← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ . أثبت الكرماني وقوع النسخ في القرآن، وقد أكثر من ذكر القول فيها مع اختصارٍ في ذكرها في الغالب، ومن تأمل في نقوله في ذلك وجد أن أبرز مصادرها وأكثرها إيراداً هو من كتاب الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس " ومن أمثلة ذلك: * في سورة الشورى: " وفي كتاب الناسخ والمنسوخ: " إنَّ في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: (١٨)] وهو رواية جُوَيْبِر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄. والقول الثاني: أنها ثابتة "وهو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه خبر والخبر لا يدخله النسخ". * وفي سورة الشورى أيضاً: عند قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ " في الناسخ والمنسوخ: " أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ "، وفي معناه أربعة أقوال: أحدها: أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا تودّوني في نفسي لقرابتي منكم وهذا لقريش خاصة وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد. الثاني: عن سعيد بن جبير: أنه قال: لمَّا نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين نودُّهم؟ قال: علي وفاطمة وولدهما ". الثالث: عن الحسن ﵁: " إلا أن تودّوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح ". الرابع: إلا أن تودُّوا أقرباءكم، وتصلوا أرحامكم ".

стр. 107

المبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات . قلَّ من المفسرين من سلم من إيراد الإسرائيليات ذكراً وإيراداً؛ لكون علم التفسير أكثر العلوم تأثراً بذلك، ولئن كان يُحمد للمؤلف تعليقه عليها في الغالب إلا أن ذكره لها من قبيل نشرها، وخصوصاً ما لا يصح من أخبار بني إسرائيل؛ إذ ما صحَّ خبره جازت روايته , ومن أمثلة ذلك: * في سورة (ص) عند قوله: " * ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾: " واختلفوا في ذنبه: فذهب جماعة من المفسرين إلى أن داود ﵇ دخل محرابه وأغلق بابه وقام يصلِّي فجاء طائر في أحسن صورة مُزَيِّن كأحسن ما يكون فوقع قريباً منه فنظر إليه فأعجبه فوقع في نفسه منه شيء فدنا منه ليأخذه، فوقع قريباً وأطمعه أن يأخذه ففعل ذلك ثلاث مرَّات، حتى إذا كان في الرابعة ضرب يده عليه فأخطأه فوقع على سور المحراب، وكان خلف المحراب حوض يغتسل فيه النساء فضرب يده عليه وهو على سور المحراب فأخطأه وهبط الطائر فأشرف داود فإذا بامرأة تغتسل فلمّا رأته نفضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته فقال: هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت: هو في جند كذا، فرجع وكتب إلى عامله: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل فلاناً في أول الخيل ففعل فقتل. وفي بعض القصص: كتب ذلك ثلاث مرات، ثمَّ انتظر حتى انقضت عدتها ثمَّ خطبها وتزوجها فلمَّا أتاه الخصمان وظن أن الله فتنه سجد أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه: أنْ ارفع رأسك فإني قد غفرت لك. وفي بعض التفاسير: أن جبريل ﵇ قال له: اذهب إلى أوريا، وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته في موضع كذا فأتاه واستحل منه فقال: أنت في حلٍّ، فلمَّا رجع قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك؟ قال: لا.

стр. 108

قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعتَ، فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتمَّا وبكى أربعين يوماً فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا استوهبك من عبدي فيَهَبُك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرَّى ذلك عنه، وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته. وذهب المحقِّقون إلى إنكار هذا أصلاً. وروي أن علياً ﵁ أنكر هذا وقال: "من حَدَّث بحديث داود ﵇ على ما يرويه القُصَّاص معتقداً صحَّته جلدته مائة وستين " أي حدَّين لعظم ما ارتكب من الإثم وكبير ما احتقب من الوِزْر ". وجاء عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ إنكاره أيضاً ". * وفي سورة (ص) أيضاً عند قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ " اختلف المفسرون في سبب ذلك، وفي الجسد، وأولى ما ذكر فيه ما روي عن النبي ﷺ ، وهو أنه قال: قال سليمان بن داود ﵉ " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ويروى على مائة، ويروى على ألف امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، ولم يقل. فطاف عليهن فلم تحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد فو الذي نفس محمدٍ بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً "، فلم يستثن، فلم يرض الله ذلك منه، وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، أي سرير ملكه ". ففي المثال الأول ذكر الإنكار بالتعقيب بعد ذكر الرواية، وفي الثاني ذكر القول الصحيح، ثم ذكر الرواية الواردة في أخبار بني إسرائيل.

стр. 109

المبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد . من خلال تفسير الكرماني يلاحظ القارئ له أنَّه تبع منهج الأشاعرة في آيات الصفات، وقد نقل بعض أقوال المعتزلة كأقوال علي بن عيسى وابن بحر دون الردِّ عليها، ومن أمثلة ذلك: * في سورة الزمر: " ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما وصفوه بوصفه الذي يجب له، وما عظَّموه حقَّ عظمته. والقَدْر والقَدَر في اللغة: ما عليه الشيء من مساواة أو زيادة أو نقصان، فكأنَّه قال: ما أعطوه في الوصف ما استحقَّه، وما قدَّروا فيه التقدير الذي هو حقّ التقدير فيه. في سبب النزول عن الأعمش عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ من أهل الكتاب، وقال: يا أبا القاسم بلغك أنَّ الله يحمل الخلائق على إِصْبِعٍ، والأرضين على إِصْبِعٍ، والسماء على إِصْبِعٍ، والبحور على إِصْبِعٍ، والثرى على إِصْبِعٍ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ". القبضة تُذكر، والمراد بها ما قبضتَ عليه بجمع كفِّك، وتُذْكَرُ والمراد بها: ما في تصرُّفك، كما يكتب في الشروط صارت الدار في مُلكه وقبضه، والتي في الآية منها؛ لأن المراد بها: شدَّة التَّمكن من مُلك الشيء، والمبالغة في القُدرة على التَّصرُّف فيه تصرُّفك في الشيء الحاصل في الكفِّ. وقيل: المراد به قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قيل: بقدرته وقوَّته، من قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . ... تلقَّاها عُرابةُ باليمين وقيل: بقَسَمه؛ لأنَّه حَلف أنَّه يطويها، ويفنيها. وقيل: بيمينه بيده، ولله يدان كلتاهما يمينان، وهذا جواب لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقيل: ملكه من قولهم: مُلْكُ اليمين. ومعنى: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: مستولٍ عليها استيلاؤك على الشيء المطوي عندك وبيدك. وقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: يوم القيامة، من قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: والأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه يوم القيامة. والمذهب والمعتقد في هذا وأمثاله التَّنزيه عن التشبيه، والوصف بالجسم، والعَرض والكيف والكَمِّ والزَّمان، وما رواه المفسِّرون في هذه الآية فكُلُّها مؤولٌ ". وهذا ليس على إطلاقه، وما قرره مخالف لمذهب السلف الصالح، كما سيأتي تحقيقه -بإذن الله - عند هذه الآية، ونظائرها من آيات الصفات الذي وافق فيها المؤلف مذهب الأشاعرة.

стр. 110

المبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام . يتضح من منهج المؤلف في تفسيره ميله للاختصار في آيات الأحكام فهو يشير إليها إشارات، ولا يستطيع القارئ في الجملة أن يخرج بمذهب المؤلف أو ترجيح ظاهر إلا ما ندر إذ يغلب ذكر حكاية الأقوال وسردها: * ففي سورة فصلت: " ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أراد مُدَّة حمله وفصاله، وهو الفطام. ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ذكر أقل الحمل، وهو ستة أشهر، ونهاية الرَّضاع، وهي حولان لقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: (١٤)] , وما يزاد في أحدهما نقص من الآخر، وليس هذا حتماً واجباً، وللفقهاء فيه خلاف ". * وفي سورة المجادلة: " ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: بيّن في الآية الأولى ما أن ذلك من قائليه منكرٌ وزورٌ، وبيّن في الثانية حكمَ مَن قال ذلك، ولم يقل منكم في هذه الآية؛ لأنه بيانٌ للأول، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ حمله بعضُهم على معنى القول، وبعضُهم على عين القول. فمَن حمله على معنى القول، قالوا: تقديره: يعودون لنقض ما قالوا وإفساده. وقيل: يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا من التحريم. وقيل: يرجعون عمّا قالوا. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن العَوْدَ إنما يكونُ بالعزم على الوطء، فيلزمه الكفارةُ بالعزم. والثاني: أن العَوْدَ يكونُ بالإمساك، فيلزمُه الكفارةُ بالإمساك. والثالث: أن العَوْدَ يكونُ بالوطء، فيلزمُه الكفارةُ بالوطء. ومَن حمله على ظاهر القول وعينه اختلفوا على قولين: أحدهما: أن العودَ إنما يكونُ بتكرار اللّفظ، وهو أنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي. فإذا قالها مرتين صار مُظاهراً، ولزمه الكفارةُ لتكراره اللّفظَ. والثاني: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون للنساء إذا أرادوا الطلاقَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإذا عاد في الإسلام إلى مثل ذلك القول لزمه الكفارةُ، فعلى هذا يلزمه الكفارةُ بمجرَّد الظهار ".

стр. 111

المبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها . يعدُّ الكرماني من علماء اللغة المتمكنين من هذا العلم، وله في ذلك مؤلفات، ويظهر أثر ذلك من خلال الإعراب للآيات، وبيان مفرداتها واشتقاها، وبيان الغريب، وحدود التعريفات، وتأكيد أقواله بالشعر والأمثال، وكثيراً ما يتعقَّب على الفَرَّاء وغيره؛ فهو ينتصر لمذهب البصريين كثيراً كما ظهر لي، ومن أمثلة ذلك: * في سورة (ص): "والجمهور على أنَّ ﴿وَالْقُرْآَنِ﴾ قسمٌ، واختلفوا في الجواب: فقال بعضهم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾، وقال بعضهم: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، وقيل: مضمر أي لَيُبْعَثُنَّ. وقيل: مقدَّمٌ على أن يكون ﴿ص﴾ اسماً للقرآن ... وقيل جوابه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ والتقدير: لكم أهلكنا كما في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ... [الشمس: ٩] في سورة الشمس، أي لقد أفلح، لكن لمَّا حِيل بين القَسَم والمقسَم عليه حُذف اللام فصار ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فكذلك ها هنا، وهذا قول الفرَّاء، وهو غير مرضي عند البصريين؛ لأن كم لتضمُّنه معنى الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فَلَهُ صَدْرُ الكلام لا حاجة به إلى اللام ". * وفي سورة (ن والقلم): " ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ على قصدٍ من قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . ... يحرد حرد الجنة المغله وقيل: على غضبٍ على المساكين، والحَرْد الغضب، والفتح فيه أكثر. وقيل: على منعٍ من قولهم: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطرٌ. وقيل: على قدرة ونشاطٍ وجدٍّ في أنفسهم. الحسن: " على فاقة وحاجة ". وقيل: على أمرٍ أسَّسوه وأجمعوا عليه. وقيل: على حرصٍ، وقيل: هو اسم جنَّتهم، والأقوال الثلاثة الأولى، أقوال اللغة ".

стр. 112

سورة المائدة مدنية، وقيل مدنية (١) إلا آية وهي قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [الآية: ٣] فإنها نزلت بمكة يوم عرفة (٢)، وقيل السورة مدنية كلها. وقرأ رسول الله ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع وقال: (يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) (٣). وآيها مائة وعشرون كوفي وثلاث وعشرون بصري (٤). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.

стр. 113

ابن عباس (١) في جماعة: أوفوا بالعقود، أي: بعقود الله فيما أحلّ وحرم (٢). الحسن (٣): عقود الدين (٤). ابن جريج (٥): الخطاب لأهل الكتاب، والمراد بالعقود: العهود التي أمر أهل الكتاب أن يعملوا بها من تصديق النبي وتبيين نعته (٦). ابن زيد (٧): العقود خمسة، عقد النكاح، وعقد الشركة، وعقد اليمين، وعقد العهد، وعقد الحلف، وزيد عقد البيع (٨). وقيل العقود المذكورة: هي الفرائض المبينة في هذه السورة، وهي إحدى عشرة وقيل ثماني عشرة (٩).

стр. 114

والعقد: الجمع بين الشيئين بما يُعَسِّرُ الانفصال، وأصله الشد. والوفاء: إتمام العقد بفعل ما عقد عليه، تقول: وَفَى وأوفى (١). ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. الجمهور: استئناف (٢)، ويحتمل التفصيل، والبهيمة: هي كل حي لا يميز، والأنعام: أصلها الإبل، أُخِذَ من نَعْمَةِ الوطء (٣)، وإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب: ثوبُ خَزٍّ، ثم استعمل للبقر والشاء، ولا يدخل فيها الحافر لقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] ثم عطف عليها ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨]. الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم (٤). ابن عباس ﵄: بهيمة الأنعام: الوحش (٥). ابن عمر (٦) ﵄: بهيمة الأنعام: الجنين إن خرج ميتاً جاز أكله (٧).

стр. 115

وروي عن ابن عباس أيضاً (١). ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يذكر تحريمه لكم. ابن عباس والحسن في جماعة هو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (٢). أبو العالية (٣) هو قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: إلا ما كان من الأنعام صيداً فهو حرام وأنتم حُرُم. وقوله: غيرَ: منصوب على الحال من قوله: أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، وفيه تقديم وتأخير، وقيل بالاستثناء، أي: إلَاّ محلي الصيد وأنتم حرم، حكاه ابن عيسى (٤)، وقيل على الحال من قوله: أحلت لكم غير محلي الصيد، وهو الأظهر (٥). قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ابن عباس: وأنتم في الحَرَم، غيره: في الإحرام، وقيل: في الحَرَم والإحرام، تقول: رجل حرامٌ وقومٌ حُرُمٌ (٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ ابن عباس في جماعة: يحل ويحرم ما يريد، وقيل: يحكم فيما خلق ما يريد على الإطلاق (٧).

стр. 116

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في الحُطَم (١)، واسمه شريح بن ضُبيعة، أتى النبي ﷺ من اليمامة إلى المدينة فخلَّف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي ﷺ فقال له: إلامَ تدعو الناس؟ فقال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) فقال: حسنٌ، إلَاّ أنَّ لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه (٢): (يدخل عليَّ رجل يتكلم بلسان شيطان)، ثم خرج من عنده، فلما خرج قال رسول الله ﷺ : (لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم)، فمرَّ بسرح المدينة فاستاقه، فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله ﷺ عام القضية، سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: (هذا الحطم وأصحابه) وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٣). وفي غير هذه الرواية: فمر بسرح المدينة واستاقه وانطلق وهو يرتجز ويقول: باتوا نياماً وابنُ هندٍ لم يَنَمْ ... بات يقاسيها غلامٌ كالزُّلَمْ خَدَلَّجُ الساقين خفاق القدم ... قد لفَّها الليلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ ليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزَّارٍ على ظهر (٤) وَضَمْ هذا أوَانُ الشَّدِّ فاشتدي زِيَمْ (٥) وقوله: شعائر الله - على هذا -: ما يحرم في الإحرام، وهو قول ابن عباس (٦). وقيل: مناسك الحج، وهو أيضاً قول ابن عباس ﵄ (٧)، وقيل:

стр. 117

الأعلام المنصوبة للفرق بين الحل والحرم، نهاهم أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام (١). الحسن: دين الله كله (٢). ومعنى: ﴿لَا تُحِلُّوا﴾: لا تستحلوا. ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: القتال فيه، وقيل تأخيره، من قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] والمراد (٣) به هاهنا ذو القعدة، وقيل: رجب، وقيل: أشهر الحرم كلها. ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ هو ما يهدى إلى مكة للذبح. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ ابن عباس: هي مُقَلَّداتُ الهدي (٤)، وكانوا في الجاهلية إذا خرجوا من الحرم قلدوا إبلهم من لحاء سَمُرة الحرم فلا يتعرض لهم أحد، وإذا خرجوا إلى الحرم قلدوها بقلائد ليعلم أنها هدي. وقال عطاء (٥): هي القلائد نفسها، كانوا يأخذون من لحاء سَمُرة الحرم فنهى الله أن ينزع من شجرها (٦).

стр. 118

وقيل القلائد (١): ما يقلد به من حذاءٍ ونعل. ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: قاصديه. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ رزقاً بالتجارة، ﴿وَرِضْوَانًا﴾ بزعمهم. قتادة (٢): هو أن يصلح معاشهم في الدنيا فلا يعجل لهم العقوبة (٣). وقيل: الفضل للمشركين والمؤمنين عام، ورضواناً للمؤمنين خاصة، لأن الآمين من المؤمنين والكافرين. والجمهور على أنها منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤) (٥) [التوبة: ٥]. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ خرجتم من الإحرام ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أمر إباحة، وكذلك كل أمر وقع بعد حظر (٦).

стр. 119

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يحملنَّكم ولا يكسبنَّكم (١)، قال (٢): ولقد طعَنْتَ أبا عُينيةَ طعنةً ... جَرَمَتْ فَزارةَ بعدها أن يَغْضَبوا ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ من فتح جعله مصدراً، أي: إبغاض قوم، ومن سكن فالمعنى: بغيض قوم (٣)، فإن المصدر على فعلان قليل، وقد جاء اللَّيَان. ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ أي: لأن صدوكم عام الحديبية. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ المعنى: لا يحملنكم إبْغَاضُ قوم أو بَغِيْضُ قوم على الاعتداء لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام، ومن قرأ: (إن صدوكم) بكسر الألف (٤)، فتقديره: إن يقع مثل هذا لا يحملنكم على الاعتداء، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ولا يجرى على الظاهر، لأن الشرط في الماضي محال، ومنه بيت الكتاب (٥):

стр. 120

أتغضبُ إنْ أُذْنَا قتيبةَ حُزَّتا ... جِهاراً ولم تغضبْ لقتلِ ابن خازم أي: إن يقع مثل هذا تغضب، وكذلك قول الآخر (١): إذا ما انتسبنا لم تَلِدْني لئيمةٌ ... ولم تَجِدي من أَنْ تُقِرِّى بِهِ بُدَّا المعنى: إن تنسبني لم تجد ني مولود لئيمة. ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ﴾ أي: ليعنْ بعضكم بعضاً على متابعة الأمر، ﴿وَالتَّقْوَى﴾ وهي (٢) مجانبة الهوى، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ المعصية، ﴿وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بيان لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣). ﴿وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ سبق في البقرة (٤). ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تنخنق في حبالة الصائد، أو يدخل رأسها بين شعبتين من شجرة، أو تخنق عمداً فتموت. ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المضروبة بالخشبة أو بغيرها إلى أن تموت، من قولهم: وَقَذْتُه، أي: ضَرَبْته. ابن عمر ﵄: المضروبة بالبُنْدُقَة موقوذة (٥)، والمجوس تَقِذُ ليبقى الدم فيها فتكون (٦) أطيب بزعمهم.

стр. 121

﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تردى (١) من علوّ أو وقعت في بئر فماتت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ ما نطحت حتى تموت، فعيلة بمعنى مفعول، وألحق الهاء به لأنه اسم، وقيل: إذا انفرد عن الموصوف ألحق به الهاء نحو الكحيلة والدهينة، وقيل هي بمعنى الفاعل، أي تنطح حتى تموت. ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أراد وما أكل منه السبع فمات. وقوله (٢): ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ علي (٣) وابن عباس ﵃: الاستثناء عائد إلى الكل، أي: ما أدركتم ذكاته بأن يوجد له (٤) عين تطرف أو ذنب تحرك (٥). وقيل: يعود إلى ما أكل السبع فحسب. والذكاة: اسم شرعي لقطع الأوداج - وهي: الحلقوم والمريء والعِرْقَان -

стр. 122

بسكين أو ما قام مقامه على اسم الله مُسْلِماً. ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ كانت (١) عند البيت ثلاثمائة وستون حجراً يعبدونها ويقربون الذبائح لها. الحسن: كانوا يذبحون لأصنامهم (٢). ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنها قداح ثلاثة مكتوب على أحدها أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل، فإذا أرادوا أمراً ذا خطر من سفر أو نكاح أو تجارة أو عقل أجالوها، فإذا خرج أمرني ربي مضى على ذلك، وكذلك إذا خرج نهاني ربي امتنع، فإن خرج الغفل أجالوها (٣) ثانياً، ومعنى تستقسموا: تطلبوا ما قُسِمَ لكم. المبرد (٤): الاستقسام: إلزام كقسم اليمين، كأنهم ألزموا (٥) أنفسهم ما يأمرهم به القداح (٦). والثاني: الأزلام: سهام الجزور، واحدها (٧) زَلَم، كجمل، وزُلَم، كصُرَد، وهي عشرة يقسمون عليها لحم الجزور، وقد سبق (٨). والثالث: الأزلام: كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، قاله مجاهد (٩) (١٠).

стр. 123

الرابع: قال سفيان بن وكيع (١): الأزلام: الشطرنج (٢). سعيد بن جبير (٣): الأزلام: حصيات كانوا يستقسمون بها (٤). والأول هو الذي عليه الجمهور. ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارة إلى الاستقسام، ويحتمل أن يعود إلى الكل. ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابن عباس ﵄: هو يوم فتح مكة (٥). مقاتل ابن حيان (٦): يوم عرفة (٧). وقيل: اليوم عبارة عن الوقت. ومعني ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي (٨): من إبطال دينكم، وقيل: من رجوعكم عن دينكم. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في مخالفة أمري. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ في سبب النزول أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي ﵊ واقف بعرفات على ناقته العضباء (٩).

стр. 124

وروى البخاري (١) أن رجلاً من اليهود (٢) جاء إلى عمر ﵁ (٣) وقال: يا أمير المؤمنين: إنكم لتقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأي آية هي، قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر ﵁: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت هي عشية عرفة في يوم جمعة (٤). وروي (٥) مثل هذا عن ابن عباس (٦). ومعني ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: بالبيان والشرائع والفرائض حتى لا يزاد فيه بعد اليوم. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، وعاش النبي ﷺ بعدها أحداً وثمانين يوماً (٧). وقيل: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: حَجَّكم، فحججتم وليس معكم مشرك؛ لأنهم منعوا عنه بما في سورة براء ة. ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالإسلام وقيل تُخافون ولا تَخافون. الحسن: ﴿نِعْمَتِي﴾: الجنة (٨). ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ما استقر عليه الشرع، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾

стр. 125

أحوج وألجئ في مجاعة، مشتقّة من: خماص البطن، فَأَكَل ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ مائل له، بأن يأكلها تلذذاً مجاوزاً حد الشبع، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أي لمن أكل ﴿رَحِيمٌ﴾ حيث رخص، ويحتمل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ فليأكل منها. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ في سبب النزول: أن النبي ﷺ أَمَر بقتل الكلاب، فجاء ناسٌ إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ما هذه الأمة التي تقتلها (١)؟ فسكت، فأنزل الله هذه الآية، فأُذِنَ في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهي عن إمساك ما لا نفع فيه منها (٢). وعن سعيد بن جبير: أنها نزلت في سؤال عدي بن حاتم وزيد الخيل (٣) حين جاءا إلى رسول الله ﷺ فقالا: إنا قوم نصيد (٤) بالكلاب فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما لا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منه؟ فأنزل الله هذه الآية (٥). ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الحلال، وقيل: المأذون في أكله، وقيل: المستلذ، لأن التي حرمت غير مستلذة، وقيل: الطيبات: ما لم يجر ذكره في المحرمات. ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ أي: وصيد ما علّمتم، أي: علمتموه الصيد (٦)، ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الكواسب للصيد على أهلها، وهي الكلاب والفهود والبزا ة والصقور وغيرها،

стр. 126

واحدها جارحة، والجرح: الكسب؛ من قوله: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وروي عن محمد بن الحسن (١): الجوارح من الجراحة، وقال: إذا صاد ولم يجرحه ومات: لم يؤكل، لأنه لم يجرح بناب ولا مخلب (٢). ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معلمين إياه الصيد، والمُكلِّبُ: الذي يُعلِّم الصيد ويؤدب (٣)، وقيل: مُضَرِّين من التضرية (٤)؛ فيكون أعم من الأول. وذهب ابن عمر والضحاك (٥) إلى أنه لا يحل إلا أكل صيد الكلاب وحدها، والجمهور على القول الأول (٦). ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ العليم الذي بَيَّنَ حكمها لكم. وللتعليم حَدٌّ عند بعضهم: وهو أنه إذا أُرْسِلَ تَبِعَ الصيد، وإذا أَخَذَ أمسكَ

стр. 127

على صاحبه، وإذا دُعي استجاب، وعند بعضهم: ليس في تعليمه شيء يحد، والحسنُ لا يجوّزُ أن يؤكل ما صاده كلاب المجوس (١). ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ لا لأنفسهن وإنما يعرف ذلك بالأكل. وعند أبي حنيفة (٢) ﵁: لا يؤكل إذا أكل منه الكلب، ويؤكل إذا أكل منه البازي، حيث لا يمكن تعليمه وضربه عند الأكل. وعند الشافعي (٣) ﵀: لا يؤكل إن أكلا. مالك (٤) والأوزاعي (٥) رحمهما الله: يؤكل منه وإن أكلا (٦). ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على الإرسال، وفيه تقديم (٧)، وقيل: يريد التسمية عند

стр. 128

الأكل، وقول الحسن في المجوس من هذا (١). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أكل الميتة. سعيد بن جبير: واتقوا ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ يعطي ما لك ويأخذ ما عليك. ويحتمل أن ما (٣) في (ما علمتم) للشرط ﴿فَكُلُوا﴾ جزاؤه، والكلام تم على الطيبات، ويحتمل أيضا أنه الموصول ﴿فَكُلُوا﴾ خبره. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الحلالات واللذيذات كما سبق. ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. ابن عباس والحسن في جماعة: ذبائح اليهود والنصارى (٤). وقيل: أراد به كل طعام، فتفيد الآية تناول طعامهم (٥)، والأول أظهر؛ لأن سائر الطعام كالخبز والجبن (٦) والدهن لا يختلف حكمه بأن يتولاه مجوسي أو كتابي أو مسلم بإجماع. ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾.

стр. 129

ابن عباس وسعيد بن جبير: ذبائح المسلمين حلّ لهم (١). وقيل: وطعامكم حلٌّ لهم أن تطعموهم وتتصدقوا عليهم. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ سبق ذكرها (٢). ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. الحسن والشعبي (٣) والسدي (٤): العفائف الكتابيات (٥). مجاهد: الحرائر الكتابيات (٦). ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: إذا التزمتم مهورهن. ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي: بالنكاح لا بالزنا جهراً وسراً. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾.

стр. 130

مجاهد: بالله (١). وغيره: أبى الإيمان وامتنع منه، ويحتمل أنه مصدرٌ وقع موقع المفعول (٢)، ويحتمل ينكر وجوبه وفرضه. ﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾ بَطَلَ ﴿عَمَلُهُ﴾ (٣). ابن بحر (٤): هو مستعار من قولهم: حبط بطنه. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾. الحسن: كل خسران في القرآن فهو خسران النفس والجنة (٥). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقيل: أردتم الطهور فذكر بلفظ الصلاة لأن القصد به إليها، وفي الآية إضمار تقديره: إلى الصلاة محدثين، وهذا إجماع؛ إلا ما روي عن عمر وعلي ﵄: أنهما كانا يتوضآن لكل صلاة، وذلك محمول على الندب والاستحباب (٦).

стр. 131

وروي عن ابن عباس في جماعة (١): أي: قمتم من النوم؛ يريد من نوم يوجب الوضوء، وقيل: قمتم من الطعام؛ وهذا على زعم من يوجب الوضوء مما مسته النار، وذلك قول لا يعتد به (٢). ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الفاء: جواب الشرط، وقد اتصل بالغسل والمسح معاً؛ لأن الواو لا تدل على الترتيب بإجماع من أهل اللغة (٣). والغسل: إمرار الماء على العضو، والدلك ليس بفرض، خلافاً لمالك. ولا يقتصر على مسح بالماء كالدَّهن، خلافاً لأبي يوسف ﵀ (٤). ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع وجه، وهو: ما واجهت به غيرك من قصاص الشعر إلى الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى الشحمة عرضاً، ويمسح على ظاهر اللحية. والمضمضة والاستنشاق والتخليل سنة؛ لأنها لا يقع عليها اسم المواجهة، وكذا التكرار سنة. ولا يجب إيصال الماء إلى داخل العينين، خلافاً لابن عمر ﵄ (٥).

стр. 132

﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ اليد عبارة: من (١) الأنملة إلى المنكب، فدخل المرفق في الغسل لهذا، وصار ﴿إِلَى﴾ (٢) لإخراج ما وراء المرفق عن الغسل، خلافاً لزفر ﵀ (٣). وما ذهب إليه بعضهم من أن ﴿إِلَى﴾ هاهنا بمعنى (مع): فضعيفٌ؛ لأنه إذا جعل بمعنى (مع) لم يبق فيه معني التحديد، فيجب غسل المرفق مع العضد لأن مطلق اليد يشتمل عليها كلها (٤).

стр. 133

﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المسح: مباشرة الرأس بالماء (١) من غير إمرار (٢). والمفروض: قدر الربع، ولا يستوعب الرأس، خلافاً لمالك، ولا يقتصر على ما دونه، خلافاً للشافعي ﵀. ولا تكرار في المسح. والأذنان من الرأس. ولا يمسح على العمامة، خلافاً للأوزاعي والثوري (٣). ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ النصب عطف على (أيديكم) ويحتمل العطف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، والخفض عطف على ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ويحتمل الجوار، فصار من المجمل الذي بيانه إلى النبي ﷺ ، وقد بين بقوله: (ويل للعراقيب من النار) (٤)، إذ لو كان ممسوحاً لم ينله الوعيد، وتحديده بالكعبين يرجح جانب الغسل (٥).

стр. 134

والكعبان داخلان في الغسل، كالمرفقين، وهما: العظمان الناتئان عن جانبي الساق، خلافاً لمحمد ﵀، فإنه ذهب إلى أنه الناتئ فوق القدم حيث يقع عليه الشراك (١). فهذه الأربعة هي المفروضة في الوضوء. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: فاغتسلوا. والاغتسال: غسل ما يمكن من البدن، فيدخل فيه المضمضة والاستنشاق. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ سبق تفسيره وذكر سبب (٢) نزول آية التيمم في سورة النساء (٣). ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق، فرخص في التيمم. ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ عن الأحداث والجنابة. وقيل: معناه (٤) لم يفرض عليكم الطهارة ليضيق عليكم، ولكن يريد ليطهركم عن الذنوب؛ فإن الوضوء تكفير لما قبله. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدين والإسلام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ لكي تشكروا نعمتي (٥). والآية مشتملة (٦) على سبعة فصول كلها مثنى: طهارتين: الوضوء والغسل،

стр. 135

ومطهرين: الماء والتراب، وحكمين: الغسل والمسح، وموجبين: الحدث والجنابة، ومبيحين: المرض والسفر، وكنايتين: الغائط والملامسة، وكرامتين: تطهير الذنوب وإتمام النعمة، والحمد لله على نعمه (١). ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام وسائر نعمه، وقيل: أكثروا تعدادها، وقيل: اشكروا. ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ أي: العهد الذي عاهدتموه. مجاهد: هو من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٧٢]. ابن عباس: هو متابعة النبي ﵊ فيما يأمر وينهى (٣). وقيل: هو الإيمان يوم بيعة الرضوان. ابن بحر: ذلك مفسر في الآية، وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا أوامرك ونواهيك وأطعنا بالانقياد والإذعان. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ميثاقه ونقضه. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ بخفيات القلوب، وقيل: بحقيقة ما في الصدور، وذات الشيء نفسه وحقيقته. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ أي: قائمين بما يلزمكم القيام به. ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الحسن: الشهادة بحقوق الناس (٤). الزجاج: الشهادة لأمر الله أنه حق (٥). والقسط: العدل.

стр. 136

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يحملنكم. ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ إبغاض قوم وبغيض قوم. ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي على الجور. ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي العدل أقرب. ﴿لِلتَّقْوَى﴾ أي: هو التقوى، وقيل: أقرب لاتقاء النار. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾. الحسن: هذا تكرار الآية الأولى. وقد سبق (١). غيره: نزلت في غيرهم، وروي عن عبد الله بن كثير أنه قال: نزلت في اليهود، ذهب رسول الله ﷺ يستعينهم في دية فهموا بقتله (٢). وقيل: هو عامّ، أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ في مفعول وعد قولان، أحدهما: أنه محذوف ودل عليه لفظ: وعد، خلاف ما يدل عليه لفظ: أوعد، أي: خيراً، وقيل: محذوف يفسره (٣) ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. والثاني: الجملة مفعولة واقعة موقع المفرد، كقول الشاعر (٤): وَجَدنا الصالحين لهم جزاءٌ ... وجناتٍ وعيناً سلسبيلا. فعطف جنات وعيناً على محل (٥): لهم جزاء. وقيل: تقديره: وعد الله أن لهم مغفرة، فلما حذف (أن) ارتفع مغفرة بالابتداء. وقيل: ما بعده رفع على الحكاية؛ لأن الوعد قول، أي: قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ثم أوعد الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ أي: لا يفارقونها كما لا يفارق الصاحب ماله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ اختلف المفسرون في سبب نزول الآية: فذهب الحسن إلى أنها نزلت في الذين صدّوه عن الحج وهموا بالتعرض له وللمؤمنين، فألقى الله في قلوبهم الرعب فكفوا عما هموا (٦).

стр. 137

وقال الواقدي (١): بلغ رسول الله ﷺ أن دعثور بن الحارث جمع جمعاً من بنى ثعلبة ومحارب لينالوا من الأطراف شيئاً، فخرج النبي ﷺ إليهم، فلما علموا به هربوا إلى الجبال والنبي ﷺ يراهم فلا يقفوا أثرهم، وأصاب النبي ﷺ والمؤمنين مطر، فخلا في موضع وألقى ثيابه على الشجر، فباغته دعثور ومعه سيفه، وقال للنبي ﷺ : من يمنعك منى؟ فقال: (الله) وألقى جبريل السيف من يده وأخذه رسول الله ﷺ ، وقال لدعثور: (من يمنعك مني؟ ) قال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسوله، ثم أتى قومه وجعل يدعوهم إلى الإسلام (٢). وعن جابر (٣) أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ وسيفه في حجره، فقال: يا محمد: أَنْظُرُ إلى سيفك هذا. قال: (نعم) فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فكبته الله، ثم قال: يا محمد: أتخافني؟ قال: (لا). قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: (يمنعني الله منك). ثم غمد السيف ورده إلى رسول الله ﷺ (٤). وقال مجاهد والكلبي (٥) وعكرمة (٦): قَتَلَ رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 138

رجلين من بني سُلَيم، وبين النبي ﷺ وبينهم (١) موادعة، فجاء قومهما يطلبون الدية، فأتى النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (٢) وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، فدخلوا على كعب ابن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عَقْلِهما، فقال: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك التي سألتنا. فجلس هو وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب إليكم منه (٣) الآن، فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة ويريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب (٤): أنا. فجاء إلى رحاً عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء جبريل وأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ ، وأنزل الله (٥) هذه الآية (٦). وإلى هذا ذهب الزجاج (٧). وسياق الآية يدل عليه، وهو قوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ

стр. 139

يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتل والإهلاك (١). ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ مضرتهم (٢) ﴿عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ فإنه الكافي والدافع والمانع. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قيل: المراد بالبعث: الرسالة وكانوا أنبياء، وقيل: المراد به الإمارة والولاية والخلافة. والنقيب: الضامن؛ عن (٣) الحسن (٤). قتادة: الشهيد على قومه (٥). وقيل: الأمين والكفيل. الزجاج (٦): هذا الأصل معناه التأثير الذي له عمق ودخول، واستدل بالرجل النقاب، وهو: العالم، والنُّقْبَةُ من الجَرَبْ (٧)، والكلب النقيب: هو الذي نقب في حنجرته لينتقص صوته في نباحه. وسمي الرجل نقيباً: لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعلم مناقبهم. وأصحاب الجيوش خمسة: الأمراء ثم الأسفهسلارون (٨) ثم النقباء ثم العرفاء ثم المناكب.

стр. 140

وجاء في القصص: أن الله تعالى وعد موسى ﵇ أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون والجبارون، ووعده أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر، أمرهم الله بالسير (١) إلى أريحا، وقال: يا موسى: إني كتبتها لكم داراً وقراراً، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم (٢)، وخذ من قومك اثني عشر نقيباً، من كل سبط (٣) واحداً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به، فاختار موسى ﵊ النقباء، وبعثهم إليها يتحسسون الأخبار ويعلمون علمها (٤)، ثم توافقوا على أن لا يخبروا بني إسرائيل بما شاهدوه من شدة بأس القوم، وقيل: من عظم أجسامهم، لئلا يجبنوا عن قتالهم، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، فوفى اثنان بالعهد ونكث العشرة (٥) العهد، وجعل ينهى كل واحد سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى.

стр. 141

والجمهور على هذا إلا الحسن (١) فإنه قال: جعل النبي ﷺ على الأنصار اثني عشر نقيباً ليلة العقبة ليراعوا أمور الناس ويرفعوا أخبارهم وما يعرض لهم من الحوائج إلى النبي ﷺ . والأول أظهر. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي قال لهم. الربيع (٢): خطاب للنقباء (٣). والجمهور على أنه خطاب لبني إسرائيل. ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ وكانتا فريضتين عليهم. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ يريد من مضى منهم ومن يبعثهم الله من غير تفريق بين أحد منهم.

стр. 142

﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أبو عبيدة (١): عظمتموهم (٢). الزجاج: نصرتموهم، قال: وأصله من الذب والرد، أي: ذببتم الأعداء عنهم، ومنه التعزير وهو كالتنكيل (٣). ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قيل: الصدقة لتقدم ذكر الزكاة، وقيل: الخير كله. وقرضاً: جائز أن يكون مفعولاً، وجائز أن يكون مصدراً بحذف الزيادة (٤). وذهب بعضهم إلى أن هذه شرائط لقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾، وذهب بعضهم إلى أن الكلام تم عند قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ فأدخل عليه لام توطئة القسم، والمقسم محذوف، وجواب القسم قوله (٥): ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بترك المؤاخذة بها. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ بعد الميثاق المذكور. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ عدل عن الطريق المستقيم. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: نقضوا العهد وبسبب نقضهم لعناهم، و (ما) زائدة أفادت تفخيم الأمر، أي: بنقضهم العهد، أيَّ عهدٍ، وقيل: بنقضهم الفظيع الشأن، كما قال: لأمرٍ ما يُسَوَّدُ من يَسُوْدُ (٦).

стр. 143

﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ ابن عباس (١) ﵄: المراد بهم الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، وفسر ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ بالجزية، الحسن: لعناهم بالمسخ، أي: أوائلهم، فصاروا قردة وخنازير من قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وقيل: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ أبعدناهم من الرحمة فيكون لهم جميعاً (٢). ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ يابسة لا رحمة فيها ولا لين، فاعلة من قسا يقسو، وقَسِيَّة (٣): فعيلة بمعنى فاعلة، وقيل: قسية: رَدِّية، من قولهم: درهم قَسِيّ، أي: زائف ردئ يشوبه غشٌّ، قال (٤): فما زوّدوني غَيْرَ سَحْقِ عمامةٍ ... وخمس مئىٍ منها قَسِيٌّ وزائفُ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ قيل: بالتأويل، فأولوه على مرادهم، وقيل: بتغييرهم لفظ التنزيل. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: تركوا بعض ما أمروا به. ابن عباس: من اتباع محمد ﷺ (٥). وقيل: لم ينالوا منه نصيباً حين حرفوه. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى﴾ أي: أبداً تشاهد وتشرف. ﴿خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ خيانة، كالخاطئة والعافية، وقيل: على فرقة خائنة، وقيل: على خائن، والهاء للمبالغة، كقوله (٦): حَدّثتَ نفسكَ بالوفاءِ ولم تكنْ ... للغدرِ خائنةً مُغِلَّ الإصبعِ الدمياطي (٧): خانوه حين هموا بقتله. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ لم يخونوا، ابن عباس ﵄: عبد الله بن سلام وأصحابه (٨)، وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٩).

стр. 144

قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ قيل: منسوخة، والناسخ آية السيف، وقيل: بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقيل: محكم (١)، والمعنى: فاعف عنهم واصفح بعد أن أعطوا الجزية وحقنوا الدم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: تقديره: ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا، أو: من أخذنا، وقيل: (من) متصل بـ ﴿أَخَذْنَا﴾ وهذا (٢) أظهر. الحسن: إنما قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها (٣). ويحتمل: أي لهم الدعوى لا المعنى، لأنهم لم يقوموا بما أمروا به في شرعهم. ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أمرناهم بتوحيد الله والإيمان برسله وشرائعه. ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾ ألصقنا، والغراء: ما يلصق به الشيء، وقيل: حرّشنا. ﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ مجاهد: بين اليهود والنصارى (٤)، الربيع: بين النصارى خاصة (٥). ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم البعث؛ بالأهواء المختلفة والمقاتلة، فإن النصارى اختلفوا فصاروا فرقاً: يعقوبية ونَسْطورية وملكا نية (٦).

стр. 145

﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ أي: في القيامة بالجزاء والعقاب. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود والنصارى، ووحد الكتاب لأنه للجنس. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: محمداً ﷺ . ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: صفة محمد ﷺ ، ونعته، وآية الرجم في التوراة، وبشارة عيسى بمحمد ﷺ في الإنجيل حيث قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فلا يخبر به، وقيل: فلا يبكتكم بكتمانه، وقيل: يعفوا عن كثير من عداوتكم إياه فلا يؤاخذكم به (١). ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ محمد ﷺ ، وقيل: القرآن. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآن. ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ يرشد بالقرآن، وقيل: بمحمد ﷺ ، ووحد؛ لأن حكمهما (٢) حكم واحد. ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ رضاه. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ من سلكها سلم، وقيل: سبل السلام: دين الله تعالى، والسلام هو: الله تعالى، وقيل: طريق الجنة. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ من الكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإسلام. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بعلمه، وقيل: بوعده. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.
следующие страницы →