← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقيل: ﴿أَنْذِرُوا﴾: أَعْلِموا، من قولهم: نَذِرَ به، أي (١): عَلِمَ. ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ فخافوني. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ لا بالباطل، وقيل: معنى بالحق: ليعبدوني. ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ تنزه عن (٢) أن يكون له شريك. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: نوع الإنسان. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مني. ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ قيل هذا مدحٌ له، أي: قوي على منازعة الخصوم يتبين الحق من الباطل, وقيل: هو ذَمٌّ، أي: يجادل أولياء الله وينكر الحق، وذكر الكلبي أنها نزلت في أُبيّ بن خلف، أخذ عظماً بالياً ففتَّته، فقال: من يُحيي العظام وهي رميم (٣). ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ هي: الإبل والبقر والغنم. ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ ما يدفئ فيقي البرد من الأكسية والقُطُف وغيرها، وقيل: هو الملابس تمنع البرد والحرّ، واقتصر على ذكر (٤) أحد الضِّدَّيْن كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: ٨١]، وقيل: هي البيوت المتخذة من أوبارها وأشعارها. الكلبي: دفء أولادها (٥). وقوله (٦): ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بِخَلَقها ويجوز أن يتعلَّق بما بعده، أي: لكم فيها دفء، وهذا أظهر لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾. وقوله ﴿وَمَنَافِعُ﴾ أي نسلها ودرها وظهورها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ أي: ومنها ما تأكلون، وقيل: من لحومها تأكلون. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ زينة وحُسْنُ منظر؛ لأن الإنسان يعجب (٧) به.

стр. 1017

﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردونها من مراعيها إلى مَراحِها بالعِشي. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ تخرجونها بالغداة إلى مسارحها. قتادة: أعجب ما تكون الأنعام إذا راحت عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها (١). والسَّرحُ: خروج الماشية إلى المراعى (٢) بالغداة، والإِراحةُ: رجوعها من المرعى عشياً. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أمتعة السفر، وقيل: أحمالكم. الجرجاني: أبدانكم، قال: ومنه الثقلان للجنّ والإنس، ومنه قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ٢]، يعني: أبدان (٣) بني آدم (٤). ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ هي المدينة. عكرمة: مكة (٥). وقيل: مصر (٦)، وقيل: هو على العموم. ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ القراءة بالكسر وهو المشقة. والشقُّ: أحد نصفي الشيء. وقرأ يزيد (بِشَقِّ الأنفس) بالفتح (٧).

стр. 1018

قيل: هما لغتان، وقيل: الفتح مصدر شققت الشيء بنصفين (١)، والكسر بمعنى المشقة، وذهب بعضهم إلى أن معناه (٢): لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذهاب نصفها بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم، ومعنى ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ لا تسيرون إليه إلا بمشقة شديدة، فكيف كنتم تقدرون على نقل أمتعتكم، وقيل: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ لولاها، فحذف لولاها، لأن الحال يدل عليه. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ ومن رأفته خلق لكم ما خلق. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ هي عطف على قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾. ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي: لتركبوها ولتتزيَّنوا بها، فحذف اللام؛ لأن الأولى تدلُّ عليها. وقيل: وجعلها زينة. قال ابن عباس ﵄ (٣): ولحم الخيل حرامٌ؛ لأنها للركوب والزينة (٤). قال جابر ﵁: لحمه حلال، وقال (٥): كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله ﷺ (٦). ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ بعد هذه الأشياء، فإن خلق الله في البر والبحر والهواء أكثر من أن يُعدّ ويُحصى. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى خلق أرضاً بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة (٧) محشوة خلقاً من خلق الله لا يعلمون أن الله يعصى طرفة عين واحدة)، قالوا: يا رسول الله: أمِنْ ولد آدم؟ قال (٨): (مايعلمون أن الله خلق آدم)، قالوا (٩): فأين

стр. 1019

إبليس منهم؟ قال: (ما يعلمون أن الله خلق إبليس)، ثم قرأ رسول الله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (١). مقاتل: إن من (٢) يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخله جبريل ﵇ كل سحر فيغتسل (٣) فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله وعِظَماً إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف مَلك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألفاً الكعبة لا يعودون إلىه (٤) إلى أن تقوم الساعة (٥). قال الشيخ الإمام ﵀ (٦): ويحتمل أن السكوت عن تفسير ما يقول الله فيه ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ أولى. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ بيان طريق الحق لكم وتبيينه. والقصد: الطريق المستقيم. ﴿وَمِنْهَا﴾ من (٧) السبيل. ﴿جَائِرٌ﴾ عن الاستقامة مِعْوَجٌّ. مجاهد: طريق الحق (٨) على الله (٩). ابن بحر: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. المبرد: وعلى الله قبول قصد الإسلام والرضا به. ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قيل: مِلل الكفر، وقيل: أهل الأهواء والبدع، وقيل: وعلى الله قصدُ الحق والحكم بين عباده. وفي مصحف عبد الله (ومنكم جائر) (١٠). ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ إلى قصد السبيل، وقيل: لوفَّقكم، وقيل: لأوصلكم إلى الجنة بغير استحقاق. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من سماء الملائكة إلى السحاب ثم إلى الأرض.

стр. 1020

﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي: ماء مشروب. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ يريد ما ينبت المرعى، وكل ما ينبت على الأرض فهو (١) شجر، وأنشد الزجاج (٢): نَعْلُفُها اللحمَ إذا عزَّ الشَّجر ... والخيل في إِطْعامِهَا اللحمَ ضَرَر يريد بالشجر: النبات. وقيل: تقديره: لكم منه شراب ومنه شرب (٣) شجر. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ ترعون إبلكم ومواشيكم (٤)، والسوم: من السُّومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقد سبق (٥). ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ الحبوب. ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ واحدها زيتونة (٦). ﴿وَالنَّخِيلَ﴾ جمع نخل، كعبيد. ﴿وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الفواكه، وحمل كل شجرة (٧): ثمرتها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ ينظرون في حقائق الأشياء. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ جعلهما متعاقبين لتنتفعوا بهما. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هيَّأهما لمنافع الخلق ولولاهما ما (٨) كان نهار ولا حيوان ولا

стр. 1021

معايش (١). ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ إنما (٢) أعاد ذكر المسخرات لأن المعنى مسخَّرة لله سخَّرها لكم، ومَنْ رَفَعَها جعلها استئنافاً (٣). ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بصنعه وتقديره. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ لأن بالعقل يُهتدى إلى دلائلها، وجمع (٤) الآيات لتقدم المسخرات وكذلك الثانية (٥). ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ أي: خلقه لكم، والذرء: إظهار الشيء بإيجاده، تقول: ذَرَأَه يَذْرأه ذَرْءاً، وملح ذَرْآنِيّ: ظاهر البياض. ﴿فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أصنافه، وقيل: ألوانه من البياض والسواد، وقيل: يريد الحيوان والجماد فإنها كلها منتفعٌ بها في الأطعمة والأشربة والأدوية والأمتعة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾ يتَّعظون. ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يريد أنواع صيد السمك. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ هي اللآليء تُنْظَم فتصير ملبوساً، وقيل:

стр. 1022

اللؤلؤ والمرجان. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ السُّفن. ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ في البحر (١) جواري، والمَخْرُ: شقّ الماء من يمين وشمال، وهي ماخرة والجمع مواخر، وقيل: المخر استدبار الريح، ومنه قوله: (استمخروا الريح وأعدوا النُّبَل) (٢)، يعني عند البول، وقيل: المخر: صوت هبوب الريح إذا اشتد (٣) الهبوب. وقيل: المخر: القطع للشيء (٤) والدخول فيه. مقاتل: ﴿مَوَاخِرَ﴾: مُقبلة ومُدبرة بريحٍ واحدة (٥). الحسن: مواقر (٦). الفراء والأخفش: تشقُ الماء بِجُؤْجُئْها (٧).

стр. 1023

وقيل: صوايح (١)، وقيل: معترضة. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ من سعة رزقه بالتجارة (٢) والقصد إلى البلاد الشاسعة. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم. ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الإلقاء عند بعض النحويين: من اللقية؛ لأن معنى الإلقاء: جعل الشيء مماسّاً لغيره. والرَّواسي: الثَّوابت. والميْد: الميل. والمعنى: خلق الله في الأرض جبالاً كراهة أن تميد وتضطرب (٣) بكم. وعند الكوفيين: لأن لا تميد بكم (٤). قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحداً على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت الجبال (٥). ﴿وَأَنْهَارًا﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً (٦)، جمع نهر. ﴿وَسُبُلًا﴾ طرقاً. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾ لمقاصدكم، وقيل: لتهتدوا إلى توحيد ربكم.

стр. 1024

﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ ابن عيسى: العَلامَة صورة يُعلم بها المعنى من خطٍّ أو لفظٍ أو إشارةٍ أو هيئة (١). والمراد بها هاهنا معالم الطريق. وقيل: هي الجبال. وانتصابها على هذا القول بالعطف على موضع ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ , وتقدير الكلام: ألقى رواسي (٢) لئلا تميد ولتكون علامات لطرقكم بالنهار. وقيل: هي النجوم. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ أي: في الليل (٣)، ومن جعل العلامات النجوم فكأنه (٤) قال: وبِهَا هُم (٥) يهتدون، فَصَرَّح. والنجم: اسم الجنس، والمراد به الجميع، وقيل: المراد به هاهنا (٦) الجدي، وهو السابع من بنات النعش الصغرى، والفرقدان الأولان منها، وليس بالجدي الذي هو المنْزِل، وبعضهم يصغر هذا فيقول: جُدَيّ (٧). قال ابن عباس ﵄: قال (٨) سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ قال: (هو الجدي يا ابن عباس عليه قبلتكم وبه تهتدون في برِّكم وبحرِكم) (٩). وروي أيضاً: (الجدي والفرقدان). قال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينة السماء، ومعالم الطرق، ورجوماً للشياطين، فمن قال غير هذا فقد قال رأيه وتكلَّف مالا عِلْمَ له به (١٠). ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ وهو الله سبحانه، وقد سبق ذكر بعض (١١) ما خلق الله في السورة. ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وهو الصنم، فإنه جماد موات، وعبَّر عنه بمن ازدواجاً للكلام (١٢) وبناءً على زعم الكفار.

стр. 1025

وقيل معناه: أن الحيّ المميز الذي ليس بخالق ليس كالذي هو خالق، فكيف الجماد. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ فتعرفوا فساد ما أنتم عليه. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ المراد بها النِّعم، والمضاف قد يأتي للجنس. ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ لا يمكنكم عدّها لكثرتها، وقيل: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تطيقوا أداء شكرها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لمن قصَّر في شكرها. ﴿رَحِيمٌ (١٨)﴾. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ أي (١): لا يخفى عليه شكر الشاكر وكفر الكافر. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لأنها موات عجزة. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ لأنها من جنس الأرض. ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: هي موات ليس فيها أرواح، وقوله ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيد لنفي مجاز يستعمل، وهو أن الحي قد يُسمى ميتاً، نحو قوله ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، أي: في حكم الأموات. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يعلم الكافرون متى يبعثون. والثاني: لا تعلم الأصنام متى تُبعث. ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الخطاب عام، والمعنى: معبودكم (٢) المستحقّ للعبادة معبودٌ واحدٌ وهو الله . ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ هم الكفار. ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لتوحيد الله غير عارفة به (٣). ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ عن الإيمان بمحمدٍ واتباعه. ﴿لَا جَرَمَ﴾ حقاً. ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ أن الله يعلم محله رفع بالمصدر. وعند الزجاج: (لا) للرد، و (جرم) فعل (٤).

стр. 1026

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ لهؤلاء الكفار. ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ ما الذي أنزله الله على محمد. ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ أي: ما دوَّنته الأوائل في كتبهم، ومثله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥] الآية. قال الزجاج: (ما) مبتدأة، و (ذا) في معنى الذي، قال: وأساطير مرفوعة على الجواب (١)، كأنهم قالوا: أنزل أساطير، أي: الذي تذكرون أنتم أنه مُنْزِلُ أساطير الأولين، أي: أكاذيب الأولين (٢). قال الشيخ ﵀ (٣): ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنهم أعرضوا عن الجواب إنكاراً للإنزال، وقالوا: هو أساطير الأولين، بخلاف قول المؤمنين فإنهم قالوا في الجواب (٤) خيراً، أي: أنزل خيراً، كما في الآية بعدها. ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ اللام لام العاقبة، أي: مآل فعلهم هذا العذاب. قال الشيخ ﵀ (٥): ويحتمل أنه لام الأمر، ومثله (٦) في المعنى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وقوله ﴿أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: آثامهم تامة لا ينقص شيء منها (٧) بالتوبة والحسنات.

стр. 1027

﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنهم تسبَّبوا إلى إضلالهم (١)، فللمضلِّلين (٢) مثل وِزر الضَّالين من غير أن ينقص من وِزْرِهم (٣) شيء، وقيل: للضَّالين مثل وِزر المضلِّين (٤) لطاعتهم، حكاه أقضى القضاة (٥). قوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بتقليد من غير استدلال، وقيل: بغير علم بما تحملوه من أوزار الضالين. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ساء يجري مجرى بئس، و ﴿مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ محله رفع؛ لأنه فاعل ساء، والمذموم محذوف دلَّ عليه ما قبله. ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ جمهور المفسرين على أن المراد به نمروذ بن كنعان حين رَامَ صعود السماء بفراخ النسور فعجز عن ذلك على ما سبق آخر سورة إبراهيم (٦)، بنى الصَّرح ببابل ورام منه الصعود إلى السماء ينظر (٧) إلى إله إبراهيم. قال ابن عباس ﵄: كان طول الصَّرح في السماء خمسة آلاف ذراع (٨). مقاتل وكعب: كان (٩) طوله فرسخين فهبت ريح وألقت رأس (١٠) الصَّرح في

стр. 1028

البحر، وحز (١) عليهم الباقي وائتفكت بيوتهم فأحدث نمروذ وتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلَّموا بثلاثة وسبعين لساناً، ولذلك سُمِّي (٢) بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وبلاه الله (٣) في نفسه ببعوضة دخلت دماغه وكَبُرَت فيه فمكثَ في ذلك أربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به بختنصر (٤). وذهب ابن بحر والزجاج: إلى أن هذا مَثَل، جعلت أعمالهم التي عملوها بمنزلة الباني بناء يسقط عليه، فمضرّة عملهم كمضرة بناء الباني إذا سقط عليه (٥). قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ قَلَعَهُ من أصله، وأتَاه بأن أزاله، والبنيان مصدر بنيت، والقواعد: جمع قاعدة. المبرد: قصد لإهلاكه من الأساس. وقيل: من (٦) الأساطين. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ أعلى البيوت، ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: كانوا تحتها، وقيل: أتاهم العذاب من السماء. ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ أي: من مأمنهم. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ يُهينهم ويفضحهم على رؤوس الخلائق ويعذبهم

стр. 1029

بأنواع من العذاب سوى ما عذبوا به في الدنيا. ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾ أي: النبي والمؤمنين. ﴿فِيهِمْ﴾ أي: تخالفونهم، وقيل: تعادونهم. وقيل: تحاربون، والأصل أن يكونوا في شق غير شق المؤمنين. وقرأ نافع بكسر النون (١)، وتقديره: تشاقونني، فحذف النون الأولى تخفيفاً. قال (٢): يَسُوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْني. أي: فلينني، فحذف تخفيفاً. ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يعني الملائكة. الحسن: المؤمنين (٣). ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ الذِّلَّة. ﴿وَالسُّوءَ﴾ العذاب. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تقبض أرواحهم بأمر الله. الحسن: تتوفَّاهم إلى النار، أي (٤): تحشرهم إليها (٥)، والمتوفِّي هو الله سبحانه لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وليس بينهما تنافٍ، لأن

стр. 1030

الملائكة يتولون ذلك بأمر الله، فجاز إسناده إلى الله؛ لأنه بأمره وقدرته، وجاز إضافته إلى الملائكة لكونهم مباشرين لذلك. وقيل: أسباب التوفِّي بالملائكة وإتمام التوفِّي بالله سبحانه. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم قد ظلموا أنفسهم. عكرمة: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فأخرجهم قريش إلى بدر كرهاً فقتلوا (١). ومعنى ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في مقامهم بمكة وتركهم الهجرة. ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ الصلح. الأخفش: الاستسلام (٢). مقاتل: الخضوع (٣). والمعنى: انقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم، وقيل معناه: لما عاينوا وزال شكّهم أظهروا الإيمان والإسلام وهو إلقاء السلم والخروج من العداوة. ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: يقولون للملائكة ما كنا نعمل من سوء، أي: كفر (٤) ومعصية، وقيل معناه: من سوء في معتقدنا؛ لأنا لو علمنا الكفر سوءاً ما اخترناه، والقيامة لا يكذب فيها. ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ أي: فتجيبهم الملائكة: بلى، أي (٥): كنتم

стр. 1031

كافرين والله يعلم كفركم ومعاصيكم. ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ قيل: دركاتها، وقيل: أصنافها، كما يقال: فلان ينظر في باب من العلم، أي: صنف. وقيل: هذا عام لأصناف الكافرين، كقوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٤]. وقيل: المراد به عذاب القبر، فقد جاء في الخبر: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران) (١). وقيل: يخاطبون به عند البعث. ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ناوين الخلود ومقدرين. ﴿فِيهَا﴾ في جهنم، وقيل: في الأبواب فيمن جعلها الدركات وألوان العذاب. ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ المتعظمين من اتباع محمد ﷺ جهنم وأبوابها. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين من أهل مكة. ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ على محمد. ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ أي: أنزل خيراً، وهو القرآن الجامع لجميع الخيرات، وقيل:

стр. 1032

﴿خَيْرًا﴾: ثواباً لمن آمن بالله (١)، ولو قُرئ خير بالرفع على تقدير: الذي أنزله خير، لكان له وجه، ولكن لما كان الرَّفع يحتمل وجهين على ما ذكرت صار إلى الوجه الذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً (٢). ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ أي: آمنوا وعملوا الصالحات، وقيل: قالوا لا إله إلا الله. ﴿حَسَنَةٌ﴾ ثواب مضاعف، وقيل: أمن وغنيمة (٣) وأهل ومال. وقيل: هو بدل من خير. وقيل: استئناف. ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ النشأة الآخرة والحياة (٤) الآخرة. ﴿خَيْرٌ﴾ من الدار (٥) الدنيا، وقيل: الجنة خير من النار. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ الدار الآخرة، وقيل: ولنعم دار المتقين الدنيا (٦) يتزودون منها (٧) للأخرى. وقيل: لنعم (٨) دار المتقين: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. وقيل: هي جنات عدن.

стр. 1033

وقيل: رفع بالابتداء. ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ خبره. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: منابعها من تحت أشجارها، وقد سبق (١). ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ يشتهون. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثل هذا الجزاء وهو الجنة. ﴿يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾. ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ مؤمنين. ابن عيسى: صالحين بأعمالهم الحسنة (٢). وقيل: ﴿طَيِّبِينَ﴾: فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة، وقيل: طيب الله أنفسهم بنظافة الإيمان وطهارة الإسلام. مجاهد: طيبون (٣) إذا ناموا أحياء وإذا ماتوا (٤) قدَّر الله لهم ذلك (٥). ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ أي: تقول الملائكة، والسلام تبشير بالجنة، وقيل: إعلام بالموت. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قيل: معناه: أبشروا بالجنة، وقيل: يقال لهم في الآخرة ادخلوا الجنة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ بسبب عملكم، وقيل: بدل عملكم. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظر الكفار الذين تقدم ذكرهم، والمعنى: يلحقهم لا

стр. 1034

محالة لحوق المنتظر وإن لم يكونوا منتظرين. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبض (١) أرواحهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني يوم القيامة. الزجاج: ﴿أَمْرُ رَبِّكَ﴾: عذابه الذي أوعدهم وتأخَّر عنهم (٢). وقيل: تأتيهم الملائكة بما وعدهم من العذاب يوم القيامة ويأتي أمر ربك بذلك، فيكون ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو على هذا القول. ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ استبطؤا العذاب كاستبطاء هؤلاء، وقيل: انتظروا انتظار هؤلاء. وقيل: كفروا كفر هؤلاء. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾ بكفرهم ومعصيتهم. ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: جزاء أعمالهم السيئة، وفيه تقديم وتأخير، أي: فأصابهم سيئات ما كسبوا وما ظلمهم الله. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾ وأحاط بهم جزاء استهزائهم، والحيق: الإحاطة بالشيء، لا يُستعمل إلا في الشر (٣). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما أشركنا بعبادة الأوثان. ﴿نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: السائبة والوصيلة وغيرها. وللمفسرين في هذا قولان:

стр. 1035

أحدهما: مذهب السنة (١) والجماعة، وهو أنهم قالوا هذا الكلام (٢) استهزاء ولو قالوه اعتقاداً لكان إيماناً. والثاني: أنهم فعلوا خلاف (٣) ما شاء الله، وليس هذا المذهب (٤). ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كذبوا الرسل وحرَّموا الحلال وقالوا (٥) مثل قولهم استهزاء. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ البلاغِ بمعنى الإبلاغ، كالطاقة والجابة والطاعة، وقيل: البلاغ مصدر بلغ بلوغاً وبلاغاً، وإذا بَلَّغَ الرسولُ فالإيمان به واجب، والبلاغ يأتي بمعنى البُلْغَة، وهو الاجتزاء في الوصول إلى الشيء. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ قيل: هذا عام في كل الأمم؛ لأن من بلغته دعوة نبي وخبر شرعه فقد بلغه النبي، يريد (٦): كما بعثت إلى أمتك. وقيل: أراد بها الأمم المهلكة. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: بأن (٧) وحدوه. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الشيطان وكل ما يُعبَد من دون الله، مشتقٌّ من الطغيان، أي: تباعدوا من إغوائه. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ وفَّقهم للإيمان وهم المؤمنون.

стр. 1036

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ بالقضاء السابق فحاد عن قصد السبيل، وقيل: ﴿حَقَّتْ﴾: وجب عليه العذاب، فالضلال (١) هاهنا العذاب. وقيل: الضلال عن طريق الرحمة. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ خطاب لأمة محمد ﷺ . ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ قوم عاد وثمود وغيرهم (٢)، وقيل: معنى سيروا في الأرض: اقرؤا القرآن فتعرَّفوا كيف حال عاقبتهم. ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ إن تطلب هداهم أشدّ الطلب. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أي: من أضله الله بخذلانه لا يوفقه لهدايته، وقيل: ﴿لَا يَهْدِي﴾ أي (٣): لا يهتدي، وقرئ (لا يُهْدى) (٤)، أي: من يضله لا يهدى، أي: لا يهديه أحد، كقوله ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ من ينصرهم من عذاب الله ويمنعهم عنه (٥). ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ في سبب النزول: قال الربيع بن أنس عن أبي العالية: كان لرجل على رجل من (٦) المشركين دَيْنٌ فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت، فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله هذه الآية (٧). أي: حلفوا بأغلظ الأيمان وهو ما ليس فوقه مزيد، وقيل: جَهْدَ اليمين: ما ليس باللغو، ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: لا يحيي الله أحداً بعد موته. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال لابن عباس: إن ناساً من العراق (٨) يزعمون إن عليّاً مبعوث قبل يوم القيامة ويتأوَّلون هذه الآية، فقال ابن عباس: كذب ابن الإماء، إن هذه الآية عامة للناس، لو كان عليٌّ مبعوثاً قبل يوم القيامة ما أنكحنا نسائه ولا قسمنا ميراثه (٩). ﴿بَلَى﴾ إثبات لما نفوه، أي: ليبعثن، وقيل: قل (١٠) يا محمد بلى. ﴿وَعْدًا﴾ أي: وعد ذلك وعداً. ﴿عَلَيْهِ﴾ قيل: منه، وقيل: عليه إنجازه. ﴿حَقًّا﴾ وصف للوعد (١١)، والوعد الحق: ما قرن بالإنجاز.

стр. 1037

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ أنه وعد لا يأتي عليه خلف. وروى الثعلبي في تفسيره أن في الخبر أن الله تعالى يقول: (كذَّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذِّبني، وشتمني ابن آدم ولم ينبغ له أن يشتمني، فأما تَكذِيْبُه إيَّاي فحلفه أنِّي (١) لا أبْعَثُ الخلق، وأما شَتْمُه (٢) إيَّاي فقوله: اتَّخذ الله ولداً، وأنا الواحد الصَّمد، لم ألِدْ ولم أُوْلَد، ولم يكنْ لي كُفُواً أحد) (٣). ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ بلى (٤) يبعثهم ليظهر لمنكري البعث والمقتسمين صحة ما اختلفوا فيه وليعلموا كونهم كاذبين، وقيل: اللام متصل بقوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ليبين لهم. ثم ذكر سهولة البعث عليه (٥)، فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذه عبارة عن (٦) التكوين، وقد سبق بيانه في البقرة (٧). ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ الآية. في سبب النزول أنها نزلت في أصحاب النبي ﷺ بمكة، بلال وصهيب وخبَّاب وعمار وعابس وأبي جندل بن سهيل (٨)، أخذهم المشركون بمكة فعذَّبوهم وآذوهم فبوَّأهم الله المدينة بعد ذلك (٩). ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ فارَقُوا أوطانهم ﴿فِي اللَّهِ﴾ في ذات الله وابتغاء دينه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي: ظلمهم قريش وعذبهم (١٠) ليرتدوا عن الإيمان. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لنهيأن لهم مسكناً يرضونه، والجمهور على أنها المدينة.

стр. 1038

مجاهد: لنرزقنهم رزقاً هنيئاً (١). وروي أن (٢) عمر ﵁ كان (٣) إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه قال له: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية (٤). الزجاج: هو أنهم صاروا مع النبي ﷺ إلى الإسلام وإلى أن سمعوا ثناء الله عليهم (٥). وقيل: أسكنهم المدينة (٦) ورزقهم الغنيمة. وقيل: هي النصرة على العدو. وقيل: هي لسان الصدق. وقيل: هي ما استولوا عليه من الفتوح. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ جواب لو محذوف. ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى الكفار. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ فوَّضوا الأمر إلى ربهم ورضوا بما ينالهم في دين الله. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في مشركي مكة، أنكروا نبوة محمد ﷺ ، وقالوا: الله أعظم (٧) من أن يكون رسوله بشراً فهلا بعث إلينا ملكاً، فهذا جواب لهم (٨). ثم (٩) قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أصحاب التوراة والإنجيل والزبور، وقيل: العلماء بأخبار مَنْ سَلَف. ابن زيد: أهل الذِّكر: أهل القرآن (١٠). ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات، وقيل: الحلال والحرام. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ الكتب.

стр. 1039

وفي الباء قولان: أحدهما: أنه متصل بقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾، أي: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً، وفيه ضعف لحيلولة الاستثناء بينهما، فذهب بعض النحاة إلى أن ﴿إِلَّا﴾ هاهنا وصف، كغير، كما في قوله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. والثاني: أنه متصل بمحذوف تقديره: إلا رجالاً أُرسلوا بالبينات والزبر، فيكون وصفاً للرجال. والمعنى: إن كنتم لا تعلمون فإنهم (١) يعلمونكم أن الله لم يبعث إلى أمة إلا آدمياً رجلاً. وقال القرظي: قال ﷺ : (لا يحل للعالم إلا أن يبذل علمه، ولا يحل للجاهل إلا أن يتعلم) ثم تلا ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (٢). ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ القرآن، وقيل: العلم. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ بلسان العرب. ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الأحكام والمواعظ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ فيعلموا (٣) أنه كلام الله. ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ احتالوا لهلاك (٤) الأنبياء، وقيل: ظلموا أصحاب رسول الله ﷺ وراموا (٥) صدهم (٦) عن دينهم. ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعل بقوم لوط، وقيل: كما فعل بنمروذ. وقيل: يغوروا في الأرض فيهلكوا. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ بَغتة من غير سابقة. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ مجيئهم وذهابهم في ديارهم وأسفارهم.

стр. 1040

﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾ جنود الله. تقول: أَعْجَزَهُ: وجده عاجزاً، وأَعْجَزَهُ: جعله عاجزاً. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ يهلكهم ويعذبهم. ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ مطاوع خوفته، تقول: خوفته (١) فتخوف، والمعنى: على تخوف كل قوم بأخذ قوم قبله، فكل قوم مأخوذ متخوف، وقيل: على تنقص. قال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، فقال: أيها (٢) الناس، ما تقولون في قول (٣) الله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين: هذه لغتنا بني هذيل، التخوف: التنقص، قال عمر: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير (٤) الهذلي يصف ناقة: تَخَوَّفَ الرحلُ منها تامِكاً قَرِداً ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. وقيل: على تخوف با لعلل والأمراض والآفات.

стр. 1041

ابن بحر: على تخوف ضد البغتة (١). أي (٢): على حدوث حالات يخاف منها كالرياح والزلازل والصواعق؛ ولهذا ختم بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ لأن في ذلك مهلة وامتداد وقت فيمكن فيها التلافي. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: قد رأيتم فما بالكم لا تتفكرون فتعلمون أن عبادة خالقها واجبة عليكم. و﴿مِنْ﴾ للتبيين. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ يرجع من موضع إلى موضع. ابن عباس ﵄: يَتَمَيَّلُ (٣). تقول (٤): فاء الظِّلّ وتفيَّأ بمعنىً. والظلُّ: ما غاب عن مسامتة الشمس فلم يُصبه شعاعها. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: عن يمين الشيء، وجعل (٥) وجه الشيء ما يواجه (٦) طريقه الشمس؛ لأنه ينتقل الظل من اليمين إلى جانب آخر. وذهب كثير من المفسرين إلى أن ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: أول النهار، (وعن الشمال): آخر النهار. ابن عيسى: يتقلص بالغداة عن يمين الجبل ويتقلص بالعشي من جهة الشمال (٧).

стр. 1042

﴿ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾: قتادة: ظل كل شيء سجوده (١). مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء (٢). وقيل: أراد بالظلال: الأشخاص. ابن جرير: سجود الظلال: ميلانها ودورانها (٣). ابن عيسى: السجود بالعبادة وبالدعاء إلى العبادة، وكل شيء من المخلوقات يسجد بالدعاء إلى العبادة (٤). وخص الظل بالذِّكر لأنه سريع التغيُّر (٥) يقتضي مغيراً غيره ومدبراً دبره. الحسن: أمَّا ظلك فيسجد لله (٦) وأما أنت فلا تسجد له، فبئس والله ما صنعت (٧). وفي توحيد اليمين وجمع الشمائل أقوال: أحدها: أن الابتداء عن اليمين ثم ينقص حالاً بعد حال عن الشمائل؛ ولهذا جمع. والثاني: أنه بمعنى الأيمان وجمع الشمائل يدل عليها. والثالث: لما كان لفظ (ما) موحداً ومعناه جمعاً حمل اليمين على اللفظ وحمل الشمائل على المعنى، ولهذا أيضاً جمع الظلال ووحد الضمير.

стр. 1043

ويحتمل: أن المراد بالشمائل: الشمال والقدَّام والخلف؛ لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ باليمين لأن ابتداء التفيُّؤ منها أو تيمُّناً بذكرها ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين اليمين والشمال من التضاد، وينزل القدام والخلف (١) منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾ صاغرون، يريد سجود اضطرار لا اختيار. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ بعضها بالاختيار وبعضها بالاضطرار، كقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] (٢). ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصهم بالذكر رفعاً (٣) لمنزلتهم ولأنهم لا يذنبون. ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ لأن سجودهم طوعاً، وقيل: طبعاً، وفي هذا القول نظر (٤). ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وقيل: يخافون الله أن ينزل عليهم عذاباً من فوقهم، وليس بحال من ﴿رَبَّهُمْ﴾ تعالى الله عن ذلك (٥)، والملائكة موصوفون بالخوف لأنهم قادرون على العصيان وإن كانوا لا يعصون الله ما أمرهم. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ من الطاعة وغيرها. ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: لا تعبدوا إلهين اثنين، وقيل: لا تعتقدوا المعبود اثنين، وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، أي: لا تتَّخذوا اثنين إلهين؛ لأن كل مَا لَهُ ثانٍ فليس بإله؛ لأن الإله هو الذي لا ثانيَ له. ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: الله واحد لا ثاني له. ﴿فَإِيَّايَ﴾ أي: فأنا ذلك الإله الواحد ﴿فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ فخافون.

стр. 1044

﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً. ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعة والإخلاص فيها. ﴿وَاصِبًا﴾ لازماً، وقيل: دائماً، وعبادة غيره تضمحل سريعاً، وقيل: ﴿وَاصِبًا﴾: شاقاً، تقول: وَصَبَ الدِّيْنُ يَصِبُ وصُوباً ووَصَبَاً ووَصِبَ في الألم يَوْصَبُ وَصَبَاً فهو وَصِبٌ. ابن بحر (١): هو من الوَصَب وهو الوَجَع، أي: ثابت (٢)، أي: له الطاعة لازمة بخلقه (٣). ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾. ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ عافية وغنى وخصب. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: فمن الله ذلك، والمبتدأ إذا كان موصولاً بفعل (٤) أو ظرف حسن دخول الفاء في خبره. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ المرض والفقر والجدب. ﴿فَإِلَيْهِ﴾ إلى الله. ﴿تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ ترفعون أصواتكم بالدعاء، وأصله من جُؤَار البقر وهو صوته إذا رفعه لألمٍ يلحقه. ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ﴾ النازل بكم. ﴿عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ وهم الكفار. ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ في عبادة الأصنام. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، أي: جعلوا عاقبة النعم الكفر بدل الشكر. ثم أوعدهم أغلظ الوعيد، قال: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ لا تمنعون عن ذلك الآن. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ إذا وافيتم الميعاد.

стр. 1045

﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعتقدون ويحكمون لما لا (١) يعلمون ما للأصنام، والفعل للكفار، والعائد محذوف، وتقديره عند بعضهم: أنه ينفع (٢) ويضر، وعند بعضهم: لا يعرفونها، إذ لو (٣) عرفوها لما اتخذوها آلهة. صاحب النظم: العلم هاهنا لازم والفعل للأصنام والواو هو (٤) العائد، أي: لما ليس يعلمون، لأنها (٥) موات (٦). ابن المِهْرَبْزُد: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾: الفعل للكفار، والمعنى: لجهلهم، وهذا صحيح لكن الكلام يبقى بعده غير تام، فإن تقدير ما ذهب إليه: لأجل جهلهم (٧) نصيباً، فيحتاج الكلام إلى إضمار الأصنام (٨). وقوله: ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: هو ما جعلوا لأصنامهم من حروثهم وأنعامهم. ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ تكذبون فتعلمون أنكم مستحقون العذاب. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ هم بنو خزاعة وبنو كنانة، قالوا: الملائكة بنات الله (٩).

стр. 1046

﴿سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ يعني البنين، ومحله رفع بالابتداء والخبر، وقيل: نصب، وأنكره الزجاج في جماعة (١)، ووجه ذلك أن يقال: من نصب فتقديره: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ أي (٢): إذا اشتهوا أن يكون لهم أولاد تمنَّوا الذُّكران وكرهوا الإناث. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ البشارة هاهنا مستعارٌ، وقد سبق (٣). ﴿بِالْأُنْثَى﴾ ببنت. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾ دام النهار كله. ﴿مُسْوَدًّا﴾ السواد كناية عن العبوس والكراهة بما أُخبر به وعن تغير اللون من الحزن والاغتمام (٤)، وقيل: اسود اللون، والأول أظهر. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ حزين ممتلئ غيظاً، فعيل بمعنى فاعل، وقيل: بمعنى مفعول، كقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم: ٤٨]، وقد سبق (٥). ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ يبعد عنهم. ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ مقدراً (٦) في نفسه. ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ أيتركها (٧)، وذَكَّرَ الكناية لأنها تعود إلى لفظ ﴿مَا﴾. ﴿عَلَى هُونٍ﴾ هوان، وقيل: على مشقة، وقيل: على قلة. صاحب النظم: وهو كظيم أيمسكه على هون (٨).

стр. 1047

والكَظْمُ: ستر المكروه في القلب. وقوله: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أم يأده (١) وينبذه، وقيل: يخفيه على الناس حتى لا يعرفوه، حكاه الماوردي (٢). ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ من قولهم لله البنات ولهم ما يشتهون. ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ قيل: ﴿مَثَلُ﴾: بمعنى الصفة. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفة العليا (٣). وقيل: تَمَّ الكلامُ على قوله ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الأفضل (٤) والأحسن وهو التَّنزيه (٥) عما لا يليق به. الزجاج: المثل الأعلى: قول لا إله إلا لله (٦). وقيل: الصِّفة التي وصف بها هؤلاء الجهّال ربَّهم هم أولى بها من الله ولله (٧) الصفة العليا وهو أنه لم يلد ولم يولد. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: لو يعاقبهم بكفرهم. ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ على الأرض، كنايه عن غير مذكور، وجاز لأن الدواب لا تكون إلا في الأرض.

стр. 1048

وفي الدَّابة قولان: أحدهما: أنها عامة في بني آدم وغيرهم مما يدبُّ. والثاني: أن المراد بها ها هنا البهيمة. وفي المعنى ثلاثة أقوال: أحدها: لو عجل عقوبة كفار بني آدم ما ترك على الأرض ما يدبّ عليها. والثاني: معنى ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من ظالم. والثالث: لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: هو وقت العذاب (١). وقيل: حين الموت. وقيل: إلى يوم القيامة. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ أي: فإذا أتى أحد (٢) هذه الأوقات لهلكوا (٣) البتة من غير تقديم ولا تأخير. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: ما يكرهونه لأنفسهم وهو البنات. ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ أي: ويقولون الكذب، والكذب مفعول به، وأضاف الوصف إلى اللسان لأن القول به يكون. ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بدل من الكذب، والحسنى: البنون، وقيل: الجنة، على تقدير إن كان البعث حقاً. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ الزجاج: ﴿لَا﴾ ردٌّ لكلامهم (٤).

стр. 1049

ومعنى جرم: كَسَبَ، أي: كَسَبَ فِعْلُهُم أَنَّ (١) لهم النار. قطرب: جَرَمَ: بمعنى وَجَبَ، فيكون ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في محل رفع (٢). وقيل: حقَّت لهم النار، وقيل: معناه: فليس بجرم وهذا فعلهم وقولهم أن يعذبوا بالنار. ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ عطف على ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: أعجلوا إلى النار فهم فيها فَرَطٌ لمن تقدمهم، والفَارِط: المتقدم، من هذا، وقيل: معناه: متروكون منسيون. وقرئ (مُفْرِطُون) بالكسر والتخفيف، و (مُفَرِّطُون) بالكسر والتشديد، قيل: هما بمعنى (٣). الحجة: أَفْرَطَ (٤) كأَقْطَفَ وأَجْرَبَ، أي: صاروا ذوي فرط إلى النار وسَبْقٍ إليها، وقيل: أفرطوا في أعمالهم، أي: أسرفوا بالآثام (٥) على أنفسهم (٦). ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: أرسلنا رسلاً إلى من تقدمك من الأمم. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: فكفروا بالمرسلين وقبلوا غرور الشيطان وما خَيَّلَ إليهم أن ماهم عليه خير. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: فإبليس يتولى أمورهم اليوم، يريد يوم القيامة، أي: لا

стр. 1050

ولي لهم سواه، وقيل: في الدنيا، أي: هو وليُّهم وهم أوليائه والله عدوه وعدوّهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ يوم (١) القيامة. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ يا محمد. ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن. ﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ للناس. ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: تبين لهم الحق من الباطل. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ عطف على موضع اللام لأنه مفعول له. ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السَّحاب، وقيل: من جانب السماء. وقيل: من الملائكة (٢) إلى السحاب ثم إلى الأرض. ﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: أنبت فيها من كل (٣) أنواع النبات، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها، وذلك موتها وحياتها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾ لمن أصغى إلى كلام الله ووعظه ثم لا يعاند (٤). ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ دلالة وعلامة يعبر بها من الجهل إلى العلم. ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ذهب بالإنعام إلى النَّعَم لأن الألف واللام للجنس فسواء دخل الواحد والجمع. أبو عبيدة: الهاء تعود إلى البعض؛ لأن لبعضها لبناً دون جميعها (٥)، وهو الأنثى (٦). ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ أي: الأنعام تعتلف الحشيش والخضر فيجعل الله بعضه دماً، وبعضه فرثاً، ويحيل بعض الدم الأحمر لبناً أبيض. ﴿خَالِصًا﴾ صافياً من نتنِه وكونه حُلواً دَسِماً، وقيل: إذا استقر العلف في بطن الدابة طبخته فاستحال أعلاه دماً وأوسطه لبناً وأسفله فرثاً فَتُجْرِي الكبد الدم إلى العرق، واللبن إلى الضرع وتبقي الفرث ثم ينحدر، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.

стр. 1051

﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ يسوغ في حلق من (١) تناوله. ابن جرير: لم يغصّ أحد باللبن قط (٢). وقيل: ﴿سَائِغًا﴾: حلالاً، وقيل: لا تعافه النفس وإن خرج من بين الدم والفرث. ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب (٣) آيات بالرفع على الابتداء أو آيات بالنصب عطفاً (٤) على اسم إن، وعند الكوفيين ما ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ وعند البصريين شيء ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾. وفي تذكير الضمير أقوال: أحدها: أنه يعود إلى (ما). والثاني: إلى (شيء) على ما سبق، وقيل: إلى (ذلك). وقيل: إلى الثمر، كالنعم (٥)، ويحتمل أن (٦) يعود إلى البعض كما قال أبو عبيدة في النعم واستحسنه النُّحاة. ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فيه أقوال: ابن عباس والحسن في جماعة: السكر: الخمر، والرزق الحسن (٧): التمر والزبيب والدبس والخل، والآية سابقة على تحريم الخمر (٨).

стр. 1052

وعن أبي عبيد (١): السكر: الخل، والرزق الحسن: ما هو خَيْرٌ من الخل. الحسن: ما كان من العنب فهو خمر، وما كان من التمر فهو سكر. الشعبي وأبو رزين وابن جرير: السكر: ما يحل شربه، كالنبيذ، والخل (٢). عامر: السكر: ما شربت، والرزق الحسن: ما أكلته (٣). وقيل: السكر: الطُّعْم، قال (٤): جَعَلتَ أعراضَ الكرامِ سَكَراً الأصم: السكر: كل ما حرمه الله من ثمرهما والرزق الحسن ما أحله الله (٥). ابن بحر: السكر: المسكر، قال: فأضاف (٦) إلى نفسه سبحانه سقي اللبن وأضاف إلى العباد اتخاذ السكر وهو ادخارهم لذلك حتى يصير سكراً. وقيل: السكر: ما سَدَّ الجوع، مشتق من قولهم: سكرت النهر، أي (٧): سددته. وقيل: هذا (٨) إنكار من الله عليهم، وتقديره: أتتخذون منه سكراً ويرزقكم الله رزقاً حسناً. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ هذا تحريض من الله للعاقل ليتأمل في الآيات. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قيل: ألهم (٩)، وهو: إلقاء الله في روع الحيوان، وقيل: إيجاده (١٠) على تلك الحالة؛ لأن الله جعل في طِباعها اتخاذ البيوت والأكل من الثمرات (١١)، وفيها أعجوبة لمن تأمل.

стр. 1053

والنحل: زنابير العسل، واحدها نحلة، وقيل ذباب العسل. ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ أي: في الجبال، ويحتمل أنه للتبعيض؛ لأن ذلك يوجد في بعض الجبال، وسمَّاها بيوتاً تشبيهاً ببيوت الإنسان. وقيل: لأنها مبنيَّة على حُسْنِ الصَّنعة وصحَّة القسمة. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ في الغياض والجبال والصحاري. ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ ابن زيد: الكروم (١). غيره: ﴿يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ (٢): يبنون، يريد منازل الناس. ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: من الثمار والأنوار (٣) حلوها ومرّها، وقيل: أعجب ما يكون في العسل إذا كان من أنوار مختلفة الطباع والطعوم. ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ امضي فيما سخرك الله له. ﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذلول، وهي حال من السُّبُل (٤). مجاهد: لا يتوعر عليها (٥) مكان سلكته (٦). غيره: ﴿ذُلُلًا﴾: حال من النحل، أي: مطيعة لله تعالى. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ هو العسل تُلْقِيْهِ من فيها. وروي عن الحسن أنه قال: لباب البر بلُعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم. فجعله لعاباً كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم (٧). وقيل: يخرج من فيها، وسُمِّي الفم بطناً لأنه في حكم البطن ولأنه مما يبطن ولا

стр. 1054

يظهر، وقيل: تلقيه من أسفلها. وروي عن علي ﵁ أنه قال: أما العسل فَوَنِيْمُ ذُباب (١). وقيل: إنها تحمل الطل الواقع على الشجر فتضعه من فيها في كورها فيصير عسلاً. وقيل: العسل أنوار مختلفة تحملها (٢) النحل إلى كورها وتضع بعضها على بعض فتستحيل على الأيام شهداً عسلاً، وهذا ضعيف، لأن الله تعالى قال (٣): ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ إلا أن يؤول البطن. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأصفر وأحمر (٤)، وذكر أن الأبيض من العسل يلقيه الشباب من النحل والأصفر يلقيه الكهول منها، والأحمر يلقيه الشيب منها. ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ جمهور المفسرين على أن الضمير يعود إلى العسل، ونكَّر ﴿شِفَاءٌ﴾ لبعض الأدواء ولا يجب من قوله تعالى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ﴾ أن يشفى به كل عليل. وروى قتادة أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ وذكر أن أخاه يشتكي بطنه فقال ﷺ : (اذهب فاسقه عسلاً) (٥)، فرجع وقال: سقيته فلم يزل ما به، فقال ﷺ : (اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك)، فسقاه ثانياً فكأنما أنشط

стр. 1055

من عقال (١). وروي عنه ﷺ : (لو كان شيء ينجي من الموت لكان السنا والسنوت) (٢). وقال بعضهم: الضمير يعود إلى القرآن، أي: في القرآن شفاء للناس، وقيل: إليهما، لقوله ﷺ : (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) (٣). وقيل: الضمير يعود إلى مابين الله من الدلائل والاعتبار في النحل فيكون شفاء (٤) لداء الجهل، يقويه قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم من أبدانكم طفلاً رضيعاً أو صبياناً أو شباناً أو كهولاً أو شيوخاً. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ الرد: الإعادة إلى حال تقدمت. ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ يعني: الهرم الذي ينقص فيه عقله وقوته. ورُذَالُ كل شيء: ما ينفى ويطرح، ضد الخيار. ابن زيد: أرذل العمر: الخرف (٥). قتادة: تسعون سنة (٦). وعن علي ﵁: خمس وسبعون سنة (٧). وقيل: ثمانون سنة، حكاه أقضى القضاة لقطرب (٨). وقيل: أرذل العمر: أنقصه وأوضعه. ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يجوز في اللام أن تكون لام كي، فيصير المعنى: لئلا (٩) يعلم بعد علم شيئاً فيكون عبرة للمعتبر، وليعلم أنه كما هو قادر على نقله من العلم إلى الجهل قادر على إماتته وإحيائه، ويجوز أن تكون لام العاقبة، أي: يصير إلى حال الطفولة بنسيان ما كان يعلم، وقيل: لئلا يعمل بعد علمه شيئاً، أي: يفتر عن (١٠) العمل بالعلم؛ لأن تأثير الكِبَر في العمل أكثر منه في العلم، حكاه الماوردي (١١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾. ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ يريد بالتفضيل هاهنا (١٢) زيادة المال. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ في الرزق، يعني: المالكين. ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ بمعطي رزقهم، يريد ما زاد على رزق عبيدهم، استعمل لفظ
следующие страницы →