← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ يسوغ في حلق من (١) تناوله. ابن جرير: لم يغصّ أحد باللبن قط (٢). وقيل: ﴿سَائِغًا﴾: حلالاً، وقيل: لا تعافه النفس وإن خرج من بين الدم والفرث. ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب (٣) آيات بالرفع على الابتداء أو آيات بالنصب عطفاً (٤) على اسم إن، وعند الكوفيين ما ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ وعند البصريين شيء ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾. وفي تذكير الضمير أقوال: أحدها: أنه يعود إلى (ما). والثاني: إلى (شيء) على ما سبق، وقيل: إلى (ذلك). وقيل: إلى الثمر، كالنعم (٥)، ويحتمل أن (٦) يعود إلى البعض كما قال أبو عبيدة في النعم واستحسنه النُّحاة. ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فيه أقوال: ابن عباس والحسن في جماعة: السكر: الخمر، والرزق الحسن (٧): التمر والزبيب والدبس والخل، والآية سابقة على تحريم الخمر (٨).

стр. 1052

وعن أبي عبيد (١): السكر: الخل، والرزق الحسن: ما هو خَيْرٌ من الخل. الحسن: ما كان من العنب فهو خمر، وما كان من التمر فهو سكر. الشعبي وأبو رزين وابن جرير: السكر: ما يحل شربه، كالنبيذ، والخل (٢). عامر: السكر: ما شربت، والرزق الحسن: ما أكلته (٣). وقيل: السكر: الطُّعْم، قال (٤): جَعَلتَ أعراضَ الكرامِ سَكَراً الأصم: السكر: كل ما حرمه الله من ثمرهما والرزق الحسن ما أحله الله (٥). ابن بحر: السكر: المسكر، قال: فأضاف (٦) إلى نفسه سبحانه سقي اللبن وأضاف إلى العباد اتخاذ السكر وهو ادخارهم لذلك حتى يصير سكراً. وقيل: السكر: ما سَدَّ الجوع، مشتق من قولهم: سكرت النهر، أي (٧): سددته. وقيل: هذا (٨) إنكار من الله عليهم، وتقديره: أتتخذون منه سكراً ويرزقكم الله رزقاً حسناً. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ هذا تحريض من الله للعاقل ليتأمل في الآيات. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قيل: ألهم (٩)، وهو: إلقاء الله في روع الحيوان، وقيل: إيجاده (١٠) على تلك الحالة؛ لأن الله جعل في طِباعها اتخاذ البيوت والأكل من الثمرات (١١)، وفيها أعجوبة لمن تأمل.

стр. 1053

والنحل: زنابير العسل، واحدها نحلة، وقيل ذباب العسل. ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ أي: في الجبال، ويحتمل أنه للتبعيض؛ لأن ذلك يوجد في بعض الجبال، وسمَّاها بيوتاً تشبيهاً ببيوت الإنسان. وقيل: لأنها مبنيَّة على حُسْنِ الصَّنعة وصحَّة القسمة. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ في الغياض والجبال والصحاري. ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ ابن زيد: الكروم (١). غيره: ﴿يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ (٢): يبنون، يريد منازل الناس. ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: من الثمار والأنوار (٣) حلوها ومرّها، وقيل: أعجب ما يكون في العسل إذا كان من أنوار مختلفة الطباع والطعوم. ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ امضي فيما سخرك الله له. ﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذلول، وهي حال من السُّبُل (٤). مجاهد: لا يتوعر عليها (٥) مكان سلكته (٦). غيره: ﴿ذُلُلًا﴾: حال من النحل، أي: مطيعة لله تعالى. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ هو العسل تُلْقِيْهِ من فيها. وروي عن الحسن أنه قال: لباب البر بلُعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم. فجعله لعاباً كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم (٧). وقيل: يخرج من فيها، وسُمِّي الفم بطناً لأنه في حكم البطن ولأنه مما يبطن ولا

стр. 1054

يظهر، وقيل: تلقيه من أسفلها. وروي عن علي ﵁ أنه قال: أما العسل فَوَنِيْمُ ذُباب (١). وقيل: إنها تحمل الطل الواقع على الشجر فتضعه من فيها في كورها فيصير عسلاً. وقيل: العسل أنوار مختلفة تحملها (٢) النحل إلى كورها وتضع بعضها على بعض فتستحيل على الأيام شهداً عسلاً، وهذا ضعيف، لأن الله تعالى قال (٣): ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ إلا أن يؤول البطن. ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأصفر وأحمر (٤)، وذكر أن الأبيض من العسل يلقيه الشباب من النحل والأصفر يلقيه الكهول منها، والأحمر يلقيه الشيب منها. ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ جمهور المفسرين على أن الضمير يعود إلى العسل، ونكَّر ﴿شِفَاءٌ﴾ لبعض الأدواء ولا يجب من قوله تعالى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ﴾ أن يشفى به كل عليل. وروى قتادة أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ وذكر أن أخاه يشتكي بطنه فقال ﷺ : (اذهب فاسقه عسلاً) (٥)، فرجع وقال: سقيته فلم يزل ما به، فقال ﷺ : (اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك)، فسقاه ثانياً فكأنما أنشط

стр. 1055

من عقال (١). وروي عنه ﷺ : (لو كان شيء ينجي من الموت لكان السنا والسنوت) (٢). وقال بعضهم: الضمير يعود إلى القرآن، أي: في القرآن شفاء للناس، وقيل: إليهما، لقوله ﷺ : (عليكم بالشفائين العسل والقرآن) (٣). وقيل: الضمير يعود إلى مابين الله من الدلائل والاعتبار في النحل فيكون شفاء (٤) لداء الجهل، يقويه قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم من أبدانكم طفلاً رضيعاً أو صبياناً أو شباناً أو كهولاً أو شيوخاً. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ الرد: الإعادة إلى حال تقدمت. ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ يعني: الهرم الذي ينقص فيه عقله وقوته. ورُذَالُ كل شيء: ما ينفى ويطرح، ضد الخيار. ابن زيد: أرذل العمر: الخرف (٥). قتادة: تسعون سنة (٦). وعن علي ﵁: خمس وسبعون سنة (٧). وقيل: ثمانون سنة، حكاه أقضى القضاة لقطرب (٨). وقيل: أرذل العمر: أنقصه وأوضعه. ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ يجوز في اللام أن تكون لام كي، فيصير المعنى: لئلا (٩) يعلم بعد علم شيئاً فيكون عبرة للمعتبر، وليعلم أنه كما هو قادر على نقله من العلم إلى الجهل قادر على إماتته وإحيائه، ويجوز أن تكون لام العاقبة، أي: يصير إلى حال الطفولة بنسيان ما كان يعلم، وقيل: لئلا يعمل بعد علمه شيئاً، أي: يفتر عن (١٠) العمل بالعلم؛ لأن تأثير الكِبَر في العمل أكثر منه في العلم، حكاه الماوردي (١١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾. ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ يريد بالتفضيل هاهنا (١٢) زيادة المال. ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ في الرزق، يعني: المالكين. ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ بمعطي رزقهم، يريد ما زاد على رزق عبيدهم، استعمل لفظ

стр. 1056

الرد موضع الإعطاء. ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من العبيد والإماء. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه حال، والمعنى: إنكم لا تشركون عبيدكم في أموالكم والله سبحانه أحق أن لا يشرك في الإلهية الأصنام. والثاني: استئنافٌ، أي أنهم سَوَاء في أني رزقت الجميع وأنه لا يمكن أحد أن يرزق عبده إلا برزقي إيَّاه، هذا لفظ ابن عيسى (١). ويحتمل (٢) وجهين آخرين: أحدهما: أن قوله ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ جملة واقعة موقع جواب النفي، وتقديره: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم في الرزق. والثاني: إضمار (٣) ألف الاستفهام، وتقديره: أفهم فيه سواء. وقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾ حيث يتخذون معه شركاء، استفهام بمعنى الإنكار. في سبب النزول: أنها نزلت في وفد نجران حيث قالوا في عيسى ﵇ ما قالوا (٤). ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يريد حوَّاء، خُلِقَت من آدم ﵇،

стр. 1057

وقيل: من جنسكم لتأنسوا بها أنس (١) الشبيه بالشبيه الموافق. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ اختلفوا في الحَفَدة، فقيل: هم الخدم، والحَفْدُ: الإسراع في الخدمة، والحافد: الخادم، والحَفَدَةُ جمعه، كالسفرة، ونصبه بجعل، أي: جعل لكم (٢) حفدة. وقيل: هم أولاد الأولاد. وقيل: هم أزواج البنات وهم الأختان. وقيل: البنات؛ لأنهن يخدمن في البيوت أتمّ خدمة. وقيل: أولاد المرأة من زوج قبله. وقيل: هم البنون، أي: يأنس بهم في الصِّغر ويخدمونه في الكبر. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ من الحلال، وقيل: من اللذيذ، كاللبن والعسل والثمار. وقيل: هو ما يأتيك عفواً. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو (٣) الأصنام. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ حيث أضافوا النعم إلى الأصنام ولا يضيفونها إلى المنعم بها عليهم. ابن جرير: يصدقون أولياء الشيطان فيما يحرمونه من البحيرة وأخواتها (٤). الحسن: آمنوا بالشيطان وكفروا بمحمد ﷺ وكذَّبوه. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ يريد أن الصنم جماد لا يملك رزق شيء، فالرزق مصدر والشيء مفعول المصدر.

стр. 1058

وقيل: بدل من الرزق، وأراد ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾: المطر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: النبات. ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ أي: ليس لها الآن ملكه ولا في استطاعتهم أن يملكوا أبداً، ووحد (يملك) على لفظ (ما)، وجمع ﴿يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ على المعنى قياساً على (مَنْ) (١). ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ الزجاج: لا تجعلوا له (٢) مثلاً فإنه واحد لا مثل له، أي: لا تجعلوا له الشركاء، وقيل: لا تقيسوه على شيء من خلقه ولا أفعاله على أفعالكم (٣). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ وإنما تُضْرَبُ الأمثالُ لمن لا يَعْلَم. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله لنفسه ولمن عبد دونه أو معه، لأنه عاجزٌ مُدَبَّرٌ مملوك ولا يقدر على نفع ولا ضرّ، والله واسع رازق جواد مقتدر. والثاني: أنه الكافر لا يعمل (٤) بطاعة الله، أي: كأنه لا يقدر على ما ينفقه في طاعة الله ومن رزقناه من المؤمنين مالاً حلالاً. ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ﴾ (٥) يتصدَّق منه. ﴿سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ أي: في الطاعة الزجاج: بين الله أن المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مقتدراً على الإنفاق

стр. 1059

والآخر عاجزاً لا يقدر أن ينفق لا يستويان، فكيف بين الحجارة التي هي موات وبين الله (١) الذي هو على كل شيء قدير وهو رازق جميع خلقه (٢). ومعنى قوله: (عبداً مملوكاً): يريد: أيَّ عبدٍ كان. وعن عطاء: أنه أبو جهل بن هشام، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾: أبو بكر الصديق ﵁ (٣). قوله: ﴿مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: ملَّكناه مالاً حلالاً فهو يُنفق منه سرّاً وجهراً، أي: دائماً، هل يستوون، ولفظ الجمع يدلُّ على أن المراد بالعبد العموم، أي: لا يستوي القبيلان. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ أي: قل الحمد لله، وقيل: الحمد لله على الكمال لا لما يعبدون (٤) بل أكثرهم لا يعلمون فيجعلون الحمد والعبادة لغير الله. وقيل: بل أكثرهم لا يعلمون لأنهم لا يتفكرون في الأدلة فيعرفوا أن العبادة والحمد لله (٥). ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: أخرس ولد أصمّ فهو لا يفهم (٦) شيئاً، وقيل: هو الكافر لا ينطق بخير. وقيل: هو المسلوب الفؤاد الذي لا يعقل شيئاً.

стр. 1060

﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ وبال وثقل على سيده. ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي (١): يبعثه سيده. ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وهذا وصفٌ يجمع كل (٢) الفضائل، ولا جواب إلا أن يقال: لا. ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ على منهاج واضح من دينه ودنياه، وجمهور المفسرين على أن هذا أيضاً مثل ضربه الله لنفسه وللأصنام التي تعبد معه. وفي سبب النزول: أنها نزلت في عثمان بن عفان ومولاه أسيد (٣) بن أبي العيص (٤)، وقيل: في عثمان وصاحبين له، أحدهما مؤمن يأمر بالخير ويحثه عليه والآخر ينهاه عن الإنفاق في سبيل الله (٥). ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقاتل: سبب نزولها أن كفار قريش سألوا رسول الله ﷺ عن الساعة (٦). قيل: تقديره: ولله علم غيب السموات والأرض، وقيل: لله ملك غيب (٧) السموات والأرض، والغيب هاهنا: ما لا يدرك بالحس ولا يفهم بالعقل. وقيل: غيب السموات والأرض ما في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].

стр. 1061

المفضل: لله ما غاب عن الخلق، أي: في قبضته لا يعزُب عنه (١). ابن بحر: غيب السموات والأرض ما اشتملتا عليه ودخل فيهما فهو غيب (٢)، أي: مغيب، من قوله ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]، أي: داخل الجبّ. ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ في قرب كونها وسرعة قيامها. والساعة: اسم لوقت النشور. الزجاج: اسم لإماتة الخلق وإحيائهم (٣). والأول أظهر. وسمي ساعة لأنه جزء من يوم القيامة، وأجزاء الزمان تسمى ساعات. ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ كرجع طرف، وقيل: مسافة ما يلمحه البصر، حكاه الماوردي (٤)، والأول الوجه؛ لأن المراد بلمح البصر السرعة والسهولة، وضرب المثل به لأنه لا يعرف زمان أقلّ منه. ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أو بمعنى بل، وقيل بمعنى الواو. وقيل: للشك في حق المخاطب، ويحتمل تصحيح قوله أقرب؛ لأن اللمح فِعلان وضع الجفن ورفعه، وقيام الساعة فعل واحد. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بالولادة، وأمهات جَمْعُ أمّ، زِيْد فيها الهاء

стр. 1062

فرقاً بين أمهات الناس وأُمَّات (١) البهائم، وقد جاء في الواحدة (٢) أُمَّهة، قال (٣): أُمَّهتي خِنْدِفُ وإلياسُ أبي ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: جهّالاً غير عالمين مع توفر أداة العلم من السمع والبصر والفؤاد، وقيل: تم الكلام على قوله (٤) ﴿شَيْئًا﴾ ثم استأنف (٥) فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي: جعلها بحيث تنتفعون بها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ الإخراج، وقيل: تشكرون الجَعْل، وهو الخلق. ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ جمع طائر. ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ لأمر الله، وقيل: مذللات. ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ فتح ما بين السماء والأرض. قتادة: جَوِّ السماء: كبد السماء (٦). الزجاج: جوِّ السماء: الهواء البعيد من الأرض (٧). الفراء: جوِّ السماء: هو السماء (٨).

стр. 1063

﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الهواء عن السقوط بلا مساك ولا عماد ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. الكلبي (١): ما يُمسكهن عن إرسال الحجارة عليكم إلا الله (٢). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ جمع آيات لقوله: مسخرات، وقد سبق في السورة (٣). ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ موضعاً تسكنون فيه عن ترددكم ومجيئكم وذهابكم (٤). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ البيت عامٌّ يقع على (٥) ما يُتخذ من الطين والخشب والآجر والصوف والشعر، وأراد بجلود الأنعام ما يُتخذ من الأدم. الحسن: هي المتخذة من النابت على الجلود، وهي الوبر والصُّوف والشَّعر (٦). ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ تجدونها خفيفة ويخف عليكم حملها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ في السفر. ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ ثباتكم في منازلكم. ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ الضائنة. ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ الإبل.

стр. 1064

﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ الماعز. ﴿أَثَاثًا﴾ متاع البيت، واحدها: أثاثة. ابن جرير: الأثاث: اجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر، كالشعر الأَثِيث (١). ابن عباس: الأثاث: المال والزينة (٢). المؤرج: الثياب بلغة قريش. وقيل: الأثاث: ما يُلبس ويُفترش كالأكسية وما يشبهها. ﴿وَمَتَاعًا﴾ المفضل: ما تَتَّجِرُون به (٣). غيره (٤): ما يُنتفع به. ﴿إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ مدة من الزمان لصلابتها، وقيل: إلى فنائها؛ لأنها سريعة الفساد قليلة البقاء. وقيل: إلى حين الممات. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ ما تستظلون به من الشجر والجبل والأبنية وغيرها، ولولا ظل هذه الأشياء لم يكن للحيوان في الأرض قرار. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ جمع كِنٍّ، وهو ما سَتَركَ مِنْ كهفٍ وغارٍ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ كل ما يُلبس من ثوبٍ أو درع فهو سِرْبَال، وقيل: القميص خاصة. ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ تصونكم عن الحرِّ إذا ضَحَيْتُم، وخصَّ الحر بالذِّكر وهي

стр. 1065

تقي البرد أيضاً اكتفاء بأحد الضِّدَّين، ولأنه خاطب العرب وهم يستريحون إلى البرد، ولأن التَّخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ تقي أبدانكم في الحرب من سلاح العدو، يريد الدرع وما يجري مجراها. ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: كما أتمَّ هذه النعم التي تقدمت يتم ما تحتاجون إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ تنقادون له بالطاعة، وقيل: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ أي: تؤمنون. وقرئ في الشواذ (تَسْلَمون) (١) أي: من الحر والبرد. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرَضُوا عن الإسلام. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾ الإبلاغ (٢)، كالطاعة من أطاع. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني المشركين، يعرفون أن الله خالقهم ورازقهم وهو المنعم عليهم. ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ولا يؤدون حقها. السدي والزجاج: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: أمر محمد ﷺ ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: بتكذيبهم إياه (٣).

стр. 1066

مجاهد: يقرون بنعم الله ثم ينكرونها بإسنادها إلى غير الله، نحو أن يقول: أصبته بِجَلادتي (١) وورثته من فلان ووهب لي فلان (٢). وقيل: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: بإضافتها إلى شفاعة الأصنام. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾ الجمهور (٣) على أن المراد بالأكثر: الجميع، وقيل: لأن فيهم الصبي والمأووف (٤). وقيل: عزل البعض احتقاراً له أن يذكره. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ نحشر. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ يعني: نبيهم، يشهد على أمته بما فعلوا، وقيل: من كل جيل في كل زمان شهيداً على أهل زمانه بما كانوا يفعلون. ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار، وقيل: لا يسمع عذرهم. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾ ولا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما يرضي الله، والعتبى: الرضا. ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾ جهنم ونيرانها. ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: العذاب. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾ يؤخرون ويمهلون. ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أوثانهم التي عبدوها.

стр. 1067

﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ لأن الله يبعثها حين يوردهم النار فيعرفونها (١) ويقولون هذه المقالة. ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾ أي: أجابوهم بالتكذيب؛ لأنها كانت جماداً ما تعرف من عبدها، وقيل: هذا في عزير وعيسى ومن عُبِدَ من الملائكة، لما رأوهم في الجنة وهم في النار قالوا هذه المقالة، فأجابوهم بأنكم كاذبون في قولكم إنا دعوناكم إلى عبادتنا والإشراك بالله. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أسلم الكفار يوم البعث حين لا ينفع، وقيل: أسلموا لإمرة أنفسهم (٢)، وقيل: استسلموا بالذل لحكم الله. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾ ضاع سعيهم وخاب أملهم من شفاعة آلهتهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ أي: بسبب صدهم ومنعهم الناس عن الإيمان، وقيل: عن الجهاد، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أي: عذاباً بكفرهم وعذاباً بصدهم وإفسادهم. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نبيهم يشهد عليهم. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من بني آدم، وقيل: من قومهم. ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أمتك. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قيل: حال، وقيل: استئناف، وهذا أظهر. ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يأتون ويذرون. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ للجميع.

стр. 1068

﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ خاصة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بالتسوية والإنصاف. ابن عباس ﵄: بشهادة أن لا إله إلا الله (١). ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ نفع لا ضرر منه (٢). ابن عباس: أداء الفرائض (٣). ابن جرير: الصبر على أوامره ونواهيه (٤). وقيل: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل. وقيل: الإحسان هاهنا: العفو. الحسن: العدل والإحسان: الفرض والنافلة. ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ إعطاء القرابة ما تحتاج إليه، يريد صلة الرحم. ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا وكل ذنب له حد، وقيل: الفحشاء: كل قبيح من قول وفعل. وقيل: البخل. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥) مالا يعرف في شريعة من شرائع الأنبياء, وقيل: ما تنكره العقول. وقيل: ما يكره الإنسان ظهوره منه للناس.

стр. 1069

﴿وَالْبَغْيِ﴾ ابن عباس: الكبر والظلم (١). وقيل: تجاوز الحق إلى الباطل. ابن مسعود ﵁: هذه الآية أجْمَع آية في القرآن للخير والشر (٢). مسروق (٣): أجمع آية في القرآن لحلال وحرام. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ يحذركم وينهاكم عن هذا كله. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ ما أمرتم به وهو ثلاث ونهيتم عنه وهو ثلاث، فتتعظوا (٤). وذكر المفسرون أن النبي ﷺ قرأ على الوليد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ إلى آخر الآية، قال له: يا ابن أخي أعِدْ، فأعاد عليه، فقال: إن له والله لحلاوة وإن له لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر (٥). ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ أتموا ما ضمنتم من أحكام الدين، وقيل: النذور، وقيل: كل عهد في طاعة الله، وقيل: هو الإيمان. ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لا تحنثوا في أيمانكم المؤكدة بذكر الله. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي: قلتم عند الحلف: الله راع علي كفيل أن

стр. 1070

أفعل كذا، وقيل: ﴿كَفِيلًا﴾: شاهداً وقيماً, وقيل: يكفل لكم بالجنة إذا وفيتم، وقيل: ﴿عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ بالوفاء. وفي سبب نزوله قولان، أحدهما: نزلت في الذين بايعوا رسول الله ﷺ ، أمرهم بالوفاء (١). مجاهد وقتادة: نزلت في (٢) حلف أهل الجاهلية (٣). والأكثر على (٤) أنه عام. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ هذا مثل لناقِضي العهد، فقال بعضهم: ضرب الله هذا المثل، وقال بعضهم: أراد الله به (٥) امرأة صنعت هذا، وقيل: هي ريطة بنت عمرو (٦)، وكانت امرأة خرقاء حمقاء من قريش تُلقَّب بجعر (٧). وقيل: جعراء، كانت قد اتخذت مغزلاً بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفلكة كبيرة على قدرها، وكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر وتأمر جواريها بذلك، فكُنَّ يغزلن من الغد إلى نصف النهار فإذا انتصف النهار أمرت جواريها بنقض جميع

стр. 1071

ما غَزَلْنَ، وكان هذا دَأْبُها (١). الغَزْل المصدر، والغَزْل الاسم. ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ يجوز أن يتعلَّق بقوله: نقضت من بعد قوة، ويجوز أن يتعلق بالغزل، والقوة: الطاقة الواحدة، أي: بعد أن جعلتها قوى وطاقات (٢). المبرد: من بعد قوة إبرام وإحكام (٣). وقيل: من بعد شدة فتل. ﴿أَنْكَاثًا﴾ جمع نِكْث، وهو ما نكث ونقض بعد الغزل والفتل. ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ خيانة ومكراً. الزجاج: غشاً وغلاً (٤). وقيل: ﴿دَخَلًا﴾: دغلاً وغدراً (٥). والدَّخَل: كل أمر لم يكن صحيحاً.

стр. 1072

ابن بحر: الدخل: الشيء (١) الداخل في الشيء لم يكن منه (٢). تقول: دخل يدخل فهو دَخَل، ومثله سَقَطَ يَسْقُط فهو سَقَط (٣). ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم وقد وثقوا بكم. مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا أكثر وأعز حالفوا الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك (٤). ومعنى ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ بأن تكون (٥) ولأن تكون، ﴿أَرْبَى﴾ أزيد عدداً. ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ يختبركم بالوفاء بالعهد، وقيل: بالأمر. وقيل: بالعزّ والذلّ والغنى والفقر، وقيل: بالعهد، وقيل: بالكثرة، وقيل: بالقلّة، والمراد: القل والكثر. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾ إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين الإسلام. ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان والتوفيق. ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ ثم يجازيكم جزائكم، المطيع منكم بطاعته والعاصي بمعصيته، وقيل: لتسألن سؤالاً لم عملتم، فيكون تبكيتاً.

стр. 1073

﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا﴾ للدخل. ﴿بَيْنَكُمْ﴾ لتتوصلوا بها إلى قطع أموال المسلمين. ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ فتصير فاسقاً بعد الصلاح، وزلل (١) القدم عبارة عن السُّقوط عن الصِّراط السويِّ، لأن من ثَبَتَ قدمه كان مؤمناً مرضيّاً، ومن زلَّت كان هالكاً. ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ العذاب. ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بصدكم الناس عن الإيمان بالله. ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾ دائم لا ينقطع. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا تبدلوا عهد الله وتأخذوا ذا ثمن، وقد سبق بيانه (٢). ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الثواب المدخر عنده خير لكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾. ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ ينقضي ويفنى. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ لا يزول ولا يفنى. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ أي: ولنجزين الصابر على المكروه أحسن الجزاء وأفضل الثواب. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قيد بالإيمان لأن أعمال الكفار غير معتد بها.

стр. 1074

﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الدنيا بأن نوسع عليه الرزق الحلال ونيسره لصالح الأعمال ونصفِّي حياته من الهموم والآفات، وقيل: حياة في الجنة. الحسن: الحياة الطيبة: القناعة (١). ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ أي: نُجازي على الطاعة، وقيل: نُضاعفه الجزاء. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي: إذا أردت قراءته، وقيل: إذا كنت قارئاً. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فإذا استعذت بالله فاقرأ القرآن (٢). ويروى عن سليم عن حمزة (٣) أنه كان يتعوَّذ بعد القراءة أخذاً بظاهر اللفظ، وتلك رواية مرغوب عنها (٤). ومعنى فاستعذ بالله ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ سَلْهُ أن يعيذك من وساوس (٥)

стр. 1075

إبليس ومكائده، والشيطان: هو إبليس، والرجيم: المطرود الملعون. وقيل: الرجيم بالشهب. وقيل: فعيل بمعنى فاعل، أي: يرجم بني آدم ويرميهم بالسيئات والغوائل. والاستعاذة: ندبٌ واستحبابٌ وليست بفرض (١). ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾ لإبليس. ﴿سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ سلطانه: إغواؤه، والمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه، وقيل: سلطانه: حجته، من قوله ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يحبونه ويتبعون وساوسه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ بالله. ﴿مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ وقيل: يعود إلى إبليس، أي: بسببه هم (٢) مشركون. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ إذا نسخنا آية وأنزلنا مكانها أخرى، نزلت حين قال المشركون: إن محمداً يسخَرُ بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ويأتيهم بما هو أهون عليهم وما هو إلا مفترٍ يتقوَّله من تلقاء نفسه، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها (٣). ابن بحر: ﴿آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: شريعة تقدمت بشريعة مستأنفة (٤). ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ ناسخاً ومنسوخاً، لأنه المدبر (٥) المتعبِّد عباده بما هو

стр. 1076

خير لهم. ﴿قَالُوا﴾ يعني الكفار. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمد. ﴿مُفْتَرٍ﴾ تقوله من تلقاء نفسك، وهذا جواب ﴿وَإِذَا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراض، ويحتمل أن يكون حالاً. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ وجه المصلحة والصواب فيه. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇. ﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ لإظهار الحق وإبطال الكفر. ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الإيمان. ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ بأنهم من أهل الجنة. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ في سبب النزول عن عبد الله بن مسلم قال: كان غلامان نصرانيان اسم أحدهما يسار والآخر جبر، وكانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن كتباً لهم بلسانهم، وكان رسول الله ﷺ يمر بهما ويسمع قراءتهما، فكان المشركون يقولون: يتعلم منهما، فأنزل الله ، فأكذبهم الله وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ (١). وقال طلحة بن عمرو: بلغني أن خديجة كانت (٢) تختلف إلى جبر، وكانت قريش تقول إن عبداً الحضرمي يُعَلِّمُ خديجة وخديجة تعلم محمداً (٣). وقيل: ﴿بَشَرٌ﴾: أبو ميسرة النصراني (٤). ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعلم قيناً بمكة اسمه: بلعام، وكان نصرانيًّا فرآه المشركون يدخل على النبي ﷺ ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام (٥).

стр. 1077

عكرمة وقتادة: كان النبي ﷺ يقرئ غلاماً لبني المغيرة يقال له يعيش، وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش (١): إنما يعلمه يعيش (٢). قال الفرَّاء: قال المشركون: إنما يعلمه عايش، مملوك كان لحويطب ابن عبد العزَّى، وكان قد أسلم فحسن إسلامه (٣). وقال سعيد: إنه كان غلاماً أعجمياً لامرأة بمكة (٤) يقال له أبو فكيهة (٥). وذكر غيره أن أبا فكيهة هو يسار (٦). الضحاك: إنما يعلمه سلمان الفارسي (٧). ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ يميلون إليه، وقيل: يعترضون به ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ دخيل في العرب، أي: بلغة العجم ﴿وَهَذَا﴾ يعني القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ﴾ بلغة العرب ﴿مُبِينٌ (١٠٣)﴾ يعرف معناه من لفظه بأدنى تأمل، والمعنى: أنتم أفصح العرب وأبلغهم، وأقدرهم على الكلام نظماً ونثراً، وقد عجزتم وعجز جميع العرب عنه، فكيف تنسبونه إلى أعجمي ألكن. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني القرآن وأنه من عند الله. ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لا يوفقهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ مؤلم دائم. ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جواب لهم حين قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ ابن بحر: أعلم أنهم هم أهل تلك الصفة دون رسول الله ﷺ ، فرد عليهم بالوصف دون النص أولاً، ثم رد نصاً فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ (٨).

стр. 1078

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ في سبب النزول، قال ابن عباس ﵄: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسراً وأمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قُبُلُها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت لأجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيل في الإسلام، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، وأُخْبِرَ رسول الله بأن عماراً كفر، فقال: (كلا، إن عمّاراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه)، فأتى عمّار رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه وقال (١): (إن عادوا لك فعد لهم بما قلت)، فأنزل الله هذه الآية (٢). وقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا وكتب إليهم المسلمون بالمدينة أن هاجروا فإنا (٣) لا نراكم منَّا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق وفتنوهم مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية (٤). قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾: الزجاج: ﴿مَنْ﴾ مرفوع (٥) على البدل من ﴿الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ ومفسر له، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء لأنه لا خبر له (٦). وأجاز بعضهم أن يكون رفعاً بالابتداء، وقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾ بدل عنه، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ خبر عنهما. وقوله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي: على التلفظ (٧) بكلمة الكفر.

стр. 1079

﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: قابل الإيمان وساكن إليه. ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: قبله على اختيار وانشراح صدر. ﴿صَدْرًا﴾ نصب على التمييز، أي: شرح صدره، فصرف الفعل إلى المضاف إليه فانتصب على التمييز. ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ الغضب والعذاب. ﴿بِأَنَّهُمُ﴾ بسبب أنهم وبدل أنهم. ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ أي: آثروها عليها. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ ختم. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ أي: خذلهم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ عن آيات الله بتَرْكِهم التأمُّل فيها. ﴿لَا جَرَمَ﴾ من جعله اسماً فهو مفتوح، ومن جعله فعلاً جعل (لا) رداً، وقد سبق (١). ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾. قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ في سبب النزول، قال قتادة: ذكر لنا أنه لما أنزل الله إن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا، وكتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم، فخرجوا فأدركتهم قريش في الطريق (٢) ففتنوهم مكرهين، ومنهم من قتل ومنهم من نجى، فأنزل الله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (٣). أي: عذبوا وأوذوا حتى تلفظوا بما رضيهم. ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ مع النبي ﴿وَصَبَرُوا﴾ على الدين والجهاد ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ بعد الفتنة التي أصابتهم، وقيل: المجاهدة، وقيل: الهجرة. ﴿لَغَفُورٌ﴾ يغفر لهم ما تلفظوا به من الكفر تَقِيَّة (٤). ﴿رَحِيمٌ (١١٠)﴾ يرحمهم. ومن قرأ (فَتَنُوا) فتقديره: فتنوا أنفسهم، ولما طال الكلام أعاد (إن) واسمها (٥). ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعني يوم القيامة.

стр. 1080

﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ لا يهمها إلا نفسه (١) تحاج الملك حالة المحاسبة. والمجادلة: التشدد (٢) في الخصومة. ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ تعطى جزاء عملها وافياً. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ لا ينقصون مما تستحقه شيئاً. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ ابن عباس في جماعة: هي مكة (٣). وروي عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت عند قتل عثمان ﵁: إنها القرية والذي نفسي بيده - تعني المدينة هي القرية التي ضرب الله المثل (٤) - وسترون ما يحل بأهلها (٥). وعن الحسن (٦): هي بلدة عظيمة قديمة آمنة كفر أهلها فعذبهم الله أولاً بالجوع والخوف ثم استأصل (٧) فضرب تلك البلدة مثلاً لأهل مكة، كانت آمنة مما ابتلي غيرهم به من الحرب والقتل والسَّبي، وهم من ذلك آمنون (٨). ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ قارَّة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر العرب. ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾ أقواتها، وقيل: موادها. ﴿رَغَدًا﴾ كثيراً واسعاً بلا عناء. ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها وفجاجها، وقيل: من ثلاث سبل: اليمن والشام والحبشة. ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ بما أنعم الله عليهم، وقيل: بمحمد والقرآن والإسلام، وأَنْعُم: جمع نعمة، كشِّدَّة وأَشُدّ، وقيل: جمع نَعْمَاء، كبأساء (٩) وأبؤس، وقيل: جمع نُعم، كطُعم وأَطْعُم (١٠).

стр. 1081

﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ وذلك أن النبي ﷺ دعا على قريش حين أفرطوا في أذاه فقال: (اللهم اشدد وطأتك عليهم، واجعل لهم سنين كسِني يوسف)، فقطع الله عنهم التجارات والأمطار وقحطوا سبع سنين متوالية حتى أكلوا العِلْهِزَ (١) والجيف، وأوقع خوف النبي والمؤمنين (٢) في قلوبهم (٣). واستعار الذوق لكل ما يلذ أو يؤلم. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ . ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ قال المفسرون إنه القتل بالسيف يوم بدر (٤)، وقيل: الجدب الشديد. ثم خاطب المؤمنين فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الغنائم. ﴿حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ حكى الفقيه (٥) أبو الليث ﵀ في تفسيره: ثم إن أهل مكة بعثوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إن عاديت الرجال فما بال الصبيان والنساء، فأذن رسول الله ﷺ في حمل الطعام إليهم، فحمل ولم يقطع عنهم، فقال الله ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ يعني خزاعة وثقيفاً، أي: ما أحل (٦) لكم واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون (٧). ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ سبق تفسيره في البقرة (٨). ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ أي: لوَصْفِ ألسنتكم الكذب. ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ كما قالوا في البحيرة وكما قالوا في بطون هذه الأنعام.

стр. 1082

﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ قيل: هي لام العاقبة، وقيل: هي لام كي، لأنهم قالوا الله أمَرَنا بهذا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: هو متاع قليل لا بقاء له لأن عمر الدنيا قصير. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ يريد في الآخرة. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يريد ما تقدم من قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وقوله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يتعلق بقصصنا عليك، وقيل: بحرمنا، والأول أظهر. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتحريم. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ فحرمنا عليهم عقوبة لهم على معاصيهم. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ جهالة غلبة الشهوة والشباب. الفراء: كل من عمل سوءاً فهو جاهل (١). ابن عيسى: عملوه بداعي الجهل (٢). ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ من بعد التوبة وبعد الجهالة. ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي: معلماً للخير يَأْتَمُّ به أهل الدنيا. مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار (٣). وقيل: كان يقوم مقام أمة. المؤرج: الأمة: الإمام يُقتدى به في لغة قريش.

стр. 1083

وعن شهر بن حوشب: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتُخْرِجُ بركتها إلا زمنَ إبراهيم ﵇ فإنه كان وحده (١). وقيل: سمي أمة لأنه انفرد في دهره بالتوحيد (٢)، كما قال ﷺ في قس بن ساعدة (٣): (يحشر يوم القيامة أمة). ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ هو المطيع الدائم على الطاعة، وقد سبق (٤). ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الأديان، وقيل: مستقيماً، وقيل: حاجاً، وقيل: مختناً، وقد سبق (٥). وقد ذكر المفسرون أن ابن مسعود قرأ: إن (٦) معاذاً كان أمة قانتاً، فقيل: غلطت، إنما هو إبراهيم، فأعادها ثلاثاً، ثم قال: إنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ كنا نشبهه بإبراهيم، ثم قال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلنا: الله أعلم، فقال: الأمة: الذي يُعَلِّمُ الخير، والقانت: المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلماً للخير مطيعاً لله، حكاه الثعلبي وغيره (٧). ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ كما زعموا، وحذف النون تشبيهاً بحروف المد واللين.

стр. 1084

﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: لنعمه، وقع الجمع القليل موقع الجمع الكثير. ﴿اجْتَبَاهُ﴾ اختاره لنبوته. ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ وهو الإسلام، لا (١) كما زعم اليهود والنصارى. ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ لسان الصدق والثناء الجميل. قتادة: هي أن جعله بحيث كل الملل ينتسبون إليه (٢). الحسن: النبوة (٣). سعيد بن جبير: الولد الطيب (٤). ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ من الأنبياء. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ أي: بعد إبراهيم بالزمن الطويل أمرناك باتباع طريقته في (٥) عبادة ربه ليعلم أهل الأديان أن الذي يدعو محمد إليه (٦) الناس دين إبراهيم ﵉. ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ هم اليهود، وإنما عداه بعلى لأن اليوم صار عليهم لا لهم لارتكابهم (٧) المعاصي فيه، وقيل: معناه: حرم الكسب عليهم، أي: العمل فيه.

стр. 1085

الحسن: جعل السبت لعنة عليهم بأن جعل منهم القردة (١). وقيل: أوحينا إليهم تعظيمه. ومعنى ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي (٢): حلله قوم من اليهود وحرمه قوم. ابن عباس: إن الله تعالى قال: (ذروا الأعمال في يوم الجمعة وتفرغوا فيه لعبادتي)، فقالوا: نريد السبت لأن الله فَرغَ فيه من خلق السموات والأرض فهو أولى بالراحة، وقال بعضهم: نحب أن يكون يوم الأحد لأن فيه بدأ الله الخلق، فألزمهم السبت وشدد التكليف فيه لمخالفتهم أمره (٣). وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها وإن الله هدانا لها فالناس لنا فيها تبع فلليهود غد وللنصارى بعد غد) (٤). ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي: ادع يا محمد أمتك ومن بعثت إليه إلى الإسلام. ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ النبوة. ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ القرآن. ابن جرير: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ (٥): بالقرآن، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: العبر المعدودة في هذه السورة (٦). وقيل: الحكمة والموعظة: القرآن. ابن عيسى: الحكمة: المعرفة بمراتب الأفعال، والموعظة الحسنة: أن تختلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة (٧).

стр. 1086

﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الزجاج: أي: جادلهم غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك، بل ألِن لهم جانبك (١). مجاهد: أعرض عن أذاهم (٢) إياك (٣). وقيل: على قدر ما يحتملون. روى أبي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أُمِرْنا معاشر الأنبياء (٤) أن نكلِّم الناس على قَدْرِ عقولهم) (٥). والجدال: فَتْلُ الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج. وذهب بعض المفسرين إلى أنه منسوخ (٦). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ أي: ثم إن لم يقبلوا رشدهم بعد اللطف فأنفسهم يضرون. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ (٧):

стр. 1087

في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم قُتِل حمزة ومُثِّلَ به: (لئن ظفرت بقريش لأمثلنَّ بسبعين رجلاً منهم) فأنزل الله هذه الآيات، فقال رسول الله ﷺ : (بل نصبر يارب) (١). قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾: جازيتم المسيء على إساءته. ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أمر أن يكون الجزاء على الذنب مثله لا كما كانت العرب تفعله وجرى على لفظه ﵇ (٢)، وهذا فيمن جعل السورة مكية إلا هذه الآيات، ومن جعل السورة كلها مكية حمل معناها على ما يشبه هذه الآية من قوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، و ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أي: الصفح (٣) عن الشيء مالم يؤد إلى ضرر أَحْمَدُ عند الله والمؤمنين. ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ لا تجزع على ما أصابك، وقوله: ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾ بمعونته، وقيل: إلا لله (٤). ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ فهم شهداء عند الله يرزقون فرحين. ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ من القتل والمُثْلَة. ومن قال كلها مكية فالمعنى: فاصبر على أذى المشركين ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ بتوفيقه ومعونته ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في تكذيبهم إياك وإفراطهم في أذاك ولا يضق صدرك بمكرهم (٥) في إبطال دين الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ما حرم عليهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ فيما رزقهم الله. ومعنى: ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾ ناصرهم ومعينهم في الدنيا والعقبى.

стр. 1088

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة بني إسرائيل (١) مكية عند الجميع. قتادة: مكية إلا ثمان آيات من قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آيات. و (٢) فيها ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] نزلت بين مكة والمدينة (٣). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ ﴿سُبْحَانَ﴾: مصدر، كالغفران، وليس من لفظه فعل، وقيل: هو اسم (٤) من سبح والتسبيح مصدره. ونصب ﴿سُبْحَانَ﴾ على المصدر ولم يستعمل إلا منصوباً وأكثر مجيئه مضافاً، وقد جاء منوناً، كقول أمية (٥):

стр. 1089

سبحانَه ثم سُبْحاناً نقول له ... وقبلنا سبح الجُودِيُّ والجُمُدُ وجاء غير (١) مضاف ولا منون، قال (٢): أقولُ لمَّا جاءني فَخْرُهُ ... سُبْحانَ مِنْ علقمةَ الفاخِر جعله علماً وفيه الألف والنون (٣) فلم ينصرف. وفي معناه أقوال، وقد سبق (٤)، أحدها: تنزيه وتبرئة. وكيع: إنزاه الله من السوء. مجاهد: انكاف الله (٥). ابن عباس: تعجب. الحسن: كلمة اتخذها الله لنفسه (٦). ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ السُّرَى والإسْرَاءُ: الذهاب في الليل، وقرئ ﴿فَأَسْرِ﴾ [هود: ٨١] بالوجهين (٧)، ويُعدَّى بالباء، وعبده محمد ﷺ . ﴿لَيْلًا﴾ قَيَّدَهُ بذكر الليل والإسراء لا يكون إلا بالليل تأكيداً، كما تقول:

стр. 1090

أخذ (١) بيده وقال بلسانه، وقيل: المراد بقوله ﴿لَيْلًا﴾ أي (٢): في بعض الليل لا في كلّه، على تقليل الوقت (٣) , وقيل: أراد أول الليل، وقيل: قوله (ليلا) يدل على (٤) جوف الليل، أي: لم يكن إدْلاجاً ولا ادّلاجاً (٥). وقيل: لقطع مجاز يستعمل له السرى، تقول: سرى الشيء في الشيء: إذا جرى فيه برفق وخفاء. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المسجد الحرام اسم (٦) لجميع بلد مكة، وكان النبي ﷺ تلك الليلة في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، قالت أم هانئ: ما أُسري برسول الله ﷺ إلا من بيتي، وكان في بيتي نائماً عندي (٧) تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونِمْنَا، فلما كان قُبيل الفجر هَبَّنَا (٨) هو، فلما صلَّى (٩) الصبح وصلينا معه قال: (يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة (١٠) معكم الآن كما ترين) (١١).
следующие страницы →