← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 36998

شرح سنن ابن ماجة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (268 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أصل تسمية الخوارج بهذا الاسم السؤال أحسن الله إليك يا شيخ! مسمى الخوارج هل هو توقيفي لقول النبي ﷺ : (الخوارج كلاب أهل النار)، أم أنه اجتهادي؟ الجواب إذا ثبت هذا الحديث فيكون توقيفي من كلام النبي ﷺ .

стр. 177

بيان حال الرجل الذي اعترض على النبي ﷺ وحكم الترضي عنه السؤال أحسن الله إليك الرجل الذي تكلم على النبي ﷺ هل هو كافر بكلامه حين قال: (اعدل يا محمد)؟ الجواب محتمل، فإن عمر ﵁ قال: (دعني اضرب عنق هذا المنافق) فيحتمل أنه من المنافقين، ويحتمل أنه من شدة غيظه وعدم تحمله القسمة قال ذلك.

стр. 178

حكم من سب الصحابة أو كفرهم السؤال فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشهد الله على محبتك في الله، هل يكفر من سب الصحابة؟ الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله أن يجعلنا من المتحابين فيه، وأن يجعلنا في دار كرامته، السب فيه تفصيل كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول: فإن كان السب سباً لدينهم فهذا كفر، وإن كان السب من أجل الغيظ فلا يكفر، وهذا بخلاف التكفير والتفسيق، فمن كفر الصحابة جميعاً وفسقهم فقد كفر؛ لأنه مكذب لله؛ لأن الله قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥] أي: الجنة، فوعد الله الصحابة بالجنة، فمن كفرهم أو فسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر، أما السب ففيه تفصيل، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن كان السب لدينهم هذا كفر، فيما سوى ذلك تفصيل.

стр. 179

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٢] الطريق الأسلم والسبيل الأقوم في باب الأسماء والصفات ألا يطلق الإنسان لعقله العنان في ذلك، بل يقيده بقيد الوحي المعصوم، فما أثبته أثبته وما نفاه نفاه. فيثبتون الرؤية والعلو والسمع والكلام كل ذلك كما يليق برب العزة جل في علاه من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، وكذا في سائر الأسماء والصفات.

стр. 180

ما جاء فيما أنكرت الجهمية

стр. 181

شرح حديث جرير في إثبات رؤية الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فيما أنكرت الجهمية. حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي ووكيع، ح وحدثنا علي بن محمد، حدثنا خالي يعلى، ووكيع، وأبو معاوية، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩])]. هذا حديث عظيم في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهو حديث أخرجه البخاري ومسلم ﵀، وفيه: أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم عياناً، كما يرون القمر ليلة البدر، يعني: يرونه رؤية واضحة لا لبس فيها، ولذا قال: (لا تضامون)، يعني: لا يحصل لكم ازدحام في رؤيته، كما أن الإنسان ينظر إلى القمر ولا يزدحم مع غيره ولا تحصل له مشقة في ذلك، وكذلك يرى المؤمنون ربهم، وليس المراد تشبيه الله بالقمر تعالى الله، فالله سبحانه لا يشبه أحداً من خلقه، ولكن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، والمعنى: أنكم سترون ربكم رؤية واضحة كما ترون القمر رؤية واضحة. وفيه دليل على أن المحافظة على هاتين الصلاتين من أسباب رؤية الله يوم القيامة، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر، ولهذا قال: (فإن استطعم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، الصلاة التي قبل طلوع الشمس هي الفجر، والصلاة التي قبل غروبها هي العصر، ويجتمع في هاتين الصلاتين ملائكة الليل وملائكة النهار، ففي صلاة الصبح يصعد ملائكة الليل، وينزل ملائكة النهار، وفي صلاة العصر يصعد ملائكة النهار وينزل ملائكة الليل، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]، قبل طلوع الشمس: صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة العصر. وفيه الرد على الجهمية الذين أنكروا رؤية الله - وهذا هو الشاهد من الترجمة - وقالوا: إن المؤمنين لا يرون ربهم يوم القيامة، وكذلك المعتزلة، فالجهمية أنكروا الصفات كلها، والمعتزلة فسروا الرؤية بالعلم، فقالوا: (ترون ربكم) أي: تعلمون ربكم كما ترون القمر، وتعلمون أن لكم رباً كما تعلمون أن القمر قمراً، هكذا تأولوه والعياذ بالله، وهذا من أبطل الباطل. كانت الرؤية من المسائل التي أنكرتها الجهمية، ولهذا أدخلها المؤلف ﵀ في باب ما أنكرت الجهمية، وكذلك المعتزلة. الأشاعرة أثبتوا الرؤية، لكن نفوا المكان والجهة، فقالوا: يرى لا في جهة محدودة، قيل لهم: من فوق؟ قالوا: لا، من تحت؟ لا، يمين؟ لا، شمال؟ لا، أمام؟ لا، خلف؟ لا، أين يرى؟! يقولون: يرى لا في جهة، هذا غير معقول وغير متصور، ولهذا قيل: إن حقيقة قولهم هو نفي الرؤية لأنهم ما أرادوا الرؤية، ولو أرادوا الرؤية لأثبتوا الجهة، ولا يمكن أن يكون المرئي إلا في جهة من الرائي، ولهذا أنكر جماهير العقلاء، وضحكوا من قول الأشاعرة، من أنه يرى بدون مواجهة للرائي، لا بد أن يكون الرائي مواجهاً للمرئي، مبايناً له، أما رؤية في غير جهة فغير معقولة ولا متصورة. ثم إن الرسول ﷺ بين أن المؤمنين يرون القمر من فوقهم كما في الأحاديث الصحيحة، ومعلوم أن القمر من فوقنا، فنرى الله من فوقنا.

стр. 182

شرح حديث أبي هريرة في إثبات رؤية الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تضامون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، قال: فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم يوم القيامة)]. وهذا فيه استفهام، يعني: هل تضامون؟ قالوا: لا، على حذف حرف الاستفهام، قال: فإنكم سترون ربكم كما أنكم ترون القمر لا يحصل لكم ضيم. وهذا الحديث كما سبق أصله في الصحيح، ولكن هذا السند ضعيف؛ لأن يحيى بن عيسى التميمي النهشلي الكوفي نزيل الرملة ضعيف، ومعناه صحيح.

стр. 183

شرح حديث أبي سعيد في إثبات رؤية الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن أبي سعيد ﵁ قال: (قلنا: يا رسول الله! أنرى ربنا؟ قال: تضامون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟ قلنا: لا، قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟ قالوا: لا، قال: إنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتهما)]. جاء في رواية (تضارون) ورواية أخرى: (تضامون) يعني: لا يحصل لكم ضيم، وهي بضم الميم وتشديد النون، والمعنى: تزدحمون. وهذا إسناد غير محفوظ كما قال الترمذي في تعليقه على الحديث السابق، وهو في الصحيحين كما سيأتي في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أتضامون في رؤية الشمس صحواً ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: هل تضامون في رؤية القمر ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).

стр. 184

شرح حديث أبي رزين في إثبات رؤية الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أنرى الله يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين! أليس كلكم يرى القمر مخلياً به؟ قال قلت: بلى، قال: فالله أعظم، وذلك آية في خلقه)]. وهذا في سنده وكيع بن حدس، يقال: حدس بالحاء، ويقال: عدس بالعين والدال، وحدس أو عدس قال الحافظ في التقريب: مقبول، والحديث له شواهد، وفيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ولهذا قال: أليس كلكم يرى القمر مخلياً به؟ يعني: منفرداً لا يزدحم مع غيره، فكما أنكم ترون القمر منفردين فكذلك يرى المؤمن ربه يوم القيامة بدون مشقة. وهل رؤية الله خاصة بالمؤمنين؟ المؤمنون هم الذين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة، أما غير المؤمنين ففيه خلاف، وهناك ثلاثة أقوال لأهل العلم، فقيل: يرونه جميعاً الكفار والمنافقون والمؤمنون في موقف القيامة، ثم يحتجب عن الكفار والمنافقين. وقيل: لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون كما في الحديث الصحيح الذي فيه: أن المؤمنين يرون ربهم مع المنافقين بعد أن يذهب الكفار ويتساقطون في النار مع من عبدوهم من دون الله، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، كما في الحديث الصحيح الذي في البخاري: (تبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيتجلى لهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، قال: أليس بينكم وبينه علامة - جعل الله لهم علامة وهي كشف الساق - فإذا كشف الساق سجدوا له) أي: سجد له المؤمنون، فإذا أراد المنافقون أن يسجدوا صار ظهر كل واحد منهم طبقاً، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]. فظاهره أن المنافقين يرون الله مع المؤمنين؛ لأنهم كانوا معهم في الدنيا؛ ولأنهم أظهروا الإسلام، ثم بعد ذلك إذا ذهب المؤمنون والمنافقون في العبور على الصراط ينطفئ نور المنافقين، ويضرب بينهم وبين المؤمنين كما قال الله: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. وقال آخرون: لا يراه إلا المؤمنون خاصة، فهذه ثلاثة أقوال لأهل للعلم. والمؤمنون يرون ربهم أربع مرات في الموقف كما جاء في حديث الرؤيا في الصحيحين وفي غيرها، وروي هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنهم يرونه أولاً، ثم يرونه مرة في غير الصورة التي يعرفون؛ فينكرون، ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون؛ فيسجدون، ثم إذا رفعوا رءوسهم رأوه في الصورة التي رأوه فيها أول مرة.

стр. 185

شرح حديث أبي رزين في إثبات ضحك الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال قلت: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً)]. هذا الحديث أيضاً فيه وكيع بن حدس، وإن كان مقبولاً، لكن له شواهد، وقد اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في العقيدة الواسطية واحتج به لشواهده، وفيه إثبات ضحك الله كما يليق بجلاله وعظمته. وفيه الرد على من أنكر الضحك من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وتأول بعضهم فقال: الضحك عبارة عن الرضا، السدي في تعليقه على السيوطي، وكذلك على ابن ماجه يقول: الضحك الرضا، فهذا تأويل، والرضا غير الضحك، ففيه إثبات ضحك الله على ما يليق بجلاله وعظمته، ولهذا قال النبي ﷺ : (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، (قنوط عباده) يعني: يأسهم، إذا تأخر عنهم المطر يئسوا و (قرب غيره) يعني: التغير من حال إلى حال، فالله تعالى يغير من حال الشدة إلى حال الرخاء، ولهذا قال: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) وفي الحديث الآخر: (عجب ربنا) وفيه إثبات العجب، وفي اللفظ الآخر: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، يعني: أنهم يقنطون وييأسون، والله تعالى يعلم أن فرجهم قريب، وأنه سيغير حالهم من الشدة إلى الرخاء. قوله: [(ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: قلت يا رسول الله! أيضحك الرب؟ قال: نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً)]. وهذا واضح في إثبات الضحك، قال أبو رزين: لن نعدم من رب يضحك خيراً، يعني: أن الخير في يديه ، فيثبت الضحك لله، وفي اللفظ الآخر: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين يعلم أن فرجكم قريب)، فهم عندهم يأس، وظنوا أنه سيستمر في الشدة والقحط، والله تعالى يعلم أن فرجهم قريب، فلهذا عجب ربنا من قنوط عباده مع قرب غيره، يعني: تغيير الشيء من حال إلى حال، وتغيير أحوالهم من الشدة إلى الرخاء. وصفة الضحك هنا على طريقة الأشاعرة تؤول بالرضا، وهذا أحياناً يذكره بعض علماء السنة.

стр. 186

شرح حديث: (أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثم خلق، عرشه على الماء)]. ذكر في الشرح: وما ثم خلق إلى آخره، هكذا في نسخ ابن ماجه معتمداً، والظاهر أن قوله (وما) تأكيداً للنفي السابق، ويحتمل أن يكون (ثم) بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان. ويحتمل أن يكون: (وما فوقه هواء وما). قوله: (وما ثم خلق) إذا كان بالنفي فالعماء خلق، وهو السحاب الرقيق، والهواء خلق إلا إذا أريد به الفضاء، وهذا الحديث في سنده وكيع بن عدس أو حدس وهو مقبول، ولكن له شواهد. قوله: (كان في عماء) (في) ظرفية مثل: في السماء، يعني: فوق السحاب، وهذا السحاب ما فوقه هواء وما تحته هواء، و (ما) موصولية بمعنى الذي، والسدي ذكر بأن (ما) نافية، ويقول: المعنى ما فوقه هواء، وما تحته هواء، وليس فوقه هواء وهذا غلط، بل هي موصولية، بمعنى: كان في عماء - هواء - والذي تحته هواء، فهو كان فوق السحاب كما هو الآن فوق العرش بعد خلقه، ولا يحتاج إلى العرش ولا إلى السحاب. قوله: [(ثم خلق عرشه على الماء)]. وهذا هو الأقرب، أي: كان فوقه هواء وماء، ثم خلق عرشه على الماء. لأنه يسأل يقول: أين كان ربنا؟ يعني: قبل خلق السماوات والأرض، أو قبل أن يخلق الخلق؟ قوله: [قال: قلت: (يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه)]. يعني: قبل أن يخلق الخلق جميعاً، والعرش من خلقه، قال: كان في عماء فوقه هواء، والذي تحته هواء، ثم خلق العرش على الماء، والحديث فيه ضعف.

стр. 187

شرح حديث: (يُدنَى المؤمنُ من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حميدة بن مسعدة، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز المازني، قال: بينما نحن مع عبد الله بن عمر ﵄ وهو يطوف بالبيت، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر! كيف سمعت رسول الله ﷺ يذكر في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه، ثم يقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: يا رب! أعرف، حتى إذا بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ قال: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى صحيفة حسناته، وكتابه بيمينه، قال: وأما الكافر أو المنافق فينادى على رءوس الأشهاد -قال خالد: (في الأشهاد) شيء من انقطاع- (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)). وهذا أخرجه مسلم في الصحيح مع اختلاف يسير، والمناجاة: هي كلام السر، قال: إن الله تعالى يدني عبده يوم القيامة، ويضع كنفه عليه ويقرره بذنوبه، فإذا أقره بذنوبه ورأى أنه هالك، قال الله: إني سترتها عليك - يعني: في الدنيا - وأنا أغفرها لك اليوم، وهذا من فضله تعالى وإحسانه، والبعض فسر الكنف بالستر كما في الحديث، لكن قد يقال: إن هذا تأويل والله أعلم بالكيفية، ولا شك أن الله تعالى يقرره بذنوبه بينه وبينه، وأما تفسير الكنف بالستر - وإن كان معناه في اللغة الستر - قد يقال: إن هذا صفة من صفات الله، والله أعلم بكيفيته.

стр. 188

شرح حديث: (سلام الله على أهل الجنة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قول الله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]. قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم)]. هذا الحديث الذي أخرجه ابن ماجه ﵀ ضعيف؛ لأن العباداني هذا ضعيف متهم، والفضل الرقاشي أيضاً ضعيف، لكن الحديث له شواهد، وما دل عليه الحديث كله ثابت، فالحديث فيه إثبات ثلاث صفات من صفات الله، وهي: صفة العلو، وأن الله فوق، ويرونه من فوق، وفيه إثبات صفة الكلام، وأن الله يكلم المؤمنين في الجنة، وإثبات صفة الرؤية، وأن المؤمنين يرون الله. فهذه الثلاث الصفات هي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع. فالحديث وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد، وهذه الصفات كلها ثابتة، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، وفيه أبو عاصم العباداني لين الحديث، قال الكعبي: ليس بحجه. وقال في الزوائد: إسناده ضعيف؛ باتفاقهم على ضعف الرقاشي، وقال السيوطي: أورده ابن الجوزي في موضوعاته، وقال: الفضل الرقاشي رجل سوء، ورواه عنه أبو عاصم، ولا يتابع عليه، كذا ذكره عن العقيلي. قال السيوطي ﵀ في مصباح الزجاجة: والذي رأيته أنا في كتاب العقيلي ما نصه: أبو عاصم منكر الحديث، والعقيلي يروي له القدر؛ لأنه كاد أن يغلب على حديثه الوهم. وهذا لا يقتضي الحكم بالوضع، وله طريق آخر من حديث أبي هريرة، ذكره في اللآلئ. انتهى.

стр. 189

شرح حديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر من عن أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه، ثم ينظر من عن أيسر منه فلا يرى إلا شيء قدمه، ثم ينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل)]. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وإن كان في إسناده ضعيف هنا، وفيه أن الناس يوم القيامة تستقبلهم النار، وأن الإنسان يقف بين يدي الله ولا يرى عن يمينه إلا ما قدم، وعن يساره إلا ما قدم، ثم يرى النار أمامه، قال: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد، فبكلمة طيبة). فيه دليل على أن الصدقة وقاية من عذاب النار، وأن الكلام الطيب يقوم مقام الصدقة عند عدمها، فإذا لم يجد الإنسان شيئاً فالكلام الطيب، فيعد الفقير ويقول: إن شاء الله تأتينا في وقت آخر، إن شاء الله يأتينا الخير، ويرده بكلام طيب. وفي الحديث: أن الإنسان يرى عمله يوم القيامة، فلا يرى عن يمينه إلا ما قدم، وعن يساره إلا ما قدم، ثم يرى النار أمامه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، وذلك أن نصف تمره تفيد الفقير، فيعطيه شخص نصف تمرة وآخر تمرة، وهكذا يجمع له خير، فمن لم يجد حتى نصف تمرة فكلمة طيبة، يرد بها الفقير. جاء في الصحيح أن امرأة جاءت إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ تسأل ومعها ابنتان لها، فلم تجد عند أم المؤمنين إلا تمرة واحدة، ما وجدت إلا تمرة واحدة في بيت النبي ﷺ ، فأعطت التمرة هذه المسكينة فشقتها بين ابنتيها، وأعطت كل واحدة نصفاً ولم تأكل، فأخبر النبي ﷺ فقال: (إن الله أوجب لها الجنة) وفي لفظ آخر: أن امرأة جاءت تسأل ومعها ابنتاها، فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة من ابنتيها تمرة، ورفعت إلى فيها التمرة الثالثة لتأكلها، لكن البنتين كل واحدة أكلت التمرة بسرعة، وجعلت كل واحدة تنظر إلى الأم وإلى التمرة؛ فلما رأت المرأة أنهما ينظران إليها عدلت عن نفسها وشقتها بين ابنتيها، وعائشة تنظر، قالت: فأعجبني شأنها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (إن الله أوجب لها بها الجنة)، أي: بهذه الرحمة. لا يحتقر الإنسان شيئاً، فيعطى الفقير ولو ريالاً، فقد يسد حاجتة، ويستطيع أن يشتري له به ماءً، أو خبزة يأكلها في الحال، ولا يعلم أحوال الناس إلا الله، فبعض الفقراء يبيتون جياعاً ولا يعلم عنهم أحد، وبعضهم يستحون، وبعضهم يجلس اليوم واليومين يتضور جوعاً ولا يجد شيئاً، فإذا أعطي الفقير ولو شيئاً يسيراً يسد الفاقة عند شدتها فهذا خير عظيم عند الله. وفي الحديث: إثبات صفة الكلام لله تعالى على ما يليق بجلاله، وتثبت صفات الله تعالى كما هي، ولا تؤول بلازمها، كما يقال: الرضا هو إرادة الثواب، ومن أثر الرضا أن الله يثيب المؤمنين، ومن أثر الغضب أن الله يعاقب الكافرين، وإنما نقول: إن الله يغضب كما يليق بجلاله وعظمته، لكن من لوازم الغضب عقوبة الكافرين. كذلك الرضا صفة ثابتة لله، ومن أثره إثابة المؤمنين، كذلك الرحمة فسرت بالإنعام، يقولون: الإنعام، وهذا أثر من آثار الرحمة. أما الجهمية فإنهم أنكروا الصفات كلها ولم يؤلوها أو يثبتوها، ولذا كفرهم كثير من العلماء وقد ذكر ابن القيم أنهم خمسمائة عالم، فقال ﵀: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان. واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل حكاه قبله الطبراني. فخمسمائة عالم كفروا الجهمية، قال عبد الله بن المبارك ﵀: إنا لنحكي أقوال اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي أقوال الجهمية لخبثها وشرها. وقال كثير من السلف: إن أقوال الجهمية تدور على أنهم يقولون: ليس فوق العرش إله؛ لأنهم نفوا الأسماء والصفات لله، وهذا يفيد العدم نسأل الله السلامة والعافية، وبعض العلماء أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة، حيث قال ﷺ : (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فهذه فرق المبتدعة كلها متوعدة بالنار، والجهمية تخرج من هذه الفرق؛ لأنهم كفار، وكذلك غلاة القدرية الذين ينكرون العلم والكتاب، وكذلك الرافضة، فأخرجوا هذه الفرق الثلاث من فرق الأمة وجعلوهم كفاراً. ومن العلماء من بدعهم، ومن العلماء من كفر الغلاة دون العامة.

стр. 190

شرح حديث: (جنتان من فضة آنيتها وما فيهما) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عبد الصمد عبد العزير بن عبد الصمد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)]. هذا الحديث فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم ، وهي من النعيم الذي يؤتاه أهل الجنة، بل أفضل نعيم يعطاه أهل الجنة هو رؤية المؤمنين لربهم ، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم، وفيه الرد على من أنكر الرؤية من الجهمية والمعتزلة. قوله ﷺ : (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه) فيه أن الكبرياء صفة من صفاته ، وفي الحديث الآخر: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذبته)، فالكبرياء والعظمة من صفات الله، قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧]، ففيه إثبات صفتين: صفة الكبرياء، وصفة الرؤية. وفيه إثبات الجنة والرد على من أنكرها، والمعتزلة يقولون: إن الجنة والنار لا يخلقان إلا يوم القيامة، وهذا باطل، والصواب: أنهما موجودتان الآن، ومخلوقتان دائمتان لا تفنيان، والأدلة الكثيرة دلت على ذلك، فالمؤمن يفتح له باب إلى الجنة وهو في قبره، والكافر يفتح له باب إلى النار، والأرواح تنعم في الجنة وتعذب في النار، فهما موجودتان الآن. أما الأشاعرة فيثبتون الرؤية، لكنهم لا يثبتون الجهة، أي: ينكرون الجهة والعلو، فيقولون: إنه يرى لكن في غير جهة، وهذا قول غير معقول ولا متصور، ولهذا أنكر جماهير العقلاء عليهم وسفهوهم، وضحكوا منهم وقالوا: إن هذا غير متصور في العقول، ولا يمكن أن تكون الرؤية إلا في جهة من الرائي، لا بد أن يكون المرئي مواجهاً للرائي مبايناً له، ولهذا أثبت العلماء أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، كما دلت النصوص، وكما سبق في الأحاديث: أن النبي ﷺ قال: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)، يعني: أنكم ترونه رؤية واضحة، كما أننا نرى القمر من فوقنا، فإننا نرى الله من فوقنا، كما في حديث ابن ماجه وإن كان فيه ضعف: أن الرب سبحانه يشرف على أهل الجنة فيقول: (يا أهل الجنة! سلام عليكم). والمعتزلة أنكروا الرؤية والعلو جميعاً، وأهل السنة أثبتوا الرؤية والعلو جميعاً، والأشاعرة أثبتوا الرؤية وأنكروا العلو، فهم يريدون أن يوافقوا المعتزلة في إنكار العلو، ويريدون أن يكونوا مع أهل السنة في إثبات الرؤية، ولكنهم لا يريدون أن يفارقوا المعتزلة في إنكار العلو، فعجزوا عن ذلك فلجئوا إلى حجج سفسطائية مموهة، فقالوا: إنه يرى لا في جهة، وهذا قول غير معقول ولا متصور، والأشاعرة دائماً تجدهم مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولذا تسلط عليهم المعتزلة وقالوا: إنكم قلتم قولاً غير معقول ولا متصور، فيلزمكم إما أن تثبتوا العلو فتكونوا أعداءً لنا مع أهل السنة، أو تنكروا الرؤية فتكونوا أصحاباً لنا معنا، أما أن تبقوا هكذا على القول برؤية بدون جهة، فهذا غير متصور ولا معقول، وقد رد عليهم من جهة العقل وبالنصوص الكثيرة التي دلت على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، كما في حديث (كما ترون القمر) وحديث: (كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب)، ومعلوم أننا نرى القمر والشمس من فوقنا.

стр. 191

شرح حديث صهيب في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الجنة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد القدوس بن محمد، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر - يعني: إليه - ولا أقر لأعينهم)]. وهذا حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه، وفيه أن النبي ﷺ فسر الزيادة في هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، أنها النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا من تفسير النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ قد فسر بعض الآيات ومنها هذه الآية، وفسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] بأنه الشرك، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ولما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، شق ذلك على الصحابة وجاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ فقال: (إنه ليس الذي تظنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]). فمعنى الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا) يعني: وحدوا، (وَلَمْ يَلْبِسُوا) ولم يخلطوا (إِيمَانَهُمْ) أي: توحيدهم، (بِظُلْمٍ): بشرك. فهذه من الآيات التي فسرها النبي ﷺ كما في هذا الحديث، ففسر النبي ﷺ الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم، وهو أعظم نعيم يلقاه أهل الجنة، حتى إنهم إذا نظروا إلى وجه الله نسوا ما فيه من النعيم نسأل الله الجنة ونعيمها. وقصد المؤلف ﵀ بالحديث الرد على الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون الرؤية.

стр. 192

شرح حديث عائشة: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ وأنا في ناحية البيت تشكو زوجها، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١])]. هذا الحديث فيه إثبات السمع لله ، وأن الله تعالى يسمع الأصوات، ولا يخفى عليه شيء، وفيه الرد على المعتزلة والجهمية الذين ينكرون السمع لله. المجادلة التي جاءت هي خولة بنت حكيم، حيث أتت إلى النبي ﷺ لما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، وقال لها: أنت علي كظهر أمي، فجاءت تشكوا إلى النبي ﷺ وقالت: أشكوا إلى الله صبية إن ضممتهم إلي جاعوا، أو إليه ضاعوا، وقالت: إنه تزوجني وأنا شابة حتى إذا نثر بطني، وأكل مالي، جعلني كظهر أمه فهل من رخصة؟ فقال النبي ﷺ : (ما أراك إلا قد حرمت عليه) وهي تردد أشكوا إلى الله صبية إن ضممتهم إلي جاعوا أو إليه ضاعوا، ثم نزل الوحي إلى النبي ﷺ ، وأنزل الله صدر سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:١ - ٣]، فأنزل الله الكفارة، فأمر النبي ﷺ أوساً أن يكفر، وتعود إليه زوجته. قالت عائشة ﵂: إن المجادلة - وهي خولة بنت حكيم - تجادل النبي ﷺ ويخفى علي شيء من كلامها، ولكن الله لم يخف عليه شيء، فسمع كلامها من فوق سبع سماوات؛ فأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] وفي الآية إثبات سمع الله ، والرد على المعتزلة والجهمية.

стр. 193

شرح حديث كتاب الله على نفسه أن رحمته سبقت غضبه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي)]. إسناده صحيح، وإن ذكر أن محمد بن عجلان قد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، فقد روى قبل اختلاطه عن أبي هريرة، والأقرب أن أحاديث ابن عجلان حسنة، وبالمتابعات والشواهد قد تصل إلى درجة الصحة. والترمذي ﵀ له اصطلاح خاص به، والحديث فيه إثبات صفات عدة لله. ففيه إثبات الكتابة وأنها صفة لله، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الأنعام:٥٤]. وفيه إثبات النفس لله ، وإثبات اليد لله، وإثبات الرحمة والغضب له سبحانه. فنثبت لله الكتابة كما يليق به، وكتب كتابه في اللوح المحفوظ، فهو عنده فوق العرش، وخط التوراة بيده لموسى عليه الصلاة السلام كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، وهذا من الصفات الفرعية، ونثبت النفس لله ، أي: أن لله تعالى نفساً لا تشبه نفوس المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وأن لله نفساً موصوفة بالصفات الكريمة، ونثبت لله أيضاً اليد والغضب والرحمة كما يليق بجلاله سبحانه. وفي الحديث: الرد على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية الذين أنكروا هذه الصفات. وبالنسبة لصفتي النفس والذات فيرى شيخ الإسلام أنهما متقاربتان، ونفسه يعني: ذاته، فالذات هي النفس.

стр. 194

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٣] أهل السنة والجماعة يؤمنون بصفات الله كما وردت في الكتاب والسنة من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل، ومن ذلك صفة الكلام، فالله سبحانه يتكلم بحرف وصوت. وهناك من الفرق من ينكر صفة الكلام لله سبحانه، ومنهم من يقول إنه معنى قائم بنفسه تكلم به جبريل أو النبي ﷺ ، وكتب أهل السنة حافلة بالرد على هؤلاء وأمثالهم.

стр. 195

تابع ما جاء فيما أنكرت الجهمية

стр. 196

شرح حديث تكليم الله لعبد الله بن عمرو بن حرام كفاحاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ويحيى بن حبيب بن عربي قالا: حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري الحزامي قال: سمعت طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد لقيني رسول الله ﷺ فقال: (يا جابر! ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ -وقال يحيى في حديثه- فقال: يا جابر! ما لي أراك منكسراً؟ قال: قلت: يا رسول الله! استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحاً، فقال: يا عبدي! تمن علي أعطك، قال: يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية، فقال الرب سبحانه: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب! فأبلغ من ورائي، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩])]. هذا الحديث تكلم فيه أهل العلم -في طلحة وغيره- ولكن معنى الحديث صحيح، وله شواهد. يقول الشارح فيه: إسناده حسن، وقد توهم البوصيري ﵀ فعده من زوائد ابن ماجه، بل قال: هذا إسناده ضعيف. طلحة بن خراش قال فيه الأزدي: روى عن جابر مناكير، وذكره الذهبي في الميزان، وموسى بن إبراهيم قال فيه ابن حبان في الثقات: يخطئ. قلت: طلحة صدوق ولا يؤثر فيه قول الأزدي، فهو نفسه متكلم فيه. فـ الأزدي نفسه ضعيف، فإذا طعن في أحد فطعنه فيه نظر، وأيضاً فإن الترمذي قال: حسن غريب ثم أشار إلى رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر مختصراً، وحسنه العلامة الألباني ﵀. والأقرب أنه حسن، وهو حديث عظيم فيه معاني عظيمة، وفيه أن عبد الله بن حرام والد جابر ﵁ لما استشهد يوم أحد خلف بنات وديناً فلحق ابنه جابر هم عظيم، ثم قضى دينه النبي ﷺ وتزوج امرأة ثيباً حتى تقوم على أخواته. وفيه أن النبي ﷺ لما رأى جابراً منكسراً قال: (ألا أخبرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى، قال: إن الله كلم أباك كفاحاً)، يعني: بدون واسطة، وهذه منقبة لـ عبد الله بن حرام ﵁، وهو مستثنى من قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فكلمه الله مباشرة بدون واسطة، كما كلم موسى ﵇ من دون واسطة، وهذا منقبة خاصة بـ عبد الله بن حرام، فكلمه الله وقال له: تمن، قال: يا رب! أن أرد إلى دار الدنيا مرة أخرى حتى أقتل، وذلك لما رأى من فضل الشهادة، حيث صارت منزلته عند الله عالية، وثوابه عظيم، فتمنى أن يرد إلى الدار الدنيا مرة أخرى ويقتل، فقال الله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون، فمن مات لا يرجع إلى الدنيا، إلا من كان آية من الآيات مثل قتيل بني إسرائيل، أحياه الله ثم أخبر من قتله، ثم عاد في الحال. وفيه دليل على بطلان الحديث الذي فيه أن الله أحيا أبوي النبي ﷺ له وأنهما آمنا به، وقد ذكره السيوطي ﵀، وهذا من خرافاته، ذكر أن الله أحيا أبوي النبي له، وأنهما آمنا به، وكذلك ذكره أبو بكر بن العربي كما مر في تفسير سورة البقرة، في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة:١١٨]، فذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أن هذا الحديث باطل، وأن الصواب أنه موضوع ولا أساس له من الصحة. وهذا الحديث يدل على بطلانه قوله: (إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون) أي: من مات لا يرجع إلى الدار الدنيا، ولا يفيد الإيمان بعد الموت، ولهذا قال الله تعالى لـ عبد الله بن حرام: (إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: رب أبلغ من ورائي -يعني: في فضل الشهادة- فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]). واليهود والنصارى يعتقدون أن عيسى قتل وصلب، والصحيح أنه رفع حياً كما في نص القرآن: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]. قوله: (ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب) يعني: لم يره، أي: أنه كلمه ولكنه لم يره، فموسى ﵇ كلمه الله من وراء حجاب ولم يره، ونبينا محمد ﷺ كلمه الله ليلة المعراج من وراء حجاب ولم يره، هذا هو الصواب، فهم محجوبون عن الرؤية، ويدل على ذلك حديث مسلم (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلما قيل للنبي ﷺ في حديث أبي ذر: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أره) يعني: النور حجاب يمنعني من رؤيته، ولا يستطيع أحد أن يرى الله، هذا هو الصواب. وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وأن ذلك خاص بالنبي ﷺ ، لكنه قول مرجوح.

стр. 197

شرح حديث: (إن الله يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما دخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على قاتله، فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد)]. وهذا رواه مسلم في صحيحه، وفيه إثبات صفة الضحك لله كما يليق بجلاله وعظمته، وأهل البدع ينكرون هذه الصفة ويؤولونها، وفيه بيان كيفية كون كل واحد منهما يدخل الجنة وهو أن المسلم يجاهد في سبيل الله فيقتله الكافر، ثم يتوب الله على الكافر فيسلم، فيقاتل فيستشهد، فكلاهما يدخل الجنة.

стр. 198

شرح حديث: (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حرملة بن يحيى ويونس بن عبد الأعلى قالا: حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ كان يقول: قال رسول الله ﷺ (يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)]. الحديث أخرجه الشيخان وفيه إثبات صفة القبض لله، وأن الله يقبض ويطوي، وهي من الصفات الفعلية، وفيه إثبات اسم الملك لله، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. وفيه إثبات عظمة الرب ، وأن هذه المخلوقات العظيمة لا تساوي شيئاً بالنسبة لعظمة الله، وجاء في الحديث الآخر: (أن الله تعالى يجعل السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر خلقه على أصبع، ثم يهزهن بيده، ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟). وفي الحديث الآخر: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)، والخردلة هي الحبة الصغيرة. فالناس يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أرض مبدلة، بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يعمل فيها خطيئة، فنفس هذه الأرض تتبدل وتتغير صفاتها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨]، فتمد كما يمد الأديم، ويزال ما عليها من الجبال والأشجار، فهذا هو تبديلها وتغييرها.

стр. 199

شرح حديث الأوعال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن الصباح حدثنا الوليد بن أبي ثور الهمداني عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كنت بالبطحاء في عصابة وفيهم رسول الله ﷺ ، فمرت به سحابة فنظر إليها فقال: (ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قال أبو بكر: قالوا: والعنان قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري قال: فإن بينكم وبينها إما واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك، ﵎]. وهذا الحديث فيه ضعف من جهة عبد الله بن عميرة، وفيه جهالة، وكذلك الوليد بن أبي ثور فيه ضعف، وعبد الله بن عميرة مجهول، ولكن الحديث له شواهد، ولهذا حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب في آخر باب في كتاب التوحيد؛ لأن له شواهد كثيرة تدل على العلو، وفيه إثبات العلو لله ، وفيه إثبات السماوات السبع، وأن فوق السماء السابعة بحراً بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم ملائكة على صورة الأوعال، يحملون العرش، والله تعالى فوق العرش، وهو الحامل للعرش ولما حول العرش بقوته وقدرته لا يحتاج إلى أحد . وجاء في الحديث الآخر: إن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وهنا إحدى أو اثنتان وسبعون، قال العلماء في الجمع بينهما: إن هذا يختلف باختلاف السير، فالسير السريع يكون اثنتان وسبعون سنة، والسير البطيء يكون خمسمائة سنة، فسير المجد السريع يختلف عن السير البطيء. الحديث إسناده ضعيف، والوليد بن عبد الله بن أبي ثور ضعيف، وعبد الله بن عميرة الكوفي مجهول تفرد بالرواية عنه سماك بن حرب، ولم يوثقه سوى ابن حبان، وقال البخاري في تاريخه الكبير: ولا يعلم له سماع من الأحنف، ومن العجب أن الترمذي حسن حديثه هذا، ولعله حسنه لشواهده، وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية. هو ضعيف بهذا السند، لكن إذا ضمت إليه الشواهد فإنه يرتقي إلى درجة الحسن، والشواهد كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة في إثبات العلو لله . فقد دل على علو الله أكثر من ثلاثة آلاف دليل، كما ذكر العالم الجليل ابن القيم، فالأدلة على ثبوت العلو أكثر من أن تحصر.

стр. 200

شرح حديث: (إذا قضى الله أمراً في السماء ضربت الملائكة أجنحتها) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله أمراً في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، ((إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ))، قال فيسمعها مسترقو السمع بعضهم فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها إلى الذي تحته، فيلقيها على لسان الكاهن أو الساحر، فربما لم يدرك حتى يلقيها، فيكذب معها مائة كذبة فتصدق تلك الكلمة التي سمعت من السماء)]. وفي اللفظ الآخر: (ويصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)، وأخرجه البخاري. وهذا حديث عظيم فيه إثبات صفات الله ، وإثبات الكلام لله ، وفيه أن الملائكة يصرعون من كلام الله ويصعقون، وهذا ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، في باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]. قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله) أي: لقول الله ، وفيه إثبات قول الله والرد على من أنكر القول والكلام، ففيه أن الله يقول ويتكلم كلاماً يليق بجلاله وعظمته، خلافاً للجهمية والمعتزلة الذين أنكروا الكلام، وكذلك الأشاعرة الذين أثبتوا الكلام على أنه معنى قائم في نفسه، قالوا: ومعنى قائم في نفس الرب أنه ليس بحرف ولا صوت. وفيه: أن الملائكة يصيبهم الصعق والغشيان، (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) يعني: زال الفزع، وفيه أن الشياطين يسترقون السمع ويسمعون الكلمة التي يتحدث بها عن السماء الدنيا أو يتحدث بها الملائكة في العلن في السحاب، ثم يلقيها الشيطان إلى من تحته، ويلقيها الآخر إلى من تحته حتى تصل إلى الكاهن، والشياطين بعضهم فوق بعض هكذا وحرك الراوي أصابعه ومدها، واحداً فوق واحد فوق واحد إلى السماء، مثل المتلاصقين، فالشياطين كثيرون في طبقات الجو، يركب بعضهم بعضاً وبينهم فجوات، فيسمع الشيطان الأعلى الملائكة تتكلم في العنان، فيلقيها إلى من تحته، والآخر إلى من تحته حتى تصل إلى الشيطان الأسفل فيلقيها في أذن الكاهن، ويقرها كقر الدجاجة، فإذا وصلت إلى الكاهن كذب معها مائة كذبة، وتحدث الناس بهذا الكذب، فإذا وقعت الواحدة من السماء صدق الكاهن بجميع الكذب من أجل واحدة، وهذا يدل على انتشار الشر والباطل. والشهب تلاحق الشياطين وتحرقهم، فأحياناً تحرقهم حتى يصل الإحراق إلى الشيطان الأكبر، وأحياناً الشيطان الأسفل يلقيها في أذن الكاهن قبل أن يدركه الشهاب، ومرة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وهذا يدل على أن الشياطين كثيرون في الأرض والسماء؛ لأن هذه الشهب تحرقهم ومع ذلك هناك من يسترق السمع، فهم كثيرون لا ينتهون. وفيه إثبات الكلام لله ، وإثبات القول، وإثبات العظمة لله، وأن الملائكة مع عظمة خلقهم يسمعون ويغشى عليهم من كلام الله ، وفيه إثبات الصوت حيث قال: (كأنه سلسلة على صفوان) أي: كأن الصوت الذي سمعه من كلام الله سلسلة من الحديد ضربت على صفوان، وهو الحجر الأملس، حيث يكون لها صوت، وهذا من باب تحقيق وتقريب الصفة، والمراد به التشبيه، وفيه إثبات كلام الله ، وأن كلام الله يكون بحرف وصوت يسمع، كما دلت الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث في الصحيحين، أن الله يوم القيامة يقول: (يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار)، وفي الحديث الآخر: (إن الله ينادي بصوت يوم القيامة، يسمعه من بعد كما يسمه من قرب)، وفيه الرد على من أنكر الصوت من الأشاعرة والجهمية والكلابية وغيرهم، فكلهم أنكروا الكلام، وأنكروا الحرف والصوت، والأشاعرة والكلابية أثبتوا الكلام لكن بغير حرف ولا صوت، وقالوا: هو معنى كائن في النفس، وهذا من أبطل الباطل، فجعلوا الرب كالأخرس لا يتكلم، وقالوا: الكلام معنى قائم في نفسه، والذي تكلم هو جبريل، حيث فهم المعنى القائم بالنفس اضطره الله لذلك فعبر يعني: هذا القرآن، وأحياناً يقولون: عبر به محمد، فهذا القرآن كلام محمد، أو كلام جبريل، والمعنى من الله والحروف من جبريل أو من محمد، وهذا من أبطل الباطل، وهو مذهب الأشاعرة الذين هم أقرب الطوائف إلى أهل السنة، نسأل الله السلامة والعافية. والمؤلف قصد الرد عليهم بهذه الأحاديث التي فيها هذه الصفات. أما بالنسبة لكلام الله لـ عبد الله بن حرام فهو لم يكن من وراء حجاب، يعني: كلمه بدون واسطة، وهذا معنى كفاحاً، كما كلم موسى من دون واسطة، وكلم الله نبينا ﷺ ، ليلة المعراج بدون واسطة جبريل، أما الرؤيا فلا، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا)، هذا في رؤيا يوم القيامة.

стр. 201

شرح حديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى ﵁ قال (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)]. هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي موسى ﵁، وفيه أن الله منزه عن النوم، والنوم أخو الموت، وهو من العيوب التي ينزه عنها الرب كالموت والعماء والصمم والبكم والخرس. قوله: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له لا ينام) يعني: يستحيل عليه النوم، فلهذا أتى بكلمته: (إن الله لا ينام) يعني: لا يقع منه النوم، ولا ينبغي له النوم؛ لأن النوم أخو الموت، ولأنه من العيوب التي ينزه عنها الرب. قوله: (يخفص القسط ويرفعه) أي: العدل، وفيه إثبات أنه يخفض ويرفع، وهذا من الصفات الفعلية، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل الليل. قوله: (حجابه النور)، احتجب عن خلقه بالنور، والنور حجاب مخلوق، وهو غير النور الذي هو اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، ولذلك قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥]. قوله: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، قوله: (من خلقه) عام، وفيه دليل على أنه لا يمكن لأحد أن يرى الله في الدنيا حتى نبينا ﷺ ؛ لأن هذا الحديث عام: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، والنبي ﷺ من خلقه، وهو حجة جمهور القائلين بأن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج، وهذا أصح قول للعلماء، وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ رأى ربه ليلة المعراج بعيني رأسه، وهو قول مرجوح، والصواب أنه لم يره بعيني رأسه لهذا الحديث؛ ولقوله ﷺ : (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) رواه مسلم في صحيحه، وهذا عام يشمل النبي ﷺ وغيره. وما جاء من الآثار أن النبي ﷺ رأى ربه وما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ محمول أنه رآه بقلبه، وما جاء من النصوص والآثار على أنه لم يره محمول على أنه لم يره بعيني رأسه، وبهذا يجمع بين الأخبار كما قال أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والملائكة كذلك محجوبون عن رؤية الله، لا يرونه، فإذا سمعوا كلامه صعقوا وخروا لله سجداً ويكون أولهم وعلى رأسهم جبريل والملائكة وغيرهم. روى الخلال في السنة آثاراً من أن الله احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وبرد وغير ذلك من الأشياء التي جاءت في بعض الآثار.

стр. 202

إسناد آخر لحديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره) ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]]. وهذا جاء في الحديث السابق، وفي سنده المسعودي وقد اختلط لكن وكيع ممن روى عنه قبل الاختلاط فلا محذور في ذلك، وهو في معنى الحديث السابق. والآية: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨]، النار هذه هي التي رآها موسى ﵊ في الدنيا عند جبل الطور، وهو قد سار بأهله في ليلة باردة مظلمة، وقد ظل الطريق لا يدري أين هي ولم يجد أحداً يهديه إلى الطريق، فرأى ناراً حول جبل الطور، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً، قال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر يهدينا إلى الطريق، أو لعلي أقتبس منها جذوة نستدفئ فهم كانوا في الشتاء، وفي آية النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨] ناداه الله: أن بورك من في النار؛ لأن هذا الوادي مقدس مبارك، فهذه النار هي غير النار التي فيها حجابها النور، فلا يظهر وجه قراءة أبي عبيدة لهذه الآية أي مناسبة. والشاهد: أن هذا فيه إطلاق الصفات وفيه الرد على الجهمية؛ لأن مما أنكرت الجهمية من الصفات أنه يخفض ويرفع، فهو يخفض ويرفع كما يليق بجلاله وعظمته، وفيه: أن الله تعالى احتجب من خلقه بالنار أو النور، وفيه أنه نزه نفسه عن النوم، وأنه لا ينبغي له أن ينام، فالذي ينام هو المخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى نوم ليريح أعضاءه، أما الخالق سبحانه فلا يلحقه نقص ولا عجز، ولا تعب ولا نوم ولا موت، فهو الحي القيوم، القائم بنفسه المقيم لغيره. أما القول: بأن كل صفة تنطبق على المخلوق لا نقص فيها بوجه من الوجوه فالخالق أولى بها، فيختلف الأمر فبعضها صفة نقص وإن كانت كمالاً في الإنسان وبعضها تكون صفة كمال، فالولد صفة كمال في المخلوق، ولا تليق بالرب ، فالذي يولد له أكمل من الذي لا يولد له، وكذلك النوم، ولكنها نقص في حق الله تعالى. وهناك صفة كمال في المخلوق الخالق أولى بها، فإذا ثبت للمخلوق أنه يوصف بالعلم، ويوصف بالقدرة، فالخالق أولى بأن يوصف بهذه الصفات مع الكمال دون النقص. قوله: (لو كشفها) وفي الحديث الآخر (لو كشفه) -يعني: النار- إذا كان في اللفظ حجابه النار، والنور والنار بمعنى واحد.

стр. 203

شرح حديث: (يمين الله ملأى لا يغيضها شيء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، سحاء الليل والنهار، وبيده الأخرى الميزان يرفع القسط ويخفض، قال: أرأيت ما أنفق منذ خلق الله السموات والأرض؟ فإنه لم ينقص مما في يديه شيئاً)]. وهذا الحديث أصله في الصحيحين، والحديث فيه محمد بن إسحاق لكنه ثابت في الصحيحين، وفيه إثبات يدين لله، وأن لله تعالى يدين، وفيه أيضاً إثبات اليمين لله. وقد جاء في صحيح مسلم التسمية الأخرى بأنها شمال، لكن بعضهم طعن فيها بأنه تفرد بها بعض الرواة، والصواب أنها ثابتة، وإن إثبات اليمين لا ينقض إثبات الشمال، وفي الحديث الآخر: (وكلتا يديه يمين)، يعني: كلتا يمين في الشرف والفضل والبركة وعدم النقص، بخلاف المخلوق، فإن اليمين أقوى من الشمال، أما الخالق فكلتا يديه يمين في القوة وعدم النقص والكمال والفضل والشرف والبركة. قوله: يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، يعني: لا تنقصها نفقة، سحاء يعني: كثيرة الصب الليل والنهار، فهو يمينه ملأى سحاء، تصب وتنفق آناء الليل والنهار. قوله: (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟) استفهام تقريري، وخطاب للناس يعني: ألا ترون ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يديه منذ خلق السماوات والأرض، وهو سبحانه ينفق ولم ينقص ما في يمينه . وفيه الرد على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية الذين ينكرون صفة اليدين لله، ويفسرونها بالقدرة أو النعمة، وهذا من أبطل الباطل، والصواب: أن لله يدين حقيقيتين، كما أثبت الله ذلك في القرآن الكريم كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة:٦٤]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. والحديث قال الشارح: أخرجه البخاري ومسلم وإسناده صحيح. وابن إسحاق تابعه السفيانان وشعيب ومالك.

стр. 204

شرح حديث: (يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار ومحمد بن الصباح قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدثني أبي عن عبيد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده -وقبض بيده، فجعل يقبضها ويبسطها- ثم يقول: أنا الجبار أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ قال: ويتميل رسول ﷺ عن يمينه وعن يساره حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟)]. يعني: من شدة تحركه وتميله، وفيه إثبات اسم الجبار لله ، وهذا من الأسماء الخاصة به ، وهو من الأسماء الغير مشتركة، ولا يجوز لأحد أن يسمي نفسه الجبار، لكن قد يوصف بعض المخلوقين بأنه جبار، أما أن يسمى شخص الجبار فهذا لا ينبغي؛ لأن هذا من الأسماء الخاصة بالله تعالى، بخلاف العزيز والسميع والبصير؛ فإنه يوصف بها المخلوق؛ لأن أسماء الله نوعان: قسم خاص لا يسمى به غيره مثل: الله والرحمن، وخالق الخلق، ومالك الملك، والمعطي المانع، والنافع الضار، ورب العالمين، فهذه لا يسمى بها إلا هو سبحانه، أما السميع والبصير والحي وما أشبه ذلك فيوصف بها المخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] والملك من الأسماء المشتركة، أما الجبار المعرف بأل فهو من الأسماء الخاصة به سبحانه، وقد يوصف بعض المخلوقين بأنه جبار من باب الذم، كما في قول الله تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥]، وقوله ﷺ : (أين الجبارون؟ أين المتكبرون). والنور من أسمائه ومن صفاته ، هكذا ورد، وبين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله وغيرهم أن من أسمائه النور ومن صفاته النور. والنور الذي هو صفة لله غير النور المخلوق، فالنور المخلوق كنور الشمس والقمر، والنور الذي هو صفة من صفاته هذا ليس مخلوقاً. وأما القول بأن صفات الله لها نهاية والاستدل على ذلك بقوله: (ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فدل على أن البصر له نهاية، فهذا كلام باطل. وصفة القبض والبسط ثابتتان لله، وهما من صفاته الفعلية، وصفة الأصابع سيأتي ذكرها.

стр. 205

شرح حديث: (ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا صدقة بن خالد قال: سمعت بسر بن عبيد الله يقول: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه)، وكان رسول الله ﷺ يقول: (يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك). قال: (والميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة)]. وهذا فيه إثبات الأصابع لله ، وأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وفيه فضل دعاء: (يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك)، وفيه أن الله يرفع ويخفض، وهذا من صفاته الفعلية، فنثبت له ذلك كما يليق بجلاله وعظمته. وإسناده صحيح، وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر واسم أبي إدريس: عائذ الله بن عبد الله الخولاني أخرجه أحمد. وقوله: (والميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً ويخفض آخرين إلى يوم القيامة) هذا الميزان هو الميزان العدل؛ فإن الله يخفض ويرفع كما يشاء، وهذا من صفاته الفعلية. وجاء في الحديث: (إن الله يأخذ السماوات على إصبع والأراضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والشجر على إصبع والخلائق على إصبع، ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟).

стр. 206

شرح حديث: (إن الله ليضحك إلى ثلاثة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال: حدثنا عبد الله بن إسماعيل عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليضحك إلى ثلاثة: للصف في الصلاة، وللرجل يصلي في جوف الليل، وللرجل يقاتل - أراه قال: - خلف الكتيبة)]. هذا الحديث ضعيف؛ لأن مجالداً هذا ضعيف، ولكن الضحك ثابت لله ، ففي الصحيحين: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) ومجالد هو ابن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي وهو ضعيف، وقال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال، ومجالد بن سعيد وإن أخرج له مسلم في صحيحه فإنما روى له مقروناً بغيره. قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وعبد الله بن إسماعيل قال أبو حاتم: مجهول. إذاً: الحديث فيه عبد الله بن إسماعيل مجهول ومجمع على جهالته. فالحديث من رواية مجهول عن ضعيف. فيكون ضعيفاً.

стр. 207

شرح حديث عرض الرسول نفسه على الناس في الموسم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا إسرائيل عن عثمان - يعني: ابن المغيرة الثقفي - عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموسم، فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)]. قال الترمذي: حديث غريب صحيح. وهذا الحديث لا بأس به، وفيه إثبات الكلام لله وأن الله يتكلم لقوله ﷺ (أبلغ كلام ربي) وهذا وارد في القرآن الكريم، قال : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، وفي هذه النصوص إثبات الكلام لله، والرد على من أنكر صفة الكلام لله. والكلام لا يكون إلا بحرف وصوت؛ خلافاً للأشاعرة والكلابية الذين يقولون: أن الكلام معنى قائم بنفس الرب ليس بحرف ولا صوت.

стр. 208

شرح حديث تفسير رسول الله قوله تعالى: (كل يوم هو شأن) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الوزير بن صبيح قال: حدثنا يونس بن حلبس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، قال: من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويخفض آخرين)]. هذا الحديث إسناده ضعيف، قال البوصيري: هذا إسناد حسن لتقاصر الوزير عن درجة الحفظ والإتقان، قال فيه أبو حاتم: صالح، وقال دحيم: ليس بشيء، وقال أبو نعيم: كان يعد من الأبدال ربما أخطأ. وقوله: (قال: من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويخفض آخرين) الرفع والخفض هذا ورد في الأحاديث الأخرى الصحيحة، وهما صفتان من الصفات الفعلية، لكن هذا الحديث ضعيف.

стр. 209

شرح سنن ابن ماجه_ المقدمة [١٤] من فضل الله ورحمته أن أعطى من عمل عملاً صالحاً فاقتدى به الآخرون أجره وأجر من اقتدى به منهم من غير أن ينقص من أجورهم، ومن عدله وحكمته كذلك أن من عمل عملاً سيئاً أو دعا إليه فاقتدى به الآخرون، فإنه يحمل وزره ووزر من اقتدى به منهم، وأفضل الأعمال عند الله هو تعلم العلم وتعليمه لأنه نفع متعدٍ، وصاحبه ينال أجره وأجر من علمهم إلى يوم القيامة.

стр. 210

ما جاء فيمن سن سنة حسنة أو سيئة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من سن سنة حسنة أو سيئة: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا عبد الملك بن عمير عن المنذر بن جرير عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً. ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئاً)]. وهذا الحديث أصله في مسلم، وفي لفظ: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وفيه فضل من سن سنة حسنة، والوعيد على من سن سنة سيئة. وقوله: (من سن سنة حسنة) يعني: أظهر السنة ونشرها وعمل بها، وليس المراد أنه يحدث سنة من عند نفسه، بل المراد: أنه ينشر السنة ويحييها ويعمل بها، ويدعو إليها، وكذلك قوله: (من سن سنة سيئة)، أي: من ابتدع بدعة أو ترك سنة، (فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فمن ترك السنة أو دعا إلى تركها أو عمل بدعة فإنه داخل في هذا. والبدع ليس فيها شيئاً حسناً، بل البدع كلها سيئة، كما قال النبي ﷺ : (وكل بدعة ضلالة)، والمراد: (من سن سنة حسنة)، يعني: أظهرها ونشرها وعمل بها، وفي هذا الحديث: (من سن سنة فعمل بها)، فالفاء هذه بيانية. وقد أخرجه مسلم والنسائي. وإسناد صحيح، وعبد الملك بن عمير حسن الحديث، وقد تابعه عون بن أبي جحيفة. وقوله: (من سن) بأن عمل بها، ومثله قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ﴾ [هود:٤٥] الآية، وأمثاله كثيرة، والمراد: فعمل بها، وهو على بناء المفعول، وهو واضح. وقوله: (من سن سنة حسنة) يعني: عمل بالسنة ونشرها ودعا إليها وأظهرها، والحديث له سبب، كما عند مسلم وهو أنه جاء أناس من العرب من البادية من مضر ثيابهم مقطعة مخرقة، فتمعر وجه رسول الله ﷺ ودخل ثم خرج ثم أذن ثم أقيمت الصلاة، ثم خطب الناس ﵊، وقال: (تصدق رجل من بره من طعامه من درهمه - وحث الناس عل الصدقة - فجاء رجل من الأنصار وأتى بكف من طعام كادت يده أن تعجز عنه، بل قد عجزت، فوضعه، ثم جاء رجل آخر، وتتابع الناس، حتى اجتمع كومان: كوم من الطعام وكوم من الثياب، فتهلل وجه رسول الله ﷺ كأنه مذهبة، ثم قال ﵊: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فهذا الرجل الأول سن هذه السنة، فإنه أول من جاء فمجرد ما سمع النبي ﷺ جاء بكف من طعام كادت يده أن تعجز عنها، فسن للناس هذه السنة، وتتابع الناس فعملوا مثل عمله. فقوله: (سن) يعني: عمل بالسنة وأظهرها وبادر إليها ونشرها، وليس المراد بقوله: (من سن سنة حسنة) أن الإنسان يحدث البدع في الدين، بل البدع كلها ضلالة. وإذا سن الإنسان سنة سيئة ثم تاب فعليه أن يبين ما عمله سابقاً، يبين للناس في الأمكنة التي نشر فيها السيئة، وينهى عنها ويبين أنه خطأ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فحث عليه، فقال رجل: عندي كذا وكذا، قال: فما بقي في المجلس رجل إلا تصدق عليه بما قل أو كثر، فقال رسول الله ﷺ : من استن خيراً فاستن به كان له أجره كاملاً ومن أجور من استن به ولا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن سنة سيئة فاستن به فعليه وزره كاملاً ومن أوزار الذي استن به، ولا ينقص من أوزارهم شيئاً). قوله: (من استن خيراً فاستن به) يعني: اقتدي به. وهذا الحديث واضح؛ لأن المراد بقوله: (استن) عمل بالسنة؛ لأن النبي ﷺ حث على الصدقة، فجاء هذا الرجل وعمل بها، وأول ما عمل بها اقتدى به الناس. قوله: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) أي: ومن عمل بالمعصية ودعا إليها وتتابع الناس فعليه وزرها ووزر من عمل بها. وفي بعض النسخ قال: (حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثني أبي) وفي بعضها: (عن أيوب) من دون ذكر أبيه. وعبد الوارث يروي عن أبيه عبد الصمد، وعبد الصمد يروي عن أبيه عبد الوارث وعبد الوارث يروي عن أيوب. وهذا الحديث إسناده صحيح، ورواه مسلم والترمذي من حديث جرير.

стр. 211

بيان أجر من دعا إلى هدى وإثم من دعا إلى ضلالة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عيسى بن حماد المصري قال: أنبأنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع فإن له مثل أوزار من اتبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئاً. وأيما داعٍ دعا إلى هدى فاتبع، فإن له مثل أجور من اتبعه ولا ينقص من أجورهم شيئاً)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده سعد بن سنان وهو ضعيف، لكنه شاهد للحديثين السابقين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة فعليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)]. وهذا الحديث إسناد صحيح، وأخرجه مسلم بهذا اللفظ: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزر من تبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، وأيضاً يدل على هذا قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، وهذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من أن من دعا إلى خير فله أجره وأجر من عمل بهذا الخير، ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزره ووزر من اتبعه في هذا الضلال، نسأل الله السلامة والعافية. وفيه التحذير من عمل السوء والترغيب في عمل الخير، وأن الإنسان إذا سابق إلى الخير ودعا إليه فله أجر من عمله، وفيه التحذير من الشر والبدع والمعاصي؛ لأن من عمل المعاصي ودعا إليها فعليه وزره ووزر من عمل بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا إسرائيل عن الحكم عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سن سنة حسنة فعمل بها بعده كان له أجره ومثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً. ومن سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزره ومثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)]. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف إسماعيل بن خليفة أبي إسرائيل، لكن يكون شاهداً للحديث السابق. قال في تخريجه: إسناده حسن ومتنه صحيح، فـ إسماعيل بن خليفة العبسي صدوق له أغاليط، كما حققناه في تعقبات على التقريب للحافظ. ولهذا ومن عجب أن البوصيري ﵀ ضعفه جملة، وقال: هذا إسناد ضعيف لضعف إسماعيل بن خليفة أبي إسرائيل الملائي، وله شاهد في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله، قلت: قد تقدم غير ما حديث صحيح بهذا المعنى من حديث أنس وأبي هريرة. والأحاديث هذه كلها تشهد له، فعلى هذا يكون حسناً بشواهده. وفي بعض النسخ: حدثنا إسرائيل -وهو إسماعيل أبو إسرائيل - عن الحكم عن أبي جحيفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن ليث عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من داعٍ يدعو إلى شيء إلا وقف يوم القيامة لازماً لدعوته ما دعا إليه وإن دعا رجل رجلاً)]. وهذا الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، لكنه شاهد للأحاديث السابقة.

стр. 212

فضل من أحيا سنة قد أميتت أو دعا إلى خير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من أحيا سنة قد أميتت. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً. ومن ابتدع بدعة فعمل بها كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن كثير بن عبد الله المزني ضعيف، لكنه شاهد للأحاديث السابقة. وفيه: أن من سن سنة حسنة وأحيا السنة وأظهرها فله أجرها، ومن عمل السيئات والبدع فعليه وزرها ووزر من عمل بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عملها من الناس، لا ينقص من أجور الناس شيئاً. ومن ابتدع بدعة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه مثل إثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئاً)]. وهذا أيضاً ضعيف. لكن المعنى صحيح، وهو شاهد للأحاديث السابقة، ودل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من الحث على نشر السنن، وأن له أجر من عمل بها، وفيه التحذير من البدع والمعاصي وأن من ابتدعها عليه وزر من عمل بها.

стр. 213

فضل من تعلم القرآن وعلمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فضل من تعلم القرآن وعلمه. حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا شعبة وسفيان عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قال شعبة: خيركم، وقال سفيان: أفضلكم (من تعلم القرآن وعلمه)]. هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه فضل من تعلم القرآن وعلمه، وأنهم خير الناس وأفضل الناس، والمراد من تعلم القرآن أي: قرأ القرآن وحفظ ألفاظه، وتعلم معانيه وعمل به، فهؤلاء من خيار الناس، أما من لم يعمل به فإنه حجة عليه، ولهذا قال بعض السلف: ليحذر أحدكم أن يقرأ القرآن والقرآن يلعنه، قيل: كيف يقرأ القرآن والقرآن يعلنه؟ قال: يقرأ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] وهو يتعامل بالربا، يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] وهو يأكل أموال الناس بالباطل، يقرأ: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] وهو يظلم، يقرأ ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ويكذب. وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يعلموا معانيها والعمل بها، والقراء هم العلماء وهم أهل مجلس عمر ﵁ وكانوا شباباً أو كهولاً، والمراد بالقراء: العلماء؛ لأن القراء هم العلماء في العصر الأول، ولم يكن هناك قراء ليسوا علماء، بل القراء هم العلماء، بخلاف الأزمان المتأخرة ففيهما قراء وليسوا علماء، وليس عندهم فقه. جاء عن عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان ﵄ قالا عن الصحابة: كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معانيها والعمل بها، قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعاً. ومكث ابن عمر في سورة البقرة ثماني سنين يتعلم معانيها وأحكامها وفقهها. ولما سمع أبو عبد الرحمن السلمي هذا الحديث جلس يقرئ الناس القرآن ويعلمهم أربعين سنة، وكان الصحابة والتابعون هم أسبق الناس إلى العمل بنصوص الكتاب والسنة، وهم أهل العلم والعمل جميعاً، أما من يعلم ولا يعمل فهذا فيه شبه باليهود ومغضوب عليه، نسأل الله السلامة والعافية. والذي يعمل بدون علم هذا ضال كالنصارى وأشباههم، والذي يعلم ويعمل هو من أهل الصراط المستقيم، وهم من المنعم عليهم، وهؤلاء هم أهل العلم والعمل جمعياً، وهم أهل الله وخاصته، وهم أهل القرآن. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه)]. وهذا كسابقه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أزهر بن مروان حدثنا الحارث بن نبهان حدثنا عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (خياركم من تعلم القرآن وعلمه) قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا أقرئ]. وهذا ضعيف الإسناد؛ لأن الحارث بن نبهان ضعيف جداً، ولكن معناه صحيح، فقوله: (خياركم من تعلم القرآن وعلمه) دل عليه الحديث السابق أن من تعلم القرآن وعلمه هم خيار الناس وأفضل الناس، وهم أهل القرآن العاملون به، ولو لم يحفظه عن ظهر قلب، فمن قرأ القرآن وعمل بما فيه فهو من أهل الله الخاصة، سواء حفظه عن ظهر قلب أو لم يحفظه، لكن لو حفظه عن ظهر قلب فهذا أفضل، وإن لم يحفظه وقرأ من المصحف وهو يعمل به فهو من أهل القرآن. وأما من يأخذ أجرة على تعليم القرآن فيرجى له أن يدخل في هذا إذا كان محتاجاً؛ لحديث البخاري: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)؛ لأنه من أجل التعليم ومن أجل كونه يجلس ويأخذ التعليم عليه وقتاً قد لا يتيسر له وقت للكسب، فالصواب: أنه لا بأس بأخذ الأجرة على تعليم القرآن. لكن إذا أقرأ القرآن وعلم القرآن بدون أجر فهذا أفضل، وإن أخذ أجراً لحاجته فله أجره.

стр. 214

شرح حديث: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي موسى الأشعري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة: طعمها طيب وريحها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة: طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: طعمها مر ولا ريح لها)]. وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، وفيه فضل قراءة القرآن، وأن من قرأ القرآن فله فضله حتى ولو كان منافقاً، وإن كان لا يستفيد من هذا الفضل لكن له ميزة، فمن قرأ القرآن فله ميزة على غيره حتى ولو كان منافقاً، وإن كان هذا لا يتصل بالدار الآخرة إذا كان منافقاً نفاقاً أكبر، وفيه ضرب الأمثال، والنبي ﷺ كان يضرب الأمثال، وربنا ضرب الأمثال، فقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، والأمثال فيها فائدة ينتقل الإنسان بها من المثل الحسي إلى المثل المعنوي، وينتقل من النظير إلى نظيره، ومن ذلك أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) يعني: أنه أبيض وزوجته كذلك، فكيف جاء ولدها أسود؟ فقال له النبي: (هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً. قال: من أين جاء هذا؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: وابنك هذا لعله نزعه عرق)، وهذا من ضرب الأمثال، فالأمثال ينتقل الإنسان بها من النظير إلى نظيره، ومن المثل الحسي إلى المثل المعنوي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] وهذا من أدلة القياس، يعني: اعتبروا وانتقلوا من النظير إلى نظيره. وفي حديث أبي موسى ضرب النبي ﷺ فيه أربعة أمثال لقراءة القرآن لأربعة من الناس: مؤمن يقرأ القرآن، ومؤمن لا يقرأ القرآن، ومنافق يقرأ القرآن، ومنافق لا يقرأ القرآن، أما المؤمن الذي يقرأ القرآن فضرب له مثلاً بالأترجة، قال: (طعمها طيب) هذا هو مثل الإيمان، (وريحها طيب) وهذه قراءة القرآن، فالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والأترجة فيها منافع كلها مفيدة شحمها وبذرها وكذلك قشرها، وما بين القشر أيضاً والشحم أربعة أنواع كلها مفيدة القشر ويليه الأبيض، وكلها فيها فوائد متعددة، وهي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن فقوله: (ريحها طيب) هذا مثل قراءة القرآن، وقوله: (وطعمها طيب) وهذا هو الإيمان. وقوله: (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب) هذا هو الإيمان، (ولا ريح لها)؛ لأنه ليس معه قراءة قرآن. وقوله: (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب) وهذا القرآن، (وطعمها مر) هذا مثل الكفر والعياذ بالله، فالمنافق خبيث ومر؛ لأنه كافر، وقراءته للقرآن: ريحها طيب؛ لأنه يقرأ القرآن. وقوله: (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها)؛ لأنه ليس عنده إيمان وليس عنده قرآن. نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 215

شرح حديث: (إن لله أهلين من الناس) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا بكر بن خلف أبو بشر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله أهلين من الناس. قالوا: يا رسول الله من هم؟! قال: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته)]. وهذا في باب فضل القرآن، وهذا الحديث لا بأس بسنده، فسنده حسن، ويؤيده ما جاء في الختمة المنسوبة إلى شيخ الإسلام في الدعاء المعروف: (واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين!) إن صحت نسبته إلى شيخ الإسلام. وقوله: (إن لله أهلين. قالوا: ومن هم؟ قال: هم أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته)، يعني: أولياؤه وأحبابه الذين يتلون القرآن ويعملون به، ويمتثلون أوامره وينتهون عن زواجره، ويقفون عند حدوده، ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، ويتعظون بمواعظه، هؤلاء هم أهل القرآن، وهم أهل الله وخاصته، وهم الذين يتلونه حق تلاوته، كما قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٢١] يعني: يعملون به؛ لأن التلاوة نوعان كما سبق: تلاوة لفظية، وهذه يقرأها البر والفاجر، كما في حديث أبي موسى، فالمنافق يقرأ القرآن والمؤمن يقرأ القرآن. والنوع الثاني: تلاوة حكمية، وهي تنفيذ أحكامه وتحقيق أخباره، وهذه هي المراد من الحديث، وهي المعول عليها، وهي التي عليها مدار السعادة والنجاة، والتلاوة الحكمية مذكورة في قول الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١]، يعني: يعملون به ويتبعون ما فيه، فهذه التلاوة هي الاتباع، ومن ذلك ما جاء في الحديث في قصة الرجل الفاجر الذي يوضع في قبره ويضرب بمرزبة من حديد ويقال له: لا دريت ولا تليت، لا دريت: أي: لا علمت الحق بنفسك، ولا تليت: ولا تبعت من يعمل بالحق، فأهل القرآن وخاصته هم الذين يقرءونه ويعملون به وينفذون أحكامه ويصدقون أخباره. وهذا الحديث إسناده صحيح، قال البوصيري: في مصباح الزجاجة: هذا إسناد صحيح رجاله موثوقون، رواه النسائي في الكبرى في فضائل القرآن. والتجويد من المحاسن والمستحبات، فإن تحسين القرآن مستحب، والواجب هو إخراج الحروف من مخارجها، فإذا أتقن القرآن وقرأه ولم يسقط شيئاً من حروفه فهذا هو الواجب، وما زاد على ذلك فمستحب ومن باب التحسين وليس بواجب، وأما قول الجزري: والأخذ بالقرآن حتم لازم من لم يجود القرآن آثم فهذا ليس بصحيح، وإنما هو مستحب، فأحكام التجويد والالتزام بها مستحب وليس بواجب، والواجب قراءة القرآن قراءة واضحة ليس فيها إسقاط شيء من حروفه.
следующие страницы →