← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قيل: واذكر ربك إذا نسيت شيئاً وسله أن يُذَكِّرَك ذلك فإن ذَكَّرَك وإلا ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ (١) أي: عسى أن يدلني على ما هو أرشد من هذا الذي نسيته وما هو أصلح لي منه. الزجاج: قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على نبوتي ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف (٢)، (٣). الحسن: ﴿مِنْ هَذَا﴾ من عبادة الأوثان (٤). ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ أي: تسع سنين لأن الأول يدل عليه، وأما قوله ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فتذكيره يمنعه من أن يكون من الجنس الأول، وفيه قولان: قتادة: أن هذا من كلام أهل الكتاب في أنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم؛ فقال بعضهم: ثلثمائة، وقال بعضهم: ثلثمائة وتسع سنين (٥). والثاني: وهو قول الجمهور أن هذا إخبار من الله سبحانه أخبر أنهم لبثوا (٦) في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا على ثلثمائة لبث (٧) تسع سنين (٨).

стр. 1227

وقال بعضهم: إنما هو ثلثمائة سنين (١) بالشمسية وازدادوا تسعاً بالقمرية لأن (٢) في كل سنة تتفاوت أحد عشر يوماً، فيكون مجموع ذلك تسع سنين وأشهراً فأضرب عن ذكر الأشهر لأن الكلام يجري (٣) في ذكر السنين (٤). وقوله ﴿ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ قرئ بالإضافة وبالتنوين (٥)؛ فمن أضاف فعلى القياس المتروك لأن المائة تجري في العشرات مجرى عشرة في الآحاد فكما أضيف العشرة (٦) إلى الجمع وجب إضافة المائة إلى الجمع لكنهم أفردوا المعدود قياساً على ما قبله من التسعين والثمانين (٧). وقيل: إنما جاز ذلك لأن السنين قد ينون، كما قال الشاعر: متى تنج حَبْوَاً من سنين ملحةٍ ... شمر لأخرى تنزل الأعصم الفردا (٨). فخرج عن (٩) أن يكون جمع سلامة ودخل في حيز الآحاد، وقيل: لأنه يشبه النفر والقبيل فجاز الإضافة إليها كما تقول: مائة نفر، ومائة قَبِيل (١٠).

стр. 1228

وقيل: أُجْرِى ثلثمائة مجري ثلاث فأضيف (١) إلى الجمع ومن نوّن جعله بدلا من ثلثمائة (٢). وقيل: فيه تقديم أي لبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة ويحتمل أنه لما نون نصبه فيكون القراءتان واحدة (٣). ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ من ذهب إلى أن الأول من كلام أهل الكتاب استدل بهذا على أنهم لم يعلموا وأن علمها عند الله، ومن ذهب إلى أنه إخبار من الله قال تقديره: قل لمن جاءك وزعم أنهم (٤) أكثر وأقل ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وقد أخبر بذلك (٥). وقيل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ إنما هو للبثهم بعد موتهم إلى زمان محمد ﷺ (٦). ابن جرير: قالت اليهود إنهم منذ دخلوا الكهف إلى يومنا ثلثمائة سنةٍ فقال الله بل لبثوا في كهفهم إلى يوم موتهم ثلثمائة سنة وتسع سنين، والله أعلم بما لبثوا بعد موتهم إلى يومنا (٧). ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو أعلم منكم. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع﴾ أي: ما أبصره وأسمعه، اللفظ لفظ الأمر والمعنى معنى التعجب، والمجرور محله رفع لأنه الفاعل. السدي: أبصر بالله وأسمع بما لبثوا (٨)، والوجه الأول. ﴿مَا لَهُمْ﴾ لكفار قريش.

стр. 1229

وقيل: لجميع الخلق (١)، والقصة تمت عند قوله ﴿لَبِثُوا﴾، ويحتمل أن الضمير في ﴿مَا لَهُمْ﴾ يعود إلى أصحاب الكهف. ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ قيل: لا يشرك فيما يخبر به من الغيب أحداً (٢). وقيل: لا يجعل لأحد (٣) أن يغير حكمه في عباده (٤). وقرئ بالجزم على النهي أي: لا تشرك أيها الإنسان في حكمه أحداً (٥). ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي: اقرأ. وقيل: اتبع القرآن (٦). وقيل: قصة أصحاب الكهف (٧). ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا مغير لقوله (٨) في وعدٍ، ووعيد. وقيل ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا كذب في ميعاده (٩). وقيل: لا خُلْفَ لقوله (١٠). ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ معدلاً بمال ويُعدل عن غيره إليه (١١).

стр. 1230

الزجاج: معدلاً عن أمره ونهيه ولا ملجأ إلا إليه (١). ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ في سبب النزول عن سلمان الفارسي ﵁ (٢) قال: " جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله ﷺ عُييْنة بن حُصين (٣)، والأقرع بن حابس (٤)، وذووهم فقالوا يا رسول الله: لو إنك جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنونني، وأبا ذر (٥)،

стр. 1231

وفقراء المسلمين - وكانت عليهم جباب صُوف (١) لم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك (٢)، وأخذنا عنك، فأنزل الله هذه الآيات، فقام رسول الله ﷺ يلتمسهم حتى إذا أصابهم في بعض المسجد يذكرون الله فقال (٣): الحمد لله إذ لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي؛ معكم المحيا ومعكم الممات " (٤).

стр. 1232

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أي: احبسها. ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ يعني: فقراء المهاجرين والأنصار. ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ طرفي النهار يصلون ثم يشتغلون بالتسبيح، والتحميد، والدعاء، وقد سبق في الأنعام (١). أبو عبيد (٢): أُمر أن يصبر على أن يُقْرَئَهم (٣) القرآن، وأما غير ذلك فحدث القوم ما خرجوك بأبصارهم أي: رمقوك (٤). ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ رضا الله وطاعته. ابن بحر: يريدون الوجه الذي يؤديهم إلى رضا الله (٥). ابن عيسى (٦): يريدون تعظيمه كما تقول: هذا وجه الأمر، ووجه الرأي، وهذا الرأي الحق المعظم (٧).

стр. 1233

﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة؛ تقول: هذا عدا كذا إذا جاوزه، وعدا عنه إذا انصرف عنه، وهو لازم ومتعد. والنهي للعين والمراد صاحبها، ويحتمل أن قوله ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ للعين، ووحد كقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... بها العينان تَنْهلُّ (١). والوجه: أن يكون حالاً للمخاطب أي: مريداً مجالسة الأغنياء. ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن ابن عباس، ﵄ أنها نزلت في أمية بن خلف الجمحي (٢)، دعا النبي ﷺ إلى طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد قريش فنزلت ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٣) خذلنا لتركه الطاعة.

стр. 1234

المفَضَّل (١): أخليناه عن الذكر وهو القرآن (٢). ابن جرير: شغلنا قلبه بالكفر وغلبة الشقاء (٣). وقيل: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ وجدناه غافلا أي: ساهياً. وقيل: نسبناه إلى الغفلة (٤). ابن عيسى: لم نسمه بما نسم (٥) به قلوب المؤمنين بما نبُيَّن فلاحهم كما قال ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] من قولهم: " بَعِيرُ غُفْلٍ " لم يكن عليه سمة (٦)، و"كتاب غُفْلٍ " (٧)، لم يكن عليه إعجام. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أضاع نفسه باتباع هواه. ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ تجاوزاً (٨) للحق وخروجاً عنه. ابن بحر: الفُرُطْ العاجل السريع كما قال ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١] (٩). قُطْرُب (١٠): خطأً وتفريطاً (١١). وقيل: ندماً (١٢). وقيل: سرفاً (١٣).

стр. 1235

وقيل: ضياعاً (١)، لأنه ترك الإيمان والاستدلال. ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: الإسلام، والقرآن. وقيل: الحق هو الذي يكون من جهة الله (٢). وقيل: يعود (٣) إلى تقريب الفقراء (٤). ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيئنا، والعتيد الحاضر. ﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أحدقت النار من كل الجوانب. ﴿سُرَادِقُهَا﴾ ابن عباس، ﵄: هو حائط من نار محيط بهم (٥). ابن عيسى: هو المحيط بما فيه مما ينقل معه (٦). ابن بحر: السرادق والحائط سواء، غير أن السرادق يكون لأهل الوبر والمدر والحائط لأهل المَدَرِ خاصة (٧). وقيل: هو الدخان إذا اللهب يحيط بهم (٨). قيل: وصول النار إليهم (٩). وقيل: هو البحر المحيط بالدنيا، حكاه أقضى القضاة (١٠)، والفعل من سَرْدَقَ فهو مُسَرْدَقٌ (١١).

стр. 1236

﴿يَسْتَغِيثُوا﴾ أي: من العطش. ﴿يُغَاثُوا﴾ يجعل مكان الإغاثة. ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ابن عباس، ﵄: كدُرْدِيِّ الزيت (١)، أسود غليظ إذا أُدْنِيَ من المستغيث سقطت فروة رأسه فيه منه (٢)، (٣). وقيل: هو الصديد (٤). أبو عبيدة: ما أذيب من الفلز، وهو: جواهر الأرض من الذهب، والفضة، والنحاس وغيرها (٥). قطرب: المهل ما يتحات من خبز الملة إذا اخرجت (٦) من الملة (٧). ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ اسم المهل. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ وبئست النار متكاءً، تقول العرب: " إرتفق توكأ على مرفقه". مجاهد: ساءت مجتمعا من معنى المرافقة (٨). وقيل: مكاناً ومجلساً (٩). المفضل (١٠): مستقراً.

стр. 1237

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ قيل: تقديره منهم فحذف العائد، وقيل: من أحسن عملاً هم الذين آمنوا فوقع المظهر مقام المضمر، وقيل: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ (١) اعتراض والخبر ما بعده وهو قوله ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة (٢). ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ في الجنة. ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع إسوِرَة، وأَسْوِرة جمع سوار بالكسر وهو ما يُلْبَسُ في الذراع. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ وفي أخرى أساور من فضة. ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ لأن الأخضر فيما قيل (٣) أحسن ألوان الثياب. ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السندس: الحرير، والاستبرق: الديباج الرومي. أبوعبيد: السندس: الرقيق من الديباج، والاستبرق: الصفيق العين. السندس: بزيون (٤)، والاستبرق: ديباج يعمل بالذهب وكأنه أُعرب من استبره. (٥)

стр. 1238

﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ أي: في حال اتكائهم على السرر في الحجال (١). والأرائك: جمع أريكةٍ وهي الفرش في الحجال (٢). وقيل: السرر في الحجال (٣). وقيل: هي (٤) السُّرُر عليها حجال، ويحتمل أن اشتقاقها من أراك إذا قام (٥). ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ الجنة. ﴿وَحَسُنَتْ﴾ الجنة، وقيل: الأرائك (٦). ﴿مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ متكاءً. ﴿* وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الآيات، ذهب بعض المفسرين إلى أنهما أخَوَان من أهل مكة أحدهما مؤمن والآخر كافر، واسم المؤمن أبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد بن عبد يا ليل (٧) زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ ، والآخر كافر وهو الأسود بن عبدالأسد (٨).

стр. 1239

وقيل: كانا أخوين في بني إسرائيل اسم المؤمن يهوذا (١)، (٢)، وقيل: يمليخا (٣)، واسم الكافر فُطْرُوس (٤)، وقيل فُطْرُس (٥)، وهما اللذان وصفهما الله في سورة والصافات (٦). الزجاج: أشارت اليهود إلى الكفار بامتحانه بالسؤال عن قصة هذين (٧). وقيل: هذا مثل لا يشترط وجوده (٨). ابن عباس، ﵄: كانت لهما ثمانية ألف دينار ورثاها من أبيهما فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر وسبيل الله واعْتَقَل بها (٩) الكافر الضِّياع والعقار (١٠)، ومآل أمرهما مذكور في الآية. قوله ﴿* وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ أي: حدثهم بها في مثله العبرة. قيل ﴿لَهُمْ﴾: لأهل مكة، وقيل: للناس كافة (١١). وقيل: للذين سألوا طرد الفقراء (١٢). وقيل: للذين سألوه عن ذلك امتحاناً (١٣). ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ الجنتان: بستانان (١٤).

стр. 1240

وقيل: بستانٌ واحدٌ محيطٌ به جدارٌ واحد وبين الجنتين زرع (١). ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ جعلنا النخل محيطة بهم (٢). وقيل: حففناهما جعلنا حفافيهما أي: جانبيهما نخلاً (٣)، (٤). ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ كلتا تأنيث كلا، والتاء ليست للتأنيث لسكون ما قبلها وهو اسم مفرد معناه التثنية وكذلك كلا. ﴿آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت ثمرها (٥). ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾ من أُكلها. ﴿شَيْئًا﴾ أي: لم ينقص مما عُهِدَ. قُطْرُب: لم يمنع (٦). ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ شققنا في المكان المتخلل بينهما حيث الزرع، ومن شدد فلدوام النهر (٧). ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: (٨) لصاحب الجنة. ﴿ثَمَرٌ﴾ مال (٩) سوى الجنتين. الثُمُر: الذهب والفضة (١٠).

стр. 1241

ابن عباس، ﵄: صنوف الأموال (١)، ويجوز أن يكون جمع ثمار، ومن قرأ بفتحتين أي: كان له من النخيل والأعناب ثمر كثير (٢). ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ أخيه. ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام، مشتق من حار إذا رجع؛ وذلك أنه سأله عن ماله فيم أنفقه فقال أنفقته في وجوه البر وقدمته بين يديّ لأَقْدِمَ عليه، فقال الكافر: ضَيَّعْتَ مالك بِظَنٍ ظننته من بعثٍ وأجرٍ والله لا يكون ما ظننت. ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ عشيرةً وأنصاراً ينفرون معه في الملمات (٣). مجاهد: أعوانا (٤).

стр. 1242

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أخذ بيد أخيه المسلم وأدخله (١) جنته يطوف به فيها، ووحد الجنة لاتصال كل واحدٍ منهما بالأُخرى، ويحتمل أنه إنما وحد لأن الدخول في الجنتين معاً متعذر. ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضار لها بكفره. ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ تفنى وتهلك (٢). ﴿هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ هذه الجنة، وقيل: الأرض، أنكر أن الله يفني الدنيا وأن القيامة تقوم. ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كائنة. ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ نشرت بعد موتي إلى ربي، أي: إن يكن بعث (٣) ودار أُخرى كما زعمت. ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾ من جنته ومنهما من الجنتين. ﴿مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ انقلاباً. وقيل: موضع انقلاب، أي: كما أعطاني وكرَّمَني في الدنيا يعطيني في الأُخرى ويُكْرِمُني هناك (٤). ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ يعني: أخاه المسلم. ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام. ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: أباك آدم. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: خلقك من نطفة أبيك في رحم أمك. ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ جعلك مُعتدل الخَلْقِ والقامة (٥) ذا عقل وتمييز ثم جهلت أمر الإعادة ولم تستدل بالمبدأ على المعاد. ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي (٦): لكن أنا هو الله ربي.

стр. 1243

﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ لولا هذه (١) للتخصيص ويختص بالفعل أي: هلاّ. ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما شاء الله كان فهو رفع بالابتداء والخبر مضمرٌ، وقيل: الأمر ماشاء الله، فيكون المبتدأ مضمراً، وقيل (٢): محله نصب بوقوع شاء عليه (٣). وروى أنس ﵁ (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: " من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره " (٥). وروي عنه ﵊ أيضا أنه قال: " من أُعطي خيراً من أهلٍ ومالٍ فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه ما يكره " (٦). ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ أنا في الآية عماد. ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدنيا. وقيل: في الآخرة (٧).

стр. 1244

﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ابن عباس، ﵄: ناراً (١). قتادة: عذاباً (٢). الأخفش (٣): مرامي (٤). ابن زيد (٥): قضاءً من الله يقضيه (٦). الزجاج: هذا موضع لطيف يحتاج أن يشرح؛ وهو أن الحسبان في اللغة الحساب كقوله ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٣] فالمعنى (٧): يرسل عليها عذاب حسبان، وذلك حساب ما كسبت يداك (٨). ابن عيسى: الحسبان المرامي الكثيرة كجريدة الحساب (٩). ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض (١٠). والزلق المكان الذي لا تثبت عليه القدم بل تزل عنه (١١):

стр. 1245

الزجاج: الصعيد: الزلق (١): الطريق الذي لاثبات (٢) فيه (٣). الحسن: الزلق: الخراب (٤)، والمعنى: تصبح جنتك هذه أرضاً مَلْسَاءَ لا شيء فيها قد ذهب (٥) ما فيها من غرس ونبت. ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ ذاهباً في الأرض سفلاً حتى (٦) لا تلحقه الأرشية (٧). ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ لا يتأتي منك طلبه. وقيل: لن تستطيع رد الماء الغائر (٨). وقيل: لن تستطيع طلب غيره بدلا منه، حكاه الماوردي (٩). ﴿وَأُحِيطَ﴾ أي: استجاب الله دعاءه فأحاط الله العذاب. ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بماله ومناله؛ وذلك أنه نزلت بها نار فأحرقته. ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: الكافر. ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يصفق بيده على الأخرى ويقلب كفيه ظهراً لبطن تلهفًا. ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي: عليها. وقيل: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فلا يري فيه عوض ما أنفق، حكاه الماوردي (١٠). ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ساقطة بعضها على بعض، وقيل: خالية على بيوتها. والعروش: الأبنية (١١).

стр. 1246

وقيل: العروش (١) ما عرش من كرومها أي: عروشها قائمة لا ثمر فيها، ويحتمل حيطانها ساقطة على عروش كرومها (٢)، ويحتمل أيضاً: أن خاوية على عروشها كناية عن الخراب (٣). ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾ تمنى أنه كان غير مشرك حين لم ينفعه التمني.

стр. 1247

﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لم ينصره (١) النفر الذي قال (٢) فيهم مفتخراً ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، والفئة الجماعة تكون (٣) رِدءً للعسكر يفيء إليها اللاجئ، وقيل: هي جماعة في تفرقة (٤). ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾ أي: بنفسه، أي: لم يقدر على دفعه بنفسه (٥) ولا له أعوان نصروه. ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أي: في تلك الحال، يعني: يوم القيمة الولاية لله أي: يتولون الله ويؤمنون به ويتبرؤون من الأصنام. قرئ بالفتح والكسر؛ وهما لغتان كالوكالة والوصاية والدلالة. وقيل: معنى الكسر: أن الله متفرد بالملك والسلطان يومئذ، والفتح النُّصْرَة (٦). وروي عن بعض القراء الوقف على ﴿هُنَالِكَ﴾ فيكون متصلاً بقوله ﴿مُنْتَصِرًا﴾. وقرئ (الحقُ) بالرفع صفة للولاية (٧)، والجر صفة لله (٨)،

стр. 1248

وقيل: الرافع على الابتداء وما بعده خبره (١). ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه. ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ أي: طاعة الله خير عقبى من طاعة غيره. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا قال: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: هو كماءٍ أنزلناه. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ من السحاب، وقيل: من جانب السماء. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بالماء (٢)، وقيل: بسببه، وقيل: بسبب الإنزال. ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ لكثرة أنواعه ولكثافته (٣)، وقيل: لكثرة الماء اختلط بالنبات (٤). ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ جافاً مهشوماً مكسوراً بعد تمام النبات وتَزَيُّن الأرض به، أو قبل (٥) تمامه بانقطاع المطر عنه (٦). ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ تنسفه فتفرقه، تقول: ذراه يذروه ويذريه (٧). ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ قادراً قدر واقتدر بمعنى؛ والنحويون يسمون هذا كان الدوام. الحسن: كان قبل كون كل شيء قادراً على أن يكون فكونه (٨)، وقيل: هو صلة. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يتزين بهما الإنسان في دنياه شقياً كان أو سعيداً.

стр. 1249

﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ لأن صاحبه ينال مأموله، وقيل: لأن الأمل للعمل الصالح خيرٌ من الأمل للعمل السيء، أي: خير من زينة المال والبنين (١). وفي الباقيات الصالحات أقوال؛ وجاء مرفوعاً أنها: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " (٢). ابن عباس، ﵄: هي الصلوات الخمس (٣). ابن زيد: الأعمال الصالحة (٤). وقيل: الكلام الطيب (٥).

стр. 1250

ابن جرير: الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان، والحج إلى الحج (١). ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ واذكر يوم نُسَيِّر فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، وقيل: تقديره: والباقيات الصالحات خير يوم نُسَيِّر الجبال (٢)، والواو يدفع (٣) هذا القول. ابن بحر: الأعمال الصالحة أحمد عاقبة ويوم نُسَيِّر الجبال يكون عقبى ذلك (٤)، والمعنى: يُسَيِّر الله الجبال (٥) عن وجه الأرض فيقلعها قلعاً. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ باديةً برزت عن تحت الجبال والأشجار والأبنية، أي: (٦) ليرى بعضهم بعضاً، وقيل: بارزة موتاها عند البعث (٧). ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: الموتى. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ﴾ لم يترك. ﴿أَحَدًا (٤٧)﴾ والمغادرة: التَّرْك.

стр. 1251

﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ كما يعرض الجند أي: أُظْهِروا، تقول: (١) عرضت الشيء فأعرض أي: أظهرته فظهر (٢). ﴿صَفًّا﴾ مصطفين، وقيل: صفاً صفاً (٣). ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فيقال لهم (٤) قد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. الزَّجاج: بعثناكم كما خلقناكم (٥). وجاء في الخبر " أنهم يُحْشرون حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً " (٦). وقيل: خالياً من المال والولد (٧). وقيل: أحياءً كهيئاتكم عند الخلق الأول (٨). ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ (بل) تفيد العطف ههنا فحسب، أي: وزعمتم أن لا نَفِيَ بوعدنا في إعادتكم، وقيل: الموعد ههنا مكان الوعد بالمحاسبة (٩). ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ يعني: كتاب العبد من الأعمال المشتمل على جميع أعمال العبد خيرها وشرها وهو ما كتبه الحفظة. وقيل، وضع الكتاب في يمينه أو شماله (١٠). وقيل: معناه: وُضِعَ الحساب (١١).

стр. 1252

﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي: ترى المذنبين خائفين وقوع المكروه. ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من الذنوب. ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ تعجباً من شأنه. ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي: من الذنوب. وقيل: بل جميع أعماله مكتوب فيه (١). ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ عدَّها وأحاط بجميعها. ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ مكتوباً، جزاؤه حاضراً. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ بزيادة العذاب أو نقصان الثواب (٢). ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ سجود تحية، وقيل: سجود انقياد، وقيل: سجود تعبد (٣). ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ابن عباس، ﵄: حَيٌّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خُلِقُوا من نار السمّوم وخُلِقَت الملائكة غير هذا الحي من نور (٤). وروي عن ابن عباس، ﵄ أيضا: نُسِبَ إلى الجِنَان لأنه كان خازناً لها كالمكي والمدني (٥). الحسن: لم يكن من الملائكة ولا طرفة عين بل هو أصل الجن كما أن آدم ﵇ أصل الإنس (٦).

стр. 1253

شهر بن حوشب (١): كان إبليس من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب إلى السماء (٢). قتادة: جُنّ عن طاعة الله (٣). ابن عباس، ﵄: كان اسمه بالسريانية عزازيل (٤)، وبالعربية الحارث وله زوجة وذرية لقوله ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾. مجاهد: من ذرية إبليس لاقيس، وولهان وهما صاحبا الطهارة والصلاة، والهَفاف، ومُرة به يكنى أبا مُرة، وزَلَنْبُور صاحب الأسواق يرفع رايته بكل سوق، وثَبْر وهو صاحب المصائب، والأعور وهو صاحب أبواب الزنا، ومِسْوَط وهو صاحب الأخبار (٥) يأتى بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً، ودَاسِم وهو الذي إذا دخل بيته فلم يُسَلِّم ولم يذكر اسم الله بَصَّرَة من المتاع ما لم يُرفع أو يُحْسَن موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه (٦). ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ خرج، وقيل: اتسع؛ تقول فسق فلان في الأرض إذا اتسع فيها.

стр. 1254

أبو عبيدة: وهذه (١) لم نسمعها من العرب، إنما تكلمت بها العرب (٢) بعد نزول القرآن (٣). ومعنى ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، الزجاج: خرج عن أمر ربه (٤). قطرب: فسق عن أمر ربه عدل (٥). وقيل: الملائكة خُلِقُوا من الريح وهم روحانيوّن، وإبليس وسائر الجن من النار، وآدم ﵇ من الطين، وقد سبق معنى هذه الآية (٦). ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ فتطيعوهم (٧) فيما يدعونكم إليه أي: تتولنهم ولا تتولوني. ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أي: أعداء. ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ بئس البدل من الله إبليس وذريته. وقيل: بئس البدل معصية الله من طاعته، وقيل: بئس البدل النار من الجنة (٨). ﴿* مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته. وقيل: الكفار أجمع (٩). وقيل: الملائكة (١٠). ﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فأستعين بهم على خلقها أو أشاورهم فيه.

стр. 1255

﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض. وقيل: ما أشهدت بعضهم خلق بعض (١). وقيل: ما أعلمتهم خلق أنفسهم ولا استعنت (٢) فكيف يعلمون (٣) خلق غيرهم، حكاه الماوردي (٤). ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ أنصاراً وأعواناً في خلق السماوات. وقيل: أولياء (٥). وقيل: أعواناً لعبدة الأوثان (٦). ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ الله للكفار. ﴿نَادُوا﴾ أي (٧): ادعوا بصوت عالٍ. ﴿شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتم أنها لي شركاء ليمنعوكم من عذابي. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم لا ئمين لهم على إضلالهم إياهم. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ واستغاثوهم فلم يغيثوهم لشغلهم بأنفسهم؛ ويحتمل أن ترك الإجابة لكونها (٨) جماداً. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين الكفار وآلهتهم. ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: هلاكاً وهو النار وجعلت بينهم لاستوائهم فيها (٩). وقيل: بين المؤمنين والكفار موبقاً عداوة (١٠). وقيل: بين الكفار لقوله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾

стр. 1256

[الزخرف: ٦٧] (١). الفراء: البين ههنا بمعني الوصال أي: تواصلهم في الدنيا صار مهلكا لهم (٢). أبو عبيدة: الموبق: الموعد، كقوله ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ (٣). مجاهد: في جماعة الموبق وادٍ في جهنم من قيح ودم (٤). الواحدي (٥): موبقاً حاجزاً، وأصله من وَبَق يَبِقُ إذا (٦) هلك (٧). ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ عاينوها. ﴿فَظَنُّوا﴾ أيقنوا. ﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي: واقعوا فيها وداخلوها (٨) من وقع إذا أسقطه. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا﴾ يعني: الكفار، وقيل: الأصنام (٩). ﴿عَنْهَا﴾ عن النار.

стр. 1257

﴿مَصْرِفًا (٥٣)﴾ موضعاً يعدلون إليه لاحاطتها بهم، وقيل: ملجأً (١). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ﴾ أي: رددنا القول فيه مرة بعد أخرى. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتاجون إليه. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ﴾ أي: أكثر شيء خلقه الله. ﴿جَدَلًا (٥٤)﴾ جدالاً وحِجَاجاً وخِصاماً، وقيل (٢): الإنسان عام (٣). وقيل: أراد الكافر أُبَيَّ بن خلف (٤). وقيل: النضر بن الحارث (٥). وقيل: كثرة مجادلة الناس الأنبياء فيما أتوهم من الله (٦). ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أهل مكة. ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ من الإيمان. ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ الرسول والقرآن. ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ من الذنوب التي مضت. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ إلا إتيان سُنة الأولين وهو الاستئصال.

стр. 1258

الزجاج: إلا طلب سنة الأولين يريد قوله ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] (١). وقيل: إلا انتظار العذاب (٢). أبو عبيدة: عادة الأولين (٣). ابن بحر: ما ههنا للاستفهام (٤)، غيره: للنفي. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ قرئ بالضم والكسر؛ فالكسر (٥) معناه: معاينة ومقابلة، والضم معناه: صنفاً صنفاً يتلوا بعضها بعضاً جمع قبيل (٦) وقيل: الضم والكسر لغتان بمعنى المقابلة (٧). وقيل: قبلاً خلاف دبر، والمعنى يأتيهم عذاب يستأصلهم أو يقاتلون بالسيف معاينة يوم بدر (٨). ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ للكافرين بالنار. ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ في طلب الآيات ودفع النبوات. ابن جرير: جدالهم بالباطل سؤالهم النبي ﷺ عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين (٩) والروح تعنتاً (١٠). ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾ بالجدال.

стр. 1259

﴿الْحَقَّ﴾ النبوة أي: يزيلوه. ﴿وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي﴾ القرآن، وقيل: دلائلي (١). ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ وإنذارهم (٢)، قيل: وما انذروا به أي: النار (٣). ﴿هُزُوًا (٥٦)﴾ استهزاءً، ولعباً، وباطلاً (٤). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم. ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ﴾ وُعِظَ وتُلِيَ عليه القرآن. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ترك قبوله وصار عنها في عَرَض أي (٥): ناحيتة. ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ غفل عن ذنوبه السالفة. وقيل: تركها ترك ما يُنْسَى (٦). ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ جمع كنان أي: غشاوة (٧). ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كراهة أن يفقهوه ولئلا يفقهوه. ﴿وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلاً وصُماً عن استماع الحق أي: خذلناهم (٨). ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد. ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ للإيمان والقرآن (٩). ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ أي: بعد الأكنة والوَقْر. ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا تعجل بالعقوبة.

стр. 1260

﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ بكفرهم. ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدنيا. ﴿بَلْ لَهُمْ موعد﴾ يعني يوم القيامة (١). ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾ موضع نجاة. ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يريد: قوم نوح، وعاد، وثمود. ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ كفروا. ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ وقتاً وزماناً أهلكوا فيه (٢)، وقيل: هو من قوله ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] (٣). وقيل: وجعلنا لمهلك قومك (٤)، والهلاك لازم والإهلاك متعدٍ فمن فتح الميم فهو مضاف إلى الفاعل من ضم الميم فهو مضاف إلى المفعول (٥). وقيل: هلك متعدٍ أيضاً، وأنشد: وَمَهْمَهٍ هَالِكِ من تَعَرَّجَا (٦). فيكون الفتح مضافاً إلى الفاعل وإن شئت إلى المفعول. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ أي: اذكر إذ قال؛ فإن في ذلك عبرة لمن اعتبر، و (فتاه) مملوك له وهذا قول غريب، وجمهور المفسرين على أنه يوشع بن نون (٧).

стр. 1261

وقيل: كان أخا ليوشع (١)، وسمي فتاه لأنه كان يلازمه ويخدمه. ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزال، والخبر محذوف أي لا أبرح ماشياً. وحكى الزجاج أن بعضهم قال في تفسيره (٢): ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزول، قال: وهذا محال لأنه إذا لم يزل من مكانه لم يقطع أرضا قال وإنما المعنى لا أزال أسير أي أدوم عليه ولا أفتر حتى يكون أحد الأمرين (٣). ولعل القائل أراد لا أزول عن حالي في السير لا عن مكاني فلا يكون فيه استحالة وكذلك ظاهر القرآن لا أبرح فإذا لم يبرح كيف يصل وإنما المراد لا أبرح من السير حتى أصل. ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قيل: هو بحر فارس والروم (٤). محمد بن كعب (٥): اسمه طنجة (٦). أبي بن كعب (٧):

стр. 1262

إفريقيه (١). مقاتل: اسم أحدهما الرَّس والآخر الكُّرّ (٢). وقيل: بحر المشرق والمغرب (٣) اللذان يحيطان بجميع الأرض (٤). وقيل: العذب والملح (٥)، (٦). وقيل: البحران من العلم وهما موسى والخضر (٧)؛ وذلك (٨) أن موسى ﵇ خطب للناس خطبة بليغة فأُعجب بها فقال له رجل: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ (٩) قال: لا. فأوحى الله إليه بلى (١٠) عبدنا الخضر.

стр. 1263

فسأل موسى السبيل (١) إلى لقيه فجعل الله له (٢) الحوت آية فقيل: له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصخرة التي عند مجمع البحرين وهو قوله ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ (٣). تقديره: حتى يكون إما لقاء الخضر بجمع البحرين، وإما السير حتى أصل إليه وإن كان حُقُباً. والحُقُبُ في قول ابن عباس، ﵄: الدهر (٤). مجاهد: سبعون سنة (٥). وقيل: ثمانون سنة (٦). وقيل: سنة بلغة قيس (٧). قتادة: هو زمان غير محدود (٨). ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: بلغ مجمع البحرين. و﴿بَيْنِهِمَا﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ظرفاً فأضيف إليه على الاتساع ومثله ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. والثاني: أن يكون بمعني الوصل، أي: مجمع وصلهما.

стр. 1264

﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ثم سارا (١) حتى انتهيا إلى الصخرة فوضع فتاه المكتل (٢)، وكان فيه خبز وسمك مالح، وقيل: مشوي، وقيل: طري، فتمسح يوشع بالماء فانتضح على الحوت فعاش ووثب في الماء لأن العين التي اغتسل منها عين ماء يقال لها عين ماء الحياة لا يصيب منها (٣) ميتاً إلا عاش، فقام الفتى (٤) ليخبر موسى فنسي وإنما نُسِّيَ ومثل ذلك لا يُنْسَى، لأنه كان في زمان النبوة وكان يقع لهم أمثال ذلك ونسب النسيان إليهما لأن موسى نسي تعرف خبر الحوت وقد بلغ الموضع الموصوف له ونسي الفتى أن يخبره بما كان من الحوت، وقيل: نسب إليهما وهو لأحدهما كقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وهما يخرجان من الأُجاج ولا يخرجان من الفرات (٥). وقيل: تقديره نسي أحدهما فحذف المضاف (٦) وارتفع الضمير واتصل (٧) بالفعل (٨). وقيل: هو كقوله: " نسوا زادهم " وإنما ينساه متعهد الزاد (٩). ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اتخذ طريقاً له من البر إلى البحر (١٠).

стр. 1265

﴿سَرَبًا (٦١)﴾ سَرَبَ فيه سَرَباً، المعنى: دخل فيه واستتر به، وقيل: تقديره: واتخذ سبيله سرباً فهما مفعولان كقوله ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (١). وقيل: بقي طريقه كالسَّرَب (٢). ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: مجمع البحرين ثم نزلا (٣) وقد سارا ماشاء الله. ﴿قَالَ﴾ موسى. ﴿لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا﴾ طعامنا لنتغدى به. ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ تعباً. وقيل: وهناً (٤)؛ يريد ذلك اليوم فحسب لأنه جاوز الموعد من المكان. وقيل: لم يَعْيَ هو موسى في سفره قط إلا ذلك السفر (٥). ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ مقاتل: هي بشروان (٦) على ساحل بحر أيلة (٧). وقيل: عند نهر الزيت (٨). ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أي: حَمْل الحوت، وقيل: ذكر الحوت يُذَكِّر (٩) الفتى ما كان من الحوت لأن موسى كان يأكل منه فقال: أرايت ذكره ما شاهد (١٠).
следующие страницы →