المبحث الخامس: مصادره في مسائل الإعتقاد:
لم يتطرق الكرماني في لباب التفاسير إلى مسائل الاعتقاد بكثرة، وإن ذكر شيئاً منها فإنه يذكرها باختصار ولا يتعمق في البحث فيها، ومن خلال التتبع والاستقراء نجد أنه ينقل بكثرة عن كتب المعتزلة ولايناقش أقوالهم ولا يرد عليهم، ومن هذه الكتب:
١ - التفسير الكبير لأبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، المتوفى سنة ١٣٣ هـ.
٢ - التفسير الكبير لأبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، الكعبي، المتوفى سنة ٣١٩ هـ.
٣ - جامع التأويل لمحكم التنزيل لأبي مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، المتوفى سنة ٣٢٢ هـ.
٤ - تفسير ابن عيسى علي بن عيسى الرماني المعتزلي، المتوفى سنة ٣١٩ هـ.
٥ - نظم القرآن لأبي علي الحسين بن يحيى الجرجاني.
стр. 72
المبحث السادس: مصادره في اللغة والنحو:
من مصادر الكرماني التي اعتمد عليها في اللغة والنحو:
١ - العين للخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، المتوفى سنة ١٧٥ هـ.
٢ - الكتاب لسيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر المتوفى سنة ١٨٠ هـ.
٣ - المقتضب لمحمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرد، المتوفى سنة ٢٨٥ هـ.
٤ - معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السِّرِّي الزجاج، المتوفى سنة ٣١١ هـ.
٥ - إعراب القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، المتوفى سنة ٣٣٨ هـ.
٦ - تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.
٧ - إصلاح الإغفال لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، المتوفى سنة ٣٧٧ هـ.
٨ - الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، المتوفى سنة ٣٩٣ هـ.
٩ - التبيان في غريب إعراب القرآن لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، المتوفى سنة ٥٧٧ هـ.
إضافة إلى ذلك فإنه يستشهد في التفسير بشعر المتقدمين، ومنهم:
١ - امرئ القيس.
٢ - عنترة بن شداد العبسي.
٣ - طرفة بن العبد البكري.
٤ - الأعشى ميمون بن قيس.
٥ - زهير بن أبي سلمى.
٦ - عبيد بن الأبرص.
٧ - عبد الله بن العجاج.
٨ - رؤبة بن العجاج.
٩ - ذي الرمة.
١٠ - عبد الله بن قيس الرُّقيات.
١١ - المتلمس الضبعي.
١٢ - أمية بن أبي الصلت.
١٣ - عبد الله بن الزبعرى السهمي.
١٤ - تميم بن مقبل.
١٥ - حسان بن ثابت الأنصاري.
١٦ - بشار بن برد.
١٧ - أبو العتاهية.
١٨ - جرير بن عطية الكلبي.
١٩ - عبد الله بن عمر العرجي.
٢٠ - علقمة الفحل.
٢١ - عبد الصمد بن المعذل.
٢٢ - المتنبي، أحمد بن الحسن الجُعْفِي.
стр. 73
المبحث السابع: مصادره في الاسرائيليات:
اعتمد الكرماني في ذلك على:
١ - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.
٢ - تفسير شفاء الصدور لمحمد بن الحسن الموصلي، المعروف بالنقاش، المتوفى سنة ٣٥١ هـ.
стр. 74
المبحث الثامن: مصادره في مسائل الفقه:
لم يسهب الكرماني في ذكر المسائل الفقهية، ويكتفي فقط بالإشارة إلى المسألة دون ذكر الأقوال أو الأدلة أو مناقشة تلك الأدلة، وهو غالباً ما يتعتمد علي:
١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ.
٢ - أحكام القرآن لأبي بكر أحمد الرازي الجصاص، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.
٣ - الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.
٤ - النكت والعيون لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، المتوفى سنة ٤٥٠ هـ.
стр. 75
المبحث التاسع: منهجه في الإفادة من المصادر:
يمكن تقسيم المصادر التي اعتمد عليها الكرماني إلى ما يلي:
القسم الأول: مصادر أكثر النقل منها، وهي:
أولاً: جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
ثانياً: معاني القرآن وإعرابه لأبي إسحاق إبراهيم بن السِّرِّي الزجاج.
ثالثاً: الكشف والبيان لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي.
رابعاً: النكت والعيون لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي.
القسم الثاني: مصادر لم يكثر النقل عنها، وهي بقية المصادر المذكورة في المباحث السابقة .
ويتلخص منهج الكرماني في الإفادة من القسمين السابقين فيما يلي:
أولاً: أنه ينقل فقط بذكر اسم المؤلف، ولايذكر اسم الكتاب الذي نقل منه، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال في تفسير قوله تعالى (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) [الكهف: ١٢] "ابن جرير: ليعلم عبادنا". (١)
٢ - وقال في تفسير قوله تعالى (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم) [الكهف: ١٩].
"ابن جرير: كما أنمناهم مدة طويلة بقدرتنا كذلك بعثناهم من مرقدهم بقدرتنا". (٢)
٣ - قال في تفسير قوله تعالى (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض) [الكهف: ٢٦].
"ابن جرير: قالت اليهود أنهم منذ دخلوا الكهف لإلى يومن ثلثمائة سنة فقال الله: بل لبثوا في كهفهم إلى يوم موتهم ثلثمائة سنة وتسع سنين، والله أعلم بما لبثوا بعد موتهم إلى يومنا". (٣)
٤ - وقال في تفسير قوله تعالى (جعل فتنة الناس كعذاب الله) [العنكبوت: ١٠]
"الزجاج: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله". (٤)
٥ - وقال في تفسير قوله تعالى (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) [العنكبوت: ٦٤]
стр. 76
"الزجاج: تقديره: هي دار الحيوان، أي: الحياة". (١)
٦ - وقال في تفسير قوله تعالى (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا) [فاطر: ٣٣]
"الزجاج: من ذهب في صفاء الؤلؤ، كما قيل: من فضة في صفاء قوارير". (٢)
٧ - وقال في تفسير قوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه) [النور: ٤٥].
"أبو عبيدة: لايكون المشي بالبطن". (٣)
٨ - وقال في تفسير قوله تعالى (سورة أنزلناها وفرضناها) [النور: ١].
"ابن عيسى: السورة الجامعة لجملة آيات بفاتحة لها وخاتمة، واشتقاقها من سور المدينة". (٤)
٩ - وقال في تفسير قوله تعالى (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً) [النور: ٦١].
"عن النقاش: نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً مخافة أن يأكل أكثر من صاحبه، فنزلت ". (٥)
١٠ - ... وقال في تفسير قوله تعالى (وجعلنا بينهم موبقا) [الكهف: ٥٢].
"الواحدي: (موبقاً) حاجزاً، وأصله من وبق يبق إذا هلك". (٦)
وأحيناً قد يؤخر العزو إلى نهاية الكلام، ومن الأمثلة عليه:
١ - قال في تفسير قوله تعالى (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً) [مريم: ٧١]
"وقيل: (واردها) يعود إلى يوم القيامة، حكاه أبو جعفر النحاس". (٧)
٢ - وقال في تفسير قوله تعالى (فاستفتهم أهم أشد خلقاً أمن خلقنا) [الصافات: ١١].
"سل قومك، نزلت في أبي الأشد بن كلدة بن أسيد، حكاه الثعلبي". (٨)
٣ - وقال في تفسير قوله تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) [الصافات: ٩٩].
"وقيل: إلى قول حسبي الله ونعم الوكيل، حكاه الماوردي". (٩)
стр. 77
ثانياً: أنه عند النقل قد يذكر اسم المؤلف والكتاب وهو قليل، ومن الأمثلة عليه:
١ - قال في تفسير قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [الحج: ٤].
"قال الزجاج: الفاء للعطف، وأن مكررة للتأكيد، ورد عليه أبو علي في إصلاح الإغفال". (١)
٢ - قال في تفسير قوله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) [سبأ: ٢٠].
"وفي الحجة: ويجوز أن يكون مفعولاً به". (٢)
٣ - قال في سياق قصة الخضر وموسى ﵇ "وأطال الثعلبي الكلام في ذلك في كتاب العرائس في قصة الخضر والاختلاف فيه وفي نبوته وحيويته". (٣)
٤ - قال في تفسير قوله تعالى (لم نجعل له من قبل سمياً) [مريم: ٧].
"ولداً، والعرب تسمي الولد سمياً، حكاه النقاش في تفسيره". (٤)
٥ - قال في تفسير قوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) [الأحزاب: ٦].
"وذكر النقاش في تفسيره أن سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية". (٥)
٦ - قال في تفسير قوله تعالى (يدبر الأمر السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) [السجدة: ٥].
"قال صاحب النظم: (يدبر الأمر) يعني: الشمس، (من السماء) طلوعاً، (إلى الأرض) غروباً، ثم ترجع إلى موضعها من حيث طلعت". (٦)
стр. 78
ثالثاً: أنه قد ينقل عن هذه المصادر دون ذكر اسم الكتاب أو اسم المؤلف ويكتفي فقط بقوله "قيل "، وعند الرجوع إلى تلك المصادر نجد تلك الأقوال معزوة إلى أصحابها، وهذا كثير جداً، ومن الأمثلة عليه:
١ - قال في تفسير قوله تعالى (فاتخذت من دونهم حجاباً) [مريم: ١٧]
"قيل: استترت بجبل، وقيل: بجدران، وقيل: جعلت بينها وبين أهلها حجاباً يسترها لتغتسل وراءه". (١)
٢ - وقال في تفسير قوله تعالى (لئن لم تنته لأرجمنك) [مريم: ٤٦].
" لأعيبنك، وقيل: لأشتمنك بمخالفتك لي، وقيل: لأقتلنك كسائر ما في القرآن، وقيل: لأرمينك بالحجارة". (٢)
رابعاً: أنه قد ينقل من هذه المصادر دون الإشارة إلى اسم الكتاب أو أو المؤلف، ومن الأمثلة عليه:
١ - قال في تفسير قوله تعالى (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً) [مريم: ٦٤].
" وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: " احتبس جبريل عن النبي ﷺ حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه فأبطأ عليه، فشق على رسول الله مشقة شديدة ولما نزل جبريل قال: أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال جبريل: إني كنت أشوق إليك ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست فأنزل الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، وهذا كله منقول من أسباب النزول للواحدي (٣٤٨)، ولم يبن ذلك الكرماني. (٣)
٢ - قال في تفسير قوله تعالى (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) [النمل: ٣٩]
"العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خُبْث ودهاء" (٤)، وهو منقول من معاني القرآن للزجاج (٣/ ٩٢). (٥)
стр. 79
خامساً: أنه قد يتعقب ماينقله ويبين مافيه من ضعف، ومن الأمثلة عليه .
١ - قال في تفسير قوله تعالى (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) [لقمان: ٢٧].
"قال أبو عبيدة " البحر هاهنا: الماء العذب لأن الملح لا ينبت الأقلام " (١).
قال القفال: " قول أبي عبيدة: البحر الملح لا ينبت الأقلام يُوجب أنه جعل المعنى: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر فأنبتت أقلامًا ".
قول أبي عبيدة ضعيف لأن الله سبحانه أراد التكثير والمبالغة وليس فيما ذكر أبو عبيدة كثير مبالغة، وعذر القفال عنه حَسَن كأنه جعل هذه الآية مشتملة على ذكر الأقلام فحسب، كما أنَّ ما في الكهف للمداد فحسب اكتفاء بذكر أحدهما عنِ الآخر، كما اكتفى بذكر الأقلام والمداد عن القرطاس أو ما يكتب عليه أو عن الكَتَبة، لأن تقدير الآية: لو جعلت الأشجار أقلامًا، والبحر بعد المداد مدادًا، والسموات والأرض قرطاسًا، والملائكة والجن والإنس كتابًا ثم كتبوا به منه عليه لنفدت هذه الأشياء واعيت الكتبة قبل أن تنفد كلمات ربي، والله أعلم. (٢)
٢ - قال في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. "وقيل: قالوا سلاماً أي: براءة منكم برئنا من خيركم وشركم لا خير بيننا ولا شر، وهذا قول سيبويه، والآية عنده منسوخة وليس في كتاب سيبويه ذكر الناسخ والمنسوخ إلا هذا، قال: "لأن الآية مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلِّموا على المشركين ولكنه على قوله لا خير بيننا ولا شر" (٣).
стр. 80
قال المبرد: " أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة لأنه لا معنى لقوله: "ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين"، وإنما كان ينبغي أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين ثم أُمروا بحربهم، وهذا تجني من المبرد كعادته معه في مواضع من الكتاب وإنما معنى كلام سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن سلموا على المشركين بل أمروا أن يتسلموا ويتبرؤوا، ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب والله أعلم، وسلَّمَ المبرد: أن الآية منسوخة" (١)، (٢).
٢ - قال في تفسير قوله تعالى ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ [سبأ: ١٠]
"يساعدك على ذلك. قال: وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعطفت عليه الطير من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم حكاه الثعلبي (٣)، وفيه ضعف". (٤)
القسم الثالث: مصادر لم ينقل منها مباشرة، وإنما كان نقله بواسطة مصادر أخرى، ومن الأمثلة عليه:
في تفسير قوله تعالى ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥] نقل عن الواقدي بواسطة تفسير النقاش فقال: "وروى الواقدي بإسناده عن نوف البكالي عن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني وهو منذر بن عاد بن آدم بن عاد، حكاه النقاش، ووصف البناء بما لا فائدة في وصفه، ثم قال: "فكذبوه فأهلكهم الله وإنه ليخرج منها دخان أسود منتن فمن دنا اليوم من القصر سمع أنين القوم" (٥).
стр. 81
المُقَدِّمَة
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ورقّاه في مراتب البلاغة إلى مقام لو اجتمعت الإنس والجنُّ على معارضته لم يقدروا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، فسبحان من أوضح لنا به معالم الدِّين، وأبان بمشارق أنواره مناهج الأدلة للمجتهدين.
أحمده وأشكره، وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا مقاصد التنزيل فحصَّلوه، وأسَّسُوا قواعده وفصَّلوه، وجالت أفكارهم في آياته، وأعملوا الجِدَّ في تحقيق مبادئه وغاياته، وعلى من اقتفى أثرهم، ممن لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد:
فإن أكرمَ ما تمتدُّ إليه أعناق الهمم، وأعظمَ ما تتنافس فيه الأمم، العلم الذي هو حياةُ القلب، وصحةُ اللبِّ، وأجلُّ أصنافه وأرفعها، وأكمل معالمه وأنفعها هي العلوم الشرعية؛ إذ بها انتظام مصالح العباد واغتنام الفلاح في المعاد.
وعلم التفسير من بينها، أعلاها شأناً، وأقواها برهاناً، وأوثقها بنياناً، وأوضحها تبياناً؛ فإنه مأخذُها وأساسها، بل هو رئيسها ورأسها، كيف لا وموضوعه " الكتاب المجيد "، كلية الشريعة، وعمدة الملّة، ويُنبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر (١).
ولما كان العلماء أعلم الناس بمنزلته وفضله، وعلو درجته على غيره، تنافسوا في الغوص في معانيه، واستخراج درره وأحكامه وتطبيق مبانيه؛ طلباً لنيل ثواب الله،
стр. 82
وحملاً للأمانة والميثاق كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وكان من هؤلاء العُلماء برهان الدِّين محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم الكرماني، النحوي، المعروف بـ" تاجِ القُرَّاء "، أحد علماء التفسير والعربية، صاحب التصانيف النافعة في القراءات، والتفسير، والعربية، وغيرها، ولعل أفضل ما كتبه هو تفسيره المسمى: ((لُبَابُ التَفَاسِيْر)) الذي فسَّر فيه القرآن الكريم كاملاً، واعتمد عليه كثير من المفسرين بعده؛ ولأهمية هذا الكتاب في خدمة القرآن وعلومه أردت أن أشارك في إخراجه؛ ليكون في متناول الباحثين، خدمة للعلم وطلابه، واعترافاً لصاحبه بالعلم والمنزلة في علم التفسير، فاخترته ليكون قسم منه موضوعاً لرسالة الدكتوراه، تحت عنوان:
" لُبَابُ التَفَاسِيْر؛ لأبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني ـ من أول سورة (ص) إلى آخر سورة الناس ـ دراسة وتحقيقاً ".
وأشير في هذه المقدمة إلى أمور منها:
أولاً: أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
تظهر أهمية الموضوع من خلال ما يأتي:
١ - أنَّ تحقيقَ الكتاب والدراسة العلمية له سوف تكون - بعون الله - إضافة علمية مهمة للمكتبة القرآنية، خصوصاً فيما يتعلق بعلم التفسير، وذلك لما امتاز به الكتاب من ميزات لعل من أهمها: تحرير المعاني بعبارة غير طويلة، مع العناية بالاستدلال بالقرآن والآثار واللغة.
٢ - تقدم وفاة المؤلف، حيث توفي بعد سنة (٥٣١ هـ) تقريباً، وكونه من الأعلام البارزين في ميدان القرآن وعلومه.
стр. 83
٣ - يعتبر " لباب التفاسير " من التفاسير الشاملة، فلم يقتصر على فَنٍ دون آخر، ولذلك أكثر في تفسيره هذا من العناية بالقراءات، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وآيات الأحكام، وأكثر فنون اللغة.
٤ - اشتهر المؤلف بكتابيه الآخرين: " البرهان في متشابه القرآن " و " غرائب التفسير " مما دفع الباحث لتحقيق هذا التفسير الذي سار فيه الكرماني وفق المنهج المعروف عند عامَّة المفسرين، فتحقق بذلك صحة ثناء العلماء على منزلته في التفسير وعلو كعبه فيه، وهو ذات الأمر الذي دفع عدداً من المفسرين إلى نقل اختياراته ومناقشتها كأبي حيان والسمين الحلبي وأبي السعود والألوسي وغيرهم.
٥ - كان من الأسباب التي دفعتني لتحقيق الكتاب: العثور على نسخ خطية للكتاب في مدينة اسطنبول من بلاد الجمهورية التركية، وهو أمر كان عائقاً لبعض من رغب في إكمال تحقيق الكتاب من الزملاء الباحثين.
ثانياً: أهداف البحث:
١ - إخراج كتاب " لباب التفاسير " لتاج القُرَّاء أبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني محققاً تحقيقاً علمياً، وذلك من أول سورة ص إلى نهاية سورة الناس.
٢ - التعريف بالمصنف، وكشف المزيد من جوانب حياته العلمية والعملية.
٣ - دراسة منهج المصنف في كتابه.
ثالثاً: الدراسات السابقة:
سبق تحقيقُ ودراسةُ القسم الأول من هذا الكتاب في رسالة علمية قُدِّمَت لقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدِّين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لنيل درجة الدكتوراه، وقد تقدَّم بها في حينه فضيلة الشيخ: ناصر بن سليمان العمر، وكان التحقيق من بداية الكتاب إلى نهاية تفسير سورة النساء، وكان مجموع الألواح المُحَقَّقة (١١٠)، وتمثل (٢٢٠) صفحة من المخطوط الكامل للكتاب والذي اعتمدته أصلاً لعملي.
стр. 84
ولم أجد من تقدم لإكمال بقية الكتاب بسبب عدم توفر نسخه الخطية كما أفاد بذلك الباحث الأول، وقد تمكنت بفضل الله - تعالى - من العثور على نُسَخٍ خَطِّية للكتاب، عن طريق زميلي الشيخ عبد الله بن حمد المنصور مما دفعني للعمل معه في مشروع تحقيق هذا الكتاب، إضافة للشيخ إبراهيم محمد الدومري، من سورة المائدة إلى سورة الناس على تحقيق القسم الثاني من هذا الكتاب كمشروع، وسيكون عملي من حيث انتهى الباحثون الثلاثة (١)، وهو يشمل التفسير من أول سورة (ص) إلى آخر سورة (الناس)، ومجموع ألواح هذا القسم هي: (١٨٤) لوحة، وتمثل (٣٦٨) صفحة.
وتَكْمُن الإضافة العلمية لموضوع الرسالة فيما يلي:
* تحقيق القسم الرابع من كتاب " لباب التفاسير " والذي يبدأ من أول سورة
(ص) إلى نهاية سورة (الناس).
* التعريف بمنهج المؤلف في كتابه.
* إظهار ترجيحات الكرماني وإبرازها من خلال التحقيق.
стр. 85
رابعاً: خطة البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمة، وقسمين، وخاتمة، وفهارس، وذلك على النحو التالي:
- المقدمة:
وتشمل أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج الذي سرت عليه في تحقيق الكتاب ودراسته، ووصف النُّسخ الخَطِّية، ونماذج منها.
- القسم الأول: قسم الدراسة [منهج الكرماني في كتابه " لباب ... التَّفاسير "]، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: منهجه في القراءات.
المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.
المبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة.
المبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين.
المبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول.
المبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ.
المبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات.
المبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد.
المبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام.
المبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها.
- القسم الثاني: النص المحقق.
من أول سورة (ص) إلى آخر سورة (النَّاس).
- الخاتمة:
وفيها أهم نتائج البحث وتوصياته.
- الفهارس:
حيث تمت خدمة الكتاب بالفهارس العلمية الآتية:
أ - ... فهرس الآيات.
ب- ... فهرس القراءات.
ج- ... فهرس الأحاديث.
د - ... فهرس الآثار.
هـ- فهرس الأعلام.
و- ... فهرس الأشعار.
ز- ... فهرس الغريب والمصطلحات المشروحة.
ح - فهرس الجماعات والقبائل والفرق.
ط- فهرس البلدان والأمكنة والمواضع.
ي- ... ثبت المصادر والمراجع.
ك - ... فهرس الموضوعات.
стр. 86
خامساً: منهج البحث:
سلكتُ في القسم الدراسي المنهج الوصفي التحليلي، وأما قسم التحقيق فكان العمل فيه كالتالي:
أ): منهج كتابة النَّص المُحَقَّق:
١ - اعتمدتُ النَّصَّ المختار بين نسخ الكتاب مع الإشارة في الهامش إلى اختلاف النسخ، مع إهمال الفُرُوْقِ الطَّفِيْفَةِ، كاختلاف النُّسخ في صيغة الصلاة على النبي ﷺ ، أو الترضي عن الصحابة، أو إهمال الهمز (لأنه - لانه)، أو تسهيله (الملائكة - الملايكة).
٢ - نسختُ المخطوط وفق قواعد الإملاء المتعارف عليها في العصر الحاضر.
٣ - كتَبْتُ الآيات وفق رسم المصحف، مع توثيقها بذكر اسم السورة ورقم الآية بين هلالين خلال نص الكتاب، واستثنيت من ذلك بعض الكلمات التي أورد المؤلِّف تفسيرها بغير قراءة حفص، ثم ذكر تفسيرها على قراءة حفص فكتبتها بقراءتها.
٤ - ضبطتُ الكلمات المُشْكِلة والغريبة في نصّ الكتاب.
стр. 87
ب): منهج التعليق في الحاشية:
١ - وثَّقْتُ القراءات القرآنية، عن طريق ذكر من قرأ بها، والحكم عليها من جهة التواتر أو الشذوذُ، مع الإحالة إلى كتابين أو ثلاثة من مصادر القراءات المعتمدة.
٢ - خَرَّجتُ الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فاكتفيتُ بالعزو إليهما أو إلى أحدهما، وإذا كان في غيرهما فاجتهدتُ في تخريجه، مع نقل كلام أهل العلم على الأحاديث من جهة القبول أو الرد.
٣ - عزوتُ أقوال أهل العلم المنسوبة والتي ينقلها المصنف عنهم إلى مصادرها الأصلية، فإن لم أعثر عليها عزوتها إلى الكتب التي نقلت عنهم.
٤ - وثَّقتُ المسائل العقدية والتعليق عليها في ضوء عقيدة السلف.
٥ - وثَّقتُ المسائل الفقهية من الكتب المعتمدة، مع ترتيبها وفق وفيات مؤلفيها.
٦ - عَلَّقتُ على الكلمات المشكلة والغريبة في نصّ الكتاب بالبيان والتوضيح نقلاً عن المصادر المعتمدة في هذا الباب.
٧ - عَرَّفتُ بالأعلام، والبلدان والأماكن الغير مشهورة، والتي ترد في نصّ الكتاب المحقق، مع مراعاة توثيق ذلك كله من مراجعه المعتبرة.
٨ - عَرَّفتُ بالفرق، وذلك بذكر الاسم المشهور للفرقة وما يرادفه، واعتمدت ذلك من مصادر الفرق والملل والنحل المعتبرة.
٩ - نسبتُ الأبيات الشعرية لقائليها ووثَّقتها من دواوين أصحابها أو دواوين اللغة والأدب، وإن لم يكن فمن مظانها من الكتب المتقدمة.
١٠ - سَلَكتُ في الإحالة للمصادر والمراجع الآتي:
أ) - إذا كان النقل بالنص ذكرت اسم الكتاب والجزء والصفحة، مع جعل النص بين حاصرتين، وذكرتُ اسم المؤلف إذا لم يذكر في ثنايا نص الكتاب، أو كان اسم الكتاب مشتركاً بين أكثر من كتاب.
ب) إذا كان النقل بالمعنى جَعَلتُ الإحالة للمصدر مسبوقاً بكلمة: انظر، دون جعله بين حاصرتين.
ج) ذَكَرْتُ المعلومات المتعلقة بمراجع البحث ومصادره في آخر البحث وفق التالي: اسم الكتاب، اسم المؤلف، اسم المُحَقِّق إن وجد، الناشر، مكان النشر ... أو الطباعة، تاريخ النشر.
стр. 88
سادساً: التعريف بالنُّسَخِ الخَطِّية للقِسْمِ المُحَقَّقِ:
حصلت ولله الحمد على نسختين خطيتين للقسم المحقق، ووصفها كالتالي:
١ - النسخة الأصل (أ):
وهي موجودة في مكتبة والدة عتيق التابعة لمكتبة سليم آغا في مدينة اسطنبول برقم (٥٤ (٢٨ - ٢٩))، وتحوي مجلدين، وهي شاملة للكتاب كله، وتقع في ... (٦٥٠) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٣٠) سطراً، وعدد كلمات السطر الواحد (١٤) كلمة تقريباً، وناسخها هو: أشرف الحسيني الحنفي الغزنوي في المدينة النبوية، وكان انتهاء نسخ المجلد الأول في السادس من شوال سنة (٧٩٣ هـ)، وكان انتهاء نسخ المجلد الثاني في يوم عيد الأضحى ... سنة (٧٩٤ هـ).
وهي نسخة نفيسة، بخط نسخي، وقّفتها لوجه الله تعالى والدة السلطان مراد خان ابن السلطان سليم خان، وقد تمت مقابلة النسخة على نسخة أخرى بخط الشيخ أبي طاهر محمد بن روز بهان، وكان انتهاء المقابلة في شهر رجب من سنة (٧٩٥ هـ).
٢ - النسخة الثانية (ب):
وهي موجودة في مكتبة ولي الدين التابعة لمكتبة بايزيد الحكومية في اسطنبول برقم (٢٤٩)، وتحوي المجلد الأول من الكتاب إلى نهاية تفسير سورة الكهف، وتقع في (٢٨١) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة (٢٧) سطراً، وعدد كلمات السطر الواحد (١٧) كلمة تقريباً، وناسخها هو: حسين بن إياز النحوي، وكان الانتهاء من نسخ هذا المجلد في العشر الأوسط من رجب سنة (٦٧٣ هـ).
وهي نسخة مضبوطة بالشكل، وخطها نسخي جميل، ولا ريب في ذلك، فناسخها من علماء النحو البارزين، وهذا يوحي بأهمية الكتاب كما لا يخفى.
стр. 89
سابعاً: نَماذج للنُّسَخِ الخَطِّية:
стр. 90
* صورة غلاف النُّسخة (أ)
стр. 91
* صورة الصَّفحة الأولى من نسخة (أ)
стр. 92
* صورة الصَّفحة الأخيرة من نسخة (أ)
стр. 93
* صورة غلاف نسخة (ب)
стр. 94
* صورة الصَّفحة الأولى من نسخة (ب)
стр. 95
* صورة الصَّفحة الأخيرة من نسخة (ب)
стр. 96
وفي الختام أبتهل إلى الله ـ ـ بالثناء والحمد على نِعَمه العظيمة، ومِنَنِه الوافِرَة الجَزِيْلَة، وأجلُّها نعمةُ الدِّين، ثمَّ إكرامُه لي بجعلي من حاملي كتابه وخُدّامِه.
وأحمده على ما يسَّرَ وأعان في الانتهاء من هذا البحث على هذه الصورة.
ثم أُثَنِّي بالشُّكْر بعد شُكْرِه تعالى لوالديَّ الكريمين في إحسانهما إليَّ وعطفهما عليَّ، وتنشأتي على القرآن وحِلَقه، وأخلاق أهله، أعظم الله أجرهما ورزقني بِرَّهما، والقيامَ بحقِّهما، كما أشكر زوجي أمّ المثنى على عونها لي ووقوفها معي، كما أفيض بالثاء على جامعتي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على رعايتها لي طالباً، ومعلماً بالمعاهد العلمية، ثمَّ دارساً ومُعِيداً ثم محاضراً بالمرحلة الجامعية، وأخصُّ بالشُّكْر سواد عينها كليةَ أصول الدِّين ممثلة في فضيلة عميدها ووكيله، ثمَّ قسم القرآن وعلومه، الذي نهلت منه، واغترفت من بحور علمائه وأساتذته.
وأوفر الشُّكر أُسْدِيه لمن غَمَرَنِي فضله، وأطاف بي إحسانه ـ بعد الله ـ فضيلة الشيخ المفسِّر الأديب الوجيه الأستاذ الدكتور / زاهر بن عواض الألمعي، فقد أفادني بتوجيهاته وإرشاداته، وتواضعه وسعة صدره، وغزير علمه، فهو زاهرٌ مُزْهِرٌ.
رفعَ الله قَدْرَهُ وأَجْزَلَ مثوبته.
ولا أنسى أهل الفضل مشايخي الأجلاء وأساتذتي النبلاء، وكل من علَّمني آية ... أو فقَّهني بمسألة، كما أشْكُر كلَّ من أعانني في هذه الرِّسالة برأي أو توجيه، ... أو طباعة، أو إعارة كتابٍ، أو تخصيص بدعوة، فجزاهم الله عني وعن العلم وأهله خير الجزاء.
والله أسأل أن يجعل عملي وعملهم خالصاً لوجهه، نائلاً رضاه ومثوبته، وأن يتجاوز عن تقصيري وزللي.
وخاتمة ما ابتدأت به إن كان ما قيل في هذا البحث صواباً فمن الله تعالى وتوفيقه لي، ثم بتوجيهات شيخي الفاضل المشرف على البحث، وإن كانت الأخرى فالحقَّ أردْتُ والصَّوابَ قَصَدْتُ، وحَسْبي أنَّي اجتهدت، ولا أملك إلا أن أقول مثل قول ابن القيم ﵀ في مقدمة كتابه (طريق الهجرتين):
стр. 97
" فيا أيها القارئ له، والناظر فيه، هذه بضاعة صاحبها المزْجَاة مَسُوقة إليك، وهذا فهمه وعقله معروض عليك، لك غُنْمُه وعلى مؤلِّفه غُرْمُه، ولك ثمرته وعليه عائدته، فإن عُدِمَ منك حمداً وشكراً فلا يُعْدَمُ منك عذراً، وإن أَبَيْتَ إلا الملام فبابه مفتوح " (١).
فانْظُرْ إِلَيْهَا نَظَرَ المُسْتَحْسِنِ ... وحَسِّنِ الظَّنَّ بِهَا وَأَحْسِنِ
وإنْ تَجِدْ عَيْبَاً فَسُدَّ الخَلَلَ ... فجَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فيه وَعَلا
والحمْدُ لله عَلَى ما أَوْلَى ... فنِعْمَ ما أَوْلَى وَنِعْمَ الموْلَى
ثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدَ حَمْدِ الصَّمَدِ ... على النَّبِيَّ المُصْطَفى مُحَمَّدِ
وَآلِه الأئِمَّةِ الأَطْهَار ... القائمين في دُجَى الأسْحَارِ
ثُمَّ على أَصْحَابِهِ وَعِتَرَتِه ... وَتَابِعِي مَقَالِهِ وَسُنَّتِهِ (٢)
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وكتبه/
إبراهيم بن علي بن ولي الحكمي
стр. 98
الدراسة (منهج الكرماني في كتابه " لباب التَّفاسير ")، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: منهجه في القراءات.
المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن.
المبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة.
المبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين.
المبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول.
المبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ.
المبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات.
المبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد.
المبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام.
المبحث العاشر: منهجه في الاعتناء بالعربية وفروعها.
стр. 99
القسم الأول: منهج الكرماني في كتابه " لباب التفاسير "
تَمْهيد:
قبل الحديث عن منهج المؤلِّف في كتابه أقدِّم بين يدي ذلك ترجمة موجزة للمؤلِّف.
* اسمه ونسبه: هو المُقْرِئُ، المُفَسِّر، الفقيه، النَّحوي بُرهان الدِّين، أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكِرماني - بفتح الكاف وكسرها - المعروف بـ "تاج القُرَّاء ".
* نشأته: نشأ الكرماني في بيت علم وفضل، فقد أخذ القراءات عن والده حمزة بن نصر وعن غيره من العلماء.
كما أخذ عن الكرماني جماعة، منهم: نصر بن علي الشيرازي المعروف بابن أبي مريم صاحب كتاب " الموضح في القراءات " وهو كتاب مطبوع متداول.
* منْزلته العلمية: قال عنه ابن الجزري في غاية النِّهاية: " إمام كبير محقق ثقة كبير المحل ".
وقال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: " تاج القراء، وأحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجباً في دقة الفهم وحسن الاستنباط ".
* مذهبه العقدي:
مع أنَّ الكرماني كان يكثر نقل مذاهب السلف من الصحابة والتابعين عند إيراد للأقوال في تفسير الآيات، إلا أنه يعتبر من الأشاعرة، ويظهر ذلك من تأويله لآيات الصفات في تفسيره، فقد كان يختم سرده للأقوال بمذهب التأويل ويميل إليه، كما أن له جهوداً في الرَّدِّ على مذهب المعتزلة، رغم كثرة نقله لأقوال ابن عيسى الرُّماني الموصوف بالاعتزال، كما أن الكرماني يهتبل فرصة الرد على الرافضة، ويشنع عليهم أقوالهم المنحرفة في التفسير.
* مذهبه الفقهي:
كانت عناية الكرماني بنقل أقوال ومذاهب الصحابة والتابعين في تفسيره لآيات الأحكام ولم يظهر لي من خلال الجزء المُحقَّق مذهبه الفقهي، ولم أقف على من ذكر مذهبه الفقهي من المُتقدِّمين، أمَّا المتأخرين فتارة يذكرون أنه حنفي، وتارة شافعي، فقد وصفه السُّيوطي في " الحاوي للفتاوي " (٢/ ١٤٠) بأنه حنفي، حيث قال: " فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي ﷺ إلى الملائكة على قولين: أحدهما: أنَّه لم يكن مبعوثاً إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي،
стр. 100
كلاهما من أئمة أصحابنا، ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه " العجائب والغرائب " وهو من أئمة الحنفية "، ووصفه الألوسي في روح المعاني (١٥/ ١٧٣) بأنه حنفي، وقد وصفه حاجي خليفة في موضعين من كتابه " كشف الظنون " (ص: ٢٤١)، و (ص: ١٥٤١)، بأنَّه شافعي وذلك عند ذكر البرهان ولباب التفاسير، ووصفه مرة بأنه حنفي عند ذكر كتاب العجائب والغرائب (ص: ١٤٣٧).
ووصفه الأدنه وي في " طبقات المفسرين بأنَّه شافعي، ولعلَّ الاختلاف في الوصف نتيجة للنظر إلى البلد؛ إذ غالب بلاد كرمان وما حولها أحناف، وفيهم شافعية، والله أعلم.
* مؤلفاته: صَنَّفَ أبو القاسم الكرماني عدداً من الكتب، منها: لباب التفاسير، والبرهان في متشابه القرآن (مطبوع)، وغرائب التفسير (مطبوع)، والنهاية في شرح الغاية لابن مهران (مخطوط)، وخطّ المصاحف (مخطوط)، وخمس مصنفات في علم النحو.
* وفاته: لم تذكر المصادر التي ترجمت له سنة ولادته ولا وفاته، إلا أنهم نصّوا على أنه كان في حدود المائة الخامسة ومات بعدها، وجاء في إحدى النسخ التي كتبت في حياته من كتاب " غرائب التفسير " ذكر الناسخ، وهو أحد تلاميذ الكرماني - أنَّ النسخة كتبت في سنة ٥٣٥ هـ، حيث قال: " كمُل الكتاب، وهو النِّصف الأول من الغرائب والعجائب في القرآن - بحمد الله وحُسن توفيقه - كتبه العبد المُذْنِب المُحتاج إلى - رحمة الله تعالى - ... أبو الفوارس عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الكازروني في المحرم سنة خمس وثلاثون وخمسمائة غفر الله لكاتبه ولقارئه، ولمن نظر فيه، فقال: آمين رب العالمين "، وهذا يدل على أنه كان حياً في تلك السنة أو ما يقاربها (١).
стр. 101
المبحث الأول: (١)(٢) منهجه في القراءات:
جاء في ترجمة الكرماني أنَّه يلقب " بتاجِ القُرَّاء " لمكانته في ذلك، ومن تتبع تفسيره، وجد أنه يمكن استخراج كتاب منه في القراءات، وتوجيهها، مع أنَّه لم يلتزم ذكر القراءات في كل الآيات، وكذلك لم يلتزم نسبة القراءات إلى أصحابها، فيكتفي بذكر القراءة وتوجيهها معتمداً في كثيرٍ من ذلك على كتابَيْ، معاني القراءات؛ للأزهري، والحُجة؛ لأبي علي الفارسي، ولم ينس مع ذلك ذكر بعض القراءات الشاذَّة، والحكم عليها بالشذوذ، أو ذكرها من دون بيان حكمها، ومن أمثلة ذلك:
* في سورة الزمر عند قوله: " ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ قُرئ بالتَّخفيف والتَّشديد، وللتخفيف وجهان: أحدهما: أنه ألف استفهام، أي: أمَّن هو قانت كمن جعل لله أنداداً؟، وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ ألف الاستفهام لا يدخل في " مَنْ " إلاّ مع الواو والفاء.
والثاني: أن يكون للنداء فهو كما تقول: فلان لا يُصَلِّي ولا يصوم، فيا من تصوم وتصلِّي أبشر وللتَّشديد وجهان: أحدهما: أن يكون أم هي المُعادِلة، والتقدير: الجاحِد الكافر أم الذي هو قانت ".
* وفي سورة الهمزة: قال " ومعنى: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾ أحرزه واتخذه عدة.
والتشديد يقتضي الجمع شيئاً بعد شيء ".
* وفي سورة (ص) عند قوله: " ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ وقُرِئ في الشَّواذِّ ﴿ولا تَشْطُطْ﴾، وشطّ وأشطَّ لغتان وأصلهما البعد ".
стр. 102
المبحث الثاني: منهجه في تفسير القرآن بالقرآن .
من المتقرر في علم التفسير أنَّ تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى مراتب التفسير، فالله تعالى أعلم بمراد كلامه من عباده، وما أُجْمِل في موطن بُيِّن في موطنٍ آخر.
والناظر لتفسير الكرماني يجد أنَّ من السِّمات البارزة فيه تفسيره للقرآن بالقرآن إمَّا بياناً لمعنى أو ترجيحاً لقول، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومنها:
* في سورة ص ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾: " يعني خزائن النبوة فيعطوا من يشاءوا كقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ".
* وفي سورة المجادلة: " ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾: هذا فعلٌ مشتقٌّ من اسم نحو ما تقول: رأستُه، وبطنته، ورجلته، وكذلك (ظَاهَرَ)، أي: قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وقيل: هو من الظَّهر الذي يذكر، والمراد به المركوبُ، أي: حرُمَ عليَّ ركوبك، كما حرُم عليَّ ركوبُ أمي.
وقيل: هو من الظَّهَرِ، الذي هو العلوّ والغلَبة، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، أي: عُلُوِّي عليكِ حرامٌ، كعُلُوِّي على أمي.
وهذان الوجهان أولى من الأول؛ ليدخلَ فيه البطنُ، والفخِذُ، والفرجُ، وغيرُها ".
* وفي سورة الملك: " ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: طاعةً له، و ﴿أَيُّكُمْ﴾ رفع بالابتداء، والفعل قبله مقدر، والتقدير: ليبلوكم فيعلم:
أيكم أحسن عملاً، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: (١٢)].
وقيل: ليبلوكم فينظر أيُّكم، كقوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ﴾ [القلم: (٤٠)] ".
стр. 103
المبحث الثالث: منهجه في التفسير بالسُّنة .
السُّنة مُبَيِّنة للقرآن، وهي في المرتبة الثانية بعد تفسير القرآن بالقرآن، وقد أكثر المؤلف ﵀ من إيراد الأحاديث؛ للتفسير أو ترجيح الأقوال إلا أنَّه قد أُخِذَ عليه عدم عزوِ الأحاديث إلا ما ندر، وكذلك عدم الحكم على الأحاديث صحةً وضعفاً، ويورد أحاديث ضعيفة جداً، وأحياناً يذكر حديثاً، فيقول: روى الزَّجَّاج، أو رواه أبو الليث مع أنّه مُخَرَّجٌ في الصِّحاح والمسانيد.
* ففي سورة التغابن: " ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾: قال: " فيه قولان: أحدهما: خلقكم في بطون أمهاتكم كفاراً ومؤمنين.
وجاء في التفاسير: " أن يحيى بن زكريا ﵇ خُلق في بطن أمِّه مؤمناً، وأن فرعون خلق في بطن أمِّه كافراً ".
والثاني: " ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ﴾ بأن الله خلقه ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ بأن الله خلقه.
والفاء يدلُّ على المعنى الثاني.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن بني آدم خُلقوا على طبقاتٍ شتى: فمنهم مَن وُلِدَ مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم مَنْ وُلِدَ كافراً ويموت كافراً، ومنهم من وُلِدَ مؤمناً ويموت كافراً ومنهم مَن وُلِدَ كافراً ويموت مؤمناً))، رواه أبو الليث في تفسيره ".
فقد عزاه لأبي الليث مع أنَّه مُخَرَّجٌ في المسند، وسنن الترمذي وغيرهما.
* وفي سورة ن والقلم: " ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ نزلت حين أراد الكفار أن يُعِينوا رسول الله ﷺ فيصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حُجَجِه، وكانت العين في بني أسد حتى إنَّ الرجل منهم ينظر إلى الناقة السمينة أو البقرة السمينة، ثم يَعِينُها، ثم يقول للجارية: خذي المكتل والدرهم فأتينا من لحم هذه، فما تبرح حتى تقع فتنحر.
وكان الواحد إذا أراد أن يَعِين شيئاً يجوع له ثلاثة أيام، ثم يَعْرِضُ له فيقول: تالله ما رأيت مالاً أكثر ولا أحسن من هذا فيتساقط ذلك الشيء، فأرادوا مثل ذلك برسول الله ﷺ فعصمه الله من ذلك.
هذا قول الجمهور.
وقال بعضهم: إنما يصيب الإنسان بالعين ما يستحسنه وتميل نفسه إليه، وكان نظرهم إلى النبي ﷺ نظرة البغض والغيظ، وذلك ضدَّه.
وأنكر بعضهم العين أصلاً، وقالوا معنى الآية: نظروا إليك نظر عداوة وتوعّد كما يقال: نظر إليَّ نظراً كاد يأكلني به.
والقول هو الأول؛ فإنَّ النبي ﷺ قال: ((إن العين حقُّ، ولو كان شيء يسبق القدر لكان ذلك العين)) ".
стр. 104
المبحث الرابع: منهجه في التفسير بأقوال الصحابة والتابعين .
في عودٍ على مسمَّى الكتاب " لُباب التفاسير " كما أسماه مؤلفه ﵀ يجد القارئ له أن له من اسمه نصيب فقد جمع كثيراً مما حوته التفاسير من النقول والآثار، وخصوصاً عن الصحابة، والتابعين ﵃ أجمعين - وخصوصاً الحبر ابن عباس وتلاميذه، وابن مسعود وتلاميذه، وغيرهم من الصحابة والتابعين، وقد يورد أقوالهم ولا ينسبها إليهم مع أن القول مشهور عن ذلك الصحابي، ولعل غالب أقواله ونقوله عنهم من خلال كتابي ابن جرير ... " جامع البيان " والماوردي " النُّكت والعيون "، وهذا لا تخلوا منه أكثر الآيات في جميع السُّور، ومن ذلك:
* في سورة التكوير: " ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾: ابن عباسٍ ﵄: "ذهب ضوؤها ".
مجاهد: " اضمحلت وبطلت ".
قتادة: "غُوِّرت، وقال: إنه فارسيّ (كوركرد). حكاه سعيد عنه ".
الضحاك: " تكويرها: ذهابها ".
الزَّجَّاج: "جُمع ضوؤها , ولُفّت كما تُلف العمامةُ "
ابن عيسى: " تكويرها تلفيفُها على جهة الاستدارة، تقول: كورت العمامة , ومنه كارة القصّار ".
* وفي سورة الفلق: " ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾: ابن عباس والفراء والزجاج: " هو الليل ".
والغسق: الظلام. الزجاج: " لأن الليل أبرد من النهار، والغاسق: البارد ".
ابن عيسى: " الغاسق: الهاجم بضرر، من قولهم: غسقت عينه جرى دمعها، وغسقت القرحة: جرى صديدها ".
أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: " الغاسق الثُّريا، فإن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها "، وقيل: الغاسق: القمر، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ... " أخذ النبي ﷺ بيدي، ونظر إلى القمر، فقال: ((تعوذي بالله من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب "، وقيل: هو الشمس. والكلّ مراد فإن اللفظ يحتمله ".
стр. 105
المبحث الخامس: منهجه في أسباب النزول .
مما يعين على فهم الآية كما قرر العلماء معرفة سبب نزولها، وقد أكثر المؤلف ﵀ في نقله عن ابن جرير والواحدي والماوردي، فقد يذكر في الآية أكثر من سبب، ويُرَجِّح أحياناً، ومثال ذلك:
* في سورة الزمر: " ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ في سبب النُّزول: عن ... ابن عبَّاس ﵄: "نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ ".
قال ابن عمر ﵄: " نزلت في عثمان بن عفَّان ﵁ ".
قال مقاتل: " نزلت في عمَّار بن ياسر ﵁ " ".
* وفي سورة العلق: " ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّر محمد ﷺ وجهَه بين أظهركم؟ قالوا: نعم.
قال: واللات والعُزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ رقبتَه. قال: فقيل له: هاهو ذا يصلي , فانطلق ليطأ رقبته.
قال: فما فَجِئَهُمْ إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه , فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقاً من النار وهولاً وأجنحةً. قال النبي ﷺ : لو دنا مني لاختطفته الملائكة فجعلته عضواً عضواً , فأنزل الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾.
الحسن: " كان أُمِية بن أبي الصَّلت ينهى عن الصلاة ".
وقيل: عام في الناس جميعاً.
والظاهر: أرأيت أبا جهل ينهى محمداً ﷺ عن الصلاة "؟!.
стр. 106
المبحث السادس: منهجه في الكلام على الناسخ والمنسوخ .
أثبت الكرماني وقوع النسخ في القرآن، وقد أكثر من ذكر القول فيها مع اختصارٍ في ذكرها في الغالب، ومن تأمل في نقوله في ذلك وجد أن أبرز مصادرها وأكثرها إيراداً هو من كتاب الناسخ والمنسوخ؛ للنَّحَّاس " ومن أمثلة ذلك:
* في سورة الشورى: " وفي كتاب الناسخ والمنسوخ: " إنَّ في هذه الآية قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: (١٨)] وهو رواية جُوَيْبِر عن الضحاك عن ابن عباس ﵄.
والقول الثاني: أنها ثابتة "وهو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه خبر والخبر لا يدخله النسخ".
* وفي سورة الشورى أيضاً: عند قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ " في الناسخ والمنسوخ: " أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ "، وفي معناه أربعة أقوال:
أحدها: أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا تودّوني في نفسي لقرابتي منكم وهذا لقريش خاصة وهو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد.
الثاني: عن سعيد بن جبير: أنه قال: لمَّا نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين نودُّهم؟
قال: علي وفاطمة وولدهما ".
الثالث: عن الحسن ﵁: " إلا أن تودّوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح ".
الرابع: إلا أن تودُّوا أقرباءكم، وتصلوا أرحامكم ".
стр. 107
المبحث السابع: منهجه في إيراد الإسرائيليات .
قلَّ من المفسرين من سلم من إيراد الإسرائيليات ذكراً وإيراداً؛ لكون علم التفسير أكثر العلوم تأثراً بذلك، ولئن كان يُحمد للمؤلف تعليقه عليها في الغالب إلا أن ذكره لها من قبيل نشرها، وخصوصاً ما لا يصح من أخبار بني إسرائيل؛ إذ ما صحَّ خبره جازت روايته , ومن أمثلة ذلك:
* في سورة (ص) عند قوله: " * ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾: " واختلفوا في ذنبه: فذهب جماعة من المفسرين إلى أن داود ﵇ دخل محرابه وأغلق بابه وقام يصلِّي فجاء طائر في أحسن صورة مُزَيِّن كأحسن ما يكون فوقع قريباً منه فنظر إليه فأعجبه فوقع في نفسه منه شيء فدنا منه ليأخذه، فوقع قريباً وأطمعه أن يأخذه ففعل ذلك ثلاث مرَّات، حتى إذا كان في الرابعة ضرب يده عليه فأخطأه فوقع على سور المحراب، وكان خلف المحراب حوض يغتسل فيه النساء فضرب يده عليه وهو على سور المحراب فأخطأه وهبط الطائر فأشرف داود فإذا بامرأة تغتسل فلمّا رأته نفضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته فقال: هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت: هو في جند كذا، فرجع وكتب إلى عامله: إذا جاءك كتابي هذا فاجعل فلاناً في أول الخيل ففعل فقتل.
وفي بعض القصص: كتب ذلك ثلاث مرات، ثمَّ انتظر حتى انقضت عدتها ثمَّ خطبها وتزوجها فلمَّا أتاه الخصمان وظن أن الله فتنه سجد أربعين ليلة لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه: أنْ ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.
وفي بعض التفاسير: أن جبريل ﵇ قال له: اذهب إلى أوريا، وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته في موضع كذا فأتاه واستحل منه فقال: أنت في حلٍّ، فلمَّا رجع قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك؟ قال: لا.
стр. 108
قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعتَ، فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتمَّا وبكى أربعين يوماً فأتاه جبريل وقال: إن الله يقول: أنا استوهبك من عبدي فيَهَبُك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرَّى ذلك عنه، وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.
وذهب المحقِّقون إلى إنكار هذا أصلاً.
وروي أن علياً ﵁ أنكر هذا وقال: "من حَدَّث بحديث داود ﵇ على ما يرويه القُصَّاص معتقداً صحَّته جلدته مائة وستين " أي حدَّين لعظم ما ارتكب من الإثم وكبير ما احتقب من الوِزْر ".
وجاء عن ابن عباس وابن مسعود ﵃ إنكاره أيضاً ".
* وفي سورة (ص) أيضاً عند قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ " اختلف المفسرون في سبب ذلك، وفي الجسد، وأولى ما ذكر فيه ما روي عن النبي ﷺ ، وهو أنه قال: قال سليمان بن داود ﵉ " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ويروى على مائة، ويروى على ألف امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، ولم يقل.
فطاف عليهن فلم تحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد فو الذي نفس محمدٍ بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً "، فلم يستثن، فلم يرض الله ذلك منه، وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، أي سرير ملكه ".
ففي المثال الأول ذكر الإنكار بالتعقيب بعد ذكر الرواية، وفي الثاني ذكر القول الصحيح، ثم ذكر الرواية الواردة في أخبار بني إسرائيل.
стр. 109
المبحث الثامن: منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد .
من خلال تفسير الكرماني يلاحظ القارئ له أنَّه تبع منهج الأشاعرة في آيات الصفات، وقد نقل بعض أقوال المعتزلة كأقوال علي بن عيسى وابن بحر دون الردِّ عليها، ومن أمثلة ذلك:
* في سورة الزمر: " ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما وصفوه بوصفه الذي يجب له، وما عظَّموه حقَّ عظمته.
والقَدْر والقَدَر في اللغة: ما عليه الشيء من مساواة أو زيادة أو نقصان، فكأنَّه قال: ما أعطوه في الوصف ما استحقَّه، وما قدَّروا فيه التقدير الذي هو حقّ التقدير فيه.
في سبب النزول عن الأعمش عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ من أهل الكتاب، وقال: يا أبا القاسم بلغك أنَّ الله يحمل الخلائق على إِصْبِعٍ، والأرضين على إِصْبِعٍ، والسماء على إِصْبِعٍ، والبحور على إِصْبِعٍ، والثرى على إِصْبِعٍ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ".
القبضة تُذكر، والمراد بها ما قبضتَ عليه بجمع كفِّك، وتُذْكَرُ والمراد بها: ما في تصرُّفك، كما يكتب في الشروط صارت الدار في مُلكه وقبضه، والتي في الآية منها؛ لأن المراد بها: شدَّة التَّمكن من مُلك الشيء، والمبالغة في القُدرة على التَّصرُّف فيه تصرُّفك في الشيء الحاصل في الكفِّ.
وقيل: المراد به قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قيل: بقدرته وقوَّته، من قول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . ... تلقَّاها عُرابةُ باليمين
وقيل: بقَسَمه؛ لأنَّه حَلف أنَّه يطويها، ويفنيها.
وقيل: بيمينه بيده، ولله يدان كلتاهما يمينان، وهذا جواب لليهود حين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقيل: ملكه من قولهم: مُلْكُ اليمين.
ومعنى: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: مستولٍ عليها استيلاؤك على الشيء المطوي عندك وبيدك.
وقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾: يوم القيامة، من قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: والأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه يوم القيامة.
والمذهب والمعتقد في هذا وأمثاله التَّنزيه عن التشبيه، والوصف بالجسم، والعَرض والكيف والكَمِّ والزَّمان، وما رواه المفسِّرون في هذه الآية فكُلُّها مؤولٌ ".
وهذا ليس على إطلاقه، وما قرره مخالف لمذهب السلف الصالح، كما سيأتي تحقيقه -بإذن الله - عند هذه الآية، ونظائرها من آيات الصفات الذي وافق فيها المؤلف مذهب الأشاعرة.
стр. 110
المبحث التاسع: منهجه في تفسير آيات الأحكام .
يتضح من منهج المؤلف في تفسيره ميله للاختصار في آيات الأحكام فهو يشير إليها إشارات، ولا يستطيع القارئ في الجملة أن يخرج بمذهب المؤلف أو ترجيح ظاهر إلا ما ندر إذ يغلب ذكر حكاية الأقوال وسردها:
* ففي سورة فصلت: " ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ أراد مُدَّة حمله وفصاله، وهو الفطام.
﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ ذكر أقل الحمل، وهو ستة أشهر، ونهاية الرَّضاع، وهي حولان لقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: (١٤)] , وما يزاد في أحدهما نقص من الآخر، وليس هذا حتماً واجباً، وللفقهاء فيه خلاف ".
* وفي سورة المجادلة: " ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: بيّن في الآية الأولى ما أن ذلك من قائليه منكرٌ وزورٌ، وبيّن في الثانية حكمَ مَن قال ذلك، ولم يقل منكم في هذه الآية؛ لأنه بيانٌ للأول، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ حمله بعضُهم على معنى القول، وبعضُهم على عين القول. فمَن حمله على معنى القول، قالوا: تقديره: يعودون لنقض ما قالوا وإفساده. وقيل: يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا من التحريم. وقيل: يرجعون عمّا قالوا. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن العَوْدَ إنما يكونُ بالعزم على الوطء، فيلزمه الكفارةُ بالعزم.
والثاني: أن العَوْدَ يكونُ بالإمساك، فيلزمُه الكفارةُ بالإمساك.
والثالث: أن العَوْدَ يكونُ بالوطء، فيلزمُه الكفارةُ بالوطء.
ومَن حمله على ظاهر القول وعينه اختلفوا على قولين:
أحدهما: أن العودَ إنما يكونُ بتكرار اللّفظ، وهو أنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي. فإذا قالها مرتين صار مُظاهراً، ولزمه الكفارةُ لتكراره اللّفظَ.
والثاني: أنهم كانوا في الجاهلية يقولون للنساء إذا أرادوا الطلاقَ: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإذا عاد في الإسلام إلى مثل ذلك القول لزمه الكفارةُ، فعلى هذا يلزمه الكفارةُ بمجرَّد الظهار ".