله يوم الفرقان فقال: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١].
وفي هذا الحديث بيان فضل الصحابة الذين حضروا هذه الغزوة، وأنهم من أفضل الناس، ولهذا قال جبريل للنبي ﷺ : (ما تعدون أهل بدر فيكم؟ فقال النبي ﷺ : خيارنا) يعني: من أفضل الناس ومن أفضل الصحابة، فقال جبريل: (وكذلك من شهد بدراً من الملائكة)، وهذا فيه دليل على أن الملائكة شهدوا بدراً وقاتلوا، وهذا دل عليه القرآن الكريم، كما في قوله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩].
ذكر الله تعالى هذا في سورة آل عمران وفي سورة الأنفال، فالملائكة قاتلوا مع المؤمنين، والملائكة الذين حضروا لهم مزية فضل على غيرهم، كما أن الصحابة الذين شهدوا بدراً لهم مزية، ولهذا قال جبريل للنبي ﷺ : (ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قالوا: خيارنا، قال: كذلك هم عندنا خيار الملائكة).
يعني: أنهم خيار، وفي اللفظ الآخر: (أنهم أفضل الملائكة).
والحديث فيه أن الله تعالى أمد المؤمنين بألف من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥].
فمد الله المؤمنين بالملائكة يقاتلون معهم ويؤيدونهم، يزلزلون الكفار وينشرون الرعب في قلوبهم.
стр. 155
شرح حديث: (لا تسبوا أصحابي)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا جرير ح وحدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع ح وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو معاوية جميعاً عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)].
وهذا فيه فضل الصحابة المتقدمين.
وهذا الحديث له سبب، وهو أنه كان بين خالد بن الوليد ﵁ وعبد الرحمن بن عوف شيء من سوء التفاهم، فكأن خالداً تكلم على عبد الرحمن بن عوف، فالنبي ﷺ خاطب خالداً ومن كان مثله من الذين تأخرت صحبتهم، فقال: (لا تسبوا أصحابي) يعني: لا تسبوا أصحابي الذين تقدمت صحبتهم، فهو خطاب للصحابة الذين تأخرت صحبتهم؛ لأن عبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل الفتح وهاجروا.
والسابقون الأولون الصواب أنهم هم الذين أسلموا قبل الفتح قبل صلح الحديبية، فصلح الحديبية هو الحد الفاصل بين من أسلم قبل الفتح فهو من السابقين الأولين، وبين من أسلم بعد الفتح فليس منهم، فـ عبد الرحمن بن عوف ممن أسلم قبل الفتح وهاجر وأنفق، وخالد بن الوليد تأخر إسلامه فلم يسلم إلا بعد صلح الحديبية، وهناك أيضاً جمع ممن تأخر إسلامه ولم يسلم إلا بعد الفتح كـ أبي سفيان وابنيه: معاوية ويزيد، فإنهم أسلموا يوم الفتح، بعد إسلام خالد، فـ خالد لم يسلم إلا بعد صلح الحديبية وقبل يوم الفتح، وأبو سفيان ومعاوية أسلموا يوم الفتح.
فالصحابة طبقات، فالسابقون هم الذين أسلموا قبل الفتح قبل صلح الحديبية، وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، لكن هذا مرجوح، والصواب أنهم هم الذين أسلموا قبل الفتح، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم وبين ذلك فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠].
ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] يعني: السابقون واللاحقون كلهم موعودون بالجنة.
فلما حصل سوء تفاهم بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كأن خالداً سبه، فالنبي ﷺ قال يخاطب خالداً: (لا تسبوا أصحابي) أي: لا تسبوا أصحابي الذين تقدمت صحبتهم، وهذا خطاب لمن تأخرت صحبتهم، يقول: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده) وهو ﵊ الصادق وإن لم يقسم، ولكن أقسم للتأكيد، وفيه إثبات صفة اليد لله ، فأنفس العباد بيد الله، قال: (فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم) أي: أيها المتأخرون في الصحبة، (مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، النصيف: النصف، والمد: هو ملء كفي الرجل المتوسط والصاع أربعة أمداد، فلو أنفق عبد الرحمن مداً -مثلاً- من الدراهم أو من الذهب أو نصف المد، وأنفق خالد مثل أحد ذهباً، لسبقه عبد الرحمن؛ لتقدم صحبته، هذا وهم صحابة، فكيف بمن لم يكن من الصحابة ممن بعدهم؟ والحديث فيه فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم متفاضلون، وفيه فضل عبد الرحمن بن عوف وأنه من السابقين الأولين ﵁ وأرضاه، وهو ممن شهد بدراً، وأما خالد فإنه فاته ذلك، فلم يشهد بدراً؛ لأنه تأخر إسلامه.
стр. 156
شرح أثر عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن نسير بن زعلوق قال: كان ابن عمر ﵄ يقول: (لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره)].
وهذا الحديث لا بأس بسنده، ونسير لا بأس به، قال في الزوائد: إسناده صحيح.
وفيه فضل الصحابة، وأن من بعدهم لا يلحقهم.
стр. 157
فضل الأنصار
стр. 158
شرح حديث: (من أحب الأنصار أحبه الله)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضل الأنصار.
حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع عن شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله) قال شعبة: قلت لـ عدي: أسمعته من البراء بن عازب؟ قال: إياي حدث].
وهذا الحديث لا بأس به، وفيه فضل الأنصار، وأن من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله؛ وذلك لأن الأنصار ناصروا الله ورسوله والمؤمنين، وآووا المهاجرين، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله، ولهذا بوب البخاري ﵀ باب: حب الأنصار علامة الإيمان، وبغض الأنصار علامة النفاق، فالذي يبغض أنصار الله وأنصار دين الله هذا دليل على نفاقه، وعلى مرض في قلبه، ومن أحبهم فهذا دليل على إيمانه.
والحديث فيه إثبات المحبة لله على ما يليق بجلالته وعظمته، خلافاً لمن أنكر المحبة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، والأشاعرة يفسرونها بالإرادة.
والمراد بالأنصار: الأوس والخزرج الذين ناصروا النبي ﷺ ، وكذلك كل من ناصر دين الله في كل زمان، فحبهم دليل على الإيمان، وبغضهم دليل على النفاق؛ لأن من أبغض أنصار الله وأنصار دين الله فإن ذلك يدل على مرض في قلبه، ومن حبهم فإن ذلك يدل على إيمانه.
стр. 159
شرح حديث: (الأنصار شعار والناس دثار)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا ابن أبي فديك عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (الأنصار شعار والناس دثار، ولو أن الناس استقبلوا وادياً أو شعباً واستقبلت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)].
وهذا الحديث رواه الشيخان، وفيه فضل الأنصار، وأن لهم فضلاً على غيرهم، وهذا قاله النبي ﷺ وله سبب، وهو: أن النبي ﷺ قسم الغنائم يوم حنين وأعطى المؤلفة قلوبهم، ليتألفهم ﵊ على الإسلام، حتى يتقوى إيمانهم، والذين أسلموا قديماً لم يعطهم بل وكلهم إلى إيمانهم، ولم يعط الأنصار، فتكلم بعض شباب الأنصار حدثاء الأسنان وقالوا: غفر الله لرسول الله؛ يعطي صناديد قريش ويتركنا! فبلغ النبي ﷺ ذلك، فأمر النبي ﷺ بأن يجتمعوا في خيمة ضربت لهم، وقال: لا يأت معهم غيرهم، فخطبهم النبي ﷺ وقال: (ما كلمة بلغتني عنكم أنكم قلتم كذا وكذا؟ فقال الأنصار ﵃: يا رسول الله! أما العقلاء فلم يتكلم أحد، وأما شباب منا حدثاء الأنسان فقالوا: غفر الله لرسول الله يعطي صناديد قريش ويتركنا! فقال النبي ﷺ : لقد كنتم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فجمعكم الله بي).
يعني: أنا أتألفهم بشيء من لعاعة الدنيا، على الإسلام، ثم قال: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار).
والشعار هو: الثوب الذي يلي الجسد، والدثار: الثوب الذي فوقه، يعني: هم أقرب وألصق الناس به ﵊؛ لأنهم خاصته.
ثم قال: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ثم قال: اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار).
فبكوا ﵃، حتى أخضلوا لحاهم، وقال: (لو شئتم لقلتم: كنت طريداً فآويناك، وكنت فقيراً فأغنيناك، وكنت وكنت، وكلما تكلم النبي قالوا: الله ورسوله أمن) وبكوا ﵃ حتى أخضلوا لحاهم ﵃ وأرضاهم، وفي هذا فضل الأنصار.
ثم قال: (أيها الناس! أنا أعطي الناس شاة وبعيراً أقسمها عليهم، يذهبون بالشاة والبعير إلى بيوتهم، وأنتم تذهبون بنبي الله إلى دياركم)، وفي اللفظ الآخر: (فوالله! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به)، أي: أنتم تنقلبون وترجعون بالرسول ﵊، وهم يرجعون بالمال، أي: أن الرسول ﵊ إنما يقسم الغنائم ويتألف على الإسلام، فأعطى بعض الصناديد وبعض رؤساء القبائل الذين أسلموا، كل واحد أعطاه مائة من الإبل؛ حتى يتقوى إسلامه وإيمانه.
فـ عيينة بن حصن أعطاه مائة، وهكذا جماعة من رؤساء القبائل في نجد أعطاهم مائة مائة من الإبل؛ لأنهم أسلموا حديثاً؛ حتى يتقوى إيمانهم.
وهذا الحديث في سنده عبد المهيمن وهو ضعيف، لكن الحديث ثابت؛ فقد رواه البخاري في صحيحه، ومتن الحديث صحيح مع اختلاف في بعض الألفاظ من تقديم وتأخير.
وهو ثابت في البخاري بهذا اللفظ: (الأنصار شعار والناس دثار، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار).
قوله: (الله ورسوله أمن) هذا في عهد النبي ﷺ ، ففي عهده يقال: الله ورسوله أمن؛ لأن هذا النص دل على هذا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
فالمن يكون لله ورسوله، لكن في حياته؛ لأنه كان يعطيهم شيئاً من المال، بخلاف الرغبة؛ فإنه يقال: إنا إلى الله راغبون، ولا يقال: إنا إلى الله ورسوله؛ لأن الرغبة خاصة بالله، والمنة تكون لله ولرسوله.
стр. 160
شرح حديث: (رحم الله الأنصار وأبناء الأنصار)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا خالد بن مخلد قال: حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار)].
وهذا السند فيه ضعف من أجل كثير فإنه ضعيف، لكن الحديث ثابت أيضاً في الصحيح.
قوله: (اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) قال بعضهم: يراد به القرون الثلاثة، وقيل: المراد به الأنصار بخصوصهم.
وفيه فضل الأنصار، وفضل من نصر دين الله، فإنه وإن كان المراد بهم الأنصار الأوس والخزرج إلا أن كل من نصر دين الله فله الفضل، فحبه دليل على الإيمان وبغضه دليل على النفاق.
ومن أبغض أهل الخير، وأبغض الدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن ذلك يدل على نفاق ومرض في قلبه، وضعف في إيمانه، ومن أحبهم فذلك دليل على إيمانه.
وهذه قاعدة: كل من أبغض العلماء، وأهل الخير، والدعاة، والمصلحين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فهذا يدل على ضعف إيمانه، ومرض في قلبه، نسأل الله السلامة والعافية، ولهذا يقول الطحاوي ﵀ في الصحابة: وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
فحب الصحابة دين وإيمان، وكذلك حب من بعدهم من الدعاة المصلحين، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
ومما ورد في فضل الأنصار حديث: (استوصوا بالأنصار خيراً فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد).
стр. 161
فضل ابن عباس ﵄
стр. 162
شرح حديث ابن عباس: (ضمني رسول الله إليه وقال اللهم علمه الحكمة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فضل ابن عباس ﵄.
حدثنا محمد بن المثنى وأبو بكر بن خلاد الباهلي قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: (ضمني رسول الله ﷺ إليه وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب)].
وهذا فيه فضل ابن عباس، والحكمة هي السنة، وتأويل الكتاب يعني: تفسير القرآن، وقد جاء في الصحيح بلفظ: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)].
وقد ظهرت آثار هذه الدعوة في فضل ابن عباس وعلمه، فقد أعطاه الله علماً جماً، في تفسير القرآن، قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، وهذا من آثار دعوة النبي ﷺ له بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).
стр. 163
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١١]
الخلاف منه المستساغ الجائز، ومنه المذموم المحظور، والخوارج قد خالفوا أهل الإسلام خلافاً مذموماً، وفتحوا على الأمة باباً قبيحاً مشئوماً، فلم يكن عند الصحابة الكرام تكفير لأحد بمطلق المعاصي والآثام، وإنما ابتدع ذلك هؤلاء الطغام، وكذا للقوم عقائد أخر نابذوا بها أهل الإسلام واستحلوا دماءهم وأموالهم، فالله المستعان.
стр. 164
ذكر الخوارج
стр. 165
شرح حديث علي في الخوارج
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: في ذكر الخوارج.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال، وذكر الخوارج.
فقال: (فيهم رجل مخدج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد.
ولولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قلت: أنت سمعته من محمد ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة! ثلاث مرات].
هذا فيه ذم الخوارج، والخوارج هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ في خلافته، وأنكروا عليه وقاتلوه، فقاتلهم ﵁ وقتلهم، وهم عباد، أي: عندهم عبادة عظيمة، لكن لهم رأي فاسد، يكفرون المسلمين بالمعاصي.
وسبب خروجهم هو أنهم حصلت لهم هذه الشبهة، وصاروا يكفرون المسلمين بالمعاصي، فمن ارتكب الكبيرة كفر عندهم، فالزاني يكفرونه، وكذا السارق وشارب الخمر ونحوهم، فأنكر عليهم الصحابة، وأنكر عليهم علي ﵁ وقاتلهم حتى قتلهم، وحصل بينه وبينهم معارك.
والنبي ﷺ أخبر أن آيتهم: هذا الرجل مخدج اليد أو مثدون اليد يعني: ناقص اليد، أي: إحدى يديه ليس في طرفها سوى لحمة فيها شعيرات، ولما حصل بين علي ﵁ وبينهم قتال فتشوا في القتلى حتى وجدوه، فكبر علي ﵁.
والخوارج جاءت فيهم أحاديث صحيحة متواترة، وهم عباد، لكن عندهم هذه العقيدة الفاسدة، وهي أنهم يكفرون المسلمين بالمعاصي، ويحملون الآية التي في الكفرة على عصاة المسلمين.
قال فيهم النبي ﷺ : (يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصيامه عند صيامهم) فهم يصلون الليل ويتأوهون ويبكون، ويصومون النهار، وهم شجعان في القتال، فلا أحد يقف أمامهم، لكن عندهم العقيدة الخبيثة، يقول فيهم النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
يقول علي رضي الله: (لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله من قتلهم) يعني: من الأجر والثواب الذي يكون لمن قتلهم.
ومن العلماء من قال في الخوارج: إنهم كفار، وسيأتي ذكر الأحاديث في الخوارج والحكم فيهم، ومن كفرهم معناه: أنه لا يصلى خلفهم، ومن لم يكفرهم قال: إن الصلاة خلفهم صحيحة، والإباضية طائفة من الخوارج، والخوارج هم ما يقارب من اثنتين وعشرين فرقة، وكذلك الشيعة.
стр. 166
شرح حديث: (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن عامر بن زرارة، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون عن الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن لقيهم فليقتلهم، فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم)].
وهذا الحديث جاء معناه في الصحيح، وفيه وصف الخوارج، وأنهم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام.
ومعنى: (حدثاء الإسلام) أي: صغار السن، ومعنى: (سفهاء الأحلام) أي: عقولهم ضعيفة، (يقولون من خير قول الناس) وفي اللفظ الآخر في الصحيح: (يقولون من قول خير البرية).
وقوله: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، وفي لفظ آخر: (لا يجاوز تراقيهم) وفي اللفظ الآخر:: (لا يوجد حناجرهم)، وفي لفظ آخر: (يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصيامه عند صيامهم، يمرقون من الدين)، وفي لفظ: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية).
وقوله: (فمن لقيهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله)، وفي لفظ آخر: (فإن لقيتهم لأقتلهم قتل عاد).
وجمع من أهل العلم على كفر الخوارج، قالوا: هذا يدل على كفرهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، وفي اللفظ الآخر: (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه).
وشبههم بقوم عاد وهم كفرة، وأمر بقتلهم وقال: (يمرقون من الإسلام)، وذكر في اللفظ الآخر أن من أوصافهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).
وجمهور العلماء على أنهم مبتدعة، والصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة، فالجمهور قالوا: إنهم متأولون فلا يكفرون، واستدلوا بقول علي ﵁ لما سئل: أكفار هم؟ قال: (من الكفر فروا)، فالصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة، وأيضاً وردت عنه روايتان رواية بكفرهم ورواية بعدم كفرهم.
فالجمهور على أنهم مبتدعة، والصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة ولم يعاملوهم معاملة الكفار، والقول بالكفر قول قوي؛ لهذه الأحاديث.
ومن عنده علم له أن يناظرهم كما فعل علي ﵁، عند أن أذن لـ ابن عباس أن يناظرهم، وخطب فيهم ابن عباس حتى رجع أكثرهم، أي: مجموعة كبيرة من الخوارج استفادوا من خطبة ابن عباس ورجعوا، والباقي استمروا فقاتلهم علي ﵁.
قال المحقق في إسناد هذا الحديث: إسناده حسن، من أجل أبي بكر بن عياش، وعاصم هو ابن بهدلة.
ومعنى هذا الحديث ثابت في الصحيحين.
وهنا قال: (يخرج في آخر الزمان)، وفي الصحيح: (يخرج قوم) وهذا اللفظ -أي: (في آخر الزمان) - فيه احتمال أن الذين خرجوا في زمان علي هم في آخر الزمان؛ لأن هذه الأمة هي آخر الأمم.
والذين خرجوا في زمان علي ﵁ لهم أتباع إلى يوم القيامة يعتقدون عقيدتهم ويكفرون المسلمين بالمعاصي ويرون الخروج عليهم على ولاة الأمور، ولا يرون البيعة لولاة الأمور، وإنما يرون الخروج عليهم؛ لأنهم يكفرون بالمعاصي، ولا يرون البيعة، ولهذا في زمان الدولة الأموية وجدت فرق من الناس كثيرة متعددة قاتلوا الخوارج، وقاتلهم الحجاج بن يوسف سنين.
والخوارج أصلهم وأولهم هو الذي اعترض على النبي ﷺ ، وقال له: (اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل! قال: ويحك! فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ فاستأذن خالد ﵁ في قتله قال: دعه فإنه يخرج من ضئضئي هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
والخوارج يقابلهم المرجئة، ولا يقارن بينهم، فكل منهما له عقيدة، والمرجئة طبقات، فالمرجئة الغلاة كفرة، وهم الجهم بن صفوان وأتباعه، وهناك مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة وأصحابه المتأخرون.
стр. 167
شرح حديث أبي سعيد في وصف الحرورية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة قال: قلت لـ أبي سعيد الخدري ﵁: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر في الحرورية شيئاً؟ فقال: (سمعته يذكر قوماً يتعبدون يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصومه مع صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أخذ سهمه فنظر في نصله فلم ير شيئاً، فنظر في رصافه فلم ير شيئاً، فنظر في قدحه فلم ير شيئاً، فنظر في القذذ فتمارى هل يرى شيئاً أم لا)].
وهذا فيه بيان خروجهم من الإسلام، وأنهم يمرقون مروقاً شديداً كما يمرق السهم من الرمية، فإنه إذا دخل السهم في الرمية في الطائر أو في غيره ثم خرج بسرعة من شدة السرعة ما يكون فيه شيء من الدم، ينظر في نصلة في حديدة السهم في ريشة السهم فلا يرى فيها شيئاً من الدم؛ لشدة خروجه وسرعته، فهؤلاء يمرقون من الإسلام مروقاً سريعاً كما يمرق السهم من الرمية، وإذا نظرت في السهم فلا تجد فيه أثراً للدم؛ لشدة خروجه وسرعة خروجه.
والحديث فيه أنهم قوم عباد؛ ولهذا قال: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم)، يعني: إذا رأيت أحدهم يصلي الليل ويتعبد ساعتين ثلاثاً أربعاً خمساً تقول: أنا ما عندي شيء، فتحقر صلاتك عند صلاتهم، وإذا رأيت أحدهم يصوم النهار ويواصل الصيام تحقر صيامك عند صيامهم، وهكذا تجد أحدهم يقرأ القرآن كثيراً، لكن عندهم هذه العقيدة الخبيثة، وهي تكفير المسلمين وقتالهم، ولذلك يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.
ومن كفرهم كفرهم لهذه الأحاديث ونحوها، ومن لم يكفرهم قال: إنهم متأولون، وإنهم قوم عباد.
стр. 168
شرح حديث: (إن بعدي من أمتي قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرار الخلق أو الخليفة).
قال عبد الله بن الصامت: فذكرت ذلك لـ رافع بن عمرو أخي الحكم بن عمرو الغفاري فقال: وأنا أيضاً قد سمعته من رسول الله ﷺ ].
قوله: (يمرقون من الدين كما يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون إليه) احتج بهذا من كفرهم وقال: هذا دليل على كفرهم؛ لأنهم يمرقون ولا يعودون إليه، وكذلك قوله: (لأقتلنهم قتل قتل عاد)، فإنه شببهم بعاد وهم قوم كفار.
стр. 169
شرح حديث: (ليقرأن القرآن ناس من أمتي يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، قالا: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليقرأن القرآن ناس من أمتي يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)].
وهذا الحديث فيه سماك، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن الحديث ثابت من طرق أخرى ومعناه صحيح.
стр. 170
شرح حديث: (كان رسول الله بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم، وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل! فقال: ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل؟! فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله! حتى أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا في أصحاب -أو أصيحاب- له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)].
نسأل الله العافية، وهذا أصل الخوارج، أي: الذي اعترض على النبي ﷺ ، ويحتمل أنه منافق وأن النبي ﷺ ترك قتله، أو أنه من شدة وجده لما لم يعطه شيئاً من الغنائم قال ذلك.
والتبر هو الذهب الذي لم يضرب، يقال له: تبر، فالنبي ﷺ كان يقسم الغنائم تألفاً للإسلام، وعلى حسب مصلحة الإسلام والمسلمين، وهذا الرجل -والعياذ بالله- اغتاظ وقال: (اعدل يا محمد!)، وفي اللفظ الآخر: (فهذه قسمة ما أريد بها وجه الله) فقال ﷺ : (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل)، وفي اللفظ الآخر: (ومن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله)، وفي اللفظ الآخر: (يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء).
ثم بين أنه يخرج من شبه هذا أو أصحاب لهذا الخوارج الذين يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، فقال: (إن هذا في أصحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية).
стр. 171
شرح حديث: (الخوارج كلاب أهل النار)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسحاق الأزرق، عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : (الخوارج كلاب النار)].
وهذا الحديث ضعيف للانقطاع بين الأعمش وابن أبي أوفى؛ فإن الأعمش ما أدرك عبد الله بن أبي أوفى، فيكون الحديث منقطعاً، لكن قد جاء له شاهد.
стр. 172
شرح حديث: (ينشأ نشء يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ينشأ نشء يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع] قال ابن عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [كلما خرج قرن قطع] أكثر من عشرين مرة، [حتى يخرج في عراضهم الدجال)].
يعني: أن الخوارج يتأخرون، وأنهم يستمرون حتى وقت خروج الدجال، فيخرج في عراضهم، يعني: في خداعهم.
أي: أن آخرهم يقابله ويناظره، وفي بعض النسخ: (أعراضهم) وهو جمع عرض بفتح فسكون، بمعنى: الجيش العظيم، وهو مستعار من العرض، بمعنى: ناحية الجبل.
فالخوارج يستمرون حتى يخرج في زمانهم الدجال.
стр. 173
شرح حديث: (يخرج قوم في آخر الزمان أو في هذه الأمة يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج قوم في آخر الزمان، أو في هذه الأمة، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم أو حلوقهم، سيماهم التحليق، إذا رأيتموهم أو إذا لقيتموهم فاقتلوهم)].
أي: أن من أوصافهم ومن سيماهم التحليق، يعني: حلق الرأس، فهم يشددون في حلق الرأس، ويتعبدون بحلقه.
وفي صفة الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ كما جاء في الحديث: (رجل ناتئ الوجه ناتئ الجبين محلوق الرأس).
فاعترض على النبي ﷺ وقال: (اعدل يا محمد!) وهو على طريقتهم، وفي الحديث وصف هذا الرجل بأنه ناتئ الجبين محلوق الرأس، فهم يشددون في حلق الرأس، ويتعبدون بحلق الشعر، ويوجبون حلق شعر الرأس، فيستأصلون الشعر، فسيماهم التحليق، والحلق لا بأس به، وإن كان ترك الشعر سنة، كما قال الإمام أحمد: سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه، لكن له كلفة ومشقة، لكن الحلق لا بأس به، وكان النبي ﷺ إنما يحلق في الحج والعمرة، لكن هؤلاء يتشددون في حلق الرأس واستئصال الشعر، ويتعبدون بحلق الرأس، فصار علامة لهم، فعلامتهم: التحليق.
стр. 174
شرح حديث أبي أمامة في شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء وخير قتيل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سهل بن أبي سهل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة ﵁ يقول: (شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوا، كلاب أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً)، قلت: يا أبا أمامة! هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ ].
قوله: (شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء) يعني: الخوارج، فشر من قتل تحت أديم السماء هم الخوارج، وخير من قتل من قتلوه، فمن قتلوه فهو خير قتيل؛ لأنه شهيد، ومن قتل منهم فهو شر قتيل؛ لاعتقادهم الفاسد.
وقوله: (كلاب أهل النار) خبر لمبتدأ محذوف، يعني: هم كلاب أهل النار.
ثم قال: [(قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً، قلت: يا أبا أمامة! هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ ].
وقوله: (قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفاراً) هذه اللفظة في ثبوتها نظر عن النبي ﷺ ، ولو صحت فإن الجمهور تأولوها على أن المراد: كفر أصغر لا يخرج من الملة، لكن وإن قال المحققون: إن هذا الحديث صحيح السند، فإن هذه اللفظة في ثبوتها عن النبي ﷺ نظر.
وفيها ركاكة فتحتاج إلى تأمل، وما أظنه يخلو من المقال.
ما أظن هذا يثبت عن النبي ﷺ .
стр. 175
الأسئلة
стр. 176
أصل تسمية الخوارج بهذا الاسم
السؤال
أحسن الله إليك يا شيخ! مسمى الخوارج هل هو توقيفي لقول النبي ﷺ : (الخوارج كلاب أهل النار)، أم أنه اجتهادي؟
الجواب
إذا ثبت هذا الحديث فيكون توقيفي من كلام النبي ﷺ .
стр. 177
بيان حال الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وحكم الترضي عنه
السؤال
أحسن الله إليك الرجل الذي تكلم على النبي ﷺ هل هو كافر بكلامه حين قال: (اعدل يا محمد)؟
الجواب
محتمل، فإن عمر ﵁ قال: (دعني اضرب عنق هذا المنافق) فيحتمل أنه من المنافقين، ويحتمل أنه من شدة غيظه وعدم تحمله القسمة قال ذلك.
стр. 178
حكم من سب الصحابة أو كفرهم
السؤال
فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشهد الله على محبتك في الله، هل يكفر من سب الصحابة؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله أن يجعلنا من المتحابين فيه، وأن يجعلنا في دار كرامته، السب فيه تفصيل كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول: فإن كان السب سباً لدينهم فهذا كفر، وإن كان السب من أجل الغيظ فلا يكفر، وهذا بخلاف التكفير والتفسيق، فمن كفر الصحابة جميعاً وفسقهم فقد كفر؛ لأنه مكذب لله؛ لأن الله قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥] أي: الجنة، فوعد الله الصحابة بالجنة، فمن كفرهم أو فسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر، أما السب ففيه تفصيل، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن كان السب لدينهم هذا كفر، فيما سوى ذلك تفصيل.
стр. 179
شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٢]
الطريق الأسلم والسبيل الأقوم في باب الأسماء والصفات ألا يطلق الإنسان لعقله العنان في ذلك، بل يقيده بقيد الوحي المعصوم، فما أثبته أثبته وما نفاه نفاه.
فيثبتون الرؤية والعلو والسمع والكلام كل ذلك كما يليق برب العزة جل في علاه من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، وكذا في سائر الأسماء والصفات.
стр. 180
ما جاء فيما أنكرت الجهمية
следующие страницы →