← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وفي الأخرى ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أي: خشية إملاق بكم، ولهذا أيضاً ذَكَّرَ الضمير، ومن ذهب إلى الأول قال: إنما ذَكَّرَ وإن كان المراد به البنات حملاً على لفظ الأولاد. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ ذنباً عظيماً، والخِطْءُ والخَطأُ لغتان، كمِثْل ومَثَل. وقيل: الخِطْءُ: السهو، والخَطَأ: العمد (١)، والِخطاء (٢) مصدر فَاعَلَ فإن النُّحاة يُنكرون المدّ فيه مكسوراً ومفتوحاً (٣). ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وطء المرأة من غير نكاح ولا ملك يمين. ﴿إِنَّهُ﴾ إن الزنا. ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ منكراً من المعاصي، والفاحشة: ما اشتد قبحه (٤)، والتاء للمبالغة، ويجوز أن يكون تقديرها: خلة أو خصلة (٥) فاحشة، وأفاد ﴿كَانَ﴾ أنه لم يزل محرماً. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ أي: وساء السبيل (٦) إلى الجماع سبيل الزنا. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يريد المؤمن وكذلك الذِّمي والمعاهد (٧). ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا أن (٨) يصير قتلها حقاً، وهو القصاص والارتداد وسائر ما يبيح دم المسلم. ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ من غير أن أتى ما يبيح دمه. ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا﴾ حكمنا. ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ وارثه، وقيل: ولي الدم. ﴿سُلْطَانًا﴾ قتادة: هو القَوَد (٩).

стр. 1122

مجاهد: السلطان: الحجة على القاتل (١). والجمهور أن السلطان: هو القَوَدُ أو العفو. وقيل: القَوَدُ أو (٢) العفو أو الدية. ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ الضمير فيه (٣) يعود إلى القاتل ابتداءاً. وقيل: إلى الولي، وإسرافه أن يقتل غير القاتل كما كانت العرب تفعله. ومن قرأ بالتاء (٤) جاز أن يكون خطاباً للقاتل ابتداءاً، وجاز أن يكون للولي. وقيل: خطاب للنبي (٥) وخلفائه من بعده. وقيل سلطاناً ينصره وينصفه من خصمه. ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ أي (٦): لا تتصرفوا فيه، وخُصَّ اليتيم بالذكر لأن الطمع في ماله أكثر وأن ماله إلى الصون أحوج. ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بما يحفظ أصوله ويُثْمِرُ فروعه. وقيل: هي التجارة، وقد سبق (٧). ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ثماني عشرة سنة، وقيل: الاحتلام مع إيناس الرُّشد.

стр. 1123

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ أوامر الله ونواهيه، وقيل: هو العهد في الوصية بمال اليتيم، وقيل: كل عقد بين متعاقدين. ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾. السدي: مطلوباً (١). وقيل: ناقض العهد كان مسؤلاً عنه. وقيل: يُسْألُ العهدُ لِمَ نُقِضْتَ، كقوله ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: لا تبخسوا في الكيل ولا تطففوا، وكذلك الوزن، وهو قوله: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ المؤرج: هو (٢) الميزان بلغة الروم (٣). الحسن: هو القَبَّان (٤). الزجاج: ميزان العدل، أيَّ ميزانٍ كان (٥). وقيل: هو الشاهين، وقيل: إقامة (٦) لسان الميزان. والكسر والضم لغتان (٧). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الإيفاء. ﴿خَيْرٌ﴾ أكثر بركة في الدنيا.

стр. 1124

﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ مآلاً في العقبى ومرجعاً. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أبو عبيدة: لا تتبع مالا تعلم (١). قطرب: قفوت الرجل بقبيح: إذا رميته به. وعن ابن الحنفية: أنه شهادة الزور (٢). وأصله من (٣) القفا. وقيل: القفو شبيه بالعَضِيْهَةِ والبهتان (٤). وقيل: هو نهي عن القذف والرمي. الفراء: هو مقلوب من القيافة، وهي تتبع الأمر (٥). ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: كل هذه، فأجراه مجرى العقلاء. ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ تسأل هذه الأعضاء عما قاله. الزجاج: يستشهد بها كما قال ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] (٦). والهاء في ﴿عَنْهُ﴾ تعود إلى مصدر قوله ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ وهو القفو. وقيل: تعود (٧) إلى ﴿مَا﴾. وقيل: إلى ﴿كُلُّ﴾.

стр. 1125

وقيل: إلى الإنسان لأنه صاحب السمع والبصر والفؤاد. و﴿مَسْئُولًا (٣٦)﴾: يجوز أن يكون لكل ويجوز أن يكون للإنسان. والمعنى: لا تستعمل هذه الأعضاء في محرم. وقيل: استعمله (١) في دلائل توحيد الله ولا ترض (٢) بالتقليد. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ذا اختيال وتكبر لا ترى فوقك من مزيد. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تقطعه، والخَرْقُ: الفَلاةُ (٣) لانقطاع أطرافها لتباعدها. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ أي: إنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ كما لا يمكنك أن تبلغ هذا فما وجه المثابرة على ما هذه سبيله، ذكره ابن عيسى (٤). ويحتمل أن المعنى: إنك (٥) في طولك وعرضك لا تنال درجة هذين الجمادين ولا جزء من درجتهما. ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ قرئ (سَيِّئَةً) بالتنوين (٦)، فيكون ذلك إشارة إلى قوله ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ وما بعده، وذَكَّر ﴿مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ لأنه خبر بعد خبر، أو (٧) يكون حالاً من الضمير في (٨) ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ومن قرأ (سَيِّئُهُ) بالإضافة، فالوجه

стр. 1126

ما قاله الحسن: أن الله ذكر أموراً منها حسن ومنها سيء، والسيء من كل ذلك كان مكروهاً (١). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما أمر به ونهى عنه. ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ أي: جملة الحكم التي أوحى الله إليك في القرآن من القرآن. وعن ابن عباس ﵄: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى ﵇ التي كتب الله سبحانه، أنزلها على محمد صلى الله عليه ابتداؤها: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وآخرها ﴿مَدْحُورًا (٣٩)﴾ (٢). ومعنى قوله ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُورًا (٣٩)﴾ مُبْعَداً من رحمة الله، وقيل: مطروداً. الخطاب للنبي ﵇ والمراد به غيره، والتقدير: قل للكافر. ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ استفهام إنكار على من زعم أن الملائكة إناث وأنها بنات الله، أي: خَصَّكُم وأخلص لكم البنين. ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ أي: وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه فاختصكم بالأَجَلِّ وجعل لنفسه الأَدْوَن. ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ يعظم الإثم فيه والعقوبة عليه.

стр. 1127

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ كررنا القول في (١) القرآن من المواعظ والأخبار، وقيل: غايرنا القول فيه، فتارة حججاً ودلائل وتارة عبراً وأمثالاً وتارة قصصاً وأخباراً. المبرد: بَيَّنا بكل وجه يتصرف فيه القول. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: لِيَذْكُرُوا الأدلة فيؤمنوا به. وقرئ بالتشديد أي: ليفهموا (٢). ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾ عن الحق واتباعه، وقيل: عن النظر والاعتبار به. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ للآية وجهان: أحدهما: لو كان في الوجود آلهة لطلبوا مغالبة الله والاستيلاء على ذي العرش وهو الله سبحانه، وقيل: ذو زيادة، أي: لطلبوا الاستيلاء على العرش. والعرش: السرير العظيم، وقيل: الملك. والثاني: لو كان معه آلهة أخرى لابتغوا إليه الوسيلة لأنهم عرفوا قدرته وعجزهم وهو قوله ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ أي: هو منزه عن الشركة في الإلهية وعما ادعوا من الباطل (٣)، وكان القياس: تعالياً، لكن ردّه إلى الأصل كقوله ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: تنزهه من أن يكون له ضِدٌّ أو نِدٌّ أو صاحبةٌ أو ولد. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قيل: وإن من شئ من الأحياء، وقيل: عام، حتى صرير الباب ورعد السحاب، وقيل: تسبيحه: دلالته على وحدانية الله، وقيل: تسبيحه: حمل غيره على التسبيح إذا تأمل فيه وتدبر.

стр. 1128

﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ يريد الكفار الذين لا ينظرون في الدلالات، وكيف (١) يعرف الدليل من لا يتأمله، وقيل: لا تفقهون تسبيحهم لأنه (٢) بغير لسانكم، وقيل: لأنها تتكلم في بعض الحالات دون بعض (٣). ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ عن جهل العباد. ﴿غَفُورًا (٤٤)﴾ لذنوب المؤمنين. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ له وجهان، أحدهما قاله قتادة والزجاج في جماعة (٤): أي: إذا قرأت القرآن يا محمد ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لا يقرون بالبعث والثواب والعقاب ﴿حِجَابًا﴾ يحجب قلوبهم عن فهم (٥) ما تقرأه عليهم (٦)، ويقويه ما بعده من قوله ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾. وقوله (٧) ﴿مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قيل: ساتراً، كقوله ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي: آت. وقيل: مستوراً عن عيون العباد. وقيل: مستوراً أن يأتوا بمثله، يعني: القرآن (٨). المبرد: يجوز أن يكون التقدير: حجاباً مستوراً به (٩). وقيل: يجوز أن يكون حالاً مما تقدم لا وصفاً للحجاب. والثاني: أن قوماً من الكفار كانوا يؤذون النبي ﷺ ويمنعونه من الخروج إلى الصلاة فستره عن الأعين الظاهرة، وكان رسول الله ﷺ يستتر من المشركين بثلاث آيات، الآية التي في الكهف ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، والآية التي في النحل ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، والآية التي في الجاثية (١٠) ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] (١١).

стр. 1129

﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ خلقنا. ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنَان، وهو الذي يُكِنُّ الشيء ويستره. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كراهة أن يفقهوه، وقيل: أن لا يفقهوه. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلاً يمنع عن الاستماع. ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ أي: قلت لا إله إلا الله. ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ رجعوا على أعقابهم. ﴿نُفُورًا (٤٦)﴾ من استماع التوحيد، والنفور: مصدر نَفَرَ، إذا هرب، ويجوز أن يكون جمع نَافِر. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ يسمعه بعضهم بعضاً. ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ يصغون إليك ليستمعوا القرآن. ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ متناجين في دار الندوة. ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾ هذا ما كانوا يتناجون به، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وكان إذا أرادوا مشورة اجتمعوا هناك، فقال بعضهم: إن محمداً مجنون وبعضهم إنه ساحر، وبعضهم (١) شاعر وبعضهم كاهن (٢). ومعنى ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ عند أبي عبيدة: سحر فزال عقله وصار مجنوناً (٣). وقيل: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾: له سَحَرٌ يأكل ويشرب كسائر الناس (٤). وقيل: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾: مخدوعاً. وقيل: مغروراً مكذوباً. ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ بالمجنون والشاعر والكاهن (٥) والساحر والمعَلَّمِ والمخدوع، أي: تفكر كيف وصفوك بهذه الصفات.

стр. 1130

﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ إلى أن يبينوا للناس انك كاذب لتناقض كلامهم، وقيل: لا يستطيعون سبيلاً إلى الرشد والهداية. ﴿وَقَالُوا﴾ يعني منكري البعث. ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ استبعدوا الإحياء بعد الموت. ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ أنبعث ونخلق خلقاً جديداً حين صرنا عظاماً. ﴿وَرُفَاتًا﴾: حطاماً، وكل مدقوق مبالغ في الدق: رفات ومرفوت. الفراء: الرفات: التراب (١). وقيل: فتاتاً. وقيل: العظم إذا تحطم فهو (٢) رفات. والعامل في إذا لفظ من البعث كما ذكرت لا المبعوث لأن ما بعد إنَّ لا يعمل فيما قبله (٣). ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ مجاهد: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله كما كنتم (٤). الزجاج: أقروا بأن الله خالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم: استشعروا أنكم لو خلقتم من الحجارة أو الحديد لأماتكم ثم أحياكم (٥).

стр. 1131

ولفظ ﴿كُونُوا﴾ أمر، والمعنى: لو كنتم كذلك لأماتكم ثم أحياكم لأن من قَدَرَ على خلقكم من التراب والنطفة قَدَرَ على خلقكم من العظام والرفات، وهذا أقرب إلى الإنسانية. وقيل: تقديره: إذا جاز أن يحيل الإنسان حجارة أو حديداً ما الذي يمنع من الإعادة من العظام والرفات أو ما يكبر في صدوركم. ابن عباس وابن جبير والضحاك: الموت، وهو أكبر الأشياء في صدورهم، أي: لو كنتم الموت لأماتكم ثم أحياكم (١). الكلبي: البعث (٢). مجاهد: هو السماء والأرض والجبال (٣). وقيل: عام، أي: أي شيء مما تستكبرون (٤). الحسن: ما أدري ما هو (٥). ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ خلقكم ابتداءاً بالإيجاد. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يحركونها فعل المستبعد للشيء، وقيل: فعل المستهزئ. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ استبعاداً له ونفياً، تقول: نغض السِّنُّ: تحرك، وأنغضته:

стр. 1132

حركته. ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾ أي: هو قريب، وعسى للوجوب، و ﴿قَرِيبًا (٥١)﴾ يجوز أن يكون خبر كان ويجوز أن يكون ظرفاً، أي: في زمان قريب، ثم بَيَّنَ وعَيَّنَ فقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: إلى المحاسبة، وهو يوم القيامة. وقيل: يدعوكم من قبوركم. وقيل: يدعوكم إسرافيل، وهو النفخة الأخيرة. مقاتل: وذلك أن إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن ويقول: أيتها العظام البالية واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم (١). ابن عيسى (٢): لمعنى الدعاء وجهان: أحدهما: النداء بالخروج إلى أرض المحشر نداءً يسمعه جميع العباد. والثاني: بالصيحة التي يسمعونها فتكون داعية لهم إلى (٣) الاجتماع إلى أرض القيامة (٤). ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ فتجيبون.

стр. 1133

﴿بِحَمْدِهِ﴾ وقيل: بأمره وتقصدون نحو (١) الداعي. قتادة: بمعرفته وطاعته (٢)، وهذا ليس بتفسير اللفظ. ابن جرير: بقدرته ودعائه إيَّاكم (٣). وقيل: بحمد الله لا بحمد منهم لأنه حال اضطرار. الزجاج: الباء للحال، أي: فتجيبون حامدين (٤). وقيل: على (٥) ما يقتضي الحمد. ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ ما لبثتم. ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾ أي: يستقصرون مدة موتهم لأنهم لا يشعرون بالمدة التي مرت بهم وهم أموات. قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم وقلت (٦) حين عاينوا يوم القيامة (٧). وقيل: إن لبثتم إلا قليلاً في الدنيا. وقيل: بين النفختين يرفهون من العذاب، وبينهما أربعون سنة فيرونها لاستراحتهم قليلاً. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في عمر بن الخطاب

стр. 1134

رضي الله عنه، وذلك أن رجلاً من العرب شتمه فَهَمَّ به عمر ﵁ فأمره الله بالعفو (١). وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حكاه الفقيه (٢) أبو الليث ﵀ في تفسيره (٣). قال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله فأنزل الله في ذلك ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤). أي: يَرُدُّوا خيراً على من أساء القول فيهم. وقيل: هي الشهادتان، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الزجاج: لا يذكروا غيرهم إلا بالمحاسن ويكفوا عن المساوئ (٥). ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يهيج بينهم الشر ويفسد أحوالهم. والنزغ: إيقاع الشر وإفساد ذات البين. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ ظاهر العداوة. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالهداية والتوفيق. ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بالخذلان، وقيل: إن يشأ يرحمكم (٦) بالتوبة أو إن يشأ

стр. 1135

يعذبكم بالإقامة على المعصية. وقيل: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أعدائكم أو إن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم، و ﴿أَوْ﴾ للإضراب، ولهذا كرر ﴿إِنْ﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾ قيل كفيلاً. وقيل: وما وكلناك في منعهم من الكفر بالله. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو عالم بأهل السموات وأهل الأرض (١) وهو أعلم بصلاح كل واحد منهم. وقيل: تقديره: أعلم بمن في السموات والأرض من الملائكة وغيرهم. ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ فمنهم من كَلَّمَهُ الله ومنهم من اتخذه خليلا ومنهم (٢) من اصطفاه وهو محمد ﷺ . ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حُكْمٌ ولا فَرْضٌ إنما هو ثَنَاءٌ ووعظٌ (٣). ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ادعيتم أنها آلهة. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ سوى الله (٤). ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾ أي: المدعوون (٥). ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ يعني: البؤس والشدة والقحط الذي ابتلوا به سبع سنين.

стр. 1136

﴿وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ تحويل ذلك منكم إلى غيركم. وقيل: ولا تحويلاً من السّقم إلى الصحة والفقر إلى الغنى. نزلت حين شكت قريش (١) إلى رسول الله ﷺ ما نزل بهم من القحط (٢). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: يدعونهم آلهة، وقيل: يعبدونهم. ابن عباس وابن مسعود وابن زيد والحسن: هم الملائكة (٣). قتادة في جماعة: هو المسيح وعزير والشمس والقمر (٤). وقيل: هم خزاعة، كانوا يعبدون قوماً من الجن فأسلم الجن وبقيت خزاعة على كفرهم (٥). ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يتضرعون إلى الله ويطلبون القربة والزلفة إليه. والوسيلة: الطلبة. المبرد: كل ما قرب من شيء (٦) وسيلة إليه. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يبتغي الذي هو أقرب إلى ما عنده، وقيل: إلى رحمته، وسيلة

стр. 1137

إلى الله (١)، فأيهم بدل من واو يبتغون، والمعنى: يعبدون عبداً يطلب ما يقربه إلى الله. وقيل: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدل من الوسيلة، أي: أيهم أقرب من الله منزلة فيتوسلون به إلى الله. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ أي: معبودوكم (٢) طالبو الزلفة إلى الله وراجو رحمته وخائفو عذابه. أبو علي: هم الأنبياء الذين ذكروا في الآية الأولى، أي (٣): أولئك الذين يدعون الله (٤). ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ وقيل: يدعون الناس إلى عبادة الله يبتغون إلى ربهم الوسيلة. ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: عذاب الاستئصال للكفار في الدنيا. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالبلايا والشدائد والقتل والجدب. وقيل: ﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في القيامة. وقيل (٥): المهلكة هي (٦) الصالحة بآجالهم والمعذبة هي (٧) الطالحة. ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ.

стр. 1138

﴿مَسْطُورًا (٥٨)﴾ مثبتاً مكتوباً. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄ قال: سأل (١) أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له: (إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا (٢) أُهلكوا كما أُهلك من قَبْلَهُم) قال: (لا، بل أستأني بهم) فأنزل الله هذه الآية ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ (٣). ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي (٤): ما منعنا إرسال الآيات التي اقترحوها إلا عِلْمَنَا أنهم يُكَذِّبون رسولي كما كذب الأولون رسلهم فأهلكناهم، لأن سُنَّتَنَا مضت بإهلاك من كذب بالآيات المقترحة، فيجب إهلاك قومك، وقد قضيتُ أن لا استأصل أمتك لأن فيهم من يؤمن أو يلد مؤمناً، ثم ذكر من الأمم المهلكة باقتراح الآيات وترك الإيمان بها أمة صالح. قوله ﴿أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ في موضع المفعول الثاني، ﴿أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ رفع بالفاعل، والباء في قوله ﴿بِالْآيَاتِ﴾ زيادة (٥)، ويجوز أن يكون حالاً والمفعول محذوف. ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ بسؤالهم واقتراحهم. ﴿مُبْصِرَةً﴾ آية (٦) بينة ظاهرة خرجت من صخرة صلدة حاملاً كما اقترحوا. وقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾: متضمنة لبصائر في الدين لمن استبصر. وقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾: يبصر بها، كليلة نائمة: ينام فيها، ويوم صائم: يصام فيه. وقيل: ﴿مُبْصِرَةً﴾: جاعلة إياهم ذوي بصائر.

стр. 1139

﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ قيل: وكفروا (١) بعقرها، أي: بسبب عقرها. وقيل: فظلموا أنفسهم بعقرها، ويحتمل: فظلموها والباء زائدة (١)، لأن الله حرم قتلها فعقروها. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ يريد المعجزات لا المقترحات، وقيل: الآيات: القرآن. الحسن: الموت الذريع (٢). ابن جرير: العبر (٣). ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ للعباد ليؤمنوا ويتذكروا. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ ابن عباس: أحاط (٤) علمه بهم (٥). الفراء في جماعة: ﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: بأهل مكة وأنها ستفتح لك (٦). وقيل: معناه: الناس في قبضته وهو مانعك منهم فلا تبال بهم وبلغ ما أرسلت به. والحَوْطُ: الحِفْظُ، وتَحَوَّطَهُ: تَعَهَّدَهُ، وأحَاطَ واحْتَاطَ: أحْدَقَ وحَوَّطَ حائطاً. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ جمهور المفسرين على أن هذه الرؤيا رؤيا عين، وهي ليلة الإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى إلى حيث علم الله، وصارت فتنة للناس فارتد قوم لما سمعوا ذلك وصدقه الآخرون ممن أسلم (٧). وعن ابن عباس أيضاً: إنها رؤيا منام، رأى أنه يدخل مكة، ويقويه قوله ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] (٨).

стр. 1140

ومعنى الفتنة على هذا القول: أنه لما رجع من الحديبية اشتبه على كثير منهم وجه الأمر، حتى قال أبو بكر ﵁: أقال لكم تدخلونها في هذه السنة؟ قالوا: لا، قال: فستدخلونها من بعد لا محالة على ما أخبر (١). وعن سعيد بن المسيب أنها رؤيا منام، وهو أنه ﵇ (٢) رأى قردة ينزون على منبره وينزون عليه نزو القردة (٣)، فساءه ذلك (٤) فقال: (هو حظّهم من (٥) الدنيا يعطونه من الدنيا (٦) بإسلامهم) (٧). ومعنى الفتنة على هذا ما كان في ذلك الوقت. وقيل: هو من قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٣]، وهذا أبعد الوجوه. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ وهي عطف على الرؤيا، وهي عند الجمهور: شجرة الزقوم التي ذكرت في قوله (٨): ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]، وذكروا أنه لما نزلت في الزقوم (٥) هذه الآية قال أبو جهل وأكابر قريش: ما نعرف الزقوم إلا أكل التمر بالزبد، فجعلوا يأكلون التمر بالزبد (٦)

стр. 1141

ويقولون: تسارعنا إلى ما توعَّدناه محمد في النار، استهزاء (١). وعن ابن عباس: أنها الكشوث الذي يلتوي على الشجرة (٢). وقيل: هم اليهود. وقيل: هي قبيلة من العرب. وقيل في الملعونة أقوال: أحدها: أنها لما أشبه طلعها رؤوس الشياطين، والشيطان ملعون، كانت الشجرة ملعونة. والثاني: أي أكلها ملعون، فأجرى اللعنة عليها. والثالث: سميت ملعونة لضررها، والعرب تسمي كل ضار ملعوناً، ومن حملها على اليهود فظاهر، ومن حملها على القبيلة ففيه نظر، والله أعلم، والعهدة على الراوي في هذه الآية وفي أمثالها. ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بالنار وما فيها. ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التخويف. ﴿إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ كفراً ومجاوزة حد في العصيان (٣). ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ﴾ سبق تفسيره (٤). وقوله (٥): ﴿أَأَسْجُدُ﴾ استفهام إنكار. ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ أي: خلقته من الطين، فهو نصب بتعدي الفعل بعد حذف الواسطة.

стр. 1142

الزجاج: نصب على الحال، أي: في حال كونه طيناً. وقال الزجاج أيضاً: هو نصب على التمييز (١). ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: كَرَّمْتَهُ عليَّ، والمعنى: فَضَّلْتَهُ عليَّ بإسجاد الملائكة. الزجاج: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ في معنى أخبرني، والكاف لا موضع له من الإعراب، والجواب محذوف، أي: أخبرني عن هذا الذي كَرَّمتَ عَليَّ لمَ كرَّمته عليَّ وقد خلقتني من نار وخلقته من طين، فحذف لأن في الكلام دليلاً عليه (٢). ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: أخَّرتَ إماتتي وتركتني حيّاً. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ أي: أُضِلَّنَّهُم، اللام الأولى لام توطئة القسم، والثانية (٣) لام جواب القسم. و﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ عند بعضهم من: حنكت الدابة واحتنكتها، إذا جعلت في حنكها الأسفل حبلاً تقودها به، وعند بعضهم من: احتنكت الجرادُ الأرضَ، إذا أكلت نباتها، قال (٤): أشكو إليكم سنةً قد أَجْحَفَتْ ... واحتنكتْ أموالنا وجَلَّفَتْ

стр. 1143

وقيل: هو من: حَنَكْتُ الصبيَّ واحْتَنَكْتُه (١)، إذا جعلت في حَنَكِه حلاوة. ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وهم المخلصون من عباد الله. ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ هذا طرد وإبعاد وليس فيه مجيء ولا ذهاب، وقيل: تباعد عن جملة أوليائي بعد أن عصيت. ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: جزاؤهم وجزاؤك وغلب المخاطب على الغائب. ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ متمماً مكملاً. المبرد: لا يُعْزَلُ عنهم من عذابهم شيء. تقول: وَفَرُت الشيء فَوَفَرَ، لازم ومتعد. قال الشاعر (٢): وَمَنْ يَجْعَلِ المعروفَ مِن دونِ عِرضهِ ... يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ وقيل: موفور: بمعنى وافر. ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ أزعجه، وأصل الفَزِّ: القطع، ومنه: تفزز الثوب، إذا تخرق (٣)، وفززته: قطعته (٤). الزجاج: استدعهم استدعاء يحملهم إلى إجابتك (٥). قطرب: استخفف، من: الخفة. ابن جرير: استجهل (٦).

стр. 1144

﴿بِصَوْتِكَ﴾: ابن عباس: بدعائك إياهم إلى طاعتك (١). مجاهد: هو الغناء واللهو واللعب (٢). ابن جرير: كل صوت دعا إلى الفساد فهو من صوت الشيطان (٣). ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ﴾ صِحْ عليهم، وأصله الجَلَبَةُ، وهي شدة الصوت، والمعنى: احثثهم عليهم (٤) بالإغواء والدعاء إلى طاعتك والصَّدِّ عن طاعتي بركبانك. ﴿وَرَجِلِكَ﴾ مشاتك. قتادة: للشيطان خيل ورجل من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه (٥). وقيل: كل راكب وماش في معصية الله فهو من أصحاب إبليس. الفراء: خيل المشركين ورجالهم (٦). الزجاج: هذا مثل، والمعنى: اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكائدك (٧). أبو علي: ليس للشيطان خيل ولا رجل ولا هو مأمور، إنما هذا (٨) زجر

стр. 1145

واستخفاف به كما تقول لمن تهدده: اذهب فاصنع ما بدا لك واستعن بمن شئت (١). ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾: قيل: هو الربا. وقيل (٢): البحيرة وأخواتها. وقيل: ما ذبح للأصنام. وقيل: كل مال يعصى الله فيه. ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ قيل: هم أولاد الزنا. وقيل: الموؤدة. وقيل: هو تهويدهم وتنصيرهم وتمجيسهم. وقيل: هو تسميتهم أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد شمس وعبد الحارث. وقيل: أن يستعملوا أولادهم في معصية الله. ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: عدهم بالمواعيد الباطلة، وقيل: مَنِّهِم. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ يغترهم به. والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب. ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ إن (٣) عبادي الذين خلقتهم لجنتي ليس لك عليهم سلطان على أن تضلهم أو تحملهم على ذنب لا يغفر، وقيل: لا سبيل لك على عبادي سوى وسوستك لهم في الدعاء إلى المعاصي.

стр. 1146

ابن جرير: إن عبادي الذين أطاعوني وعصوك ليس لك عليهم حجة (١). ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ حافظاً (٢) وناصراً. ﴿رَبُّكُمُ﴾ أي: خالقكم الذي يستحق العبادة. ﴿الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ يجريه على سَنَن. ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا الربح في التجارة، وقيل: لتنالوا ما ليس عندكم مما تفضل الله بخلقه (٣) لكم. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ﴾ بالمؤمنين ﴿رَحِيمًا (٦٦)﴾. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ عصوف الرياح وخوف الغرق. ﴿ضَلَّ﴾ بَطَلَ وزالَ، وقيل: غاب. ﴿مَنْ تَدْعُونَ﴾ من الآلهة. ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ لم تدعوا في تلك الحالة إلا الله (٤). وقيل: نسيتم كل معبود لكم وذهب عنكم ذكره إلا الله. ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ من الغرق. ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإيمان والتوحيد. وقيل: ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾: اتسعتم (٥) في كفران النعمة. قال ذو الرمة (٦): عَطَاءُ فتى تمكن في المعالي ... فأعرضَ في المكارِمِ واستطالا

стр. 1147

وقيل: هو العدول عن السنن. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ جحوداً نعم ربه. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ يدخلكم (١) في الأرض كما فعل بقارون، وجانب البر: ناحية من الأرض، وقيل: جانب البر: ساحل البحر. ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ حجارة من السماء كما فعل بقوم لوط، وقيل: الحاصب: الريح التي تأتي بالحصباء. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ من يحفظكم ويخلصكم. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ أي: يلجأكم إلى ركوب البحر مرة أخرى. قطرب: أترته: جئت به تارة، أي: أعدته (٢). ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ هي التي تقصف كل شيء، أي: تكسره. ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ الله. ﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ بسبب كفركم به. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾ بالإغراق، وقيل: بالإرسال، وقيل: يعود إليهما. ﴿تَبِيعًا (٦٩)﴾ أبو عبيدة: مطالباً (٣). الزجاج: من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم ولا من يتبعنا ليصرفه عنكم (٤). الفراء: طالباً ثائراً (٥). ابن عباس: نصيراً (٦). وقيل: من يطلبنا بدمائكم. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ شرَّفناهم. وقيل: أكثرنا لهم الكرامة.

стр. 1148

وقيل: نسبناهم إلى الكرم (١). ابن عباس ﵄: كل شيء يتناول مأكوله بفِيهِ من الأرض إلا بني آدم فإنه يرفعه بيده (٢). الضحاك: بالنُّطق والتَّمييز (٣). عطاء: بتعديل القامة وامتدادها (٤). وعن ابن عباس أيضاً: بالعقل (٥). محمد بن كعب: بأن جعلنا محمداً ﷺ منهم (٦). ابن جرير: بتسليطهم على غيرهم (٧). وقيل: بحسن (٨) الصورة. وقيل: الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقيل: بالخط. هذا ما ذكره المفسرون، وما خص الله بني آدم من بين المخلوقات كثيرٌ جداً. ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: في البر على الدواب وفي البحر على السفن، تقول: حَمَلتُه حُمْلاناً وحَمْلاً (٩)، إذا جعلت له ما يركبه من دابة وغيرها، وقد سبق في قوله: ﴿مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ المستلذات. مقاتل: السمن والزبد والتمر والملاذ (١٠). وقيل: الحلالات. وقيل: كسب يده، حكاه أقضى القضاة (١١). ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.

стр. 1149

قيل: الاستثناء للملائكة. وقيل: جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ﵈. وقيل (١): المراد بالكثير: الكل، كقوله ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]، أي: كلهم، ويحتمل: وفضلنا (٢) كثيراً منهم على من خلقنا، على القلب، فيكونوا الأنبياء والأولياء، فإنهم فُضِّلوا على الملائكة (٣)، والله أعلم. ومعنى ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾: أي: بالغلبة والاستيلاء. وقيل: بالثواب والجزاء يوم القيامة، ولهذا ذهب بعض النحاة إلى أن قوله ﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ منصوب بقوله ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾، والتقدير: نفضلهم. والفرق بين التكريم والتفضيل: أن التفضيل يستدعي آخر مفضولاً بخلاف التكريم. وذكر المفسرون عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة، فقال: (وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان) (٤).

стр. 1150

﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ مجاهد: بنبيهم (١). الضحاك وابن زيد: بكتابهم (٢). المبرد: بدينهم. وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم)، رواه الثعلبي (٣). الحسن: بأعمالهم (٤). قتادة: بكتاب أعمالهم (٥). وقيل: بما كانوا يعبدونه. محمد بن كعب: بأمهاتهم (٦). والإمام مصدر أمَّ، ويجوز أن يكون جمع آمٍّ، كراع ورعاء وتاجر وتجار، ومن

стр. 1151

فسره بالأمهات: فإمام جمع أُمٍّ، كخُفٍّ وخِفَاف وقُفٍّ وقِفَاف وجُلٍّ وجِلَال (١). ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي: كتاب عمله بيمينه، وهو المؤمن. ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ مَرَّةً بعد أخرى فَرِحين بما فيه، وهذا دأبُ من أتاه كتاب فيه مسرة وابتهاج. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ لا ينقصون من جزاء أعمالهم قدر فتيل، وهو ما فتلته بأطراف أصابعك وطرحته، وقيل: ما في شق نوى التمر، وقد سبق (٢). ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ لم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾، أي: في (٣) الدنيا ﴿أَعْمَى﴾ عمى القلب لا يبصر رشده ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ لأنه فاته وقت العمل، وذهب بعضهم إلى أنه أفعل من (٤)، ويقويه ما بعده ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾، وهذا على أن يقال: يجوز بناء أفعل من كذا من عَمِيَ بقلبه، كما يجوز من الجهل والبله، إذ ليس ذلك من العيوب البدنية المحسوسة، وأجاز بعضهم بناء أفعل من كذا من الألوانِ والعيوبِ والخِلَقِ إذا كان لها فعل ثلاثيٌّ كعمي وحول وعور، وما لم يكن له فعل ثلاثي كالحمرة والبياض والسواد فلا (٥).

стр. 1152

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في وفد ثقيف، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: مَتِّعْنَا باللات سنةً وحَرِّم وادينا كما حَرَّمْتَ مكة فإنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن (١) خشيت أن تقول العرب: أَعْطَيتَهُم ما لم تُعْطِنَا، فقل: الله أمرني بذلك، وأقبلوا يُلِحُّون على النبي ﷺ ، فأمسك رسول الله عنهم وقد هَمَّ أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله هذه الآية (٢). وعن سعيد بن جبير: قال المشركون للنبي ﷺ : لا نكفُّ عنك ولا نُمَكِّنك من استلام الحَجَر إلا أن تُلِمَّ بآلهتنا وتَمَسَّها بيدك ولو بطرف إصبعك، فقال (٣) ﷺ : (ما عليَّ لو فعلت والله يعلم إني كاره (٤))، فأنزل الله ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (٥). قتادة: ذُكِرَ لنا أن قريشاً خلوا برسول الله ﷺ ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويُفخِّمونه (٦) ويُسوِّدونه ويُقارِبونه وقالوا: إنك تأتي بشيءٍ لا يأتي به أحدٌ من الناس، أنت سيِّدنا وابنُ سيدنا، فما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل هذه الآية (٧). ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ أرادوا وقاربوا ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ يصرفونك ويستنزلونك. ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ عن القرآن وأوامر الله. ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ غير ما أوحي إليك. وقيل: هو (٨) قولهم: قل الله أمرني بذلك. ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾ لو قلت ما قالوه وفعلت ما أرادوه لأحبوك. ابن بحر: لأخذوك وأنت إليهم محتاج فقير (٩).

стр. 1153

﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ عصمناك ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾ أردت وهممت. ﴿تَرْكَنُ﴾ تميل. ﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ ركونا قليلاً. قطرب: احتالوا ليقع منه هَمٌّ، ولم يقع منه هَمٌّ (١) ولا غيره. الحسن: هَمَّ (٢). وهذا الهم (٣) مما يتجاوز الله عنه، فظاهر (٤) الآية يدل على أنه ﷺ لم يهم، لأن (لولا) يدل على امتناع الشيء لوجود غيره، والممتنع في الآية إرادة الركون لوجود (٥) تثبيت الله إياه، والله أعلم. وقال صاحب النظم في قوله ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ إنه من: كَادَ يَكِيْدُ، أي: احتالوا ليوقعوك (٦) في الفتنة. الزجاج: أرادوا منه أن يطرد سقاط الناس ومن رائحته كرائحة الضأن، أي: لباسهم الصوف، فَهَمَّ بذلك فتوعده الله على ذلك أشد التوعد (٧). ﴿إِذًا﴾ قوله ﴿إِذًا﴾ أي: إن وقع هذا الركون، وهذا أيضاً يدل على أنه لم يقع. ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ عذاب الدنيا والآخرة، والضعف من أسماء العذاب، قاله أبو عبيدة (٨)، والضعف المثل، وقيل: المثلان، وقد سبق (٩). ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ في سبب النزول: ابن عباس ﵄: حسدت اليهود مُقَامَ النبي ﷺ بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام، فإن كنت نبيّاً فالْحَق بها فإنك إن خرجت إليها صدَّقناك وآمَّنا بك، فوقع ذلك في

стр. 1154

قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة مرحلة، فأنزل الله هذه الآية (١). عبد الرحمن بن غنم: إن اليهود أتوا نبي الله ﷺ فقالوا: إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام فإن الشام أرض المحشر والمنشر (٢) وأرض الأنبياء، فَصَدَّقَ ما قالوا وغزا غزوة تبوك لا يريد بذلك إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ (٣). مجاهد وقتادة والحسن: هَمَّ أهلُ مكة بإخراج النبي ﷺ من مكة فأمره الله بالخروج وأنزل هذه الآية إخباراً عما هَمُّوا به (٤). ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ إنْ مخففة من الثقيلة (٥)، واللام للفرق (٦)، وتقديره: وإن المشركين كادوا، ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ يزعجونك ويستخفونك، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من مكة أو المدينة على ما سبق.

стр. 1155

ويروى عن الحسن: يستفزونك: يقتلونك (١). وقيل: من الأرض: أرض العرب. ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خلفك﴾ بعدك، و ﴿خِلَافَكَ﴾ بمعناه (٢). وقيل: هو مصدر خالف، والمعنى: لخلافهم إياك. ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾ هو مدة لبثهم إلى يوم بدر (٣). وقيل: إلى قتل بني قريظة وجلاء بني النضير. ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ المبرد: استن بهم سنة من قبلك (٤)، كقوله: طَيَّ المِحْمَل (٥)، وتقدير الآية: سنتنا في أُمَمِ مَنْ قَدْ أرْسَلنَا، والدليل عليه قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا﴾ ما حكمنا بكونه (٦) ﴿تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ تغييراً وتبديلاً. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أدمها (٧) واثبت عليها. ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ بعد دلوك الشمس، ومثله لخمسٍ خَلَون ولعشرٍ خَلَت، أي:

стр. 1156

بعدهما. ابن عباس في جماعة: دلوك الشمس: زوالها، والصلاة المأمور بها: الظهر (١). الخليل: دلوك الشمس: غروبها (٢)، وإليه ذهب ابن مسعود في جماعة (٣). أبو عبيدة: دلوكها: من عند زوالها إلى الليل (٤). الزجاج: دلوكها: زوالها للظهر وميلها للغروب (٥). ابن عيسى: اشتقاقه من دلكت الشيء، لأن الناظر إليها يدلك عينيه في تبصرها ليدفع شعاعها (٦). قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: إلى ظلمة (٧) الليل. مجاهد: غسق الليل: غروب الشمس (٨). ابن جرير: غسق الليل: إقباله ودنوه بظلامه (٩).

стр. 1157

ابن عيسى: ظهور الظلام، يقال: غسقت القرحة، إذا انفجرت وظهر ما فيها (١). و﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يريد صلاة المغرب والعشاء الآخرة. وقيل: غسق الليل: صلاة العصر. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ عطف على الصلاة، أي: أقم القرآن وهو صلاة الفجر. المبرد: أقم القرآن لصلاة الفجر (٢). الأخفش: نصب على الإغراء (٣). ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (٤)، وفي الخبر: يشهده الله سبحانه ثم ملائكة الليل والنهار (٥). ابن بحر: هذا للترغيب في حضور المساجد لها وشهود الجماعة لأجلها (٦). ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ استيقظ، هَجَدَ: نام، وتَهَجَّدَ (٧): استيقظ، مثله: حنث وتحنث، والتهجد: ترك النوم للصلاة، فإن لم يُصَلِّ فليس بتهجد.

стр. 1158

قوله ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقيل: نافلة لا فرضا، والنافلة: ما ليس بواجب، وقيل: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: غنيمة لك. ابن عيسى: النافلة: فعل ما فيه الفضيلة (١). وكان في حقه فرضاً فنسخ (٢). وقيل: معنى نافلة لك: عطاء لك خصوصاً. ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ عسى من الله واجب. ابن بحر: افعل ذلك راجياً (٣) أن يعطيك مقاماً محموداً، وتقديره: يبعثك ربك مبعثاً، فهو مصدر من غير لفظ الفعل السابق، وله أمثال، والمعنى: يبعثك محموداً غير مذموم، وقيل: معناه: يقيمك ربك في مقام محمود، ويحتمل: يبعثك في مقام، فهو نصب على الظرف. والمقام المحمود عند الجمهور: مقام الشفاعة، يحمده فيه الخلق. أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ (٤): ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾: قال: (الشفاعة) (٥). وعن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في قوله ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ قال: (يدنيني فيقعدني معه على العرش)، وفي رواية: (يقعدني (٦) على الكرسي)، وفي رواية: (على السرير) (٧). ولفظ مع هاهنا كقوله ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]، و ﴿عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، والمراد به رفع المنزلة، والله سبحانه منزه عن المكان والنقلة والانتقال (٨). ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني المدينة. ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني مكة (٩)، وذلك حين أمره بالهجرة منها إلى المدينة. وعن ابن عباس ﵄: أَمِتْني إماتة صدق وأخرجني بعد موتي من قبري يوم القيامة مخرج صدق (١٠). مجاهد: أدخلني في النبوة وأخرجني من تبليغ الرسالة (١١).

стр. 1159

وقيل: أدخلني مكة عام الفتح وأخرجني منها آمناً. وقيل: إلى بدر وأخرجني منه. وقيل: أدخلني في الجنة وأخرجني من الدنيا (١). وقيل: في جميع أمور (٢) دنياه وآخرته. معنى ﴿صِدْقٍ﴾ صلاح، تقول: رجل صدق، أي: صالح، ورجل سوء: طالح (٣). وقيل: صدق: مرضي. وقيل: المراد صدق الظن، أي: يصدق فيه ما يظن به من الخير. ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ عزّاً وقوة (٤) لأقيم به دينك. مجاهد: حجة بينة (٥). الحسن: السلطان: السيف (٦). ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام والدين. ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الكفر والشرك. قتادة: جاء القرآن وهلك الشيطان (٧). مجاهد: ﴿الْحَقُّ﴾: الجهاد، و ﴿الْبَاطِلُ﴾: الشرك (٨).

стр. 1160

وقيل: طاعة الله ومعصيته. وروى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً فجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (١). ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ يبطل ويزول والحق يبقى ويدوم (٢)، وزهق: بطل، وزهقت نفسه: ماتت. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: شفاء من كل سقام لما فيه من البركات، وقيل: من داء الضلال، وقيل: ﴿شِفَاءٌ﴾ عن داء الجهل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بيان وبركة وهدى. وأفاد دخول (مِنْ) أنه نزل نجماً نجماً وشيئاً شيئاً، وقيل: للتبعيض. وقيل: هو زيادة (٣) كقوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقيل: للتبيين. ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ هلاكاً لتكذيبهم إيَّاه، فيزداد خسارهم. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بالمال والصحة والأمن. ﴿أَعْرَضَ﴾ يريد الكافر، وقيل: عام. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، أي: أعرض عن ذكر ما كان فيه من السقم
следующие страницы →