← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وقيل: كان أخا ليوشع (١)، وسمي فتاه لأنه كان يلازمه ويخدمه. ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزال، والخبر محذوف أي لا أبرح ماشياً. وحكى الزجاج أن بعضهم قال في تفسيره (٢): ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزول، قال: وهذا محال لأنه إذا لم يزل من مكانه لم يقطع أرضا قال وإنما المعنى لا أزال أسير أي أدوم عليه ولا أفتر حتى يكون أحد الأمرين (٣). ولعل القائل أراد لا أزول عن حالي في السير لا عن مكاني فلا يكون فيه استحالة وكذلك ظاهر القرآن لا أبرح فإذا لم يبرح كيف يصل وإنما المراد لا أبرح من السير حتى أصل. ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قيل: هو بحر فارس والروم (٤). محمد بن كعب (٥): اسمه طنجة (٦). أبي بن كعب (٧):

стр. 1262

إفريقيه (١). مقاتل: اسم أحدهما الرَّس والآخر الكُّرّ (٢). وقيل: بحر المشرق والمغرب (٣) اللذان يحيطان بجميع الأرض (٤). وقيل: العذب والملح (٥)، (٦). وقيل: البحران من العلم وهما موسى والخضر (٧)؛ وذلك (٨) أن موسى ﵇ خطب للناس خطبة بليغة فأُعجب بها فقال له رجل: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ (٩) قال: لا. فأوحى الله إليه بلى (١٠) عبدنا الخضر.

стр. 1263

فسأل موسى السبيل (١) إلى لقيه فجعل الله له (٢) الحوت آية فقيل: له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصخرة التي عند مجمع البحرين وهو قوله ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ (٣). تقديره: حتى يكون إما لقاء الخضر بجمع البحرين، وإما السير حتى أصل إليه وإن كان حُقُباً. والحُقُبُ في قول ابن عباس، ﵄: الدهر (٤). مجاهد: سبعون سنة (٥). وقيل: ثمانون سنة (٦). وقيل: سنة بلغة قيس (٧). قتادة: هو زمان غير محدود (٨). ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: بلغ مجمع البحرين. و﴿بَيْنِهِمَا﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ظرفاً فأضيف إليه على الاتساع ومثله ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. والثاني: أن يكون بمعني الوصل، أي: مجمع وصلهما.

стр. 1264

﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ثم سارا (١) حتى انتهيا إلى الصخرة فوضع فتاه المكتل (٢)، وكان فيه خبز وسمك مالح، وقيل: مشوي، وقيل: طري، فتمسح يوشع بالماء فانتضح على الحوت فعاش ووثب في الماء لأن العين التي اغتسل منها عين ماء يقال لها عين ماء الحياة لا يصيب منها (٣) ميتاً إلا عاش، فقام الفتى (٤) ليخبر موسى فنسي وإنما نُسِّيَ ومثل ذلك لا يُنْسَى، لأنه كان في زمان النبوة وكان يقع لهم أمثال ذلك ونسب النسيان إليهما لأن موسى نسي تعرف خبر الحوت وقد بلغ الموضع الموصوف له ونسي الفتى أن يخبره بما كان من الحوت، وقيل: نسب إليهما وهو لأحدهما كقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وهما يخرجان من الأُجاج ولا يخرجان من الفرات (٥). وقيل: تقديره نسي أحدهما فحذف المضاف (٦) وارتفع الضمير واتصل (٧) بالفعل (٨). وقيل: هو كقوله: " نسوا زادهم " وإنما ينساه متعهد الزاد (٩). ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اتخذ طريقاً له من البر إلى البحر (١٠).

стр. 1265

﴿سَرَبًا (٦١)﴾ سَرَبَ فيه سَرَباً، المعنى: دخل فيه واستتر به، وقيل: تقديره: واتخذ سبيله سرباً فهما مفعولان كقوله ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (١). وقيل: بقي طريقه كالسَّرَب (٢). ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: مجمع البحرين ثم نزلا (٣) وقد سارا ماشاء الله. ﴿قَالَ﴾ موسى. ﴿لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا﴾ طعامنا لنتغدى به. ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ تعباً. وقيل: وهناً (٤)؛ يريد ذلك اليوم فحسب لأنه جاوز الموعد من المكان. وقيل: لم يَعْيَ هو موسى في سفره قط إلا ذلك السفر (٥). ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ مقاتل: هي بشروان (٦) على ساحل بحر أيلة (٧). وقيل: عند نهر الزيت (٨). ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أي: حَمْل الحوت، وقيل: ذكر الحوت يُذَكِّر (٩) الفتى ما كان من الحوت لأن موسى كان يأكل منه فقال: أرايت ذكره ما شاهد (١٠).

стр. 1266

وقيل: معناه تنبه إذ أوينا حين عدلنا عن الجدد إلى الصخرة فإني نسيت الحوت (١)، ثم اعتذر فقال ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي: شغل قلبي بوسوسته فنسيت أن أذكره؛ أي: ذِكْرَهُ. ومحله نصب على البدل من الهاء بدل اشتمال، وقيل: لا أذكره. ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الفعل لموسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا، أي: تعجيب من ذلك. والثاني: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ من كلام الفتى، والفعل للحوت، و ﴿عَجَبًا﴾ من كلام موسى أي: عجبت من ذلك عجباً. وقيل: تعجب من يوشع ونسيان ذلك لأن موسى علم أن يكون ذلك (٢). والثالث: أن يكون (٣) الجميع من كلام يوشع، أي: اتخذ سبيله في البحر اتخاذاً عجباً؛ وهو أن أَثره بقي إلى حيث سار، وقيل: جمد الماء تحته (٤). وقيل: صار صخراً (٥). وقيل: بقي كالكوة (٦). وقيل: ضرب بذنبه فصار المكان يبساً (٧).

стр. 1267

قال وهب: " لا بل كان حوتا يمشي في البحر ككوكب دري وكانا (١) يمشيان على أثره الى أن بلغا الخضر ﵇ " (٢). وهذا القول محتاج إلى شرح كأنه رأى الفتى حوتا يمشي في البحر بهذه الصفة فنسى ذكره لموسى ﵇ فلما قال موسى لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا تذكر الحوت (٣) وأخبر موسى بذلك. ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، وروي عن ابن عباس، ﵄ عن أُبيّ (٤) عن رسول الله ﷺ قال: " انتهيا إلى الصخرة فناما واضطرب الحوت في المتكتل فخرج منه وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا (٥) فامسك على الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق " (٦). فعلى هذا يحوز أن يكون قوله ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾ ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ من قول الله فعجب قولهم (قال ذلك) أي: أمر الحوت. ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ نطلب. ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ رجعا في الطريق الذي جاءا فيه يتتبعان أثر المجيء. ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الجمهور على أنه الخضر واسمه بليا ابن ملكان (٧). وقيل: اليسع (٨).

стр. 1268

وقيل: إلياس (١). وقيل: خضرون ابن قابيل بن آدم، حكاه النقاش (٢)، (٣). عبيد بن عمير (٤) يرفعه قال: " لما خرج موسى يطلب العالم انتهى إلى البحر (٥) فإذا هو نائم فوق الماء عليه قطيفة خضراء قد أدخلها تحت رأسه وتحت رجليه (٦) فلما رأى موسى عرف الشدة والشهامة، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: لقد كان لك في التوراة علم وفي بني إسرائيل شغل " (٧). وقيل: رأى خضراً على طِنْفِسَةٍ خضراء (٨) على وجه الماء فسلم عليه (٩).

стр. 1269

وجاء في الخبر: إنما سمي الخضر خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت خضراء (١). الفروة: الأرض المرتفعة، وقيل: الصلبة (٢). مجاهد: إنما سمي الخضر خضراً (٣) لأنه إذا صلى اخضر ما حوله (٤). سعيد (٥) قال (٦): " الخضرُ أمه رومية وأبوه فارسي " (٧). وروي عن رسول الله ﷺ في بعض الأخبار أنه ذكر قصة الخصر فقال: كان ابن ملك (٨) من الملوك فأراد أن يستخلفه من بعده فلم يقبل منه ولحق بجزائر البحور، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه (٩)، وأطال الثعلبي الكلام في ذلك الملك في كتاب العرائس في قصة الخضر والاختلاف فيه وفي نبوته وحيويته.

стр. 1270

وعن أبن لهيعة (١): أن الخضر ابن فرعون موسى (٢)، حكاه النقاش في تفسيره والعهدة عليه (٣). وقيل: في قوله ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ كان ملكاً أمر الله موسى أن يأخذ منه من علم الباطن، وقيل: كان عالماً (٤). واختلفوا في نبوته؛ فمنهم من قال: هو نبي، ومنهم من قال: هو ولي (٥). واختلفوا في حياته؛ فقال بعضهم: هو حيٌ (٦) بعد في زماننا. وأنكره بعضهم بأن لا يكون بعد محمد ﵊ نبي. أبو علي: كان الخضر نبياً بعد موسى، قال: "وهذا أيضاً نبي ولكن كان قبل موسى والخضر ﵉" (٧). وقيل: الخضر نبي وإلياس نبي وهما في الأحياء يلتقيان في كل موسمٍ في عرفات (٨). وروي عن محمد بن اسحاق (٩) أن موسى صاحب الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف (١٠).

стр. 1271

وقيل: موسى بن افرائيم ابن يوسف، وهذا بعيد فإن في الصحيح عن البخاري (١) أن سعيد ابن جبير قال: " قلت لابن عباس، ﵄ إن نوفاً البكالي (٢) وكان قاضياً (٣) بالكوفة ويزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو (٤) موسى بني إسرائيل (٥) إنما هو موسى آخر. قال: كذب عدو الله " (٦).

стр. 1272

وفي بعض القصص، أن الخضر لما رأى يوشع بن نون شرب من ماء الحياة أخذه وجعله في تابوت وشده بالرصاص ورمى به في موج البحر (١) وهذا بعيد؛ بل صرفه موسى ورده إلى بني إسرائيل. وإنما ذهب إلى هذا من ذهب لأن ذكره انقطع ههنا، وفي الخبر عن النبي ﷺ : إن أخي الخضر ليقضى ثلاث ساعات من النهار بين أمم البحر ويشهد الصلاة كلها في مسجد الحرام ويتهجد بالسحر عند سد يأجوج ومأجوج (٢). وفي القصص، لما ورد موسى البحر وقف على ساحل البحر فأبصر حوتاً قد علا الماء ونشر جناحين على متن البحر فوضع موسى رجلين على جناحه اليمنى، ووضع فتاه قدميه على جناحه اليسرى وجعل الحوت يسبح ويقطع بهما أهاوي البحر حتى انتهى إلى الصخرة يعني الحوت. قوله ﴿آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ هي النبوة (٣). وقيل: العلم (٤). وقيل: الطاعة (٥). وقيل: طول الحياة (٦). ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ علمٌ من علم الغيب (٧) ما لم يعلم غيره.

стр. 1273

مقاتل: اسمه اليسع (١)، وإنما سمي اليسع لأن علمه وسع ست سماوات وست أرضين، هذا الكلام مزيف جداً. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ أي: هل أصحبك على شرط أن تعلمني هديً وصواباً مما علمته رشداً (٢). والرُّشْد والرَّشَدُ لغتنان كالبُخِل والبَخَل. وانتصاب ﴿رُشْدًا﴾ على أنه مفعول ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، وأجاز أبو علي أن يكون مفعولاً له، أي: هل أتبعك للرشد، ويجوز أن يكون مصدراً (٣) أي: تعلمني وترشدني بذلك رشداً والعلم ههنا يتعدى إلى مفعول واحد فعدي بالتشديد إلى مفعولين (٤). ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ أي: يشق عليك الصبر ويثقل، وقيل: نفى الصبر على زعمه (٥). ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ اعتذر عن كلامه أي: ليس هذا غضاضة منك بل (٦) لأنك ترى ما يقبح في المعتاد فيلزمك عندك الإنكار والتغيير وأنت لا تعلم باطن ولا تعلم أن الأمر بخلاف ظاهره. وقيل: ﴿مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ لم تستيقن (٧)، والخُبْر والخُبْرة واحده. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ أي: عن الإنكار، وقيل: عن السؤال (٨). ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ أي: أتابعك على كل ما تريد.

стр. 1274

وقيل: لا ابتدئ بالانكار حتى تبتدي بالأخبار (١). وقيل: العصيان (٢) ههنا مجاز وإعظام منه له، وقيل: تم الكلام على قوله ﴿صَابِرًا﴾، فصبر لما استثنى (٣) بقوله ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وعصى حيث لم يستثن، وقيل: لم يلزمه الصبر لما استثنى كقوله أنت طالق إن شاء الله (٤). ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ أي: لا تبتدئني بالسؤال عن ما يصدر مني وإن أنكرته على أن ابتدئك ببيانه وأخبرك به. الفَرَّاء: حتى أكون أنا الذي أسألك (٥). ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ أي: أخذا يمشيان يريد موسى والخضر على الساحل فمرت بهما سفينة فحملهما أصحابها (٦) بغير نَوْل (٧) وقالوا سيماهما سيما الزهاد. وقيل: فَلَوّحَ الخضر بثوبه فأُدنيت من الساحل فركبها. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نَوْل؛ فبينما هم في السفينة أخذ الخضر فأساً فخرق لوحاً من السفينة حتى دخلها الماء (٨). جاء في التفسير: فحشاها موسى بثوبه (٩). السدي: خرقها ثم أخذ قدحاً من زجاج كان في السفينة فألقمه الخرق (١٠).

стр. 1275

وقال بعضهم: ثم أخذ منقاراً له ومطرقة فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها (١) ثم أخذ لوحاً وطبقة عليها ثم جلس يرقعها (٢) قال أخرقتها لتغرق أهلها وكذلك كان في علم موسى (٣). وقيل: لأن السفينة إذا دخلها الماء رسب (٤) فغرق أهلها (٥). وقوله ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قيل اللام لام العاقبة، وقيل: معناه هذا الفعل يشبه فعل من يريد الإغراق. ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ داهية. مجاهد: منكراً (٦). مقاتل: عجباً (٧). ابن عيسى: هو مأخوذ من الإِمْر وهو الفاسد الذي يحتاج أن يؤمر بتركه إلى الصلاح، ومنه رجل إمراً إذا كان ضعيف الرأي يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه (٨). وقيل: أصله الشدة (٩).

стр. 1276

و" إذا " في قوله ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا﴾ في موضع جر بحتي، وهي عاملة في المعنى لأن ما بعدها جملة كما تقول: جلس حتى إذا قمنا ذهب. ﴿قَالَ﴾ يعني: الخضر. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ وجاء في الخبر: وكانا في ذلك إذ جاء عصفور فنقر نقرة من ماء ثم طار فقال الخضر: إن علمي وعلمك وعلم الخلائق كلهم في علم الله كهذه النقرة التي أخذها من عرض البحر، فلما رأى موسى أن الخرق لم يدخل به الماء ولم يضر من في السفينة (١). ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ يعني: بذلك نسيانه العهد الذي كان أعطاه من نفسه أن لا يسأله عن شيء حتى يكون يخبره. وقيل: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بما غفلت، فإن النسيان مرفوع عن الإنسان (٢). وقيل: من النسيان الذي هو الترك (٣). وروي عن ابن عباس، ﵄ ﵄ أن موسى لم ينس ولكنه من معاريض الكلام وأراد شيئا آخر نسيه (٤).

стр. 1277

﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ لا تضايقني بهذا القدر فتعسر (١) مصاحبتك. وقيل: لا تكلفني ما لا أقدر عليه (٢). ابن عيسى: لا تغشني؛ قال فهو من قولهم وهو الفارس إذا غشيه وأدركه وغلام مراهق قارب أن يغشاه حال البلوغ (٣). ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ ثم إنهما خرجا من السفينة ودخلا البلد فلقيا غلماناً يلعبون فأخذ الخضر أحسنهم (٤) وجهاً وأنظفهم ثوباً فذبحه بالسكين. وقيل: فدمغ رأسه بالحجر (٥). وقيل: رفسه برجله فقتله (٦). وقيل: نزع رأسه (٧). وقيل: ضرب رأسه الجدار (٨). ﴿فَقَتَلَهُ﴾ وكان غلاماً لم يبلغ الحنث ولهذا زكاه موسى، وقيل: كان بالغاً (٩)،

стр. 1278

ولهذا قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ولو كان صغيراً لم يكن عليه قصاص ولا تبعة، وكان اسمه خشنوذ، وقيل: خنشود (١). وهب: اسم أبيه ملاس واسم أمه رُحْمى (٢). النقاش: اسمه حسين ابن كاردي واسم أمه سهوى (٣). الضحاك: كان رجلا يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه (٤). الحسن: كان رجلاً كافراً، والعرب قد تقول للرجل البالغ غلام (٥). الكلبي: كان فتى يقطع الطريق يأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه فيحلفان دونه ولا يعلمان ذلك (٦). ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ الزاكية والزكية الطاهرة من المعاصي (٧)،

стр. 1279

وروي عن أبي عمرو (١)، والمفضل أنهما قالا: "الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثم غفر لها" (٢). وعن ابن عباس، ﵄: أن الغلام طبع كافراً (٣). ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير نفس قتلها عمداً فيقاد بها، وقيل: أراد زكية في علمي (٤). ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ أي: منكراً ينكره العقلاء، والنُكْر أشد من الإمْر، وقيل: بل الإمْر أشد لأنه كان في الظاهر يهلك أهل السفينة وكانوا جماعة، وإنما دخل الفاء في قوله ﴿فَقَتَلَهُ﴾ دون أُختيه لأن القتل اتصل باللقاء (٥) بخلاف الآخريين فإنهما وقعتا بعد براح. ﴿* قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ زاد في هذه الآية (لك) لأن النكير فيه أكثر، وقيل: بَيّن في الثاني المقتول له ولم يُبين في الأول (٦).

стр. 1280

﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ بعد هذه المسألة، وقيل: بعد هذه المرة (١)، وقيل: بعد هذه النفس المقتولة (٢)، وقيل: الفعلة (٣). ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ فلا تتابعني ولا توافقني (٤) في الصحبة لأنه مزيد على مخالفتك ثلاث مرات، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " رحمة الله علي وعلى أخي موسى لو لم يحمله الحياء على أخذ ذمامه ألا يصاحبه بعدها لرأى من عجائب غيب الله وعلمه شيئاً كثيراً " (٥). ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ اعذرت فيما بيني وبينك في الفراق. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ ابن عباس، ﵄: انطاكية (٦). ابن سيرين (٧): الأُبُلَّةُ (٨)، قال وهي أبعد أرض الله من السماء.

стр. 1281

وقيل: بَاجَرْوَان بأرمينه (١). ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ تقول: ضفته إذا جئته ضيفاً، وأَضَفْتَه: إذا دَعَوْتَه إلي ضيافتك وكذلك ضَيَّفْتَه؛ وأصله الميل أي: استضافاهم وسألاهم طعاماً فأبوا أن يطعموهما. أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: " كانوا أهل قرية لئام أهلها " (٢). ﴿فَوَجَدَا فِيهَا﴾ في القرية. ﴿جِدَارًا﴾ حائطاً. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن لفظ الإرادة هنا مجاز وأن المراد به يقرب وله نظائر، وذهب بعضهم إلى أن إرادة الجدار ميله. ومعنى ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾: يسرع تفرق أجزائه من قولهم: قضضت الشيء كسرته. وقيل: ينقض يسقط ومنه انقضاض الكواكب (٣).

стр. 1282

﴿فَأَقَامَهُ﴾ أي: هدمه وجدد بناءه وأعاده صحيحاً. مقاتل: سواه بالحديد (١)، وعن النبي ﷺ : " هدمه ثم قعد يبنيه " (٢). وقيل: عمد بدعامة فمنعه (٣) من السقوط وذلك إقامته (٤). وقيل: مسه الخضر بيده فاستوي الجدار (٥). وهب: كان طوله في السماء مائة ذراع (٦). ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ تخذ واتخذ لغتان كتبع واتبع وليس من الأخذ عند البصريين (٧). وقوله ﴿أَجْرًا﴾ جُعلاً وأجرة، وقيل: قِرىً وضيافة (٨). ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ المشار إليه الوقت أي: هذا الوقت آخر صحبتنا (٩). وقيل: هذا السؤال منك سبب فراقنا (١٠).

стр. 1283

وإضافته إلى بين على السعة إذا كان للظرف (١)، وكرر توكيداً والقياس بيناه. ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ سأخبرك قبل أن نتفرق. ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ أي: بمئال ما سألته عنه ولم تصبر عليه؛ ثم فَصَّلَ فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ ذهب بعضهم إلى أنهم سموا مساكين بعجزهم عن دفع الملك، وقيل: لفقرهم وشدة حاجتهم (٢). وقيل: لشدة معاناتهم في البحر (٣). وقيل: لزمانةٍ كانت بهم، وعلل، وكانوا عشرة والسفينة كانت وقفاً عليهم (٤). وسئل ابن عباس، ﵄: كيف كانوا مساكين والسفينة قد تساوى ألف دينار؟ فقال: " المسافر مسكين وإن كان معه ألف دينار " (٥). وقيل: كانوا أجراء (٦). وقيل: مسّاكِين جمع مَسّاك فعالً من أمسكت الشيء كبراء وكهام وهو الملاح، وقرئ في الشواذ مسَّاكين أي ملاحين (٧)، وقيل: دباغين (٨). ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ يؤجرون ويكسبون قوتهم، وقيل: يغوصون في البحر (٩).

стр. 1284

﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلها ذات عيب. ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ قدامهم كقوله ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦] (١)، وقيل: خلفهم ملك ومرجعهم عليه (٢)، وحقيقته ما وارى (٣) عنك شيئاً، وكان اسمه جلندى ابن كزلز (٤) وكان كافراً (٥). وهب: اسمه منولة ابن خليد الأزدي (٦). وقيل: ابن هُدَد بن بُدَد (٧). ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي: يأخذها ويغصب عليها صاحبها؛ والمعنى: كل سفينة صحيحة غير معيبة. وقرأ ابن مسعود ﵁ (٨) " كل صحيحة " (٩). وقرأ عثمان ﵁ " كل سفينة صالحة "، قيل: وأمر (١٠) عثمان فكتب إلى بلاد المسلمين بأن يكتب في المصاحب صالحة، وقال: قد قامت عندي البينة بها وكان ذلك في آخر عمره فلم ينتشر (١١).

стр. 1285

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ أي: فعلمنا إن عاش أن يصير سبباً لكفر والديه وعصيانهما (١) الله لمرضاته؛ ومعنى ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾: يحملهما. وقيل: يكلفهما، المشقة (٢). الزجاج: يحملهما على الرَّهَق وهو: الجهل (٣). ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ أي: أردنا أن يرزقهما الله ولداً يكون خيراً منه زكاة أتم صلاحاً وأطهر ديناً. وقيل: خيراً لهما منه (٤). وقيل: خيراً براً وصلاحاً (٥). ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ رحمةً وعطفاً، وقيل: أَبرّ بوالديه (٦). وقيل: أرحم (٧). وقيل: لوالديه (٨). والرُّحم والرُّحمة كالكُثْر والكُثْرَة؛ وهو مصدر معناه: أقرب أن يرحم، وقيل: أن يُرحم فإن ابن جريج: فسر أقرب أن يرحمه أبواه (٩). وقيل: هو من الرحم والقرابة أي: أوصل للرحم (١٠).

стр. 1286

الكلبي: فبدلهما الله جارية فتزوجها نبي فولدت له نبياً فهدى الله به أمة من الأمم (١)، وقيل: ولدت سبعين نبينا أي: من نسلها (٢). ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافراً والإبدال والتبديل واحد (٣)، وقيل: التبديل مع بقاء الأصل والإبدال مع زواله (٤) وهذا لا يطرد. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ واسمهما أصرم وصريم (٥). ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ عن النبي ﷺ : " كان ذهباً وفضة" (٦). ابن عباس، ﵄: ما كان الكنز إلا علماً (٧). سعيد بن جبير: كانت صحفاً فيها علم (٨).

стр. 1287

وعن ابن عباس، ﵄ أيضاً والحسن: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: عجبٌ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبٌ لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبٌ لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبٌ لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبٌ لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله (١). وروي أيضاً هذا القول مروفعاً (٢). ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ واسمه كاشح (٣)، حُفِظَا بصلاح أبيهما، ولم يذكر فيهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به (٤) سبعة آباء وكان سيّاحاً (٥). ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: الحلم ووفور العقل وتدبير المعاش. ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ ويُخْرجا مالهما.

стр. 1288

﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: هو متصل باستخراج الكنز، وقيل: بفعله وتقديره فعلت ما فعلت. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ الهاء تعود إلى الكلّ، وقيل: إلى الجدار ومعنى عن أمري عن رأي وتدبيري. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأجوبة الثلاثة. ﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ حذف التاء تخفيفاً، ولما أراد موسى أن يفارقه قال له: أوصني بشيء. فقال له: كن نفاعاً ولا تكن ضراراً، إرجع عن الحاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولاتُعَيِّر أحداً بخطيئته يابن عمران. وذكر في الآية الأولى ﴿فَأَرَدْتُ﴾، وفي الثانية ﴿فَأَرَدْنَا﴾، وفي الثالثة ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ لأن الأولى في الظاهر إفساد فأسنده إلى نفسه، والثانية إفساد من حيث القتل إنعام من حيث التبديل فأسند إلى نفسه وإلى الله جميعاً، والثالثة إنعام محض فأسنده إلى الله . وقيل: لأن القتل كان من إزهاق الروح كان من الله . ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ قال قتادة: إن اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذي القرنين فأنزل الله هذه الآيات، وقد سبق (١) وقيل: يجوز أن يكون تعريفاً (٢) قبل السؤال أي سيسألونك عنه.

стр. 1289

والجمهور على أنه الاسكندر (١). وعن ابن عباس، ﵄ هو: عبدالله بن الضحاك (٢). وإنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الأرض المشرق والمغرب (٣). وقيل: لأنه ملك فارس والروم (٤). وقيل: كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة (٥). وقيل (٦): كان على رأسه قرنان أي ذؤابتان (٧). وهب: كان صفحتا رأسه من نحاس (٨)، وهذا قول كما تري وتسمع. السدي: كان له قرنان من ذهب. قال الشيخ ﵀ (٩) ولعله أراد كان يشرب منها كعادة الملوك، أو هو مثل قول وهب (١٠).

стр. 1290

وعن علي ﵁: أن الله بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربةً أخرى فمات فسمي ذا القرنين (١). وقيل: رأي في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس فأَخبر برؤياه فسمي ذا القرنين (٢). وقيل: كان كريم الطرفين (٣). وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من إليّاس وهو حي. وقيل: لأنه أُعطي علم الظاهر والباطن، وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور (٤). وقيل: لأنه كان يحارب بيده وركابه (٥). وقيل: كان رأسه كرأس الثور وسائر بدنه كالفرس، وهذه كبيرة حكاه النقاش في تفسيره (٦). واختُلِف فيه؛ فقيل: كان نبياً (٧). وقيل: كان ملكاً ملك الشرق والغرب (٨) ولم يملكهما إلا مسلمان سليمان وذو القرنين ﵉، وكافران نمروذ وبُخْتَ نَصَّر (٩).

стр. 1291

وقيل: كان مَلَكاً من الملائكة؛ فإنه روي عن عمر ﵁ أنه سمع رجلاً يقول لرجل يا ذا القرنين فقال: " أما ترضون أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة " (١)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن ذا القرنين مَلَكٌ مَسَحَ الأرض بالأسباب" (٢). ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ سأخبركم منه (٣) قيل: من الله (٤). وقيل: من ذي القرنين، ثم أخبر فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: مَكَنَّاهُ من التصرف فيها على حسب إرادته. ﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ أي: من كل شيء احتاج إليه سبباً وصلة وذريعة إلى المطلوب. وقيل: سبباً علماً (٥). الزجاج: السَّبَبُ: ما يتوصل به إلى الشيء (٦). وقيل: سبباً آلة (٧).

стр. 1292

﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ قيل: طريقاً بين المشرق والمغرب (١)، والسبب الطريق (٢)، وقيل: طريقاً ومسلكاً لفتح المدائن، وقيل: الأعداء (٣). وقيل: الثاني هو الأول أي: آتيناه سبباً فأتبعه (٤)، وهذا يستدعي الألف واللام ولعل حذفهما لروي الآية (٥). الحسن: آتيناه بلاغاً لحاجته فأتبع بلاغا لحاجته (٦). ابن الأبناري (٧): فأتبع سبباً: يقفأ الأثر (٨).

стр. 1293

إتَّبَع وأَتْبَع بمعنىً، وقيل بالقطع أدرك وبالوصل إتْبَع الأثر وإن لم يلحق (١) تقول العرب: أتْبَعَه حتى أتْبَعْته؛ الثاني: بالقطع (٢). أبو علي: بالوصل يتعدى إلى مفعول وبالقطع يتعدى (٣) على مفعولين، والثاني من الآية محذوف (٤).

стр. 1294

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ وهب: كان ذو القرنين رجلاً من الروم ابن عجوز من عجائزها ليس لها ولدٌ غيره، وكان اسمه بالعربية عمراً، وبالعبرانية اسكندر فلما بلغ وكان عبداً صالحاً قال الله له: ياذا القرنين إني باعثك إلى أمم من الأرض وهي أمة مختلفة ألسنتهم وهم في جميع الأرض (١)، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج؛ فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها: ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها يقال لها: منسِك (٢)، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في القطر الأيسر (٣) يقال لها: ياويل، وهو قوله ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: مازال يسير في البلاد ويفتحها حتى بلغ أقصى عمارة الأرض ورأى هناك ماءً عظيماً كدراً (٤). ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ذات حمأة، وقرئ حاميةٌ أي: حارة، ويجوز أن يكون من الأولى لينت همزتها (٥).

стр. 1295

وروي " أن معاوية (١) كان يقرأ القرآن فقرأ (في عين حاميةٍ) فقال ابن عباس، ﵄ إنما هو حمئة، فقال: معاوية لعبدالله ابن عمرو بن العاص (٢): كيف تقرأ القرآن؟ قال: كما قرءاتها يا أمير المؤمنين. فقال ابن عباس، ﵄: إنما نزل القرآن في بيتي. فأرسل معاوية إلى كعب أَيْن تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال كعب: إنا نجد في التوراة أنها تغرب في طين ذي حمأة، فأما العربية فأنتم أعلم بها، وأنشد (٣) رجل من اليمن في تقوية قول ابن عباس، ﵄: بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمرٍ من حكيم مرشد.

стр. 1296

فرأى مغار الشمس عند مغيبها ... في عين ذي خُلْبٍ (١) وَثَأطٍ (٢) حُرْمُد (٣). فقال ابن عباس، ﵄: ماالخُلْبُ؟ قال (٤): الطين. قال: فما الثَأْطُ؟ قال: الحمأة. قال: فما الحِرْمِد؟ قال: الأسود " (٥). فذهب بعض المفسرين إلى أنها تغرب في وسط العين، وأن الماء يفور كغليان القدر لولا أصوات أهل مدينة بالمغرب يقال له جابرسا (٦) لها اثنا عشر ألف باب لسمعتم وقع هدتها إذا وقعت (٧).

стр. 1297

وذهب المحققون من المفسرين إلى أنه ترائ له أن الشمس تغرب في ذلك الماء؛ وذلك أنه لم يكن في مطمح بصره شيء غير الماء فرأى الشمس كأنها تغيب فيه كما أن من في البحر (١) يظن أن (٢) الشمس تطلع من الماء وتغرب فيه، وكذلك من في المفازة يظن أنها تطلع منها وتغيب فيها، وكذا أصحاب الجبال والحقيقة بخلاف ذلك وإنما ذلك في مرأى العين (٣). ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين. ﴿قَوْمًا﴾ مدينة فيها قوم عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم مالفظه البحر، وكانوا كفاراً. ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ من قال كان نبيناً؛ قال: أَوحى الله إليه بهذا، ومن قال: لم يكن نبياً ففيه قولان: أحدهما: أوحى الله إلى نبي فأمره النبي به (٤). والثاني: كان إلهاماً وإلقاءً في القلب؛ وفي معناه قولان: أحدهما: إن شئت فاقتلهم، وإن شئت فاستبقهم بالإعراض عن تعذيبهم بالسيف وهو اتخاذ الحُسْن فيهم. الزجاج: هو أن يعظهم بلسانه ويهديهم ببيانه (٥).

стр. 1298

والثاني: إما أن تعذبهم بالسيف إن أصروا على أمرهم، وإما أن تتخذ فيهم حُسْناً بإكرامهم وتعليم شرائع الدين إن آمنوا. وقيل: العذاب القتل، واتخاذ الحُسْن الأسر (١). ﴿قَالَ﴾ أي: ذو القرنين. ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: كفر. ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أنا ومن معي بالقتل. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾ في القيامةلم يُعْهَد مثله. ﴿وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: جزاءً حسناته، وقريء بالنصب على تقدير: فله الحسنى جزاءً، أي: مجزية وهي: الجنة (٢). ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيما نأمره به. ﴿يُسْرًا (٨٨)﴾ معروفاً، وقيل: كلاماً حسناً (٣). وقيل: يستعمله على ما يتيسر له (٤)، وقيل: نأمره بطاعة الله مع إحساننا إليه (٥). ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ ابن عباس، ﵄: سلك طريقاً ومنازل (٦).

стр. 1299

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: حتى أتى مطلع الشمس (١)، وقيل: ثم سار من المغرب نحو المشرق حيث ظَنَّ الشمس تطلع منه، وقيل: حتى لم يبق بينه وبين مطلع الشمس أحد. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء وأنهم كانوا في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معاشهم وحروثهم (٢). الحسن: كانت أرضهم لا تحتمل البناء وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوروا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم (٣). وقيل: يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج فذلك طعامهم (٤). وقوله ﴿كَذَلِكَ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنه كان مأموراً فيهم بقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ كأصحاب مغرب الشمس. وقيل: اتخذ سبيلاً إلى المشرق كما اتخذ إلى المغرب سبيلاً قبله (٥). وقيل: كذلك قصصنا شأن ذي القرنين، ثم استأنف فقال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا﴾ (٦). وقيل: لم نجعل لهم ستراً كما جعلنا لأهل المغرب، وقيل: كما لم نجعل لهم سترا (٧).

стр. 1300

ومعنى ﴿أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ عَلِمْنَا بجيوشه وعدته وما كان منه لم يخف علينا شيء منها، و ﴿خُبْرًا﴾ نُصِبَ على المصدر لأن في ﴿أَحَطْنَا﴾ معنى خَبِرْنَا خبراً (١). ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾ ثم سار عرضاً. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي: المكان الذي بني فيه السدين؛ وهو بين جبلي أرمينية (٢) وأذربيجان (٣). وقيل: السَّدَّان: الجبلان مُنيفان من ورائهما يأجوج ومأجوج (٤).
следующие страницы →