← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الزجاج: أي: جادلهم غير فظ ولا غليظ القلب في ذلك، بل ألِن لهم جانبك (١). مجاهد: أعرض عن أذاهم (٢) إياك (٣). وقيل: على قدر ما يحتملون. روى أبي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أُمِرْنا معاشر الأنبياء (٤) أن نكلِّم الناس على قَدْرِ عقولهم) (٥). والجدال: فَتْلُ الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج. وذهب بعض المفسرين إلى أنه منسوخ (٦). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ أي: ثم إن لم يقبلوا رشدهم بعد اللطف فأنفسهم يضرون. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ (٧):

стр. 1087

في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم قُتِل حمزة ومُثِّلَ به: (لئن ظفرت بقريش لأمثلنَّ بسبعين رجلاً منهم) فأنزل الله هذه الآيات، فقال رسول الله ﷺ : (بل نصبر يارب) (١). قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾: جازيتم المسيء على إساءته. ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أمر أن يكون الجزاء على الذنب مثله لا كما كانت العرب تفعله وجرى على لفظه ﵇ (٢)، وهذا فيمن جعل السورة مكية إلا هذه الآيات، ومن جعل السورة كلها مكية حمل معناها على ما يشبه هذه الآية من قوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢]، و ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أي: الصفح (٣) عن الشيء مالم يؤد إلى ضرر أَحْمَدُ عند الله والمؤمنين. ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ لا تجزع على ما أصابك، وقوله: ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾ بمعونته، وقيل: إلا لله (٤). ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ فهم شهداء عند الله يرزقون فرحين. ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ من القتل والمُثْلَة. ومن قال كلها مكية فالمعنى: فاصبر على أذى المشركين ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ بتوفيقه ومعونته ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في تكذيبهم إياك وإفراطهم في أذاك ولا يضق صدرك بمكرهم (٥) في إبطال دين الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ما حرم عليهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ فيما رزقهم الله. ومعنى: ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾ ناصرهم ومعينهم في الدنيا والعقبى.

стр. 1088

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة بني إسرائيل (١) مكية عند الجميع. قتادة: مكية إلا ثمان آيات من قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آيات. و (٢) فيها ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] نزلت بين مكة والمدينة (٣). (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي﴾ ﴿سُبْحَانَ﴾: مصدر، كالغفران، وليس من لفظه فعل، وقيل: هو اسم (٤) من سبح والتسبيح مصدره. ونصب ﴿سُبْحَانَ﴾ على المصدر ولم يستعمل إلا منصوباً وأكثر مجيئه مضافاً، وقد جاء منوناً، كقول أمية (٥):

стр. 1089

سبحانَه ثم سُبْحاناً نقول له ... وقبلنا سبح الجُودِيُّ والجُمُدُ وجاء غير (١) مضاف ولا منون، قال (٢): أقولُ لمَّا جاءني فَخْرُهُ ... سُبْحانَ مِنْ علقمةَ الفاخِر جعله علماً وفيه الألف والنون (٣) فلم ينصرف. وفي معناه أقوال، وقد سبق (٤)، أحدها: تنزيه وتبرئة. وكيع: إنزاه الله من السوء. مجاهد: انكاف الله (٥). ابن عباس: تعجب. الحسن: كلمة اتخذها الله لنفسه (٦). ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ السُّرَى والإسْرَاءُ: الذهاب في الليل، وقرئ ﴿فَأَسْرِ﴾ [هود: ٨١] بالوجهين (٧)، ويُعدَّى بالباء، وعبده محمد ﷺ . ﴿لَيْلًا﴾ قَيَّدَهُ بذكر الليل والإسراء لا يكون إلا بالليل تأكيداً، كما تقول:

стр. 1090

أخذ (١) بيده وقال بلسانه، وقيل: المراد بقوله ﴿لَيْلًا﴾ أي (٢): في بعض الليل لا في كلّه، على تقليل الوقت (٣) , وقيل: أراد أول الليل، وقيل: قوله (ليلا) يدل على (٤) جوف الليل، أي: لم يكن إدْلاجاً ولا ادّلاجاً (٥). وقيل: لقطع مجاز يستعمل له السرى، تقول: سرى الشيء في الشيء: إذا جرى فيه برفق وخفاء. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المسجد الحرام اسم (٦) لجميع بلد مكة، وكان النبي ﷺ تلك الليلة في بيت أم هانئ بنت أبي طالب، قالت أم هانئ: ما أُسري برسول الله ﷺ إلا من بيتي، وكان في بيتي نائماً عندي (٧) تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونِمْنَا، فلما كان قُبيل الفجر هَبَّنَا (٨) هو، فلما صلَّى (٩) الصبح وصلينا معه قال: (يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة (١٠) معكم الآن كما ترين) (١١).

стр. 1091

والثاني: أنه الكعبة، فإن أنساً روى عن النبي ﷺ أنه قال: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: قُمْ يا محمد، فجلست فلم أرَ شيئاً، فعدت لمضجعي حتى جاءني ثانية (١) فأخذ بعضدي وأخرجني إلى باب المسجد) (٢). قوله: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وهو بيت المقدس بإجماع من المفسِّرين (٣)، وقالوا: بناه سليمان بن داود ﵉. وقيل: بني بعد الكعبة بأربعين عاماً (٤)، ووصفه بالأقصى كأنه قال: من المسجد الأدنى منهم إلى المسجد الأقصى منهم، أي: من العرب أَوْ مِنْ أهْلِ مكة أو من النبي وأصحابه. وقيل: الأقصى من المسجد الحرام. ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بالمياه والأشجار. وقيل: معناه: جعلنا فيه السعة في الرزق والرخص في السعر فلا يحتاج إلى جلب المِيَرْ (٥). وقيل: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بأن صيرناه موضعاً للعبادات ومسكناً للأنبياء ﵈، وأراد بقوله ﴿حَوْلَهُ﴾: الشام، وقيل: تقديره: ما حوله. ﴿لِنُرِيَهُ﴾ يعني محمداً ﷺ .

стр. 1092

﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ الدالة على توحيد الله وصدق نبوته برؤيته السماوات وما فيها (١) والعجائب والآيات ومشاهدته بيت المقدس ومقامات الأنبياء ومواضع العبادات. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه. ﴿الْبَصِيرُ (١)﴾ بأعماله. وقيل (٢): سمع مقالة الكفار وأبصر مطالبتهم بالآيات، وقيل: يسمع ما يقولون في الإسراء ويبصر ما يعملون. ويحتمل أنه هو ﴿السَّمِيعُ﴾ (٣)، أسمعَ النبيَّ (٤) كلامه ﴿الْبَصِيرُ (١)﴾ المبصر، أبصره الآيات وأرشده. واختلفوا في المعراج: فذهبت عائشة ﵂ إلى أنه أسري بروحه ولم يسر بجسمه وما فقد (٥) جسمه. وذهب معاوية إلى أن ذلك كان رؤيا من الله صادقة، وأنكره الحسن. وذهب جماعة من المفسرين: إلى أنه أسرى بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم رجع من (٦) ليلته إلى مكة. وذهب الجمهور إلى أنه أسري بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى على ما يأتي في سوره النجم إن شاء الله تعالى، وهذا مذهب السنة والجماعة، وعليه يدل (٧) ظاهر القرآن، وورد في صحته مالا يحصى من الأخبار، ولو كانت رؤيا ما أنكره قريش وما ارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوا منه هذا الكلام، لأن الرؤيا (٨) لا ينكر منها مثل ذلك وما هو أبعد منها.

стр. 1093

ثم ذهب جماعة إلى أن هذه الليلة ليلة المعراج، وهو قول ابن مسعود ﵁. وذهب بعضهم (١) إلى أن ليلة المعراج ليلة أخرى سوى هذه الليلة (٢). ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة. ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ يعني التوراة، وقيل: موسى. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾ قرئ بالياء والتاء (٣)، الياء للغيبة، أي: لأن لا يتخذوا (٤)، ويجوز أن يكون (٥) نهياً، فتكون أن المفسرة، والتاء للخطاب، فيجوز أن يكون (٦) القول مضمراً، ويجوز أن يكون من تلوين الخطاب، ويجوز أن يكون خطاباً (٧) لذرية نوح ﵇ فيكون منصوباً على النداء.

стр. 1094

وقيل: تقديره: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلاً، فيكون الوكيل (١) المفعول الثاني، وفعيل قد يقع (٢) موقع الجمع كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وقيل: (ذرية) بدل من الوكيل، والمعنى: لا تتخذوا من دوني إلهاً. مجاهد: شريكاً (٣). ابن جرير: حفيظاً لكم سواي (٤). وقيل: الوكيل: هو (٥) المعتمد عليه المرجوع إليه الموثوق به، وهذه صفة الذي (٦) لا إله غيره. الزجاج: أي (٧) لا تتوكلوا على غيري ولا تتخذوا غيري ربًّا (٨). ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أجناس الناس عربيّهم وعجميّهم من ذريَّة من حمل مع نوح في السفينة، وقيل: عنى بذلك سام ابن نوح، لأن بني إسرائيل من ولده، ولأن الصحيح أنَّ مَنْ كان معه غير أولاده ماتوا حين هبطوا من السفينة والناس بعد نوح من ولد نوح كما كانوا من ولد آدم. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ كناية عن نوح ﵇، وكان لا يلبس جديداً إلا حمد الله عند لباسه.

стр. 1095

وقيل: كان يَحْمَدُ على طعامه، أي: كونوا يا أولاده مثله، وقيل: المراد به موسى ﵇. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أوحينا إليهم وأعلمناهم وأخبرناهم وعهدنا إليهم. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في التوراة. وقيل: في اللوح المحفوظ، قضى الله عليهم في سابق علمه. ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ لتعصن الله عصياناً بعد عصيان. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ لتستكبرن عن طاعة الله، من قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]. وقيل: العلو: الظلم. وقيل: القهر، كانوا يقتلون الناس ظلماً (١) ويَغْلِبُونَ على أموالهم قهراً ويخربون الديار بغياً، ويقتلون النبيين وفيمن قتلوا من الأنبياء زكريا، وقيل: شعيا (٢). ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ الوعد: بمعنى الموعد (٣)، والموعد: الوقت، أي: وقت أولى المرتين، كقوله ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]. وقيل: الوعد بمعنى الموعود، أي: موعود أولاهما. وقيل: الوعد بمعنى الوعيد، أي (٤): عقوبة أولاهما. وقيل: فإذا جاء ما وعدنا على المعصية الأولى. ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: خليناهم وسلطنا عليكم، وقيل:

стр. 1096

هيَّجنا وأثَرْنَا. واختلفوا في الذين بعثهم الله عليهم: فقال ابن عباس وقتادة: هو جالوت إلى أن قتله داوود (١). سعيد بن المسيب: هو بختنصر (٢). سعيد بن جبير: هو صنحاريب (٣). الحسن: هم العمالقة (٤). وقيل: كانوا قوماً مؤمنين بعثهم الله وأمرهم بغزو بني إسرائيل، واستدلوا على إيمانهم بقوله ﴿عِبَادًا لَنَا﴾ لأن الله تعالى لم يضفهم إلى نفسه إلَاّ (٥) بعد أن كانوا مؤمنين. ومعنى ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الأشداء الأقوياء الأنجاد ذوو العُدَّة والعَدَدِ والغلبة. ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ ترددوا فيها للغارة. الزجَّاج: طافوا ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه، والجوس: طلب الشيء باستقصاء (٦). وكذلك الحوس. الأصمعي: جاسوا: وطئوا (٧).

стр. 1097

وقيل: عاثوا (١). والخِلال: انفراج مابين الشيئين أو أكثر لضرب من الوهن، أي: قتلوا في الأزقة والطرق. ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ أي: كان الجوس وعداً من الله مفعولاً لا محالة. وقيل: ما (٢) وعدنا من أنهم يفسدون مرتين وعداً كائناً. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ لما تابوا وأصلحوا ما أفسدوا أعانهم الله وكروا على الذين قتلوا منهم فاستنقذوا مَنْ بقي مِن (٣) الأسرى واسترجعوا أموالهم. وقيل: ألقى الله في قلب (٤) الملك حتى أطلق أسراهم من غير قتال. ابن عباس: هو غلبة طالوت وقتل داود جالوت (٥). ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أعناكم بالمال وكثرة الأولاد فإن القوة فيهما، والإمداد: الإعانة. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ أكثر من الأعداء (٦) أعداداً وأنصاراً (٧)، والنَّفير: النَّفْرُ، وهو من ينفر معك.

стр. 1098

الزجاج: يجوز أن يكون نفير جمع نَفْرٍ، ككلب وكليب وعبد وعبيد (١)، وهم المجتمعون للمصير إلى الأعداء. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: قلنا لهم وأوحينا إليهم إنكم مجزيون على الإحسان والإساءة. قوله ﴿فَلَهَا﴾ أي: عليها، وجاء باللام ازدواجاً (٢). وقيل: معناه: فإليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب. الحسين بن الفضل: فلها رب يغفر الإساءة، حكاه الثعلبي وغيره (٣). ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الثانية والعقوبة الثانية على ما سبق؛ وهو أنهم أفسدوا في الأرض ثانياً حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم ططوس الرومي حتى خَرَّبَ بيت المقدس وحَرَّقَ التوراة. وقيل: هو (٤) بختنصر. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ جواب مضمر، أي: بعثناهم ليسوءوا.

стр. 1099

وقيل: جاء ليسؤوا وجوهكم ليفعلوا ما تكرهون، والتقدير: أصحاب الوجوه. ومن قرأ (لِيَسُوءَ) ففاعله يجوز أن يكون الوعد أو البعث أو الله تعالى، ويقويه قراءة من قرأ بالنون، وهو الله سبحانه لا غير (١). ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ بيت المقدس. ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا﴾ ليخربوا فيهلكوا، والتِّبْرُ: كل جوهر من النحاس والذهب (٢) قبل أن يستعمل. ﴿مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ ما أتوا عليه وغلبوا، وقيل: وطئوا واستولوا عليه (٣). وقيل: في حال علوهم. وقيل: ﴿مَا﴾ للمصدر التي يسميها بعض الأدباء المدة (٤). ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي (٥): وهذا أيضاً مما أخبر أنه في كتابكم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم إن تبتم، يريد بعد الثانية، فتابوا فكشف الله عنهم العذاب وأعاد إليهم الإحسان وبعث فيهم الأنبياء. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.

стр. 1100

قتادة: عادوا (١) إلى الكفر بمحمد ﷺ فعاد الله عليهم بالجزية فهم أَذِلَاّءَ إلى يوم القيامة (٢). ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ الحسن: هو الذي يفرش ويبسط، أي: جعلنا جهنم لهم مهاداً (٣). والجمهور (٤) على أنه الحبس، أي: جعلنا جهنم سجناً للكفار يحصرون فيها ويحبسون، فعيل بمعنى مفعول. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: الطريقة أو الحالة أو الديانة (٥) التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ أتم استواء وأسد من سائر السبل، وهي شهادة أن لا إله إلا الله. الزجاج: أقوم الحالات (٦). ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ يعني: الجنة. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وبأن (٧) الذين لا يؤمنون. ﴿بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ من الإعتاد. وقيل: أعددنا، قلبت تاء. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ يعني النار.

стр. 1101

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ أي: قد يدعو الإنسان عند الغضب والضجر على نفسه وأولاده وأعزَّته من غير أن يحب استجابته. ﴿دُعَاءَهُ﴾ أي: دعاء مثل دعائه. ﴿بِالْخَيْرِ﴾ أي: كما يدعوا بالخير ويحب إجابته، ومثله ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [يونس: ١١] الآية. وذكر في بعض التفاسير أن سبب نزول (١) الآية: أن النبي ﷺ دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فرحمته لأنينه وأرخت كِتَافَهُ (٢) فهرب، فدعا عليها رسول الله ﷺ بقطع اليد، ثم ندم فقال: (اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له) فأنزل الله ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ (٣). أي: يدعو بما لو أُجيب لَشَقَّ عليه وساءه إذا زال غضبه. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ أي: إلى أمر الدنيا.

стр. 1102

والعجلة: طلب الشيء قبل وقته، والسرعة: عمل الشيء في أول وقته. وقيل: المراد بالعجول آدم ﵇؛ لأنه حين نفخ الله فيه الروح نظر إلى بدنه يخلق وبقيت رجلاه فرام النهوض قبل وصول الروح إلى قدمه فصارت العجلة في ولده، قاله ابن عباس (١). وعن سلمان ﵁ قال: لما خلق الله آدم ﵇ بدأ بأعلاه قبل أسفله فجعل آدم ينظر فلما كان بعد العصر قال: يارب عجل قبل الليل، فذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ (٢). وقال الحسن: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ أي: من عجل، وهو الضعف، يعني النطفة (٣). وقيل: ﴿عَجُولًا (١١)﴾: ضجوراً لا يصبر على سرَّاء ولا ضراء (٤). ابن بحر: هذا الدعاء من مثل ما قاله الكافرون ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ (٥) [الحج: ٤٧]. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ أي: خلقهما آيتين على وحدانيته سبحانه وعلمه وقدرته، وآيتان نصب على الحال، وليس جعل هاهنا بمعنى صيَّر؛ لأن ذلك يقتضي

стр. 1103

حالةً تقدمت نُقِلَ الشيءُ عنها إلى حالةٍ أخرى، ولا الذي بمعنى سمى وحكم (١). ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس ﵄: جعل الله نور الشمس سبعين جزءاً، ونور القمر سبعين جزءاً، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءاً فجعلها مع نور الشمس، فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءاً، والقمر على (٢) جزء واحد (٣). وذكر المفسرون أن ابن الكواء سأل عليّاً ﵁ عن اللطخة التي في القمر، فقال: ذاك آية الليل محيت (٤). قتادة: محو آية الليل: السواد الذي فيه (٥). ابن جرير: أي: من نعمه عليكم مخالفته بين علامة الليل وعلامة النهار، بإظلامه علامة الليل وإضاءته علامة النهار (٦). ابن كثير: الآيتان: ظلمة الليل وضوء النهار (٧). وتقديرها: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين، ثم فصل (٨) فقال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أو يُجعل تقديرها: وجعلنا الليل والنهار آيتين وجعلنا الشمس والقمر فيهما آيتين، ثم قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: القمر، وأضافها إلى الليل لكونها فيه.

стр. 1104

ومعنى ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: لم نجعل للقمر نوراً؛ لأن القمر (١) شعاع الشمس انعكس عن جرم القمر (٢) إلى ما يقابله من الأرض. وقيل: أراد بالمحو نقصان ضوء القمر. وقيل: لأنه يطلع صغيراً ثم ينمي (٣) ثم ينقص حتى يستتر. ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فيها ثلاثة أقوال: المبصرة (٤): المضيئة. والثاني: وجعلنا النهار مُبْصِراً (٥)، أي: أصحابه بصراء، كقولهم: أجْبَنَ الرجل، إذا كان أهله جبناء، وأضعف، إذا كان دوابه ضعافاً (٦). والثالث: من قولهم (٧): بصر فهو بصير، وأبصره الله : صيره بصيراً، أي: جعل النهار بحيث يبصر الناس لأن بالضوء يبصر الناس الأشياء. ابن عيسى: معنى (٨) ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ جعلناها (٩) لا يبصر بها المرئيات كما لا يبصر ما محي من الكتاب، قال: وهذا من البلاغة الحسنة جداً (١٠). ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتبتغوا في النهار لتطلبوا (١١) المعاش. ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ بالقمر.

стр. 1105

﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ أي: بيَّنا في القرآن كل (١) ما تحتاجون إليه. محمد بن كعب: شمس بالليل وشمس بالنهار (٢) فمحيت شمس الليل (٣). ابن عباس ﵄: كان في الزمن الأول لا يعرف الليل من النهار، فبعث الله جبريل فمسح جناحه فذهب ضوءه فبقي علامة جناحه، وهو السواد الذي في القمر (٤). ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قتادة عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) (٥). ابن عباس: طائره: عمله وما قدر عليه، فهو ملازمه حكماً (٦). وقيل: جزاء عمله. أبو عبيدة: حظه الذي قضي له، من قولهم: طار سهمه، إذا ظهر (٧) نصيبه (٨).

стр. 1106

السدي: طائره: كتابه (١). ابن بحر: دليله، ولكل إنسان دليل من نفسه يرشده (٢). مجاهد: ورقة فيها مكتوب شقيٌّ أو سعيد (٣). الضحاك: أجله ورزقه وما يُصيبه من المصائب (٤). وأصل هذا أن العرب كانت تزجر بالسانح والبارح من الطير والظبي والأَرْوَى (٥) والثعلب وغيرها، فزعموا أنها تدل على الخير والشر، وسموا ذلك الطيرة (٦)، وهي مصدر على وزن الخيرة، ولا ثالث لهما. ابن عيسى: طائره (٧): عمله من خيره وشره (٨)، كالطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به (٩). وإضافته إلى العُنُقِ للملازمة، وخُصَّ العُنُق لأنه موضع القِلادة والغُلُّ

стр. 1107

والسِّمَة. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ أي: مكتوباً. ﴿يَلْقَاهُ﴾ بعينه ويقرأه بلسانه. وقرئ (يُلَقَّاهُ) أي: يلقيه الله أو الحَفَظة (١). ﴿مَنْشُورًا (١٣)﴾ غير مطوي ليمكنه قراءته. وذلك أن ابن آدم إذا مات طُويت صحيفته التي فيها عمله فإذا كان يوم القيامة نشر كتابه ورفع إليه منشوراً. والأحسن أن ينصب ﴿كِتَابًا﴾ على الحال، على تقدير: ونخرج طائره (٢) كتاباً، لِيُحْمل عليه قراءة أبي جعفر (ويُخْرَج)، وقراءة يعقوب (ويَخْرُج) (٣). ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ أي: ونقول له: اقرأ، ﴿كِتَابَكَ﴾ أي: كتاب (٤) أعمالك. قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً (٥). ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: كفى نفسك، والباء زائدة (٦)، والحسيب: المحاسب. الحسن: شاهداً (٧).

стр. 1108

وقيل: حاكماً، وقيل: حفيظاً. الحسن: قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك (١). ويحتمل أن التقدير: اقرأ كتابك كفى عليك بنفسك اليوم حسيباً (٢). ﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الرشاد. ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فإن ثواب اهتدائه له. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الرشاد. ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: فعليها وبَالُ الضَّلال. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لا تحمل الوازرة المتثاقلة بالذنوب ذنب نفس أخرى. والمعنى: لا يُؤْخَذُ (٣) أحَدٌ بذنبِ غيره. وقيل معناه: ليس لأحد أن يعمل ذنباً لأن غيره عمله. وشَبَّهَ حَمْلَ معصية الله المؤدية إلى النار بالوزر، وهو الحمل الثقيل. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ قتادة: عذاب الآخرة (٤). مقاتل: عذاب الاستئصال في الدنيا (٥). ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ يبين التوحيد والشرع. وقيل: يبين الشرع وحده، فإن العقل كاف لبيان التوحيد (٦).

стр. 1109

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ يُريد في الدنيا. وقيل: وإذا أهلكنا، والإرادة صلة. وقيل تقديره: وإذا أمرنا مترفيها ففسقوا أردنا أن نهلكهم. قوله ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أكثرنا، تقول: أَمَرْتُ الشيء وآمرته بالمد والقصر: أكثرته، ومنه: (مُهْرَةٌ مَأْمُوَرة) (١). والثاني: أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا. والثالث: أمَّرْتُهُ وأمَرْتُهُ، بالتشديد والتخفيف (٢)، جعلته أميراً، ومنه قولهم (٣): هو أمير غير مأمور، أي: لم يؤمِّرْه أحد، والمترف: الذي أبطره (٤) النعمة وسعة الغذاء حتى تعدى طوره وطغى، والتُّرفَةُ: النَّعْمَةُ، وغلام مُتْرَفٌ: ناعم البدن، حكاه الأزهري (٥). ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ تمردوا في كفرهم. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ ظَهَرَ صِدْقُ خَبَرِ الله عنهم أنهم لا يؤمنون.

стр. 1110

وقيل: وجب عليها ما وعد (١) على الفسق بقول سابق لا يقع فيه خلف. ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ أهلكنا الناس وخربنا الديار، تقول: دَمَر يَدْمُرُ دَمَاراً، إذا هلك (٢)، ودَمَّر: أهلك. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ أي: أهلكنا أمماً كثيرة. والقرن: أهل كل عصر، ويقع على الزمان، فقيل: مائة وعشرون سنة، وعن النبي ﷺ (مائة سنة) (٣)، وقيل: (أربعون سنة) (٤). ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ هذه كلمة تهديد ووعيد، أي: الله يعلم ويرى ما يكون منهم فيجازيهم عليه ما يستحقون. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ كان هاهنا صلة عند بعضهم، ويحتمل أن التقدير: من (٥) يكن يريد العاجلة، والعاجلة: الدنيا، لتقدمها على الآخرة. ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ أي: من آثر الدنيا على العقبى وكذب بها نعطي من (٦) نشاء منها من نشاء منهم على ما يوجبه التدبير. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة. ﴿يَصْلَاهَا﴾ يدخلها.

стр. 1111

﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ مطروداً مُبعداً. وقيل: الآية نزلت في المنافقين، كانوا يغزون مع المسلمين وغرضهم أن يغنموا معهم (١) لا يقصدون بذلك الثواب (٢)، عجَّلنا له فيها ما نشاء على قدر استحقاقهم بسهامهم من الغنيمة ثم جعلنا له جهنم لكفره ونفاقه. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ عَمِلَ (٣) بطاعة الله. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يريد دين الإسلام. ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ﴾ عملهم. ﴿مَشْكُورًا (١٩)﴾ مجزياً عليه جزاء حسناً. وقيل: مشكوراً مقبولاً. وقيل: محفوظاً لهم حتى يدخلهم الله الجنة. ﴿كُلًّا﴾ أي: الفريقين. ﴿نُمِدُّ﴾ نعطي مرة بعد أخرى وشيئاً بعد شيء. ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدل من قوله ﴿كُلًّا﴾. ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متصلاً بنمدّ. ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ أي: لا يحظر الرزق في الدنيا على أحد مؤمناً (٤) أو كافراً، وإنما الآخرة هي دار الجزاء. ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في سعة الرزق وضيقه (٥)، والناس في ذلك متفاوتون.

стр. 1112

﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ أي: التفاوت هناك أكبر (١) وأعظم؛ لأن التفاوت فيها من وجهين: أحدهما: بالجنة والنار. والثاني: بالدرجات في الجنة والدركات في النار، فقد روي عن النبي ﷺ : (إن بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يُرى في مشارق الأرض ومغاربها) (٢). وذهب ابن جرير في قوله ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى أمر الدنيا (٣)، أي: بعضهم آثر الآخرة فوفقناه للرشاد (٤) وبعضهم آثر الدنيا فخذلناه (٥). ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، ويجوز أن يكون التقدير: قل يا محمد يا أيها الإنسان لا تجعل مع الله إلهاً آخر (٦). ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ يذمك الله والملائكة والمؤمنون. ﴿مَخْذُولًا (٢٢)﴾ يخذلك الله ولا ينصرك. وقيل (٧): معنى ﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتعجز، تقول: فلان قاعد عن الشيء، أي (٨):

стр. 1113

عاجز عنه، ضد قوله: ساع في الخير. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الجمهور على أن معنى قضى هاهنا (١): أمر، وزاد بعضهم أمر أمراً قاطعاً. وقيل: ألزم، وقيل: عهد. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن جبير (ووصى) (٢). وروي عن ابن عباس والضحاك أنهما قالا: كان في المصحف (ووصى ربك) فالتزقت الواو بالصاد، وهذه القراءة في جملة الشواذ مقبولة عند القراء، والحكاية مردودة (٣). ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وأمر بالوالدين إحساناً. وقيل: وقضى بالوالدين إحساناً. ويحتمل: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يتعلق الباء بالمصدر (٤). ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ أصل ﴿إِمَّا﴾ إن ما، إن للشرط وما للتأكيد (٥)، وأكثر ما يقع الفعل بعده يقع مع نون التأكيد.

стр. 1114

ومعنى ﴿أُفٍّ﴾ عند سيبويه: نَتَناً ودَفَراً (١). أبوعبيدة: ﴿أُفٍّ﴾ (٢): ما غَلُظَ من الكلام. مجاهد: إذا أحدثا فلا تضجر ولا تقل أف مُستقْذِراً، فقد وليَا ذلك منك في صغرك ولم يضجرا (٣). والمعنى: بالغ في إلطافهما إذا بَلَغَ أحدهما أو كلاهما حَالَ الخَرَف. وفي ﴿أُفٍّ﴾ لغات: الكسر مع التنوين وبغير التنوين وكذلك الفتح والضم، والتنوين للتنكير وحذفه للتعريف، وهي من الكلمات التي سميت الأفعال بها (٤)، ومعناها الكره والضجر (٥)، ومثله في الخبر (٦): سَرْعَان، ووَشْكَان، ومحلها من الإعراب محل الجملة (٧)، لأنها قائمة مقام جملة فعلية. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ ابن عيسى: النهر: زجر بإغلاظ وصياح (٨). المبرد: لا تصح في وجوههما (٩). يقال (١٠): نهره وانتهره إذا زجره، وقيل: هو إقصاء وطرد، من قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠].

стр. 1115

﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ كل شيء حوى محاسن النوع الذي هو منه وخلا من مساويه فهو كريم. الزجاج: قولاً سهلاً سلساً لا شراسة فيه (١). المبرد: قولاً حسناً. وقيل: ليِّناً رقيقاً. عمر بن الخطاب ﵁: لا تمتنع من شيء يريدانه (٢). ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ لا تترفع (٣) عليهما استكباراً، مأخوذ من علو الطائر بجناحه، أي: أَلِنْ جانبك لهما، وجناحا (٤) الإنسان يداه. ابن جرير: كُنْ (٥) لهما ذليلاً رحمة منك بهما (٦). وقيل: معنى ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: كن لهما كذلك من جهة مبالغتك في الرحمة لهما.

стр. 1116

﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته من غير أن يكون للنبي ﷺ فيه اشتراك (١). قتادة: نسخ الله من هذه الآية هذا اللفظ بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، والأول أصح، لقوله ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ فإن (٢) هذا لا يصح أن يحمل على النبي ﷺ لأنه فقد أبويه قبل هذا الخطاب بإجماع (٣)، والمعنى: يارب تعطف عليهما بمغفرتك ورحمتك كما تعطَّفا عليَّ في صغري ورحماني وربياني صغيراً. وقيل: معناه: أَنْعِم عليهما بمغفرتك نعمة كنعمتهما علي. وعن النبي ﷺ : (لِيَعْمَلِ البَرُّ ما شاءَ فلن يرى النار (٤) وليعمل العاق ما شاء فلن يرى الجنة أبداً) (٥).

стр. 1117

﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من الصلاح والفساد والبر والعقوق. ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ طائعين لله في بر الوالدين وترك العقوق لهما. ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ ابن عباس: هم المسبِّحون (١). قتادة: المطيعون (٢). ابن المنكدر يرفعه: هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء (٣). زيد بن أرقم: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء وهم يصلون الضحى، فقال: (صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال من الضحى) (٤). وقيل: هم التائبون. مجاهد: الذي يذنب سراً ويتوب سراً (٥). وذهب (٦) بعض المفسرين إلى أن هذا في البَادِرَة (٧) تبدُر من الولد في حق الوالدين ثم يندم ويتوب (٨). ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ أي: منك في النسب، له حق في مالك إذا كان عديماً فقيراً.

стр. 1118

السدي: ذا القربى من رسول الله ﷺ في النسب، وإليه ذهب علي بن الحسين (١). ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ لا تنفقها في معصية الله، وقيل: رياء وسمعة. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ لأن مقاصدهم مقاصد الشياطين (٢). الزجاج: المبذر ينفق ماله فيما يسوله الشيطان (٣). وقيل: قرين الشيطان في النار والقرينان يقال لهما أخوان. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ مبالغاً في الكفر. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ كان رسول الله ﷺ إذا سأله فقراء أصحابه ولم يكن عنده ما يعطيهم أعرض عنهم حياء منهم (٤) وسكت، فأنزل الله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ (٥). تقطع عنهم عطاءك. ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ لطلب (٦) توسعة الرزق من عنده. ﴿تَرْجُوهَا﴾ ترجوا الرحمة، أي: رحمة مرجوة.

стр. 1119

﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ الزجاج: قل يرزقنا الله وإيَّاكم من فضله (١). وقيل: سهلاً ليِّناً، تقول: يَسَرْتُ الأمر وأَيْسَرتُه ويَسَّرْتُه (٢): ليَّنتُه. وقيل: الرحمة ها هنا: الفيء والغنيمة. الفراء: عدهم عدة جميلة (٣). وقيل: ﴿مَيْسُورًا (٢٨)﴾: معروفاً. المبرد: نزلت في مزينة حين جاءوا يستحملونه، فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٤). ابن زيد: إذا أعرضت عن من سألك حذرا أن ينفقه في معصية فمنعته ابتغاء رحمة له فقل قولا ميسوراً ليِّناً، حكاه الماوردي (٥). ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ في سبب النزول: جابر بن عبد الله ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ قاعد فيما بين الصحابة (٦) أتاه صبي فقال: يا رسول الله: إن أمي تستكسيك درعاً ولم يكن عند رسول الله ﷺ إلا قميصه، فقال للصبي: (من ساعة إلى ساعة يظهر، فَعُدْ وقتاً آخر)، فعاد إلى أمه فقالت له: قل له (٧) إن أمي تستكسيك القميص الذي عليك، فدخل رسول الله ﷺ داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً، فأذن (٨) بلال للصلاة وانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة، فدخل عليه بعضهم فرآه عرياناً، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ (٩). ﴿إِلَى عُنُقِكَ﴾ هذا مثل للإمساك عن العطاء، لأن من قبض يده عن الإعطاء صار كاليد المشدودة إلى العنق.

стр. 1120

ثم قال ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فجعل بسط اليد عبارة عن الإعطاء، لأن المُعْطِي يبسط يده نحو المُعْطَى، والبسط ضد القبض. ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ يلومك الناس. وقيل: مستحقاً للملامة. وقيل: يلومك الله. ﴿مَحْسُورًا (٢٩)﴾ الزجاج (١): أي: بالغت في الحمل على نفسك وحالك حتى تصير بمنزلة من حسر، والحسير: المحسور الذي بلغ الغاية في النصب (٢). قتادة: نادماً على ما فرط منك (٣). وقيل: هو العاجز. وقيل: هو الذي ذهب ماله كله. وسبب النزول يدلُّ على أن المعنى بالمحسور: المكشوف، من: حسرت عن (٤) الذراع، أي: كشفت، وهو أصل الكلمة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يوسعه، كالثوب المبسوط يصيب الجهات. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق، يريد لمن يشاء، فيجعله على التضايق. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ يعلم مصالح العباد، كما قال في الأخرى ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ مخافة الفاقة، والمَلَقُ: الخضوعُ، وأَمْلَقَ: حمله الفقر على المَلَق، وقيل: أَمْلَقَ: خلا من المال، من قولهم: صَفَاً مُلْقٌ ومِلاقٌ: إذا غسله المطر. وذهب بعض المفسرين (٥) إلى أن المراد بقتل الأولاد وأد البنات وكانت العرب تفعل ذلك مخافة العار، وزعم بعضهم أن الله صاحب البنات لأن الملائكة بناته فإلحاقهن به أولى (٦)، وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يقتلون الأولاد مخافة الفقر، وتقديره في هذه السورة: خشية إملاق بهم.

стр. 1121

﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وفي الأخرى ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أي: خشية إملاق بكم، ولهذا أيضاً ذَكَّرَ الضمير، ومن ذهب إلى الأول قال: إنما ذَكَّرَ وإن كان المراد به البنات حملاً على لفظ الأولاد. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ ذنباً عظيماً، والخِطْءُ والخَطأُ لغتان، كمِثْل ومَثَل. وقيل: الخِطْءُ: السهو، والخَطَأ: العمد (١)، والِخطاء (٢) مصدر فَاعَلَ فإن النُّحاة يُنكرون المدّ فيه مكسوراً ومفتوحاً (٣). ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وطء المرأة من غير نكاح ولا ملك يمين. ﴿إِنَّهُ﴾ إن الزنا. ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ منكراً من المعاصي، والفاحشة: ما اشتد قبحه (٤)، والتاء للمبالغة، ويجوز أن يكون تقديرها: خلة أو خصلة (٥) فاحشة، وأفاد ﴿كَانَ﴾ أنه لم يزل محرماً. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ أي: وساء السبيل (٦) إلى الجماع سبيل الزنا. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يريد المؤمن وكذلك الذِّمي والمعاهد (٧). ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا أن (٨) يصير قتلها حقاً، وهو القصاص والارتداد وسائر ما يبيح دم المسلم. ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ من غير أن أتى ما يبيح دمه. ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا﴾ حكمنا. ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ وارثه، وقيل: ولي الدم. ﴿سُلْطَانًا﴾ قتادة: هو القَوَد (٩).

стр. 1122

مجاهد: السلطان: الحجة على القاتل (١). والجمهور أن السلطان: هو القَوَدُ أو العفو. وقيل: القَوَدُ أو (٢) العفو أو الدية. ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الضمير فيه (٣) يعود إلى القاتل ابتداءاً. وقيل: إلى الولي، وإسرافه أن يقتل غير القاتل كما كانت العرب تفعله. ومن قرأ بالتاء (٤) جاز أن يكون خطاباً للقاتل ابتداءاً، وجاز أن يكون للولي. وقيل: خطاب للنبي (٥) وخلفائه من بعده. وقيل سلطاناً ينصره وينصفه من خصمه. ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ أي (٦): لا تتصرفوا فيه، وخُصَّ اليتيم بالذكر لأن الطمع في ماله أكثر وأن ماله إلى الصون أحوج. ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بما يحفظ أصوله ويُثْمِرُ فروعه. وقيل: هي التجارة، وقد سبق (٧). ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ثماني عشرة سنة، وقيل: الاحتلام مع إيناس الرُّشد.

стр. 1123

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أوامر الله ونواهيه، وقيل: هو العهد في الوصية بمال اليتيم، وقيل: كل عقد بين متعاقدين. ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾. السدي: مطلوباً (١). وقيل: ناقض العهد كان مسؤلاً عنه. وقيل: يُسْألُ العهدُ لِمَ نُقِضْتَ، كقوله ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: لا تبخسوا في الكيل ولا تطففوا، وكذلك الوزن، وهو قوله: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ المؤرج: هو (٢) الميزان بلغة الروم (٣). الحسن: هو القَبَّان (٤). الزجاج: ميزان العدل، أيَّ ميزانٍ كان (٥). وقيل: هو الشاهين، وقيل: إقامة (٦) لسان الميزان. والكسر والضم لغتان (٧). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الإيفاء. ﴿خَيْرٌ﴾ أكثر بركة في الدنيا.

стр. 1124

﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ مآلاً في العقبى ومرجعاً. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أبو عبيدة: لا تتبع مالا تعلم (١). قطرب: قفوت الرجل بقبيح: إذا رميته به. وعن ابن الحنفية: أنه شهادة الزور (٢). وأصله من (٣) القفا. وقيل: القفو شبيه بالعَضِيْهَةِ والبهتان (٤). وقيل: هو نهي عن القذف والرمي. الفراء: هو مقلوب من القيافة، وهي تتبع الأمر (٥). ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: كل هذه، فأجراه مجرى العقلاء. ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ تسأل هذه الأعضاء عما قاله. الزجاج: يستشهد بها كما قال ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] (٦). والهاء في ﴿عَنْهُ﴾ تعود إلى مصدر قوله ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ وهو القفو. وقيل: تعود (٧) إلى ﴿مَا﴾. وقيل: إلى ﴿كُلُّ﴾.

стр. 1125

وقيل: إلى الإنسان لأنه صاحب السمع والبصر والفؤاد. و﴿مَسْئُولًا (٣٦)﴾: يجوز أن يكون لكل ويجوز أن يكون للإنسان. والمعنى: لا تستعمل هذه الأعضاء في محرم. وقيل: استعمله (١) في دلائل توحيد الله ولا ترض (٢) بالتقليد. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ذا اختيال وتكبر لا ترى فوقك من مزيد. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تقطعه، والخَرْقُ: الفَلاةُ (٣) لانقطاع أطرافها لتباعدها. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ أي: إنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ كما لا يمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المثابرة على ما هذه سبيله، ذكره ابن عيسى (٤). ويحتمل أن المعنى: إنك (٥) في طولك وعرضك لا تنال درجة هذين الجمادين ولا جزء من درجتهما. ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ قرئ (سَيِّئَةً) بالتنوين (٦)، فيكون ذلك إشارة إلى قوله ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ وما بعده، وذَكَّر ﴿مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ لأنه خبر بعد خبر، أو (٧) يكون حالاً من الضمير في (٨) ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ومن قرأ (سَيِّئُهُ) بالإضافة، فالوجه
следующие страницы →