← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بعدهما. ابن عباس في جماعة: دلوك الشمس: زوالها، والصلاة المأمور بها: الظهر (١). الخليل: دلوك الشمس: غروبها (٢)، وإليه ذهب ابن مسعود في جماعة (٣). أبو عبيدة: دلوكها: من عند زوالها إلى الليل (٤). الزجاج: دلوكها: زوالها للظهر وميلها للغروب (٥). ابن عيسى: اشتقاقه من دلكت الشيء، لأن الناظر إليها يدلك عينيه في تبصرها ليدفع شعاعها (٦). قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: إلى ظلمة (٧) الليل. مجاهد: غسق الليل: غروب الشمس (٨). ابن جرير: غسق الليل: إقباله ودنوه بظلامه (٩).

стр. 1157

ابن عيسى: ظهور الظلام، يقال: غسقت القرحة، إذا انفجرت وظهر ما فيها (١). و﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يريد صلاة المغرب والعشاء الآخرة. وقيل: غسق الليل: صلاة العصر. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ عطف على الصلاة، أي: أقم القرآن وهو صلاة الفجر. المبرد: أقم القرآن لصلاة الفجر (٢). الأخفش: نصب على الإغراء (٣). ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (٤)، وفي الخبر: يشهده الله سبحانه ثم ملائكة الليل والنهار (٥). ابن بحر: هذا للترغيب في حضور المساجد لها وشهود الجماعة لأجلها (٦). ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ استيقظ، هَجَدَ: نام، وتَهَجَّدَ (٧): استيقظ، مثله: حنث وتحنث، والتهجد: ترك النوم للصلاة، فإن لم يُصَلِّ فليس بتهجد.

стр. 1158

قوله ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ فإن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقيل: نافلة لا فرضا، والنافلة: ما ليس بواجب، وقيل: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: غنيمة لك. ابن عيسى: النافلة: فعل ما فيه الفضيلة (١). وكان في حقه فرضاً فنسخ (٢). وقيل: معنى نافلة لك: عطاء لك خصوصاً. ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ عسى من الله واجب. ابن بحر: افعل ذلك راجياً (٣) أن يعطيك مقاماً محموداً، وتقديره: يبعثك ربك مبعثاً، فهو مصدر من غير لفظ الفعل السابق، وله أمثال، والمعنى: يبعثك محموداً غير مذموم، وقيل: معناه: يقيمك ربك في مقام محمود، ويحتمل: يبعثك في مقام، فهو نصب على الظرف. والمقام المحمود عند الجمهور: مقام الشفاعة، يحمده فيه الخلق. أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ (٤): ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾: قال: (الشفاعة) (٥). وعن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في قوله ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ قال: (يدنيني فيقعدني معه على العرش)، وفي رواية: (يقعدني (٦) على الكرسي)، وفي رواية: (على السرير) (٧). ولفظ مع هاهنا كقوله ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]، و ﴿عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، والمراد به رفع المنزلة، والله سبحانه منزه عن المكان والنقلة والانتقال (٨). ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يعني المدينة. ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني مكة (٩)، وذلك حين أمره بالهجرة منها إلى المدينة. وعن ابن عباس ﵄: أَمِتْني إماتة صدق وأخرجني بعد موتي من قبري يوم القيامة مخرج صدق (١٠). مجاهد: أدخلني في النبوة وأخرجني من تبليغ الرسالة (١١).

стр. 1159

وقيل: أدخلني مكة عام الفتح وأخرجني منها آمناً. وقيل: إلى بدر وأخرجني منه. وقيل: أدخلني في الجنة وأخرجني من الدنيا (١). وقيل: في جميع أمور (٢) دنياه وآخرته. معنى ﴿صِدْقٍ﴾ صلاح، تقول: رجل صدق، أي: صالح، ورجل سوء: طالح (٣). وقيل: صدق: مرضي. وقيل: المراد صدق الظن، أي: يصدق فيه ما يظن به من الخير. ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ عزّاً وقوة (٤) لأقيم به دينك. مجاهد: حجة بينة (٥). الحسن: السلطان: السيف (٦). ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام والدين. ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الكفر والشرك. قتادة: جاء القرآن وهلك الشيطان (٧). مجاهد: ﴿الْحَقُّ﴾: الجهاد، و ﴿الْبَاطِلُ﴾: الشرك (٨).

стр. 1160

وقيل: طاعة الله ومعصيته. وروى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاث مائة وستون صنماً فجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (١). ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ يبطل ويزول والحق يبقى ويدوم (٢)، وزهق: بطل، وزهقت نفسه: ماتت. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: شفاء من كل سقام لما فيه من البركات، وقيل: من داء الضلال، وقيل: ﴿شِفَاءٌ﴾ عن داء الجهل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بيان وبركة وهدى. وأفاد دخول (مِنْ) أنه نزل نجماً نجماً وشيئاً شيئاً، وقيل: للتبعيض. وقيل: هو زيادة (٣) كقوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقيل: للتبيين. ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ هلاكاً لتكذيبهم إيَّاه، فيزداد خسارهم. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بالمال والصحة والأمن. ﴿أَعْرَضَ﴾ يريد الكافر، وقيل: عام. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، أي: أعرض عن ذكر ما كان فيه من السقم

стр. 1161

والضرر والفقر قبل ذلك (١). ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ﴿وَنَأَى﴾ بَعُدَ بنفسه عن القيام بحقوق نِعَمِ الله وأعرض عن الدعاء والابتهال. وقيل: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أُعْجِبَ بنفسه، لأن المعجب متباعد (٢) عن الناس. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقر والخوف (٣) والمرض. ﴿كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾ قنوطاً من الرَّوْحِ والفَرَج. ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ابن عباس: طبيعته (٤). وقيل: على (٥) عادته، وقيل: على أخلاقه. ابن زيد: على دينه (٦). قتادة: نيته (٧). وقيل: ناحيته وطريقته. والشاكلتان ظَاهِرُ الطَّفْطَفَتَيْنِ (٨) مِنْ أَدْنَى مَبْلَغِ القُصَيْرَى مِنْ جانبي البطن،

стр. 1162

والشاكلة: الدين. وقيل: على قدر قوته وضعفه وشبابه وهرمه، والكل يعود إلى معنى (١) الشكل، وهو المِثْل. وقيل: إلى شاكلته، إلى (٢) ما هو أشكل بالصواب وأولى بالحق عنده. وقيل: على عادته (٣) التي ألفها. ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ أصوب طريقاً وأصح مذهباً، فينبغي أن يقارب الخير ويجانب الشر. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ في سبب النزول عن البخاري ومسلم عن ابن عباس: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح فنزلت (٤) الآية (٥). وقال المفسرون (٦): إن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش: سلوا محمداً عن الروح وعن فتيةٍ فُقِدُوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن بعض فهو نبي، فسألوه عنها فأنزل في شان الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ

стр. 1163

أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ٩]، وأنزل في الرجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، وأنزل في الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. واختلف (١) في المراد بالروح المسؤول عنها. قتادة: هو جبريل (٢). وعن (٣) علي وابن عباس ﵄ أيضاً (٤): هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون (٥) ألف لغة، يسبح الله بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (٦). الحسن: عن القرآن: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: وحي ربي، قال: ويدل عليه الآيتان بعدها (٧). أبو عبيدة (٨): خلق كخلق بني آدم في السماء كهيئة الناس يأكلون ويشربون وليسوا من الناس. مجاهد: الروح خلق على صورة بني آدم، وما ينزل من السماء ملك (٩) إلا ومعه واحد من الروح (١٠). وقيل: هي التي يحيا بها الحيوان. علي بن عيسى: الروح جسم رقيق هوائي في كل جزء (١١) من الحيوان، قال: وكل حيوان هو (١٢) روح وبدن (١٣). ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قيل: من خلق ربي. وقيل: من وحي ربي. وقيل: من أمر ربي لأنه مما لم يطلع عليه أحداً. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قيل: خطاب للذين سألوه عن الروح، وقيل: لليهود (١٤). وقيل: بل هو عام في جميع الخلق. ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ من العلم، ويحتمل: إلا قليلاً (١٥) منكم، وهم العلماء، وإنما لم يجابوا ليوافق ما في كتابهم. وقيل: لأن معرفته بالعقل دون السمع.

стр. 1164

وقيل: لأنهم (١) سألوه سؤال تعنُّت. وقيل: لأن هذا من كلام الفلاسفة لا من كلام الأنبياء. وقيل: قد أجابهم لأنهم سألوا (٢): أقديم هو أم محدث، فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي: من خلقه، فهو محدث (٣). ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن، بأن نمحوه عن قلبك. الزجاج: لو شئنا لمحونا هذا القرآن عن قلبك (٤). ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾ ثم لا تجد من تَكِلُ إليه رَدَّهُ إليك. وقيل: الوكيل هاهنا (٥) بمعنى الكفيل، أي: كفيلاً يضمن لك أن يأتيك بما أُخِذَ منك. وقيل: مَنْ يَمْنَعُنَا من ذلك وينصرك فيحول بيننا وبين ما نفعله. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن رحمة منا أدركتكَ فبقي في قلبك وفي قلوب المؤمنين. ابن جرير: لكنه لايشاء (٦) ذلك رحمة من ربك وتفضُّلاً (٧).

стр. 1165

﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾ حين أرسلك نبيّاً وأنزل عليك كتاباً. ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ معيناً يعاون بعضهم بعضاً عليه. في سبب النزول أن أحبار اليهود قالوا: إن كنت نبياً فأتنا بآية كآية موسى، فإن القرآنَ وإن عَجِزَ عن الإتيانِ بمثلهِ حاضروكَ فلعل في الغائبينَ من لا يعجزُ عنه، فأنزل ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ (١). الحسن: الملائكة منويون أيضاً في الآية (٢)، لأنهم لا يقدرون أيضاً على الإتيان بمثل القرآن (٣). ويحتمل أنه إنما اقتصر على ذكر الإنس والجن لأنه ﷺ كان مبعوثاً إلى الثقلين دون الملائكة. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ﴾ ذكرنا وبيَّنا. ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل صنف (٤) من الترغيب والترهيب وأنباء الأولين والآخرين وذكر الجنة والنار. وقيل: من كل مثل من الأمثال التي يجب الاعتبار بها. وقيل: ليس المراد بالمثل هاهنا الكلمة السائرة، إنما المراد من كل شيء ونوع من الكلام. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أكثر أهل مكة. وقيل: أراد أكثر الناس في ذلك الوقت.

стр. 1166

﴿إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ لأنهم اقترحوا الآيات بعد ظهور المعجزات. ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ في سبب النزول: روى عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنَّ عتبةَ، وشيبةَ، وأبا سفيانَ، والنضر بن الحارث، وأبا البَخْتَرِيّ، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وعبدالله بن أمية، وأمية بن خلف ورؤساء قريش (١) اجتمعوا عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعْذِروا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك، فجاءهم سريعاً وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بَداءٌ، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم، ويَعِزُّ عليه عَنَتُهُم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخلَ على قومه ما أدخَلْتَ على قومك، لقد شتمت الآباء، وعِبتَ الدِّين، وسَفَّهتَ الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرَّقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد (٢) جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت تطلب مالاً جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت تطلب الشرف فينا سوَّدْناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملَّكناك علينا، وإن كان (٣) الرِّئيُّ (٤) يأتيك وقد غلب عليك (٥) بذلنا أموالنا في طلب الطبِّ لك حتى نبريك منه أو نُعْذِرَ فيك، فقال ﷺ : (ما بي ما تقولون، ما جِئتُكُم بما جئتكم به أطلبُ أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة رَبِّي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصْبِر لأمْرِ الله حتى يحكُمَ الله بيني وبينكم) قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غيرَ قابلٍ منَّا ما عرضنا عليك (٦) فقد علمت أنه ليس أحدٌ من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً (٧) ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك فَلْيُسيِّر عنا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا ويبسط لنا بلادنا ولْيُجْرِ فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن تبعث لنا منهم قُصَيّ بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك صدقناك وعَرَفْنَا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول، فقال ﷺ : (ما بهذا بُعثتُ، إنما جئتُكُم من عند الله بما بعثني به، فقد (٨) بلغتكم ما أرسلت به، فإن تقبلوه فهو حظُّكم وإن تردوه أَصْبِر لأمر الله)،

стр. 1167

قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث ملكاً يُصَدِّقُك وسله فيجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك، فإنك تقوم في الأسواق وتلتمسُ المعاش، فقال ﷺ : (ما أنا بالذي يسألُ ربَّهُ هذا، وما بُعثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيراً ونذيراً)، قالوا: فأسقط علينا السماء كما زعمت أنَّ ربكَ إنْ شاءَ فَعَلَ، وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً، وقام (١) عبدالله بن أبي أمية المخزومي وهو ابن عاتكة بنت عبدالمطلب ابن عمة النبي ﷺ وقال (٢): لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه (٣) وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخةٍ منشورةٍ معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزيناً لما فاته من متابعة قومه ولما رأى من مُبَاعَدَتهم عنه، فأنزل الله ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ (٤) الآيات (٥). ومعنى ﴿تَفْجُرَ﴾: تُشَقِّقَ، والفَجْرُ: الشَّقُّ، والتفجير للمبالغة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من مكة ﴿يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ عيناً تنبع منها الماء، مَفْعُولٌ من نَبَع. ابن عيسى: الينبوع: عين تنبع بالماء، أي: تفور (٦). قتادة: نهراً يجري بمكة (٧). ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ حائط وبستان. ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ جمع نَخْلٍ، كعبد وعبيد وكلب وكليب. ﴿وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ جمع نَهْر.

стр. 1168

﴿خِلَالَهَا﴾ وسطها. ﴿تَفْجِيرًا (٩١)﴾ مرة بعد أخرى. ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ﴾ كما زعمت ﴿عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ عنوا به قوله ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]، فطالبوه به استهزاء: أو تسقط السماء كسفاً (١) علينا. تقول: كَسَفْتُ الشيء: غَطَّيْتُهُ. وقيل: قِطَعاً بالعذاب، تقول: كَسَفْتُهُ: قَطَعْتُهُ أيضاً، والكِسَفُ بالفتح: جَمْعٌ، وبالسكون واحد، كالذِّبْح والطِّحْن، وهو نَصْبٌ حالٌ من السماء. ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ قيل: ضميناً، من القَبَالَة (٢)، وهي الضمان، وقيل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: مقابلة معاينة، وقيل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: شهيداً، وقيل: مجتمعين اجتماع القبائل، وقيل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: كفيلاً على صدق دعواك ووفائك بالوعد والوعيد. ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ من ذهب. الزجاج: الزخرف: الزِّينة (٣). مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة ابن مسعود ﵁: بيت من ذهب (٤). ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي: تصعد إليها.

стр. 1169

﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ هذا قول عبدالله بن أبي (١) أمية، قال: لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتاباً من السماء فيه: من رب العالمين إلى عبدالله بن أبي أمية أني قد أرسلت محمداً نبياً فآمن به وصدقه، ووالله لو أتيتني به أيضاً لما آمنت بك ولا صدقتك (٢). ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ أي: لو قدرت على ما تريدون لكنت إلهاً، والله منزه عن الشريك ولست أنا إلا آدميّاً (٣) مثلكم خصني من بينكم بالرسالة فأرسلني إليكم. ومن قرأ (قال) (٤)، أي: قال محمد مجيباً لهم. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: ما منع الناس من الإيمان. ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ النبي والقرآن. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ إلا قولهم. ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ أنكروا أن يكون الرسول من جنسهم، أي: هَلَاّ بعث ملكاً، وجهلوا أن التجانس يورث التوانس والتخالف يقتضي التنافر. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾ بدل الآدميين. ﴿يَمْشُونَ﴾ كما يمشي بنو آدم. ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾ مستوطنين الأرض، وقيل: مطمئنين غير خائفين من الله. ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ أي: من جنسهم ليكونوا منه

стр. 1170

أقبل وإليه أسرع. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ في التفسير: فقالوا: ومن يشهد لك أنك رسول الله، فنزل: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ بأني رسوله، وقيل: المعنى: إني أُشْهِدُ الله على أني بلغتكم ما أمرني بتبليغه واجتهدت وأنكم كفرتم ليشهد لي (٢) عليكم يوم القيامة. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ بما كان ﴿بَصِيرًا (٩٦)﴾ بما يكون. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من وفقه الله للإيمان فهو الذي اهتدى وأصاب الرشاد. ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ يخذله. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: ولياً يهديه. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قيل: يسحبون عليها. وقيل: يمشون عليها (٣). وقيل: المراد به الإسراع بهم إلى النار، تقول العرب: قد مر القوم على وجوههم، إذا أسرعوا. ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ابن جرير: حين يخرجون من قبورهم يكونون بهذه الصفة ثم يرون وينطقون ويسمعون (٤). وقيل: هذه بعد الفراغ من الحساب يجرون على وجوههم إلى النار بهذه الصفة.

стр. 1171

ابن عباس والحسن (١) ﵃: ﴿عُمْيًا﴾ لا يرون شيئا يسرهم ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينطقون بحجة ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون ما يسرهم (٢). وقيل: ذلك في بعض الأوقات وبعض الأماكن. ويروى عن النبي ﷺ : (إن أهل الموقف ثلاثة أثلاث، فثلث على الدواب وثلت ينسلون (٣) على أقداهم نسلاً وثلث على وجوههم)، فقيل: كيف يمشون على وجوههم، فقال: (إن (٤) الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على (٥) أن يمشيهم على وجوههم) (٦). ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: عن اللهب مع بقاء حَرِّهَا وأصلها. ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ توقداً، فلا تفتر أبداً. الضحاك: إذا أحرقتهم فصاروا جمراً، تتوهج، فذلك خبوها، خلقوا لها خلقاً جديداً (٧). وقيل: كلما خَبَتْ بعض النيران اشتعلت بهم نار أخرى من جهة أخرى، فهم

стр. 1172

معذبون بنار بعد نار. ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾ أي: ذلك العذاب، وقيل: ذلك العمى والصمم والخرس بسبب أنهم كفروا بمحمد وأنكروا البعث والنشور، وقد سبق تفسيره (١). ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أولم يعلموا، أي: هم يعلمون. ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: هم مُقِرُّون بأن الله خالق السموات والأرض وخالقهم ابتداء ومميتهم، فَلِمَ أنكروا الإعادة. ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني الموت، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: خلق السموات والأرض وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم. ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾ أي: فأبوا إلا (٢) الكفر عن علم منهم. ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ قيل: خزائن الرزق. وقيل (٣): الرحمة هاهنا المال. ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: لبخلتم وأمسكتم عن الصدقة، وقيل: ما جدتم بها كجود الله سبحانه. والإنفاق: الفقر، قاله أبو عبيدة (٤)، أملق وأنفق وأعدم وأصرم بمعنى. وقيل: خشية أن يفنيه الإنفاق. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ بخيلاً، ومن كان جواداً عند الناس فهو بخيل عند

стр. 1173

الله (١) بالإضافة إلى الله سبحانه، لأنه قال ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾. الزجاج: هذا جواب لقولهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ (٢). وقيل: ابتداء بوصفهم بالبخل، وقيل: متصل بحسدهم على سول الله ﷺ وبخلهم بعطاء الله عندهم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ علامات واضحات، ووزن بيِّنَة: فَيْعِلَة (٣)، من: بان الشيء يبين. عطاء: هي العصا ويده والطوفان والجراد (٤) والقمل والضفادع والدم والسنون لأهل البوادي ونقص من الثمرات (٥). الحسن: السنون ونقص الثمرات واحدة والتاسعة تلقف العصا ما يأفكون (٦). ابن عباس: التاسعة إزالة العقدة التي كانت بلسانه (٧). وقيل: اليد والعصا والحجر الذي انفجرت منه العيون وانفلاق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وروى صفوان: أن يهودياً أتى النبي ﷺ فسأل (٨) عنها، فقال: (أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي (٩) سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف ولا تعدوا في السبت) فَقَبَّل اليهوديُّ يَدَ النبي ﷺ ورجلَه (١٠). ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ أي: سل يا محمد إذ جاءهم، أي: سلهم عما جرى بين موسى وفرعون وآله إذ جاءهم، لابد من (١١) الإضمار؛ لأن سَلْ لا يصح عاملاً في إذ. وقيل: هو خطاب لموسى ﵇ على تقدير: فقلنا (١٢) سل بني إسرائيل، أي: سل فرعون إطلاق بني إسرائيل، حكاه أقضى القضاة (١٣)، وفيه ضعف لقوله

стр. 1174

﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ بلفظ الغيبة، إلا أن يحمل الكلام على تلوين الخطاب، أو يجعل الكلام تاماً عند قوله ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ثم استأنف (١). ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾ سُحِرْتَ فَأُزِيْلَ عقلك، كقوله له: مجنون. وقيل: خُدعت وحُملت على ما تقول. ابن جرير: ﴿مَسْحُورًا (١٠١)﴾: بمعنى ساحر، كميمون بمعنى يامن ومشؤوم بمعنى شائم ومأتي بمعنى آت (٢). ﴿قَالَ﴾ يعني موسى. ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا فرعون بقلبك. ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ أي: الآيات. ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ لك، وهذا كقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقرأ الكسائي: (لقد علمتُ) بالضم، على أن موسى أخبر عن نفسه (٣). وروي أن عليّاً ﵁ قال: والله ما عَلِمَ عدوُّ الله وإنَّما عَلِمَ موسى (٤). والأول أظهر، لأن علم موسى لا يكون حجة على فرعون.

стр. 1175

قوله: ﴿بَصَائِرَ﴾: جمع بصيرة، ومعناها: الدَّالَّة. وقيل: هي من بصيرة الدم، وهي ما يدل على الصيد أو القتل، وهي من الأول أيضاً. وقيل: البصيرة: الشاهد، وانتصاب ﴿بَصَائِرَ﴾ على الحال، وأجاز الزجاج نصبها على المفعول، أي: ليتبصر بها (١). ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ﴾ أعلم وأتيقن (٢). ﴿يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ ممنوعاً من الخير. وقيل: مهلكاً. وقيل: هالكاً. ابن عباس: المثبور: الملعون (٣). ابن زيد: المثبور: الذي لا عقل له في دينه ومعاشه (٤). ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ يخرجهم ويقلعهم، وقيل: يقتلهم. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٥) بعد فرعون. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ مصر والشام.

стр. 1176

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ القيامة، والوعد: الموعود، وقيل: هو نزول عيسى ﵇. ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ اللفيف: الجماعات من قبائل شتى. الفراء: من هاهنا وهاهنا (١). وقيل: اللفيف: المختلطين من كل شكل. ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ يريد القرآن، أي: إنزال القرآن بالحق غير الباطل، وقيل: ما يتضمنه حق، أي: صدق وعدل. ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ قيل الباء هاهنا بمعنى على، أي: وعلى محمد نزل، وقيل: توكيد للأول، كألفاظ المصادر، وألفاظ التوكيد، بعضها بعد بعض (٢)، نحو: كلهم أجمعون، أكتعون، أبضعون، وقيل: قصد بإنزاله إثبات الحق ونفي الباطل وهو أيضاً في نفسه حق وصدق، لأنهما سِيَّان، ويجوز أيضاً أن يقال: لما صَحَّ في التقسيم أنزلته فنزل وأنزلته فلم ينزل إذا عرض مانع، أخبر أنه كما أُنزل نَزَل من غير مانع. وقيل: الحق الأول: الحقيقة. والثاني: المستحق، أي: أتاكم بما تستحقونه (٣)، وقيل: الهاء في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ تعود إلى موسى، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقيل: تعود إلى الآيات، فذَكَّرَ حملاً على معنى ذلك. وقيل: إلى الوعد المذكور قبله. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ للكافرين. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ بَيَّنَّاه وفصَّلناهُ (٤)، وقيل: فَرَقْنَا فيه الحق من الباطل، وقيل: هو بمعنى المشددة، وقرئ بالتشديد (٥)، ونصب قوله ﴿وَقُرْآنًا﴾ بفعل مضمر دل عليه ﴿فَرَقْنَاهُ﴾، وقيل: عطف على قوله ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ و ﴿وَقُرْآنًا﴾ أي: ذا قرآن، وقيل: وآتيناك قرآناً. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ بِرِسْلٍ وتُؤَدَةٍ، وفي الحديث أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن قراءة لينة يتلبث فيها (٦). عن ابن عباس ﵄: لأن أقرأ البقرة وأرتِّلها وأتدبَّر معانيها أحب إلي من أن أقرأ جميع القرآن هذًّا (٧). ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ أنزلناه شيئاً بعد شيء عشرين سنة على حسب الحاجة إليه. ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ قوله: ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ تهديد ووعيد، ومثله ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى: اختاروا لأنفسكم النعيم

стр. 1177

المقيم (١) أو العذاب الأليم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب، وقيل: هم بعض من أهل الكتاب. الحسن: هم المؤمنون (٢). ابن عيسى: هم العلماء بالله (٣). ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ قيل القرآن، وقيل: التوراة. ﴿يَخِرُّونَ﴾ يسقطون. ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ قيل: الوجوه، وقيل: اللحى (٤)، والذقن: مجتمع اللحيين، أي: إذا سمعوا القرآن عرفوا أنه كلام الله وقبلوه. ﴿سُجَّدًا (١٠٧)﴾ وسجدوا تعظيماً لله. ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ نَزَّهُوه. ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ أي: أَنْجَزَنَا ما وعدناه به في التوراة من إرسال محمد وإنزال القرآن عليه. ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ أي: يسجدون باكين. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ تلاوة القرآن، وقيل: بكائهم. ﴿خُشُوعًا (١٠٩)﴾ خضوعاً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم (٥) يَفْقَهْهُ،

стр. 1178

اتلوه وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا) (١). ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ في سبب النزول، قال ابن عباس ﵄: تهجد رسول الله ﷺ ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده (يا رحمان يا رحيم)، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلهاً واحداً وهو الآن يدعو إلهين اثنين، والرحمن (٢) ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله هذه الآية (٣). ميمون بن مهران: كان يكتب رسول الله ﷺ في أول ما يوحى إليه: باسمك اللهم، حتى نزلت آية ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٠] فكتب (٤): بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركوا العرب: هذا الرحيم (٥) نعرفه فما الرحمن؟ فأنزل الله هذه الآية (٦). قال الضحاك: قال أهل الكتاب لرسول الله: إنك لَتُقِلُّ ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٧). أي: ادعوه الله أو ادعوه الرحمن فإن له تسعاً وتسعين اسما فبأيها شئتم فادعوه. ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ المعنى: أي اللفظين دعوتم الله به أصبتم. و﴿مَا﴾ زيادةٌ مُؤَكِّدَةٌ عند جماعة من النحويين، زيدت عوضاً عما منع من الإضافة، وذهب بعضهم إلى أن ﴿مَا﴾ أيضاً للشرط، فأدخل شرط على شرط. من وقف على ﴿أَيًّا﴾ جعل معناه: أي اللفظين دعوتموه (٨) به جاز، ثم استأنف فقال ﴿مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ لأن كل أسمائه مدح وثناء لائق بذاته وأفعاله. ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ في سبب النزول، ذكره البخاري ومسلم جميعاً عن ابن عباس ﵄، قال: نزلت بمكة والنبي ﷺ مُخْتَفٍ بمكة، وكانوا إذا سمعوا القرآن سَبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعون ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ (٩). عائشة ﵂: نزلت في التشهد، كان الأعرابي يجهر فيقول: التحيات لله، فيرفع (١٠) صوته، فنزلت الآية (١١).

стр. 1179

وعن عائشة أيضاً: أنها (١) نزلت في الدعاء (٢). ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ قيل: هي عين الصلاة. وقيل: القراءة في الصلاة. وقيل: القرآن. وقيل: التشهد. وقيل: الدعاء. ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ المخافتة: الاستسرار، والخفوت: خفوض الصوت من جزع. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ بين الخفت والجهر (٣)، كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وروي أن أبا بكر (٤) ﵁ كان يخافت ويقول: أُناجي ربي وأتضرَّع إليه، وكان عمر ﵁ يجهر (٥) ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، وأطيع الرحمان، فلما نزلت هذه الآية قال ﷺ لأبي بكر: (ارفع شيئاً) (٦)، وقال لعمر (اخفض شيئاً) (٧). وقيل: لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بكلها وابتغ بين ذلك سبيلاً.

стр. 1180

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما قاله بعض اليهود في عزير والنصارى في عيسى والمشركون في الملائكة. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ أي: في الإلهية كما زعم عابد الصنم. وقيل: لم يكن له شريك في خلق السموات والأرض. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي (١): لم يتخذ وليّاً فيتعزَّز به سبحانه، والله ولي المؤمنين. وقيل: معناه: لم يحالف أحداً. وقيل: لم يكن له ولي من اليهود (٢) والنصارى، لأنهم أذل الناس، فيكون ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ صفة لولي. وسمعت من يفسرها بالبنت والختن (٣). ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ صفه بالعظمة والكبرياء، أي: احمدوا من هذه صفته. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (خير الأقوال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (٤).

стр. 1181

سورة الكهف

стр. 1182

سورة الكهف سورة الكهف مائة وعشر آية، مكية عند الجميع (١). ابن عباس، ﵄ (٢)، وقتادة (٣): مكية إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] (٤) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي المستحق للحمد هو سبحانه، وقيل: تعليم أي: قولوا الحمد لله وقد سبق، ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ . ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ٢ (١)﴾ اختلافاً يناقض بعضُه بعضناً.

стр. 1183

ابن عباس، ﵄: مُلْتَبِساً (١). ابن جرير (٢): ليس فيه ميل عن الحق إلى الباطل، وعن الاستقامة إلى الفساد، وعن البلاغة إلى العِي (٣). وقيل: اللام زيادة، أي: ولم يجعله عوجاً. العِوَج: بالكسر في الدين والطريق وفيما لم يكن منتصباً، وبالفتح فيما هو منتصب كالجدار والقناة (٤). ﴿قَيِّمًا﴾ مستقيماً، أبو عبيدة (٥): مصلحاً (٦).

стр. 1184

ابن عباس، ﵄ (١): معتدلاً (٢). وقيل: قيماً المعتمد عليه والمرجوع إليه كقّيم الدار (٣)، والجمهور: على أنه في التقدير مقدم أي: أنزل الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً هذا إذا جعلت قوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ عطف على صلة الموصول، فأما من جعله حالاً وهو الأظهر فيلس فيه تقديم وتأخير بل هما حالان من ﴿الْكِتَابَ﴾ أحدهما مفرد والآخر جملة (٤). ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: أنزل الكتاب لينذر العبد وهو محمد ﷺ الكافرين. ﴿بَأْسًا﴾ عذاباً. ﴿شَدِيدًا﴾ أي: عذاب الاستئصال في الدنيا، وقيل: عذاب جهنم (٥). ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده، والمعنى: من قدرته وهو منزه عن المكان. ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ وهو الجنة. ﴿مَاكِثِينَ﴾ دائمين. ﴿فِيهِ﴾ في الأجر وهو الجنة. ﴿أَبَدًا (٣)﴾ دائماً. ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ يعني: اليهود والنصارى والمشركين. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ بالقول. ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: هذا قول عن جهل (٦)، وقيل: بالاتخاذ من علم، وقيل: بالله من

стр. 1185

علم (١). ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين يقولون هذه المقالة. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عظمت مقالتهم هذه في الكفر والجرأة على الله، و ﴿كَلِمَةً﴾ نصب على تقدير: كبرت الكلمة كلمةً كلمةٌ تخرج، كما تقول في أقوال المدح والذم: نِعْمَ الرجل رجلاً زيدٌ، وبئس الرجلُ رجلاً عمروٌ. الزجاج (٢): كبرت مقالتهم كلمة (٣). وقيل: نصب على التميز كالفعل المنقول نحو: تفقأت الدابة شحماً (٤). أبو عبيدة (٥): نصبت على التعجب، أي: أَكْبِر بها كلمة أي: من ﴿كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: تكلموا بها (٦). ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ ما يقولون إلا الكذب بقولهم اتخذ الله ولداً. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتلها، والبَخْعُ: الذبح البليغ. وقيل: معناه النهي، أي: لا تبخع نفسك (٧). ﴿عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ إذا ولوا عن الإيمان، وقيل: إذا ماتوا على الكفر، تقول العرب: على أثر فلان إذا بُكي على فراقه. ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن.

стр. 1186

﴿أَسَفًا (٦)﴾ حزناً، والفعل من أسَف بالفتح، وقيل: غضباً (١)، والفعل من أَسِف بالكسر، وأُسُف بالضم: دق قلبه فهو أَسيف (٢)، والتقدير: فعلك باخع نفسك أَسفاً وهو نصبٌ على التمييز، وقيل: مفعول. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ابن عباس، ﵄ ﵄ هو: النبات (٣). قتادة (٤): كل ما على الأرض من شيء (٥). الكلبيّ (٦): الرجال (٧). وقيل: الأنبياء والعلماء (٨). وجاء أيضاً: حفظة القرآن، فيكون (ما) بمعنى من (٩).

стр. 1187

مقاتل (١): الأشجار والأنهار (٢). ويحتمل والله أعلم أن المراد بما (٣) على الأرض، منها المحرّمات منها لأنها خُلقت زينةً لها (٤) أي: فلا تتعرضوا لها، ويقويه ما بعدها وهو قوله ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ أي: في تركه وتعاطيه. وقيل: معنى ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لنأمرهم بالطاعة وننهاهم عن المعصية (٥)، والمعنى: نعامل معاملة المبتلى و ﴿مَا﴾، و ﴿زِينَةً﴾ مفعولا ﴿جَعَلْنَا﴾. وقيل: ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى خلقنا، و ﴿زِينَةً﴾ مفعول له (٦). ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ صعيداً تراباً، وقيل: كصعيد وهو وجة الأرض. جُرُزاً: بلقعاً لا شيء فيه. مجاهد (٧): الذي لا نبات بها (٨).

стр. 1188

السُدى (١): الصعيد الأملس المستوى، والجرز الميت الذي لا نبات فيه (٢). الزجاج (٣): التي كأنها تأكل النبات أكلاً (٤)، ولعله جعله جمع جُروز وهو الذي يأتي على كل شي أكلاً، وأصله القطع، والمعنى: نعيدها بعد عمارتها خراباً (٥). ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾، بل حسبت ترك الكلام الأوّل واستفهم عن الثاني، والمراد: النهي، أي: لا تتعجب من ذلك فليس ذلك بالبديع من صنعنا. مجاهد (٦): لم ينهه عن التعجب وإنما أراد كل آيتنا كذلك (٧). قتادة: لا تعجب منها فالعجائب في خلق السموات والأرض وما فيهن أكثر (٨).

стр. 1189

ابن عباس، ﵄: أي سألوك عن ذلك ليجعلوا جوابك علامة لصدقك وكذلك سائر آيات القرآن أبلغ وأعجب وأدل على صدقك (١). وقيل: معناه: أُعْلِمْتَ، أي: لم تعلمه حتى أعلمناك (٢). وسبب نزولها " أن يهود المدينة قالوا لقريش سلوا محمداً عن ثلاث خصال فإن أخبركم عن خصلتين ولم يخبركم عن الثالثة فاعلموا أنه نبي فاتبعوه، فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هذه الخصال فلم يدر ما هي، وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة (٣) سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح؛ فسألوه عنها فقال لهم: ارجعوا غداً أخبركم ولم يقل إن شاء الله فرجعوا ولم ينزل عليه إلى ثلثة أيام (٤). وفي رواية الكلبي (٥): إلى خمسة عشر يوماً (٦)، وفي رواية الضحاك (٧): إلى أربعين

стр. 1190

يوما (١) فقال المشركون: إن محمداً قد ودعه ربه فأنزل الله تعالى ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣] ونزل ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ ونزل ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والكهف: الغار في الجبل. مجاهد: تفريج بين جبلين (٢). المبرد (٣): " مدخل في الجبل " (٤). وفي الرَّقِيمِ أقوال: ابن عباس، ﵄: اسم للجبل الذي فيه الكهف (٥)، وعنه أيضا: اسم القرية التي كانوا منها (٦). الضحاك (٧): اسم الوادي (٨). سعيد بن حبير (٩):

стр. 1191

اسم كلبهم (١). مجاهد: الرَّقيم: الكتاب الذي كتب فيه شأنهم وأيامهم وكان من رصاص (٢). وقيل: من حجر، فعيل بمعنى مفعول كقوله: كتاب مرقوم (٣). وقيل: الرقيم: الدواة بالرومية، حكاه الماوردي (٤)، (٥). وقيل: دراهمهم (٦)، حكاه محمد بن الهيصم (٧).

стр. 1192

جاء في الخبر: أن الرقيم جماعة، روى النعمان بن بشير الأنصاري (١)

стр. 1193

أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرَّقِيم قال: " إن ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهليهم فبينا هم يمشون إذا أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف فانحطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله تعالى برحمته يرحمنا. فقال رجل منهم: عملت حسنة مرة؛ كان لي أجراء يعملون عملاً لي استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجائني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم اتعطي: هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف النهار؟ قلت يا عبدالله لم أبخسك شيئاً من شرط، وإنما هو مالي أحكم بما شئت. قال: فغضب وترك أجره فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه فقال لي: إن لي عندك حقاً فذكره حتى عرفته، قلت: إياك أبغي وهذا حقك فعرضتها عليه جميعاً فقال: يا عبدالله لا تسخر بي، إن لم تَصَدَّق علي فاعطني حقي. قلت: والله ما أسخر إنها لحقك مالي فيه شيء. فدفعتها إليه جميعاً، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع (١)

стр. 1194

الجبل حتى رأوا وأبصروا، وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة كان فيّ فضل وأصابت الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً فقلت: والله ما هو دون نفسك، فأبت عليّ وذهبت ثم رجعت، فذكرتني فأبيت وقلت: لا والله ما هو دون نفسك فأبت عليّ وذهبت وذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك، فرجعت إلي ونشدتني بالله فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك فلما رأت تلك أسلمت لي نفسها، فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ما يحق عليّ بكشفها اللهم (١) إن فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا، فانصدع حتى عرفوا وتبيّن لهم، وقال الآخر: قد عملت مرة حسنة كان لي أبوان شيخان كبيران وكانت لي غنم وكنت أطعم أبوي وأسقيهما ثم ارجع إلى غنمي، قال: فأصابني يوماً غيث حبسني حتى أمسيت فأتيت أهلي فأخذت محلبي فحلبت غنمي وتركتها قائمة فمضيت إلى أبوي فوجدتهما قد ناما فشق علي أن أوقظهما وشق علي أن أترك غنمي فما برحت جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال النعمان (٢): لكأني أسمع من رسول الله ﵇ قال: " قال الجبل: طاق فَفَرَّجَ الله عنهم فخرجوا " (٣).

стр. 1195

﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: اذكر يا محمد إذ أوى، وقيل: العامل فيه (عجباً)، ومعنى ﴿أَوَى﴾ صار إليه وجعله مأواه، والفتية: جمع فتى كغلمة وصبيةٍ، واختلف المفسرون في سبب مسيرهم: قال ابن عباس، ﵄: " كانت مدينة بالروم (١) ظهر عليها ملك من الروم يقال له (٢) دقيانوس فغلب على مدينتهم وأرضهم، واسم مدينتهم افسُوس فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان فمن كفر بالله واتبع دينه تركه، ومن لم يتبع دينه قتله، فهدا الله شاباً من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام فجعل يدعوا الناس سراً حتى هدا الله على يده خمسة أغلمة، ففطن لهم الملك فأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم فهربوا وقال الآباء: خرجوا من عندنا أمس فما ندري أين هم (٣) ومروا بغلام راع ومعه كلب له فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك فتابعهم عليه، فمضى معهم واتبعه كلبه " (٤). وقال كعب الأحبار (٥):
следующие страницы →