стр. 1191
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 36
لباب التفاسير للكرماني (ناقص)
أبو القاسم الكرماني
Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1192
جاء في الخبر: أن الرقيم جماعة، روى النعمان بن بشير الأنصاري (١)
стр. 1193
أنه سمع النبي ﷺ يذكر الرَّقِيم قال: " إن ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهليهم فبينا هم يمشون إذا أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف فانحطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله تعالى برحمته يرحمنا. فقال رجل منهم: عملت حسنة مرة؛ كان لي أجراء يعملون عملاً لي استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجائني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم اتعطي: هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف النهار؟ قلت يا عبدالله لم أبخسك شيئاً من شرط، وإنما هو مالي أحكم بما شئت. قال: فغضب وترك أجره فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه فقال لي: إن لي عندك حقاً فذكره حتى عرفته، قلت: إياك أبغي وهذا حقك فعرضتها عليه جميعاً فقال: يا عبدالله لا تسخر بي، إن لم تَصَدَّق علي فاعطني حقي. قلت: والله ما أسخر إنها لحقك مالي فيه شيء. فدفعتها إليه جميعاً، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك لوجهك فافرج عنا فانصدع (١)
стр. 1194
الجبل حتى رأوا وأبصروا، وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة كان فيّ فضل وأصابت الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً فقلت: والله ما هو دون نفسك، فأبت عليّ وذهبت ثم رجعت، فذكرتني فأبيت وقلت: لا والله ما هو دون نفسك فأبت عليّ وذهبت وذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك، فرجعت إلي ونشدتني بالله فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك فلما رأت تلك أسلمت لي نفسها، فلما تكشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ما يحق عليّ بكشفها اللهم (١) إن فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا، فانصدع حتى عرفوا وتبيّن لهم، وقال الآخر: قد عملت مرة حسنة كان لي أبوان شيخان كبيران وكانت لي غنم وكنت أطعم أبوي وأسقيهما ثم ارجع إلى غنمي، قال: فأصابني يوماً غيث حبسني حتى أمسيت فأتيت أهلي فأخذت محلبي فحلبت غنمي وتركتها قائمة فمضيت إلى أبوي فوجدتهما قد ناما فشق علي أن أوقظهما وشق علي أن أترك غنمي فما برحت جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال النعمان (٢): لكأني أسمع من رسول الله ﵇ قال: " قال الجبل: طاق فَفَرَّجَ الله عنهم فخرجوا " (٣).
стр. 1195
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: اذكر يا محمد إذ أوى، وقيل: العامل فيه (عجباً)،
ومعنى ﴿أَوَى﴾ صار إليه وجعله مأواه، والفتية: جمع فتى كغلمة وصبيةٍ، واختلف المفسرون في سبب مسيرهم:
قال ابن عباس، ﵄: " كانت مدينة بالروم (١) ظهر عليها ملك من الروم يقال له (٢) دقيانوس فغلب على مدينتهم وأرضهم، واسم مدينتهم افسُوس فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان فمن كفر بالله واتبع دينه تركه، ومن لم يتبع دينه قتله، فهدا الله شاباً من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام فجعل يدعوا الناس سراً حتى هدا الله على يده خمسة أغلمة، ففطن لهم الملك فأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم، فأرسل إليهم فهربوا وقال الآباء: خرجوا من عندنا أمس فما ندري أين هم (٣) ومروا بغلام راع ومعه كلب له فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك فتابعهم عليه، فمضى معهم واتبعه كلبه " (٤).
وقال كعب الأحبار (٥):
стр. 1196
" مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً فقال لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم، ثم أتوا الكهف فدخلوا ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق، قيل: هو الذي اسمه يمليخا ليشتري لهم طعاماً من السوق وركب الملك والناس معه في طلبهم وهم يسألون عنهم، فسمع يمليخا بذلك فعجل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا واشترى بعضاً فأتاهم (١) به وأخبرهم أن الناس والملك في طلبهم فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا، ثم ناموا على جوعهم فضرب الله على آذانهم بالنوم وسار الملك والناس معه حتى انتهوا إلى باب الكهف فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين، فدخلوا الكهف فطلبوهم فأعمى الله عليهم فلم يجدوا شيئاً فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه فيكون قبورهم إن كانوا فيه، ثم انصرف الملك، فعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص وكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم وأنهم خرجوا فراراً من دقيانوس الملك الكافر فمن ظفر بهم فإنهم مسلمون وألزقاه في السد من داخل الكهف " (٢).
وروي عن السدي (٣) أنه قال: " كان في المدينة فتية ليس منهم أحد يعرف صاحبه، فخرج ملكهم مخرجا كان له وخرج الناس معه وخرج الفتية ومعهم واحدٌ معه كلبٌ وليس منهم أحد إلا وفي نفسه يقول: إن رأيت أحداً استضعفته دعوته، فلما رجع الناس تخلف الفتية فاجتمعت على باب المدينة وقد أغلق فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم فقال بعضهم: إني أسر إليكم فإن تابعتموني عليه رشدنا فقصّ عليهم أمره فقالوا جميعاً: نحن على هذا فذلك قوله
стр. 1197
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فصاروا إلى الكهف فدخلوا الكهف فرقدوا ورقد الكلب بفناء الكهف فضرب على آذانهم بالنوم، فلما فقدوا أهلهم انطلقوا إلى الملك فأخبروه (١) خبرهم فدعا بصخرة فكتب عليها أنهم هلكوا في زمان كذا ثم ضربها في سور المدينة على الباب، قال: وهو الرقيم " (٢).
وفي رواية عبيد بن عمير (٣):
стр. 1198
كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسوّرين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي ومركب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله وقد قذف الله تعالى في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخذ كل واحد منهم الإيمان من صاحبه فقالوا في أنفسهم: من غير أن يظهر بعضهم لبعض نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره (١) من غير أن يظهر ذلك فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاؤا فجلسوا إليهما واجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ ، وقال الآخر ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافةً على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم يفش كل واحد منهم لصاحبه، فأقبلوا مستبشرين أن قد اتفقنا على أمر واحد فإذا هم جميعاً على الإيمان وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: أُؤوا ﴿(إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)﴾ فدخلوا الكهف ومعهم كلبُ صيدهم فناموا ثلثمائة سنين، قال: وفقدهم قومهم فطلبوهم فعمىّ الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدموا كتبت أسماءهم وأنسابهم في لوح؛ فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن (٢).
стр. 1199
وفي رواية وهب ابن المنبه (١) " جاء رجل من حواري عيس بن مريم ﵇ إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على ببابها صنماً لا يدخل أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها، فأتي حمّاماً كان بالقرب من المدينة وكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمّامه البَرَكة ودَرّ عليه الرزق، واجتمع عليه فتية من أهل المدينة فجعل يخبر من خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة فكان على ذلك حتى جاء ابن الملِك بامرأة فدخل بها الحمّام فماتا في الحمام جميعاً، فجاء الملك، فقيل له: قَتَل صاحب الحمام ابنك. فالتمسه فلم يقدر عليه فقال من كان يصحبه: فسمُوا الفتية فالتُمسوا فخرجوا من المدينة فمروا لصاحب لهم في زرع له وهو على مثل حالهم وأمرهم، فذكروا بأنهم التُمسوا فانطلق معم ومعه كلبٌ حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه فقالوا: نبيت ههنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب الله تعالى على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى بلغوا الكهف فكل من أراد الدخول أُرْعِب فلم يطق أحد أن يدخله فقال قائل: أليس لو كنتَ قَدَرْتَ عَلَيْهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه فيموتوا عطشاً وجوعاً. ففعل.
стр. 1200
قال وهب: فغبروا نائمين بعدما سد عليهم باب الكهف زماناً بعد زمان، ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف وادخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتح ورد الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا فنظر واحد منهم إلى الشمس عند زوال الشمس (١)، وقيل: عند غروبها فقال ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قال واحد:
стр. 1201
﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ وقال الآخر: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فقال كبيرهم: لا تختلفوا فإنه لم يختلف قوم إلا هلكوا ثم قال: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ يعني أطهر وأحل لأنهم كانوا يذبحون الخنازير فدفعوا (١) الدراهم إلى يمليخا فلما انتهى إلى باب الكهف إذا حجارة مكسورة على بابه فقال: إن هذا الشيء ما رأيناه بالأمس، فلما خرج ودنا إلى باب المدينة لم يعرفها فلما دخل المدينة لم يعرف أحدٌ من الناس فأشكل عليه فقال: لعل هذا غير تلك المدينة، فسأل إنساناً فقال: أَيَّة مدينة هذه؟ فقال: أفسُوس. فقال: لقد أصابني شيء غَيّر عقلي هذه مدينتنا ولا أعرفها ولا أحداً من أهلها فأخرج الدراهم إلى الخباز فدفع إليه وأخذ الخباز الدراهم وأنكرها؛ وقال: من أين لك هذه الدراهم لقد وجدتَ كنزاً لتخبرني وإلا دفعتك إلى الملك، وكان كل ملك يُحدُث بعد آخر بضرب الدراهم على اسمه فمن وُجِد معه غير ذلك الضرب علم أنه كنز، فلما وجدوا عنده ذلك الدراهم قالوا: هذا كنز. فقال: إن هذه ما أخرجته من المدينة الأمس فظن الخباز أنه يحتال عليه ليرسله فقال له: علمتُ أنك تحتال علي لأُرسلك (٢) والله لا أرسلك حتى تعطيني من هذا الكنز أو لأرفعنك إلى الملك، فاجتمع الناس فذهبوا به إلى الملك وجعل يمليخا يبكي فرقاً من (٣)
стр. 1202
أن يُدفع إلى ملكهم الذي فر منه، فلما دخل على غيره سكن فقال له الملك: من أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت بها عشية أمس أنا وأصحابٌ لي فراراً من الملك دقيانوس قال أنت رجل شاب وذلك قد مضى منذ دهر طويل فما أنا الذي أرسلك حتى تخبرني من أين لك هذه فقص عليه أمره وأمر أصحابه، فقال أناس من المسلمين: قد أَخبَرنا بعضهم أن أباءنا أُخبروا أن فتية قد خرجوا بدينهم فراراً من دقيانوس وإنا والله ما ندري لعله صادق فاركب فانظر لعله أراد الله أن يظهرك عليه أو يكون في ولايتك، فركب الملك وركب معه الناس المسلم والكافر حتى انتهوا إلى الكهف فلما رأى أصحابه الناس قد انتهوا إليهم عانق بعضهم بعضاً يبكون ولا يشكون إنه الملك الجبار الكافر فقال لهم يمليخا: امكثوا حتى أدخل أولاً فدخل عليهم وأخبرهم بالقصة (١).
قال ابن عباس، ﵄ في وراية أبي صالح (٢) قال: " دخل عليهم الملك والناس يسألونهم (٣) عن أمرهم وقصوا عليهم قصتهم فنطروا فإذا اللوح الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء أبائهم. فقال الملك: قوم هلكوا في زمان دقيانوس فأحياهم الله في زماني فلم يبق أحد من الكفار إلا أسلم إذ رآهم فبينما يحدثونهم إذ ماتوا " (٤).
стр. 1203
وقال ابن عباس، ﵄ في رواية سعيد بن جبير (١) " إن القوم لما انتهوا إلى الكهف فقال لهم: الفتى مكانكم حتى أدخل على أصحابي ولا تهجموا عليهم فيفزعوا منكم، فدخل فعمي عليهم المكان فلم يدروا أين ذهب ولم يقدروا على الدخول عليهم ففزعوا فقالوا ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ فاتخذوا عليهم مسجدا وجعلوا يصلون فيه" (٢).
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أعطنا من عندك وقبلك تعطفا.
﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ سهل لنا، والتهيئة: إحداث هيئة الشيء وشكله.
﴿مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ صلاحاً وفلاحاً.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ أنمناهم، من قولهم: ضربت على النظر إذا أبطلته وجعلت عليه ما يمنع من الإدراك، وقيل: ألقينا النوم عليهم (٣).
وقيل: منعناهم الإدراك بالأذان (٤).
وقيل: ضربهم الله بالنوم كما يقال: ضربه الله بالفالج (٥).
وقيل: تقول العرب: ضرب الله على أذن فلان ليلته إذا نام فيها فلم ينتبه في جميعها (٦).
ويحتمل أن المعنى: سلبنا حواسهم لأن النائم مسلوب الحواس وخص السمع بالذكر من بين الحواس لأن من سُلِبَ سمعه سُلِب عقله، والنائم مسلوب العقل بخلاف سائر الحواس.
﴿سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ أي معدوداً، وقيل: ذات عدد والمعنى سنين كثيرة، وقيل: سنين معدودة عند الله لا يعلمها أحد الحزبين.
стр. 1204
الفراء (١): سنين تعدونها لا تحققونها (٢).
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أيقظناهم.
﴿لِنَعْلَمَ﴾ علم مشاهدة ووجود.
ابن جرير: (٣) ليعلم عبادُنا (٤).
﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الحزب الجماعة (٥)، والحزبان عند السدي: اليهود والنصارى (٦). وقيل: هما أصحاب الكهف فحزب قال ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وحزب قال ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (٧).
قتادة: المؤمنون والكافرون (٨).
وقيل: أصحاب الكهف في قولهم ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، واليهود في قولهم
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ﴾ (٩).
стр. 1205
ابن بحر (١): أحد الحزبين الله، والثاني الخلق كقوله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] (٢).
﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ أحصى أفعل من عند الجمهور من الإحصاء وهو: العدّ.
أبو علي الفارسي (٣): قد أحصى على المضي، أي: أحاط علماً بأمد لُبثهم (٤)، والصواب ماذهب إليه أبو علي (٥)؛ لأن التفضيل من بناء أفعل شاذ، حكى سيبويه (٦) ما أعطاه وما أولاه فحسب (٧).
стр. 1206
﴿لِمَا لَبِثُوا﴾ أي: لمدة لبثهم.
﴿أَمَدًا﴾ غاية، مقاتل (١): أجلاً (٢).
مجاهد: عدداً (٣).
و﴿أَمَدًا﴾ نصب على التمييز لوقوعه بعد أفعل، وقيل: نصب بوقوع لبثوا عليه، وعلى قول أبي علي مفعول ﴿أَحْصَى﴾ (٤).
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق، وقيل: باليقين (٥).
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ شباب.
﴿آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ ثبتناهم على ذلك.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قوينا قلوبهم على إتمام ما نووا، وقيل: ألهمناهم الصبر (٦).
﴿إِذْ قَامُوا﴾ بين يدي دقيانوس الملك.
وقيل: قاموا بالدعوة إلى الإيمان سراً (٧).
وقيل: قاموا على أرجلهم (٨).
وقيل: قاموا من رقدتهم (٩).
وقيل: قاموا على إيمانهم ولم يرتدوا (١٠).
﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما.
﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ كذبا، وخطأً، وجوراً، وقولاً
стр. 1207
غالياً، وهذه (١) أقوالُ، وأصله من شِطْتُ أي: بَعُدْتُ، وأَشَط: جاوز الحد (٢).
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا﴾ أي: في النسب.
﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ﴾ أي: هلا يأتون تحريض.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ على عبادتهم.
﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة ظاهرة، وقيل: بعذر (٣).
وقيل: بكتاب (٤).
قتادة: كل سلطان في القرآن فمعناه الحجة (٥).
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾ في إشراكه مع الله آلهه.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ إذ بعدتم عن القوم وأصل هذا التركيب البعد.
стр. 1208
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: الأصنام، والاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام، ويكون الاستثناء متصلاً، ويحتمل ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ (١) دون الله، ويقويه (٢) مصحف ابن مسعود ﵁ (٣) " وما يعبدون من دون الله " (٤).
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ صيروا إليه.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ يبسط ويوسع عليكم.
﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ رزقه، وقيل: من توفيقه (٥).
﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)﴾ يسهل لكم ما تريدون من أمر الدين.
وقيل: معاشكم المرفق والفلاح (٦). وقيل: ترتفقون به (٧).
стр. 1209
﴿* وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ أي: لو رأيتهم بهذه الصفة.
﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ تميل عنه لا يقع شعاعها عليهم لأن الكهف في مقابلة بنات النَّعْش (١).
﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: ذات يمين القوم، ويجوز يمين الكهف.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تتركهم وتعدل عنهم.
﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ابن عباس، ﵄: تَمُرُّ بهم (٢).
الفراء (٣): وهو المحاذاة (٤).
قطرب (٥): تقرضهم تأتي عليهم يمينا وشمالاً (٦).
стр. 1210
ابن عيسى (١): تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها من قرض
الدراهم (٢)، (٣).
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ﴾ متسع وفضاء.
﴿مِنْهُ﴾ من الكهف ينالهم نسيم الريح وبرد الهواء.
سعيد بن جبير: فجوة منه: داخل منه (٤).
وقيل: المكان الموحش (٥).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور.
﴿مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات قدرته على ما يريد.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ من يوفقه فهو الذي اهتدي وأصاب.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ يخذله.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ أي: ومن أضله فلا هادي له.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ جمع يقظ بالضم والكسر.
﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي: لو رأيتهم مشاهدة لظننت ذلك لأن عيونهم كانت مفتوحة كأنهم أحياء ينظرون.
стр. 1211
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ يريد في رقدتهم كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول المدة، و ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ صفة البقعة أي: من البقعة التي تلي أيمانهم إلى البقعة التي تلي شمالهم وهي نصب على الظرف.
وعن قتادة: أن التقليب كان في الرقدة الأولى (١)، وعن ابن عباس، ﵄: أن لهم في كل عام تقليبين (٢).
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ الإجماع على أنه الكلب المعروف (٣)، وكان لهم لقوله سبحانه ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ وقيل: كان لواحد منهم وهو الراعي الذي تبعهم ومعه كلبه، وإضافته إلى الجماعة إضافة اجتماع.
وقيل: لم يكن كلباً وإنما كان طباخاً لهم تبعهم (٤).
وقيل: كان راعياً (٥)، وهذان القولان خلاف الإجماع.
واختُلف في اسم الكلب ولونه؛ فقيل: كان أصفر (٦).
وقيل: كان أحمر (٧) كأنه كساءٌ انبجاني (٨).
وقيل: أنمر (٩)،
стр. 1212
стр. 1213
стр. 1214
وهو التراب.
السدي: الوصيد: الباب (١).
عطاء (٢): الوصيد: عتبة الباب (٣)، تقول العرب: أصدت الباب وأوصدته إذا أطبقته.
وقيل: الوصيد الحظيرة (٤).
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لو أشرفت عليهم فنظرت إليهم.
﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ لأعرضت عنهم وهربت منهم.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ وامتلأت منهم خوفاً، لأن أظافرهم وشعورهم طالت وأن الله ألبسهم من الهيبة ما لايصل إليهم واصل ولا تلمسهم يد لا مس وهم في مكان وحيش مظلم خال (٥)،
стр. 1215
ويحتمل أن الخطاب للنبي ﵇ والمراد به غيره وكذلك ما قبله من قوله
﴿* وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ وقوله ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ وقوله ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ إنما نون واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا ينون لأنه حكاية عن الحال التي كان الكلب عليها، لأن المعنى: يبسط الكلب ذراعيه على عادة الكلب فأبقاه الله كذلك إلى أن بُعِث القوم.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ الزجاج: بعثناهم آية كما أنمناهم آية (١).
ابن جرير: كما أنمناهم مدة طويلة بقدرتنا كذلك بعثناهم من مرقدهم بقدرتنا (٢).
وقيل: شبه حالهم بعد البعث بحالهم قبل النوم (٣).
﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ليسأل بعضهم بعضاً اللام لام العاقبة عند بعضهم أي: بعثناهم فليتساءلوا، وقيل: تقديره (٤): ليتساءلوا فليعرفوا ما جري عليهم ويعلموا قدرة الله وليعلم سائر الناس أيضاً حالهم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ مكثتم، واللبث (٥): البقاء أكثر من ساعة (٦)، وتقديره: كم مدةً لبثتم، وإنما شَكّوا لأنهم كانوا في موضع مظلم ولم يدروا أهم في يومهم أم في غدهم (٧).
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وليس هذا منهم كذباً لأنهم عنوا في ظنهم والسؤال وقع عن الظن لأن النائم لا يحصى مدة نومه، ثم أحالوا على الله معرفة ذلك قالوا ...
стр. 1216
﴿(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (ما) للمصدر، أي: مدة لبثكم.
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ بدرهمكم، والوَرِق: الفضة والدرهم، أي: انفذوا الدراهم مع واحد غير معروف في المدينة.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ أي: بائعي أهل المدينة.
﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ أحل طعاماً، عكرمة (١): ﴿أَزْكَى﴾ أكثر، والزكاء النماء (٢).
ابن عباس، ﵄: أطهر (٣).
وقيل: أرخص (٤).
وقيل: أطيب (٥)،
الزجاج: مالم يؤخذ غصباً ولا هو من جهة لا تحل (٦).
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ بطعام.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ قيل: في اختيار الأزكى لأنهم كانوا يذبحون الخنزير (٧).
وقيل: فليترفق في شراءه وفي دخول المدينة (٨).
وقيل: يُخْفي نفسه وما يشتريه لئلا يُعْلَمَ به (٩).
стр. 1217
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ أي: لا يفعل ما يكون سبباً لمعرفة القوم بأحوالكم.
﴿إِنَّهُمْ﴾ أهل القرية، ويجوز أن يعود إلى ﴿أَحَدًا﴾ لأنه للعموم كقوله ﴿مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يعلوكم ويظفروا بكم، من ظَهَرَه إذا علاه وغلبه.
وقيل: يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم (١).
﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يقتلوكم، وقيل: يسبوكم (٢).
وقيل: يرموكم بالحجارة، والرجم أسوء القتل (٣).
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يكلفوكم العودة إلى الكفر.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ بعد العود إلى الكفر أبداً دائماً.
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أظهرنا أمرهم، تقول: عثر على الشيء عثوراً إذا علمه، ويقال: عثر كما قيل: وقع على الشيء وسقط عليه إذا علمه، وقيل: لأن من عثر بشيء (٤) وهو غافل نظر إليه أي: ليعلم ماهو ثم استعير مكان التَّبَيّن (٥).
﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: الناس.
﴿أَن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بالثواب والعقاب حق كائن.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ القيامة.
﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شك فيها أي: يستدلون بأمرهم على صحة أمر البعث.
стр. 1218
﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ حين ينازع أهل ذلك الزمان أمر أصحاب الكهف.
﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ بين أهل الزمان، والجمهور على أن التنازع بعد اليقظة وهو أن قال بعضهم: قد ماتوا في الكهف، وبعضهم قال: بل هم نيام كما ناموا أول مرة.
وقيل: التنازع هو أنهم لما أُظْهِروا عليهم (١) قال بعضهم ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ يُعْرَفُون به (٢)، وقال الآخرون (٣): اتخذوا عليهم مسجدا.
وقيل: اختلفوا؛ فقالت النصارى: نبني كنيسة، وقال المسلمون: نبني مسجداً (٤).
وقيل: التنازع قبل أن يستيقظوا فتنازع المسلمون في بناء مسجدٍ ليصلوا فيه إذا انتبهوا (٥).
﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ أي: على دينهم دين أصحاب الكهف.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ يُصَلى فيه.
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي: هم ثلاثة رجال وكلب، ومعنى ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ يربعهم بانضمامهم إليه، وكذلك خامس الأربعة وسادس الخمسة إلى عاشر التسعة، وأما ثالث ثلاثه ورابع أربعة وثاني اثنين فالمعنى (٦): واحد الثلاثه وواحد الأربعة وواحد الاثنين.
﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي: تخرصاً وظناً، وقيل: قذفاً بالغيب أي ظناً يظنونه (٧).
стр. 1219
стр. 1220
وأولوا قوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أي: صاحب كلبهم، وفيه بُعد كالطباخ والراعي (١).
واختلف المفسرون في القائلين فقال (٢) بعضهم: قالت اليهود ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقالت النصارى ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.
وعن ابن عباس، ﵄: لما قدم السَّيِّد والعَاقِب حبرا أهل نجران مع قومهم سألهم النبي ﷺ عن عدد أصحاب الكهف فقال العاقب: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقال السيد ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فأنزل الله تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٣)، أي: قل يا محمد هم كذلك فيكون الفعل مسُند إلى الله بلفظ الجمع، أو إلى من ارتضى الله قولهم وهم المؤمنون، ويقوّي هذا القول تَقَدُّمُ قوله ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لأنه ذكر عقب الثلاثة والخمسة ولو كانت السبعة مثلها لذكرها عقيب الكل، وكثير من المفسرين على ما ذهب إليه ابن عباس، ﵄ أن الكلام تم على قوله سبعة وأن الواو للاستئناف.
واختلف في هذا الواو فللنحاة فيه قولان:
أحدهما: أن الجملة إذا عطفت على جملة وفي الثانية ما يعود إلى الجملة الأولى فأنت (٤) في إلحاق الواو وحذفه مخير.
والقول الثاني: أن رابعهم وخامسهم حكاية وثامنهم استئناف من الله وهو ما ذكرته آنفاً.
ابن عيسى: الأول والثاني صفة والثالث عطف وليس بصفة (٥).
стр. 1221
وقال بعض المفسرين الواو واو الثمانية لأن العرب تقول واحد إثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، لأن العقد كان عند سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ولهذا كثر ذكر السبع في القرآن والأخبار ومثله قوله ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وقد (١) ذكرت هناك ماشرح من هذا، ومثله ﴿وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] وسيأتي ذكرها إن شاء الله وكذلك قوله ﴿وَفُتِحَتِ﴾ [الزمر: ٧٣] في الزمر (٢).
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ استدل بعضهم بهذا على أن قوله ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ كالأولين فأجاب بعضهم بأن التقدير ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقد أخبركم بها بقوله ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾
﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قيل: هو النبي ﷺ .
وقيل: هم أهل الكتاب (٣).
قال ابن عباس، ﵄: " أنا من ذلك القليل وعد أسماءهم فقال: مكسلمينا، ويمليخا وهو صاحب الورق، ومرطوس، وبنينوس، وسارينوس، وذوانوالس، وكقيسيططيوس، وهو الراعي (٤) " (٥)
والروايات مختلفة في أسمائهم (٦).
стр. 1222
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ لا تجادل، والمِراء: محاولة إخراج ما في قلب المناظر من الخطأ بطريق الحِجاج (١).
﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، الزجاج: أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أَفْتِ في قصتهم بالظاهر الذي أنزل إليك (٢)، ولا تتعرف (٣) أَزْيَد من ذلك من اليهود والنصارى، المرآء الظاهر بالقرآن.
مجاهد: إلا ما أظهرنا (٤) لك من أمرنا (٥).
ابن عباس، ﵄: حسبك ما قصصت عليك (٦).
ابن بحر (٧): مراءً ظاهراً يشهده الناس (٨).
المبرد (٩): إلاقولاً بيناً (١٠).
ابن زيد (١١): هو أن يقول ليس الأمر كما تقول (١٢).
стр. 1223
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ لا تطلب الفتوى في أصحاب الكهف أحدًا من اليهود، وقيل: من المسلمين (١).
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ سبق ذكر نزوله (٢)، ومعنى الآية تأديب من الله لنبيه إذا أخبر بأمر يفعله في المستقبل أن يقول إن شاء الله لأنه لا يدري أَيَتم ذلك أم يعوق دون وقوعه عائق فيدخل ميعاده خُلْفٌ.
وروى أبوهريرة (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يتم إيمان العبد حتى يستثنى في كل كلامه " (٤)، وتقديره: إلا بمشيئة الله، لأن (٥) إن مع الفعل في تأويل المصدر وحذف الجار ومعنى بمشيئة الله: أن يقول معه إن شاء الله.
الفَرَّاء: معنى ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلا الخير فإن الخير بمشيئة الله (٦). فلا يكون على قوله من باب الاستثناء.
стр. 1224
وجمهور المفسرين على أن هذا عام في جميع الأمور، وذهب بعضهم إلى هذا كان (١) في قصة أصحاب الكهف فحسب (٢).
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ذهب ابن عباس، ﵄، والحسن (٣) إلى أن المعنى: إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن، ومذهبه أن يصح الاستثناء إلى سنة (٤).
الحسن: يصح (٥) الاستثناء في مجلس يمينه ولا يصح إذا فارقه (٦).
وقيل: يصح ما لم يأخذ (٧) في كلام غير يمينه؛ فإن أخذ في كلام غير اليمين لا يصح الاستثناء (٨).
والفقهاء على أنه لا يصح إلامتصلاً.
عكرمة (٩): معنى إذا نسيت غضبت (١٠)، (١١).
стр. 1225
стр. 1226
قيل: واذكر ربك إذا نسيت شيئاً وسله أن يُذَكِّرَك ذلك فإن ذَكَّرَك وإلا ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ (١) أي: عسى أن يدلني على ما هو أرشد من هذا الذي نسيته وما هو أصلح لي منه.
الزجاج: قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على نبوتي ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف (٢)، (٣).
الحسن: ﴿مِنْ هَذَا﴾ من عبادة الأوثان (٤).
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ أي: تسع سنين لأن الأول يدل عليه، وأما قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فتذكيره يمنعه من أن يكون من الجنس الأول، وفيه قولان:
قتادة: أن هذا من كلام أهل الكتاب في أنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم؛ فقال بعضهم: ثلثمائة، وقال بعضهم: ثلثمائة وتسع سنين (٥).
والثاني: وهو قول الجمهور أن هذا إخبار من الله سبحانه أخبر أنهم لبثوا (٦) في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا على ثلثمائة لبث (٧) تسع سنين (٨).
стр. 1227
وقال بعضهم: إنما هو ثلثمائة سنين (١) بالشمسية وازدادوا تسعاً بالقمرية لأن (٢) في كل سنة تتفاوت أحد عشر يوماً، فيكون مجموع ذلك تسع سنين وأشهراً فأضرب عن ذكر
الأشهر لأن الكلام يجري (٣) في ذكر السنين (٤).
وقوله ﴿ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ قرئ بالإضافة وبالتنوين (٥)؛ فمن أضاف فعلى القياس المتروك لأن المائة تجري في العشرات مجرى عشرة في الآحاد فكما أضيف العشرة (٦) إلى الجمع وجب إضافة المائة إلى الجمع لكنهم أفردوا المعدود قياساً على ما قبله من التسعين والثمانين (٧).
وقيل: إنما جاز ذلك لأن السنين قد ينون، كما قال الشاعر:
متى تنج حَبْوَاً من سنين ملحةٍ ... شمر لأخرى تنزل الأعصم الفردا (٨).
فخرج عن (٩) أن يكون جمع سلامة ودخل في حيز الآحاد، وقيل: لأنه يشبه النفر والقبيل فجاز الإضافة إليها كما تقول: مائة نفر، ومائة قَبِيل (١٠).
стр. 1228
وقيل: أُجْرِى ثلثمائة مجري ثلاث فأضيف (١) إلى الجمع ومن نوّن جعله بدلا من ثلثمائة (٢).
وقيل: فيه تقديم أي لبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة ويحتمل أنه لما نون نصبه فيكون القراءتان واحدة (٣).
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ من ذهب إلى أن الأول من كلام أهل الكتاب استدل بهذا على أنهم لم يعلموا وأن علمها عند الله، ومن ذهب إلى أنه إخبار من الله قال تقديره: قل لمن جاءك وزعم أنهم (٤) أكثر وأقل ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وقد أخبر بذلك (٥).
وقيل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ إنما هو للبثهم بعد موتهم إلى زمان محمد ﷺ (٦).
ابن جرير: قالت اليهود إنهم منذ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلثمائة سنةٍ فقال الله بل لبثوا في كهفهم إلى يوم موتهم ثلثمائة سنة وتسع سنين، والله أعلم بما لبثوا بعد موتهم إلى يومنا (٧).
﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو أعلم منكم.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع﴾ أي: ما أبصره وأسمعه، اللفظ لفظ الأمر والمعنى معنى التعجب، والمجرور محله رفع لأنه الفاعل.
السدي: أبصر بالله وأسمع بما لبثوا (٨)، والوجه الأول.
﴿مَا لَهُمْ﴾ لكفار قريش.
стр. 1229
وقيل: لجميع الخلق (١)، والقصة تمت عند قوله ﴿لَبِثُوا﴾، ويحتمل أن الضمير في ﴿مَا لَهُمْ﴾ يعود إلى أصحاب الكهف.
﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾
قيل: لا يشرك فيما يخبر به من الغيب أحداً (٢).
وقيل: لا يجعل لأحد (٣) أن يغير حكمه في عباده (٤).
وقرئ بالجزم على النهي أي: لا تشرك أيها الإنسان في حكمه أحداً (٥).
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي: اقرأ.
وقيل: اتبع القرآن (٦).
وقيل: قصة أصحاب الكهف (٧).
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا مغير لقوله (٨) في وعدٍ، ووعيد.
وقيل ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا كذب في ميعاده (٩).
وقيل: لا خُلْفَ لقوله (١٠).
﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ معدلاً بمال ويُعدل عن غيره إليه (١١).
стр. 1230
الزجاج: معدلاً عن أمره ونهيه ولا ملجأ إلا إليه (١).
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ في سبب النزول عن سلمان الفارسي ﵁ (٢) قال: " جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله ﷺ عُييْنة بن حُصين (٣)، والأقرع بن حابس (٤)، وذووهم فقالوا يا رسول الله: لو إنك جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنونني، وأبا ذر (٥)،