← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ يصعدون. قتادة: ﴿يَعْرُجُونَ (١٤)﴾ (١): يختلفون فيه جائين وذاهبين (٢). والذين يعرجون: بنو آدم، وقيل: تعرج الملائكة في الباب. وهذا جواب لقولهم ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾، أي (٣): لو أجيبوا إلى ما اقترحوا. ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾. الأخفش: أمسكت، تقول: سكرت الباب: إذا حبسته بخشبة. أبو عمرو: غُشِّي أبصارنا وأخذت (٤). الحسن: سحرت (٥). وقيل: دير بنا (٦). الزجاج: تحيرت وسكنت عن أن تنظر (٧). الضحاك: سدت (٨). الكلبي: عميت (٩). قتادة: خدعت (١٠). وقرئ (١١): (سُكِرَت) بالتخفيف.

стр. 982

قال أبو علي: هما سواء، لكن التشديد يدل على المبالغة (١). وأصله من الحبس، تقول: سَكَرت النهر، والسِّكْر: ما يُسكر به. ابن عيسى: أصله إدخال اللطيف في المسام (٢)، ومنه السُّكر، والسَّكر: السد (٣) بالتراب (٤). ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ مخدوعون، وقيل: سحرنا محمد. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: خلقنا فيها. ﴿بُرُوجًا﴾ الحسن ومجاهد وقتادة: نجوماً (٥). ابن جرير: هي كواكب تنزلها الشمس والقمر (٦). غيرهم: هي (٧) البروج الاثنا عشر: الحَمَل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسُّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدَّلو، والحوت، وهي منازل الشمس والقمر والنجوم التي تجري فيها، وذلك أن الفلك قسم اثني عشر قسماً وكل قسم منها سمي برجاً ولقب كل برج ببعض الكواكب التي في ذلك القسم كالحمل والثور إلى التمام. وقيل: البروج: قصور في السماء. وأصل الكلمة من بروج الحصن، واشتقاقه من البروج وهو الظهور. ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ قيل: السماء، وقيل: البروج. ﴿لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ للمعتبرين. ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ السماء. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ ملعون، وقيل: مرمي بالنجوم.

стр. 983

﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الزجاج: يجوز أن يكون خفضاً، أي: إلا ممن استرق (١). ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ أي: رام اختلاسه سِرَّاً، والسمع المسموع، فيتبعه ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ نار تظهر (٢) لكل ذي عينين. ابن عيسى: الشهاب: عمود من نار (٣) يمتد بشدة ضيائه كالنار (٤). قال ابن عباس ﵄: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات فكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، لأن الملائكة يتدارسون مما انتسخوه من اللوح المحفوظ، ثم يأتون الكهنة فيخبرونهم بذلك فيخلطون به (٥) كذبهم، فلما وُلِد عيسى ﵇ مُنِعوا من ثلاث سماوات (٦) ولم يُمْنعوا من أربع، فلما ولد محمد ﷺ مُنِعوا من السماوات كلها، فما منهم من يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب فيخرجه أو يخبله أو يخرق جزءاً منه ولا يقتله (٧). الحسن: يقتله ولا يعود الشهاب (٨).

стр. 984

وقيل: يرجمون بها (١) وتعود الشهب إلى أماكنها. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها من تحت الكعبة، من قوله ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]. وعن الحسن أنه قال: أخذ الله طينة فقال لها انبسطي فانبسطت (٢). والجمهور على أن الله تعالى مدها على وجه الماء. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿رَوَاسِيَ﴾ جبالاً ثوابت، والراسي (٣): الثابت، وقيل: الغائب في الأرض (٤). ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ قيل: في الأرض. وقيل: في الجبال، وقيل: فيهما. ومعنى ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾ أي: شأنها أن توزن، كالحنطة والشعير والزعفران والذهب والفضة (٥) والنحاس. وقيل: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: معلوم عند الله. وقيل: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: مقدور بقدر. قتادة: ﴿مَوْزُونٍ (١٩)﴾: مقسوم (٦). ويحتمل (٧) أن المراد به المكيل والموزون والمعدود، لأن مآل الكل إلى الوزن،

стр. 985

كالخبز وحب الرمان والمج (١)، ويحتمل أيضاً (٢) أن المراد بالموزون ماله منزلة، كما تقول: ليس له وزن، أي: قدر ومنزلة. ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا﴾ في الأرض. ﴿مَعَايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي مصدر عاش، فجعل اسماً لما يعاش به. ابن عيسى: المعيشة: طلب أسباب الرزق من المطاعم (٣) والمشارب والملابس مدة الحياة، قد يطلبها الإنسان بالكسب والتصرف وقد تطلب له، فإن أتاه من غير طلب فهو العيش الهني (٤). ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ العبيد والإماء، أي: يخدمونكم والله يرزقهم. مجاهد: الدواب والأنعام والبهائم (٥). وفيه بعد، أو يضم إليها العبيد والإماء. وقيل: أراد به الوحش والسباع والطير، ومحل (من) جر، وهذا (٦) ممتنع من وجهين (٧)، أحدهما: أنه لايجوز العطف على الضمير (٨) المجرور إلا بإعادة الجار، والثاني: أنه يحتاج إلى إضمار معايش، فيصير عطفاً على عاملين مختلفين، وهذا لايجوز أيضاً، بل محله (٩) نصب من وجهين، أحدهما: بالعطف على المعايش (١٠)، والثاني: بالعطف على محل (١١) لكم، ومن هذا الوجه يحتمل الرفع أيضاً، أي: ومن لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش.

стр. 986

ويحتمل (١) أن المراد بهم (٢) قوم عقلاء ليسوا من بني آدم كالجن، فيكون محل (من) نصباً. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ ذهب بعضهم إلى أن المراد به المطر، وأنه أصل جميع الأشياء، والمراد بالخزائن أنه القادر عليه وعلى إحداثه، وذهب بعضهم إلى أن التقدير: وإن من شيء مما تنبته الأرض من الثمار والأشجار إلا عندنا خزائنه، يريد الماء أيضاً، لكنه جعل خزائن الماء خزائن (٣) هذه الأشياء لما كانت منه، وهذا هو القول الأول بعنيه. ابن بحر: لفظ الخزائن مستعار، والمعنى: أن الخير كله بيد الله (٤). وقيل: خزائنه: مفاتحه، وقيل: عندنا خزانه يرسلون منه. ابن عيسى: خزائن الله: مقدوراته (٥). الثعلبي حاكياً: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر، قال: وهو تأويل قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ (٦). وقيل: يريد (٧) الماء الذي في السماء ينزل إلى (٨) السحاب ثم ينزل إلى الأرض. ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ أي: معلوم عند الله حده ومبلغه. قال (٩) ابن مسعود: ليس أرض بأمطر من أرض ولا عام بأمطر من عام ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض (١٠) كيف يشاء عاماً هاهنا وعاماً هاهنا (١١).

стр. 987

وفي رواية أخرى: وربما كان في البحر (١). وروي أيضاً أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يعلمون كل قطرة حيث تقع وما تنبت (٢). ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ جمع لاقحة، ولاقحة فيها (٣) ثلاثة أقوال، أحدها: حاملة، والمعنى: أرسلنا الرياح حوامل بالسحاب، لأنها تحمل السحاب. وقيل: ذات لقح، وهي كالأول. وقيل: لاقحة بمعنى ملقحة، لأن الرياح تلقح الأشجار، وهي ضد العقيم. وقيل: تلقح السحاب، وقيل تلقحهما. وروى أبو هريرة ﵁: الريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه (٤). من قرأ ﴿الرِّيَاحَ﴾ فوجهها ظاهر، ومن قرأ (الريح) حملها على الجنس، كالإنسان (٥). ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي: جعلنا المطر سقيا لكم وفيه حياتكم. ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ أي: في السماء، بل خزنه وإنزاله إلى الله، وقيل: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾: حافظين في الأرض لولا حفظ الله إياه لكم. ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ أي: نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء ونحن الوارثون إذا مات (٦) الخلائق كلها.

стр. 988

﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي ﷺ امرأة حسناء في آخر الناس، وكان بعضهم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، وكان بعضهم يكون في الصف المؤخر فإذا ركع قال هكذا فينظر من تحت إبطه، فنزلت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ (١). وقال الربيع بن أنس: حض رسول الله ﷺ على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه، وكانت بنو عذرة دُورهم قاصية عن المسجد، فقالوا: نبيع دورنا ونشتري دوراً قريبة من المسجد، فأنزل الله هذه الآية (٢). والمعنى: نعلم المتقدم والمتأخر ونعلم نياتهم فنجازيهم عليها يوم القيامة، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾. وقيل: المستقدمون هم الأموات، والمستأخرون الأحياء، وهذا المعنى أليق بما قبله وما بعده من الآيات. عكرمة: المستقدمون: الذين خلقوا، والمستأخرون: الذين لم يخلقوا بعد (٣). وقيل: هم الأولون والآخرون، وقيل: المستأخرون: أمة محمد ﷺ ، والمستقدمون: من قبلهم، وقيل: المستقدمون في الخيرات والمستأخرون عنها (٤). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني آدم ﵇. ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ حمأة صارت بمفارقة الماء طيناً يصوت إذا نقر، مشتقٌّ من: الصلصلة، وهي صوت الشيء إذا نقر. وقيل: من: صَلَّ اللحم: إذا أنتن. ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ جمع حَمْأة، وهي الطين يطول جريان الماء عليه (٥) فينتن ويسود. ﴿مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ مصبوب لييبس، والسَنُّ: الصَبُّ، وقيل: متغير من حال الحَمْأة

стр. 989

إلى حال الصلصة، وقيل: متغير الرائحة. سيبويه: مُصَوّر (١)، من سنة الوجه، وهي صورته، حكاه الثعلبي (٢). الفراء: ﴿مَسْنُونٍ (٢٦)﴾: حك بعضه بعضاً، من: سننت الحجر بالحجر، إذا حككتهما (٣). وقيل: المسنون: الرطب، وقيل: المخلص، من قولهم: سَنَّ سيفه: جَلَاه (٤). ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ الحسن، وقتادة، ومقاتل: إبليس (٥). الكلبي في جماعة: أبو الجن (٦). وقيل: الجن كله. ابن عباس: آدم أبو البشر، والجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وهم لا يموتون إلا مع أبيهم، والجن يموتون ومنهم كافر ومنهم مؤمن (٧). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل آدم. ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ الريح الحارة التي (٨) تقتل، وسميت سموماً لدخولها في المسام. الكلبي: نار لا دخان لها (٩).

стр. 990

وقيل: هي نار فوق النار (١) التي فوق الهواء، وهي نار بين السماء وبين الحجاب. عمرو بن دينار: من نار الشمس (٢)، حكاه الماوردي (٣). ابن عباس ﵄: إن إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وخلق الجن الذي ذكر في القرآن من مارج من نار (٤). ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ واذكر إذ قال ربك ﴿لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ يعني آدم ﵇ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨)﴾. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أتممت خلقه (٥) ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ جعلت فيه الروح، وأضاف الروح إلى نفسه تخصيصاً (٦). والروح: ما يصير الجسم به حيًّا مدركاً، وقيل: الروح هاهنا ما يأتي الأنبياء من الله وفيه (٧) صلاح العباد. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ أَمْرٌ مِنْ وَقَعَ يَقَعُ، أي: اسقطوا على الأرض، والمعنى: اسجدوا له. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ كل تأكيد (٨) للاستيعاب والإحاطة بالجميع. ﴿أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ مجتمعين في حال واحدة. ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قيل: الاستثناء صحيح، وهو من قوم من الملائكة يقال لهم الجن.

стр. 991

الحسن في جماعة: الاستثناء منقطع، ولم يكن هو من الملائكة ولا طرفة عين (١). ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ امتنع (٢) أن يكون معهم. ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾ أَيُّ شيءٍ حصل لك فمنعك من أن تسجد. ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾. ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: من صورة الملائكة. ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾ ملعون مطرود، وقيل: إن حاولت الرجوع إلى السماء رجمت بالشهاب كما ترجم الشياطين (٣). ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ فأخرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ يوم القيامة، يريد أن ينجو من الموت (٤). ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ أي: المعلوم عند الله، وهي النفخة الأولى عند الجمهور. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ قسم، أي: بإغوائك، وقيل: بسبب إغوائك، وهو الإضلال. وقيل: التعريض للغواية، وقيل: النسب إليها (٥). ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أدعوهم بالوسوسة إلى المعاصي. ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ أحملهم على عصيانك. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ الذين أخلصوا أنفسهم لله وطاعته. والمخلصين بالفتح، أي: أخلصتهم لطاعتك (٦) وطهرتهم من الشوائب.

стр. 992

وأكثر هذه الآيات سبق تفسيرها (١). ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الائتمار لأمري والطاعة لي (٢). وقيل: إشارة إلى الإخلاص، ومعنى ﴿عَلَيَّ﴾ إليّ، وقيل: تقديره عليّ أن أبينه وأظهره. وقيل: هو كقوله (٣) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. وقيل: هذا تهديد كما تقول لمن تهدده: عَلىَّ طريقك. وقرئ (عَلِيٌّ) (٤) أي: عالٍ (٥). ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ حجة وبرهان، وقيل: قهر وحمل على العصيان، يريد المخلصين منهم. ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ بتزيننك ووسوستك (٦). ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ يريد الكفار الذين وعدوا بالنار. ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يدخل المعذبون فيها، وقيل: هي (٧) طبقات أولها جهنم، ثم لظى (٨)، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم السقر (٩)، ثم الجحيم، ثم الهاوية وهي أسفلها. ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ من أتباع إبليس. ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ نصيب مفرد.

стр. 993

الضحاك: أعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون، والثاني فيه اليهود، والثالث فيه النصارى، والرابع فيه الصابئون، والخامس فيه المجوس، والسادس فيه مشركوا العرب، والسابع فيه المنافقون لقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (٢). ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لهم ادخلوها. ﴿بِسَلَامٍ﴾ أي: بسلامة من النار ومن الآفات والعاهات، وقيل: ﴿بِسَلَامٍ﴾: بتحية منا تصحبكم. ﴿آمِنِينَ (٤٦)﴾ من المرض والموت فيها والخروج منها. ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: نزعنا في الدنيا بما أُلقي بينهم من الأُلفة، وهو قوله ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. وقيل: ونزعنا في الجنة ما في صدورهم من غِلٍّ كان في الدنيا. والغِلُّ: الغدر والخيانة، ومنه الحسد والمنافسة والبخل. ﴿إِخْوَانًا﴾ حال ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ جمع سرير، وقيل: جمع سرور، حكاه أقضى القضاة (٣). ﴿مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ بالوجوه يرى بعضهم بعضاً (٤)، وقيل: متقابلين بالمودة والمحبة. وقيل: متقابلين في المنزلة لا يفضل بعضهم بعضاً. وقيل: لا يرى بعضهم قفا بعض. ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا﴾ في الجنة. ﴿نَصَبٌ﴾ تعب. ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ فإن تمام النعمة بالخلود. في سبب النزول عن علي بن الحسين ﵄: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ﵃، قال: والله إنها لفيهم نزلت وفيمن نزلت إلا فيهم، فقيل: وأي غل (٥) هو، قال: غل الجاهلية،

стр. 994

إن بني تيم وعدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية ما كان، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة (١) فجعل علي ﵁ يسخن (٢) يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت (٣) الآية (٤). وروي عن علي ﵁ أنه كان يقول: فينا أهل بدر نزلت هذه الآية (٥). وقال له رجل: الله أعدل من أن يجمع بينك وبين طلحه والزبير في الجنة وقد سَلَاّ عليك السيف، فقال: مه بفيك التراب، إن لم نكن أصحاب هذه الآية فمن هم (٦). ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ في سبب النزول روى ابن المبارك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه قال: اطلع علينا (٧) رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه (٨) بنو شيبة ونحن نضحك، فقال: (لا أراكم تضحكون)، ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى، فقال: (إني لما خرجت جاء جبريل ﵇، فقال: يا محمد: يقول الله ﵎: لم تقنط عبادي (٩)، نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) (١٠).

стр. 995

قتادة: بلغنا أن نبي الله ﷺ قال: (لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه) (١). ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾ أخبر أمتك. ﴿عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ أضيافه، يعني الملائكة الذين أتوه للبشرى بالولد ولإهلاك قوم لوط. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ قولاً سلاماً، وقيل: سلموا سلاماً. ﴿قَالَ﴾ يعني إبراهيم. ﴿إِنَّا مِنْكُمْ﴾ أنا وأصحابي. ﴿وَجِلُونَ (٥٢)﴾ خائفون إذ لم تنالوا (٢) من طعامنا. ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ لا تخف. ابن عيسى: الوجل اضطراب بالنفس (٣) لتوقع ما تكره (٤). ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ هو إسحاق، لقوله في الأخرى ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١]، والمعنى: إذا بلغ كان عليماً نبياً. ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي: على هذه الحالة أم أُرَدُّ إلى حال الشباب. مجاهد: قال ذلك (٥) تعجباً من الولد على كبره وكبرها. وقال بعضهم: ﴿عَلَى﴾ ها هنا بمعنى في، أي: أبشرتموني (٦) في وقت الكبر،

стр. 996

وقيل: ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى بعد، أي: أبشرتموني بعد أن مسني الكبر. ابن بحر: هذا كما تقول لصاحبك وقد أخبرك بشيء يبعد عندك: ما تقول يا هذا، وانظر ما تقول (١). وقيل (٢): ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾؟ بما قد فات. استفهام بمعنى الجحد. و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾؟ أبأمر (٣) الله أم لا. ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، وقيل: بأمر الله، وقيل: تيقن من جهة الله. ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾ من اليائسين من (٤) ذلك. ﴿قَالَ﴾ أي (٥): إبراهيم ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ الجاهلون بالله الذين لا يعرفون سعة رحمة الله وقدرته. وقيل: لا يقنط إلا الضالون في الآخرة لأنهم لا يرجون هناك خيراً. ابن عيسى: القنوط: اليأس من رحمة الله مع فتح الطريق إليها والحث على طلبها (٦). وفيه لغتان: الفتح والكسر، وقرئ في الشاذ (٧): (يقنُط) بالضم أيضاً، وأجمع القراء (٨) على فتح ماضيه (٩). ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ ما شأنكم، والخطب: الأمر العظيم (١٠).

стр. 997

﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾. ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)﴾ يريدون قوم لوط. ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يريد أهله المؤمنين. ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾ مما يعذب القوم به. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ أي: قلنا وكتبنا وأخبرنا، ليصح وقوع ﴿إِنَّهَا﴾ بعدها، وقيل: قدرنا عليها. ابن عيسى: التقدير: جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة (١). والمعنى: من الباقين مع (٢) الكفرة لتهلك معهم. الزجاج: الاستثناء الأول منقطع، أي: لكن آل لوط (٣)، والثاني صحيح (٤). المبرد: كلاهما صحيحان، وآل لوط مستثنى من قوم مجرمين وليسوا هم بمجرمين (٥)، وامرأته مستثناة من آل لوط مردودة إلى حكم الأولين (٦).

стр. 998

﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾ إنما قال جاء آل لوط وهم أتوا لوطاً لأنهم كانوا في بلدة واحدة. المبرد (١): آل لوط: شخصه، وقد تقدم (٢). ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾ ابن جرير: لا نعرفكم، قالوا: نحن رسل الله (٣). المبرد: سلموا فأنكرهم لأنهم لم يكن يسلم بعضهم على بعض. وقيل: معناه: أنكرت مجيئكم وكرهته، وإنما ذلك لخوفه عليهم من قومه. ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾ أي: نحن ملائكة الله (٤) جئناك بعذاب قومك الذي أوعدتهم به فشكوا فيه، وقيل: جئناك بتصحيح ما شكوا فيه. ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ بالعذاب. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ فيما أخبرناك به. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: اذهب بهم في طائفة من الليل، وقد سبق (٥). ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ تأخر أنت على إثرهم وسر (٦) خلفهم. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: لا يمتنعن عن المضي، وقيل: لا يلتفت منكم أحد لينظر ما وراءه، وقيل: لئلا يصيبه (٧) ما أصابهم، وقيل: لئلا يرى من هول ما ينزل بهم ما لا تطيقه نفسه، وقيل: لا ينصرفن (٨) أحدكم فيصيبه ما يصيب القوم. ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾ حيث أمركم الله بالمضي إليه، وقيل: أمركم جبريل.

стр. 999

ابن عباس (١): الشام (٢)، مقاتل: مصر (٣). ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: أعلمناه وأوحينا إليه، ومعنى ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: إهلاك القوم. ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ بدل من ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ (٤) , وأخبرناه أن دابر هؤلاء، بدليل قراءة ابن مسعود ﵁ (وقلنا له إن دابر هؤلاء) (٥)، أي: أصلهم، وقيل: آخرهم، ﴿مَقْطُوعٌ﴾: مستأصل، ﴿مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ وقت (٦) دخولهم في الصبح. ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ يعني سدوم. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾ بأضياف لوط طمعاً منهم في ركوب الفاحشة. قال عطاء بن أبي رباح: ظهرت امرأة لوط على سطح فلوحت إلى قوم (٧) تعلمهم بالأضياف. ويقال: بعثت إليهم، وكانت العلامة بينها وبينهم: أطعمونا ملحاً (٨)، فيعرفون ما تريد.

стр. 1000

﴿قَالَ﴾ لوط ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ ولابد من مراعاتهم ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)﴾ فيهم وعندهم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)﴾ ولا تهينوني ولا تخجلوني. يجوز أن يكون من الخزي، ويجوز أن يكون من الخزاية (١). ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾ عن ضيافة الغرباء فإنا نغلبك عليهم. ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ بنات قومي (٢). قتادة: أراد (٣) أن يقي أضيافه ببناته، أي: تزوجوهن (٤)، وكان جائزاً إنكاح المؤمنات من الكافرين، وقيل: شرط عليهم الإسلام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾ أي: راغبين فيهن. الحسن: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾ كناية عن الجماع (٥). المبرد: إن كنتم تريدون النكاح الحلال (٦). وقيل: كانت له ثلاث بنات ارتحل بهن لوط حتى إذا كان بمكان من الشام مرضت الكبرى وتوفيت، فظهر عندها عين ماء يقال لها: عين الدابة، ثم ماتت الصغرى وبقيت الوسطى.

стр. 1001

وقيل: كانوا خطبوا إليه بناته فامتنع، فأجاب إلى ذلك يومئذ، وقيل: كانت لهم سادة إليهم يؤول أمرهم فأراد (١) أن يزوجهم بناته. ﴿لَعَمْرُكَ﴾ المفسرون (٢) على أن الله سبحانه لم يقسم بحياة أحد (٣) من الآدميين سواه تعظيماً له وتفضيلاً على غيره. والعَمْر والعُمْر: مدة بقاء الحي، ولا يستعمل في القسم إلا مفتوحاً. وذهب بعضهم إلى أن معناه: وحقك، كما تقول: لعمر الله، أي: حقه. و﴿لَعَمْرُكَ﴾ رفع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: لعمرك قسمي. المبرد: يجوز أن يكون ﴿لَعَمْرُكَ﴾ من قولهم: قد عمر فلان دينه، إذا صلى وصام، وفلان يعمر الله، أي: يعبده، وعَمَرَ (٤) ركعتين. قتادة: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي: عملك (٥). والوجه الأول. ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ قيل: الضمير يعود إلى قريش، وقيل: إلى قوم لوط. والسكرة: الضلالة والجهل، وقيل: الغفلة. ﴿يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يترددون. قتادة: يلعبون (٦). ابن عباس: يتمادون (٧).

стр. 1002

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ العذاب. ﴿مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾ مصادفين لطلوع الشمس، وقيل: داخلين في وقت شروق الشمس. ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ رفعها جبريل إلى السماء ثم قلبها. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ فيه قولان، أحدهما: رفعها (١) جبريل إلى السماء وأمطروا حجارة ثم قلبها، والثاني: أمطروا (٢) على الغائبين من البلد. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ من السماء الدنيا. وقد سبق بيان أكثر هذا في سورة هود ﵇. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ للمتفكرين (٣) المعتبرين. وقيل: المتفرسين، وهو الذي يطلب سمة الشيء ووسمه، وهو العلامة، وقيل: للعارفين. ﴿وَإِنَّهَا﴾ وإن سدوم. ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ بطريق بين واضح، وقيل: مقيم: معلوم، وقيل: مقيم: معبد دائم السلوك. ابن عباس ﵄: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾: هلاك دائم (٤). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ أي: وإن الأمر والشأن كان أصحاب الأيكة.

стр. 1003

﴿لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾ لكافرين (١). الأيكة: الشجرة المتكاثفة، أي: الملتفة، وجمعها أَيْك. وجاء في التفسير أن عامة شجرهم الدوم، وهو المُقَلُ، والأيكة: الغيضة، بعث الله إليهم شعيباً فكذبوه فأهلكوا بالظلة. وقيل: الأيكة: اسم الناحية، وليكة (٢) اسم المدينة، كمكة (٣) وبكة، وقرئ في الشعراء وص ﴿الْأَيْكَةِ﴾ [الشعراء: ١٧٦]، [ص: ١٣]، على أنها (٤) اسم علم. وقيل: كانوا أصحاب غياض ورياض وأشجار وأنهار يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة وفي الشتاء اليابسة. ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: كذبوا شعيباً فانتقمنا منهم، يريد: أهلكناهم وعذبناهم. ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ الجمهور على أن الكناية تعود إلى قريتي قوم لوط وشعيب (٥)، ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾: طريق من الحق واضح، وقيل: الخبر بهلاك قوم لوط (٦) وأصحاب الأيكة لمكتوب في إمام مبين (٧) وهو اللوح المحفوظ. المؤرج: الإمام: الكتاب بلغة حِمْيَر (٨). المفضل: وإن آيات عذابنا لقوم لوط وشعيب بالإمام.

стр. 1004

﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ وهم ثمود ﴿الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ نبيهم، وهو صالح، وجمع لأن من كذب نبياً فقد كذب الكل، والحجر بين المدينة والشام. وروى عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله ﵄ (١) قالا: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر فقال لنا رسول الله: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، ثم قال: (هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلا رجلاً (٢) كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله) (٣)، قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: (أبو رغال وإليه تنسب ثقيف)، ثم أسرع حتى خلفها. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾ الآيات: الناقة وسقيها وشربها ودرها، وقيل: أنزل إليهم آيات من كتاب الله، وقيل: يريد بها نصب الأدلة، فأعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها. ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ينقبون في الجبل، وقيل: يبنون من الحجارة، وأصل النحت في الخشب ثم يستعار لغيره، ﴿آمِنِينَ (٨٢)﴾ من الخراب ووقوع الجبل عليهم، وقيل: من العذاب، وقيل: من الموت. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ العذاب ﴿مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾ في اليوم الرابع وقت الصبح. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ أي: لم تدفع عنهم أموالهم وأولادهم وبيوتهم الحصينة، بل خروا جاثمين. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: وما خلقنا الخلائق إلا بالعدل والإنصاف، أي: لم نهلك من تقدم ذكرهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم. ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: الجزاء قريب. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ ولا تعجل عليهم.

стр. 1005

وهذه منسوخة كما سبق (١). والصفح الجميل: الإعراض، كقوله ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]، ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]. وقيل: من غير عتاب. وقيل: في حق نفسه. وقيل: لا تعرض عنهم كل الإعراض ولاتيأس من صنع الله. وقيل: هو كقوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]. وقيل: اصفح حيث الصفح (٢) أدعى إلى الإيمان واخشن حيث الخشونة أولى. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ لجميع الموجودات. ﴿الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ العالم بأحوالهم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ فيه خمسة أقوال (٣): أحدها: أنه (٤) فاتحة الكتاب، وذهب إلى هذا عدة من الصحابة والتابعين واختاره كثير من المفسرين، وسمي المثاني لأنها نزلت مرتين، وقيل: لأن أكثر كلماتها مثنى، وقيل: لأن أولها ثناء على الله تعالى وقيل: لأنها تثنى في كل صلاة. والثاني: أن المثاني السبع الطُّوَل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة، وقيل: يونس، والطُّوَل: جمع الطُّوْلَى، كالكبرى والكُبَر، وسميت المثاني لأن القصص فيها مثناة، والتثنية: إضافة مثل الشيء إلى الشيء.

стр. 1006

والثالث: أن المثاني جميع القرآن، لقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]. والرابع: أن المثاني معاني القرآن، وهي سبعة: أمر ونهي وتبشير وإنذار وضرب أمثال وتعديد نعم وأنباء قرون. والخامس: كرامات أكرم (١) الله نبيه بها، حكاه أقضى القضاة (٢). ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ أي: عظيم القدر، مَنَّ الله عليه بفاتحة الكتاب على الخصوص أو بالسبع الطُّوَلِ كما مَنَّ عليه بجميع القرآن. الزجاج: ﴿مِنَ﴾ للتبيين (٣). غيره: للتبعيض. ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ حظر على النبي ﷺ أن يمد عينيه إلى الدنيا ونهاه أن يرغب فيها، والمعنى: لا تطمح ببصرك إلى ما متعنا به أقواماً لا خلاق لهم تمتيعاً سريع الزوال قليل اللباث. قال أنس ﵁: مرت برسول الله ﷺ إبل أيام الربيع وقد عَبَسَت في أبعارها وأبوالها، فغطى رسول الله ﷺ عينه بكمه، فقال: (بهذا أمرني ربي)، ثم تلا هذه الآية (٤). قوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قيل: أمثالاً في النعم. وقيل: أزواجاً أغنياء. وقيل: أصنافاً اليهود والنصارى والمشركين.

стр. 1007

وقيل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ هم الرجال معهم نساؤهم، فيكون بمنزلة (١) أعطينا اثنين اثنين منهم ذكراً وأنثى. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إن لم يؤمنوا، وقيل: لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك، وقيل: لا تحزن عليهم لما يصيرون إليه بكفرهم. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ جناحا الرجل: جانباه، أي: تواضع لهم وارفق بهم ليحبوك ويجالسوك ولا ينفضوا من حولك. ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ﴾ المنذر، وقيل: ذو الإنذار. ﴿الْمُبِينُ (٨٩)﴾ أبين الرشد من الغي. ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ أي: أنا أُنذركُم عذاباً كما أنزلنا على المقتسمين. وقيل: أنزلنا عليك الكتاب لتنذر به كما أنزلنا على المقتسمين. وقيل: آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على المقتسمين، وقوله ﴿لَا تَمُدَّنَّ﴾ اعتراض. و﴿الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ من القسمة، وقيل من القَسَم، وفي المقتسمين أقوال: ابن عباس: هم اليهود والنصارى آمنوا ببعض القرآن وهو ما وافق كتابهم وكفروا ببعض (٢) وهو ما خالف (٣). عكرمة: هو قولهم هذه السورة لي وهذه السورة لك استهزاء (٤). مجاهد: هو إيمانهم ببعض كتبهم وكفرهم ببعض، قال: وكل كتب الله قرآن (٥). مقاتل والفراء: هم قوم اقتسموا طرق مكة وعقابها وقعدوا عليها وجعلوا يردون الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ ، فقال بعضهم: ساحر، وبعضهم: كاهن، وبعضهم: شاعر (٦).

стр. 1008

قتادة: قسموا القول في القرآن فقالوا: سحر وكهانة وشعر وأساطير الأولين (١). الأخفش: هم قوم تواطؤا وتقاسموا لا يؤمنون بمحمد ﷺ ويعادونه وأصحابه أبداً (٢). ابن زيد: هم الذين تقاسموا لصالح (٣) وأرادوا تبييته، من قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الآيتين [النمل: ٤٨ - ٤٩] (٤). ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ واحدها عِضَة، محذوف اللام، فذهب بعضهم إلى أنه من (٥) العضو، تقول: عضيت الشيء: جعلته عضواً عضواً، أي: عَضَّوا القرآن وجزؤه أجزاء، وذهب بعضهم إلى أنه من العَضِيْهَة، وهي الكذب والسحر، والعَاضِهَةُ: الساحرة، وجمع جمع السلامة جبراً، كما جمع سِنُون وقِلُون (٦). ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ أقسم الله سبحانه بذاته وربوبيته وملكه ليسألن يوم القيامة واحداً واحداً من هؤلاء المقتسمين عما قالوه في رسول الله ﷺ وفي القرآن. وقيل: في كتب الله (٧). وقيل: عام في جميع الكفار، فيسألهم عن عبادتهم الأصنام (٨) وترك إجابتهم المرسلين. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الزجاج (٩): من الصديع، وهو الصبح، قال (١٠):

стр. 1009

كَأَنَّ بياضَ غِرَّتِهِ صَدِيعُ. أي: أَبِنْ (١) وأَظْهِر. مجاهد: اجهر به في الصلاة (٢). وما زال النبي ﷺ مستخفياً حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. وقيل: أصله إعلان الحق، وقيل: من الفصل، أي: احكم واقض (٣). ابن بحر: جدد (٤) لهم القول في الدعاء إلى الإيمان مبشراً لهم بالجنة (٥). ابن عيسى: من الفرق، أي: افرق بما تؤمر (٦). النقاش: فرق القول فيهم مجتمعين وفرادى (٧). أبوعبيدة عن رؤبة (٨): قال: ما في القرآن أَعْرَبُ من قوله ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٩). وفي قوله ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (١٠) قولان، أحدهما: تؤمر به، فحذف الجّار ثم حذف الضمير، والثاني: أن (ما) للمصدر، أي: اصدع بالأمر.

стр. 1010

﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ أي: اصبر على أذاهم. ابن عباس (١): هذا من المنسوخ (٢). وقيل: لا تلتفت إلى ما يقولون. ابن بحر: الإعراض: ترك الالتفات، قال: وهو هاهنا استهانة، كما تقول لا تلتفت إليه ولا تخفه (٣). ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ جمهور المفسرين على أنها نزلت في خمسة، وقيل: سبعة من قريش كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله ﷺ والاستهزاء به فأهلكهم الله جميعاً. فمن الخمسة: الوليد بن المغيرة، مر برجل من خزاعة (٤) يَرِيشُ نبلاً له فوطئ سهماً من سهامه فانكسر وطارت منه شظية فأصاب منه عرق النساء، فجعل يقول: قتلني رب محمد، حتى مات. ومنهم: العاص بن وائل السهمي، وكان أهل مكة مطروا ليلاً، فقال لابنه: أرحل لي بعيري حتى أطوف (٥) في شعاب مكة، فخرج متنزهاً فأناخ بعيره بشِعْبٍ من تلك الشِّعاب فلما وضع قدمه على الأرض ضربته حَيَّةٌ في رجله فانتفخت حتى صارت (٦) مثل عنق البعير، فجعل يقول: قتلني رب محمد، فمات مكانه. ومنهم: الحارث بن قيس، أكل سمكاً مليحاً فأصابه عطاش شديد فجعل

стр. 1011

يشرب ولا يروى، وكلما تنفس قال: قتلني رب محمد، حتى انفتق بطنه فمات (١). ومنهم: الأسود بن المطلب، خرج لتلقي ابنه زمعة (٢) قادماً من الشام، فقعد في أصل شجرة فأتاه جبريل فجعل يضرب رأسه بالشجر (٣) وهو يقول: يا غلاماه أدركني، فقال الغلام: ما أرى أحداً يضرب رأسك وإنما أنت تضربه، ولا يزال يضرب حتى مات، ووافق قدوم ابنه زمعة من الشام. ومنهم: الأسود بن عبد يغوث، ذهب إلى ماء لبني كنانة يحذرهم النبي ﷺ ويضمن لهم الضمانات على اغتيالهم إياه، فأصابته سموم فاسود حتى صار كأنه حبشي، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا الباب في وجهه، فصار يطوف في شعاب مكة ويقول: قتلني رب محمد، حتى مات. فذلك قوله ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (٤). الحسن: المراد به كل (٥) مشركي العرب. ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ عاقبة أمرهم يوم القيامة. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ أي: يقولون (٦) على الله من الشركاء والصاحبة والولد، ويقولون فيك من النسبة إلى السحر والشعر وغير ذلك.

стр. 1012

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فالجأ إلى التسبيح والتنزيه وقل: سبحان الله وبحمده، وقيل: فَصَلِّ، وفي الخبر أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (١). ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ من المصلين، وقيل: من المتواضعين. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ جمهور المفسرين على أن اليقين: الموت، والمعنى: اعبد ربك دائماً، وسمي الموت يقيناً لأنه متيقن به متفق على لحاقه كل حي مخلوق. ابن بحر: اليقين: النصر على الكافرين (٢). وروي عن أبي مسلم الخولاني قال، قال رسول الله ﷺ : (ما أوحيَ إليَّ (٣) أن اجمع المالَ وكن من التاجرين ولكن أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (٤).

стр. 1013

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النحل (١)، ويروى سورة النِّعَم (٢). مكية إلا قوله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآيات [١٢٦ - ١٢٨]، فإنها نزلت بين مكة والمدينة عند منصرف رسول الله ﷺ من أحد (٣). قتادة بإسناد النحاس: مدنية (٤). ابن عباس وقتادة: أولها إلى قوله ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ [الآية: ٩٥] نزلت بمكة والباقي بالمدينة (٥). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ في سبب النزول قال (٦) ابن عباس ﵄: لما أنزل (٧) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قَرُبَت فأمسِكوا عن بعض ما كنتم

стр. 1014

تعملون حتى ننظر ما هو كائن, فلما رأوا انه لا ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئاً، فأنزل الله ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: ١]، فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدَّت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوِّفنا به، فأنزل الله سبحانه ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، فوثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : (بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار بإصبعيه - إن كادت لتسبقني) (١). والأمر على هذا: يوم القيامة، واستعمل لفظ الماضي للمستقبل تحقيقاً, وقيل: لأن ما هو آتٍ قطعاً فهو كما أتى. وقيل معناه: أتى أمر الله وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً، وقيل معناه: يأتي، ومثله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨]، وقيل: الأمر هاهنا العذاب بالسيف، وهذا جواب للنضر (٢) بن الحارث حيث استعجل بالعذاب، وقيل: الأمر هاهنا مصدر أمر، والمراد به فرائضه وأحكامه. الزَّجاج: هو ما وعدهم الله على كفرهم (٣). وقيل: المراد به بعض أشراط الساعة. وقيل: الأمر هاهنا ما وعد الله نبيه من النصر. والاستعجال: طلب التَّعجيل، والتعجيل: إحضارُ الشيء قبل وقتِه. ﴿ ﴾ تنزيهاً له وتعالياً.

стр. 1015

﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ التاء على الخطاب والياء على الغيبة (١). ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ابن عباس: ﴿بِالرُّوحِ﴾: : بالوحي (٢). وقيل: هي النبوَّة، وقيل: هو القرآن، لما فيهما من حياة الدنيا وحياة النفوس بالإرشاد (٣) إلى أمر الله، وقيل: الروح هم حَفَظَة على الملائكة لا تراهم الملائكة كما أن الملائكة (٤) حَفَظة علينا لا نراهم. مجاهد: اسم مَلك (٥). وقيل: هي الروح تحيا بها الأجسام. أبو عبيدة: ﴿بِالرُّوحِ﴾: مع الروح، وهو جبريل ﵇ (٦). قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ تقديره: أنذروا المشركين العذاب، وبشِّروا (٧) المؤمنين لأنه لا إله إلا أنا (٨). وقيل (٩): أنذِروا أهل الكفر والمعاصي بأنه لا إله إلا أنا، أي: مُرْهُم بالتَّوحيد، والأول أوجه؛ لأن قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مما يبشر به.

стр. 1016

وقيل: ﴿أَنْذِرُوا﴾: أَعْلِموا، من قولهم: نَذِرَ به، أي (١): عَلِمَ. ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ فخافوني. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ لا بالباطل، وقيل: معنى بالحق: ليعبدوني. ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ تنزه عن (٢) أن يكون له شريك. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: نوع الإنسان. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مني. ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ قيل هذا مدحٌ له، أي: قوي على منازعة الخصوم يتبين الحق من الباطل, وقيل: هو ذَمٌّ، أي: يجادل أولياء الله وينكر الحق، وذكر الكلبي أنها نزلت في أُبيّ بن خلف، أخذ عظماً بالياً ففتَّته، فقال: من يُحيي العظام وهي رميم (٣). ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ هي: الإبل والبقر والغنم. ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾ ما يدفئ فيقي البرد من الأكسية والقُطُف وغيرها، وقيل: هو الملابس تمنع البرد والحرّ، واقتصر على ذكر (٤) أحد الضِّدَّيْن كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: ٨١]، وقيل: هي البيوت المتخذة من أوبارها وأشعارها. الكلبي: دفء أولادها (٥). وقوله (٦): ﴿لَكُمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بِخَلَقها ويجوز أن يتعلَّق بما بعده، أي: لكم فيها دفء، وهذا أظهر لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾. وقوله ﴿وَمَنَافِعُ﴾ أي نسلها ودرها وظهورها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ أي: ومنها ما تأكلون، وقيل: من لحومها تأكلون. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ زينة وحُسْنُ منظر؛ لأن الإنسان يعجب (٧) به.

стр. 1017

﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تردونها من مراعيها إلى مَراحِها بالعِشي. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ تخرجونها بالغداة إلى مسارحها. قتادة: أعجب ما تكون الأنعام إذا راحت عظاماً ضروعها طوالاً أسنمتها (١). والسَّرحُ: خروج الماشية إلى المراعى (٢) بالغداة، والإِراحةُ: رجوعها من المرعى عشياً. ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أمتعة السفر، وقيل: أحمالكم. الجرجاني: أبدانكم، قال: ومنه الثقلان للجنّ والإنس، ومنه قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ٢]، يعني: أبدان (٣) بني آدم (٤). ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ هي المدينة. عكرمة: مكة (٥). وقيل: مصر (٦)، وقيل: هو على العموم. ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ القراءة بالكسر وهو المشقة. والشقُّ: أحد نصفي الشيء. وقرأ يزيد (بِشَقِّ الأنفس) بالفتح (٧).

стр. 1018

قيل: هما لغتان، وقيل: الفتح مصدر شققت الشيء بنصفين (١)، والكسر بمعنى المشقة، وذهب بعضهم إلى أن معناه (٢): لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذهاب نصفها بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم، ومعنى ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ لا تسيرون إليه إلا بمشقة شديدة، فكيف كنتم تقدرون على نقل أمتعتكم، وقيل: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ لولاها، فحذف لولاها، لأن الحال يدل عليه. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ ومن رأفته خلق لكم ما خلق. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ هي عطف على قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾. ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي: لتركبوها ولتتزيَّنوا بها، فحذف اللام؛ لأن الأولى تدلُّ عليها. وقيل: وجعلها زينة. قال ابن عباس ﵄ (٣): ولحم الخيل حرامٌ؛ لأنها للركوب والزينة (٤). قال جابر ﵁: لحمه حلال، وقال (٥): كنا نأكل لحم الخيل على عهد رسول الله ﷺ (٦). ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ بعد هذه الأشياء، فإن خلق الله في البر والبحر والهواء أكثر من أن يُعدّ ويُحصى. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى خلق أرضاً بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة (٧) محشوة خلقاً من خلق الله لا يعلمون أن الله يعصى طرفة عين واحدة)، قالوا: يا رسول الله: أمِنْ ولد آدم؟ قال (٨): (مايعلمون أن الله خلق آدم)، قالوا (٩): فأين

стр. 1019

إبليس منهم؟ قال: (ما يعلمون أن الله خلق إبليس)، ثم قرأ رسول الله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (١). مقاتل: إن من (٢) يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخله جبريل ﵇ كل سحر فيغتسل (٣) فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله وعِظَماً إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف مَلك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألفاً الكعبة لا يعودون إلىه (٤) إلى أن تقوم الساعة (٥). قال الشيخ الإمام ﵀ (٦): ويحتمل أن السكوت عن تفسير ما يقول الله فيه ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ أولى. ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ بيان طريق الحق لكم وتبيينه. والقصد: الطريق المستقيم. ﴿وَمِنْهَا﴾ من (٧) السبيل. ﴿جَائِرٌ﴾ عن الاستقامة مِعْوَجٌّ. مجاهد: طريق الحق (٨) على الله (٩). ابن بحر: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ كقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤]. المبرد: وعلى الله قبول قصد الإسلام والرضا به. ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قيل: مِلل الكفر، وقيل: أهل الأهواء والبدع، وقيل: وعلى الله قصدُ الحق والحكم بين عباده. وفي مصحف عبد الله (ومنكم جائر) (١٠). ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ إلى قصد السبيل، وقيل: لوفَّقكم، وقيل: لأوصلكم إلى الجنة بغير استحقاق. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء، وقيل: من سماء الملائكة إلى السحاب ثم إلى الأرض.

стр. 1020

﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي: ماء مشروب. ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ يريد ما ينبت المرعى، وكل ما ينبت على الأرض فهو (١) شجر، وأنشد الزجاج (٢): نَعْلُفُها اللحمَ إذا عزَّ الشَّجر ... والخيل في إِطْعامِهَا اللحمَ ضَرَر يريد بالشجر: النبات. وقيل: تقديره: لكم منه شراب ومنه شرب (٣) شجر. ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ ترعون إبلكم ومواشيكم (٤)، والسوم: من السُّومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، وقد سبق (٥). ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ الحبوب. ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ واحدها زيتونة (٦). ﴿وَالنَّخِيلَ﴾ جمع نخل، كعبيد. ﴿وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الفواكه، وحمل كل شجرة (٧): ثمرتها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ ينظرون في حقائق الأشياء. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ جعلهما متعاقبين لتنتفعوا بهما. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هيَّأهما لمنافع الخلق ولولاهما ما (٨) كان نهار ولا حيوان ولا
следующие страницы →