← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

فرأى مغار الشمس عند مغيبها ... في عين ذي خُلْبٍ (١) وَثَأطٍ (٢) حُرْمُد (٣). فقال ابن عباس، ﵄: ماالخُلْبُ؟ قال (٤): الطين. قال: فما الثَأْطُ؟ قال: الحمأة. قال: فما الحِرْمِد؟ قال: الأسود " (٥). فذهب بعض المفسرين إلى أنها تغرب في وسط العين، وأن الماء يفور كغليان القدر لولا أصوات أهل مدينة بالمغرب يقال له جابرسا (٦) لها اثنا عشر ألف باب لسمعتم وقع هدتها إذا وقعت (٧).

стр. 1297

وذهب المحققون من المفسرين إلى أنه ترائ له أن الشمس تغرب في ذلك الماء؛ وذلك أنه لم يكن في مطمح بصره شيء غير الماء فرأى الشمس كأنها تغيب فيه كما أن من في البحر (١) يظن أن (٢) الشمس تطلع من الماء وتغرب فيه، وكذلك من في المفازة يظن أنها تطلع منها وتغيب فيها، وكذا أصحاب الجبال والحقيقة بخلاف ذلك وإنما ذلك في مرأى العين (٣). ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين. ﴿قَوْمًا﴾ مدينة فيها قوم عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم مالفظه البحر، وكانوا كفاراً. ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ من قال كان نبيناً؛ قال: أَوحى الله إليه بهذا، ومن قال: لم يكن نبياً ففيه قولان: أحدهما: أوحى الله إلى نبي فأمره النبي به (٤). والثاني: كان إلهاماً وإلقاءً في القلب؛ وفي معناه قولان: أحدهما: إن شئت فاقتلهم، وإن شئت فاستبقهم بالإعراض عن تعذيبهم بالسيف وهو اتخاذ الحُسْن فيهم. الزجاج: هو أن يعظهم بلسانه ويهديهم ببيانه (٥).

стр. 1298

والثاني: إما أن تعذبهم بالسيف إن أصروا على أمرهم، وإما أن تتخذ فيهم حُسْناً بإكرامهم وتعليم شرائع الدين إن آمنوا. وقيل: العذاب القتل، واتخاذ الحُسْن الأسر (١). ﴿قَالَ﴾ أي: ذو القرنين. ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: كفر. ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أنا ومن معي بالقتل. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾ في القيامةلم يُعْهَد مثله. ﴿وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: جزاءً حسناته، وقريء بالنصب على تقدير: فله الحسنى جزاءً، أي: مجزية وهي: الجنة (٢). ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيما نأمره به. ﴿يُسْرًا (٨٨)﴾ معروفاً، وقيل: كلاماً حسناً (٣). وقيل: يستعمله على ما يتيسر له (٤)، وقيل: نأمره بطاعة الله مع إحساننا إليه (٥). ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ ابن عباس، ﵄: سلك طريقاً ومنازل (٦).

стр. 1299

﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: حتى أتى مطلع الشمس (١)، وقيل: ثم سار من المغرب نحو المشرق حيث ظَنَّ الشمس تطلع منه، وقيل: حتى لم يبق بينه وبين مطلع الشمس أحد. ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء وأنهم كانوا في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معاشهم وحروثهم (٢). الحسن: كانت أرضهم لا تحتمل البناء وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوروا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم (٣). وقيل: يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج فذلك طعامهم (٤). وقوله ﴿كَذَلِكَ﴾ فيه أقوال: أحدها: أنه كان مأموراً فيهم بقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ كأصحاب مغرب الشمس. وقيل: اتخذ سبيلاً إلى المشرق كما اتخذ إلى المغرب سبيلاً قبله (٥). وقيل: كذلك قصصنا شأن ذي القرنين، ثم استأنف فقال: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا﴾ (٦). وقيل: لم نجعل لهم ستراً كما جعلنا لأهل المغرب، وقيل: كما لم نجعل لهم سترا (٧).

стр. 1300

ومعنى ﴿أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ عَلِمْنَا بجيوشه وعدته وما كان منه لم يخف علينا شيء منها، و ﴿خُبْرًا﴾ نُصِبَ على المصدر لأن في ﴿أَحَطْنَا﴾ معنى خَبِرْنَا خبراً (١). ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾ ثم سار عرضاً. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي: المكان الذي بني فيه السدين؛ وهو بين جبلي أرمينية (٢) وأذربيجان (٣). وقيل: السَّدَّان: الجبلان مُنيفان من ورائهما يأجوج ومأجوج (٤).

стр. 1301

السَّد بالفتح والضم لغتان، وقيل: ماكان من الله كالجبال والشِّعَاب فهو بالضم، وما كان من الآدمي فهو بالفتح، وقيل: ما كان خِلْقَةً بالضم وما كان من عمل الناس بالفتح (١). الحجة الفتح مصدر والضم اسم المسدود (٢). ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ لا يعلمون ولا يفقهون (٣). وقيل: لا يفقهون خيراً من شر ولا ضلالاً من هدى، وقيل: لا يعرفون غير لغتهم (٤)، ومن ضم فالمعنى: لا يُفْهِمون غيرهم، وقيل: يفهمون ويفقهون بعد مشقة (٥). ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ قال المترجم وفي مصحف ابن مسعود، ﵁" قال الذين من دونهم " (٦).

стр. 1302

﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهب في جماعة: هما رجلان من ولد يافث بن نوح (١). الضحاك: هم جيل من الترك (٢). كعب: هم نادرة من ولد آدم ﵇، لأنهم ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم ﵇ قال (٣) ذات يوم فاحتلم وامتزجت نطفته بالتراب فلما انتبه أسِفَ على ذلك الماء الذي خرج منه فخلق الله من ذلك الماء (٤) يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم (٥). وذكر محمد بن الهيصم (٦) في تنزيله أن اسم يأجوج: كمين، واسم مأجوج: مغمغ، قال: وهما ابنا يافث بن نوح (٧). ويأجوج ومأجوج اسمان عجميان، وعلة منع الصرف العجمة والتعريف، وقيل: إسمان عربيان مشتقان (٨) من أجيج النار، أو من أَجّ النعام (٩) إذا أسرع، والوزن يفعول

стр. 1303

ومفعول، ويحتمل مأجوج فيمن لم يهمز أن يكون من مَجَّ الماء من فيه، والعلتان التأنيث (١) والتعريف (٢)، وجُمِعَ كما جُمِعَا ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (٣). وروي (٤) عن ابن عمر ﵄ (٥) " إن الله جزأ الإنس عشرة أجزاء؛ فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج وسائر الناس جزء واحد " (٦).

стр. 1304

وقوله ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرضنا وبلادنا يأكلون رطب ما نبت فيها، ويحملون يابسها، ويقتلون من ينالون، ولا يموت واحد منهم حتى يلد ألفاً من صلبه وإن أتت مدة على ما نرى (١) من نمائهم فإنهم يملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها ويفسدون فيها (٢). ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ ذهب بعضهم إلى أن الخَرْج والخراج واحد، والأكثر على أن الخَرَاج على الأرض والذمة، والخَرْجُ المصدر. وقيل: الخَرْج الجُعْل والأَجر (٣)، والمعنى: هل نجعل لك عطية نخرجها إليك من أموالنا وتجعل بيننا وبينهم سداً مانتقي به الخرق، تقول: سددته فانسده (٤).

стр. 1305

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: ما أعطانيه سبحانه (١) من التمكين خير من عطيتكم. وقيل: تمكين الله ومعونته لي خير (٢) مما تعرضون عليّ من الأجر والجُعْل (٣). والضمير في ﴿فِيهِ﴾ يعود (٤) إلى السد المسؤول. وقيل: إلى مامكني أي: مامكني من المال والآلات خير مما تبذلونه (٥). ومن قرأ ﴿مَكَّنِّي﴾ بنونين فعلى الأصل ولأنهما غير لازمين، ومن أدغم فالاجتماع متماثلين (٦). ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ بآلة. مقاتل (٧): برجال (٨) أي: بقوة أبدانكم. ابن عيسى: بما أتقوى به على ما أريد (٩). ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾ سدًا متراكماً (١٠) بعضه على بعض من ردمت (١١)، وقيل: حجاباً شديداً (١٢). ﴿آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ قطع الحديد، والزُبْرة: القطعة الكبيرة، وجمعها زُبَر (١٣)،

стр. 1306

والمعنى: اتخذوها وأعدوها للسد. ومعنى ﴿آَتُونِي﴾ بالوصل: جيئوني بها فحذف الجار (١). ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ أي: فأُحْضِرَت؛ فأَمَرَ العَمَلَةَ بتنضيدها. ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وكان بينهما مائة فرسخ (٢)، فلما أخذ في بناء الردم حَفَرَ أساسه إلى أن بلغ الماء ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً (٣)، وقيل: جعل عرضه ميلاً وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب (٤)، ثم يصب عليه حتى صار المنضود منها مساوياً للصدفين، أي: جعل أحدهما في قدر الآخر. والصَّدَفَان جانبا الجبلين (٥). ابن عيسى: الصدفان: جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر لأنه من صدف أي: مال (٦)،

стр. 1307

(١)، والقراءات الثلاث لغات (٢). ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي: قال ذو القرنين للحَمَلَة: انفخوا في الأكوار، ويجوز في الحديد. ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي: المنفوخ فيه وهو الحديد. ﴿نَارًا﴾ كالنار بالإحماء. ﴿قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ أي: آتوني قطراً (٣) وهو: النحاس المذاب. ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ أَصب عليه كصب الماء (٤)، وهو نصب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾ لأنه أقرب العاملين ويجوز أن ينتصب بآتوني. والقِطْر: النُّحَاس (٥) المذاب. وقيل: الحديد المذاب (٦)، قال: حُسامٍ كَلَوْنِ المِلْح صَافٍ حَدِيُده ... جُزَارٍ من أقطار الحديد المثقب (٧).

стр. 1308

وقيل: القِطْرُ الرصاص (١)، فاختلطا ولصق بعضها ببعض حتى صار جبلاً كأنه بُرْدٌ مُحَبَّر (٢). ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوا السد. ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ لم يقدروا أن ينقبوه من تحته، من شَدّدَ أدغم التاء في الطاء، ومن خَفَّفَ حذف التاء تخفيفا (٣). وقريء في الشواذ (فما اسطاعوا) بالقطع وهو مروي عن العرب ووزنه نستفعل والسين زيادة وليس له نظير (٤). ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: فلما فرغ من بناء السد وجاء كما أحب ذو القرنين قال: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ (٥) أي: هذا العمل نعمة من الله علي وعلى من خاف معرة يأجوج ومأجوج.

стр. 1309

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ وهو قوله (١) ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ الآيات [سورة الأنبياء: ٩٦]، وكان الله أخبره بذلك (٢) أي: جعله مدكوكاً، من قوله ﴿وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، وقيل: جعله كسراً (٣)، وقيل: جعله ملصقاً بالأرض (٤). قتادة: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: الجبلين أي: ما بينهما (٥)، ومن مد (٦) شبهه بناقة دكاء أي: لاسنام لها (٧).

стр. 1310

روى أبو هريرة ﵁ (١) عن النبي ﷺ " أن يأجوج ومأجوج يحفرون الرَّدْم كل يوم حتى يرو شعاع الشمس من الجانب الآخر، فيقول الذي عليهم: ارجعوا فستخرجون غداً، فيعيده الله كأشد ما كان إلى حين يريد الله خروجهم فلا يُعيده فيخرجون على الناس، فيشربون المياه كلها حتى لا يبقى منها بقية ويتحصن الناس منهم في حصونهم ويقتلون من يدركون، فإذا لم يروا أحداً رموا بسهامهم نحو السماء فيعود عليهم كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فبعث الله تعالى نَغَفَاً (٢) عليهم في أقفيتهم فيقتلهم، فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم " (٣).

стр. 1311

﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ أي: كائناً. يجوز أن يكون من تمام كلام ذي القرنين (١)، ويجوز أن يكون استئناف من الله. ﴿* وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: عن ابن عباس، ﵄: أنه ترك يأجوج ومأجوج (٢) يموج بعضهم في بعض (٣)، قال: وفي الآية تقديم وتأخير أي: ساوى بين الصدفين. ﴿* وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الزجاج أي: تركهم يموجون متعجبين من السد، فيجوز أن يكون ليأجوج ومأجوج، ويجوز أن يكون للذين اجتمعوا للسد (٤). وقيل: أنه ترك يوم بنى ذو القرنين السد بعض يأجوج ومأجوج خارج السد لا حاجز بينهم وبين سائر بني آدم أي: يختلطون بسائر الناس قال: وهم الذين يعرفون بالترك، وسموا تُرْكاً لترك ذي القرنين إياهم مع الناس لأنه لم يَخَفْ منهم ماخاف من معظمهم (٥) وقيل: هذا بعد (٦) خروج يأجوج ومأجوج لا يمنعهم الله عن الناس بل يتركهم يموجون في الناس أي: يختلطون ويفسدون فيهم (٧). ابن جريج: ينسف الله الجبال فيزول السد (٨). وقيل: يموج الإنس في الجن والجن في الإنس (٩).

стр. 1312

وقيل: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ متصل بكلام ذي القرنين (١). ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ أي: لقيام الساعة (٢). ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ والصُّورُ: شيء ينفخ فيه، وهو كلام الجمهور، (٣). الحسن (٤)، وقتادة (٥)، وأبو عبيدة (٦): جمع صورة (٧).

стр. 1313

وقيل: هو مثَلَ كقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] (١). ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾ يعني: جميع الخلائق للثواب والعقاب جمعاً، وتأكيد. ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ أي: أظهرناها لهم قبل أن يدخلوها زجراً وتهويلاً. ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ في غشاوة لا يعتبرون بآياتي فيذكروني بالتوحيد، وقيل: يريد عيون القلوب (٢)، كقوله ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ أي (٣): استماع القرآن استثقالاً للقرآن ومقتاً للنبي. وقيل: لا يسمعون أصلاً (٤). وقيل: حُجِبُوا من السمع إذا آذوا رسول الله ﷺ ، من قوله ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا﴾ الآية [الإسراء: ٤٥] (٥). ويحتمل (٦) أن قوله ﴿أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ معناه لايقرؤن من المكتوب. ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ ممن يَقْرأ عليهم. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ استفهام إنكار، أي: أَفَظنّ الكفار اتخاذهم عبادي يعني الملائكة وعيسى ﵈ أولياء نافعهم بئس ما ظنوا.

стр. 1314

والمفعول الثاني محذوف وهو نافعهم، وقيل: تقديره: أفظنوا أن يتخذوهم أولياء دوني ثم لا أعذبهم كلا، ودَلَّ على العذاب قوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ (١). وقيل: تقديره أظنوا أن يتخذوا الملائكة والجن أرباباً فينفعهم، وقيل: تقديره أفظنوا أنهم مع كفرهم يواليهم بالنصره والمعونه أحدٌ من عبادي المخلصين كلا فإن عبادي يعادون الكفار (٢). ومن قرأ" أفَحَسْبُ الذين" بالرفع جعله مبتدأ و ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ خبره (٣). وقوله ﴿نُزُلًا﴾ (٤) أي: منزلاً. وقيل: مأكولاً معدًا لهم كما يُعد للضيف (٥). وقيل: جمع نازل ونصبه على الحال (٦)، ويريد بجهنم ما بينها من الزقوم والغسلين وغير ذلك.

стр. 1315

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ جاء في التفسير: أنهم اليهود والنصارى (١). وعن علي ﵁: أنهم القسيسون والرُّهْبان أتعبوا أنفسهم وحبسوها في الصوامع (٢). وعن علي ﵁ أيضاً الخوارج (٣)، (٤). وقيل: أهل الأهواء (٥).

стр. 1316

وقيل: كل من دان بدين غير الإسلام فهو من الأخسرين أعمالاً في الآخرة (١). والأَخْسَر: من أتعب نفسه طلباً للنجاة فيؤديه إلى النار، والخُسْرَان ضد الربح. و﴿أَعْمَالًا﴾ نصب على التمييز والقياس أن يكون مفرداً لكنه جمع لاختلاف أجناس الأعمال أي: خسروا فيها كلها. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بطل عملهم لأنهم قاموا بأحكام كتابهم فلما كفروا بمحمد ﷺ حبطت أعمالهم فلا يثابون عليها. ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ أي: يحسبون أنهم على الحق. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآن، وقيل: الأدلة (٢). وقيل: كتبهم (٣). ﴿وَلِقَائِهِ﴾ أي: بالبعث والنشور، وقيل: ولقاء ما وعدهم (٤). وقيل: بجزاء أعمالهم (٥). واللقاء: قُرْبُ الشيء من الشيء من غير فصل (٦). ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فبطلت أعمالهم الصالحة أي: لا يثابون عليها. ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ لا نثقل موازينهم بأعمالهم. وقيل: لا يكون لهم منزلة ولا جاه، من قولهم: لا وزن لفلان عند الناس (٧). وقيل: لا يعتد بهم (٨).

стр. 1317

﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ أي: الأمر ذلك. ابن جرير: ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى أولئك، أي: أؤلئك جزاؤهم جهنم (١). وقيل: ذلك الاستخفاف لهم وهو أن لا يُجْعَل لهم وزن (٢). ويحتمل أن ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ وخبره و ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ اعتراض بينهما، ومعنى الآية: جزاؤهم العذاب بكفرهم واستهزائهم برسل الله وآياته. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ معنى ﴿كَانَتْ﴾ ههنا سبق لهم وعد الله بها. و﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: البستان يجمع الكرم والنخل، وقد سبق. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " الجنة مائة درجة ما بين كل درجة مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، منها يتفجر الأنهار والفردوس من فوقها، فإذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس وفوقها عرش الرحمن " (٣). قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها (٤). كعب: هو اسم جنة من الجنان ما فيها أعلى منه، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر (٥). السدي: النَّبَط (٦)

стр. 1318

يسمون العنب فردوساً (١). ﴿نُزُلًا (١٠٧)﴾ سبق. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ تحولاً، وقيل: بدلاً (٢). قطرب: الحول الحيلة، أي: لا يطلبون حيلة لينقلوا إلى غيرها لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وما لم يخطر بقلب بشر (٣). ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ في سبب النزول، قال ابن عباس، ﵄: " قالت اليهود لما قال لهم النبي ﷺ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالوا (٤): كيف وقد أُوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ " (٥) يريد البحر المحيط. والمداد: ما يكتب به (٦). أبو عبيدة: يجوز أن يكون مصدر ماددته مداداً (٧). السدي: يريد بالكلمات نعيم الجنة ونعمتها (٨).

стр. 1319

مجاهد: معلوماته (١). وقيل: معناه كلمات الله لا يلحقها الإحصاء إذ لا نهاية لها. والكلمات هي: ما وعد الله أهل الجنة من الثواب والكرامة وأهل النار من العقاب (٢). وقيل: كما أن الله تعالى غير متناهي فكلامه غير متناهي، لأنه متكلم به أبداً سرمداً (٣). وقيل: متى شاء تكلم به (٤). وقيل: كلمات الله ذكر ما خلق وما يخلق (٥). وقيل: لما قص عن الخضر وعن ذي القرنين ذكر بعدها ما يدل على أن عجائب الله عظيمة كثيرة لا يأتي عليها مداد البحر وأقلام الأرض، وتقدير الآية: لو كان البحر مداداً لكلمات ربي وكتبت به ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ قبل نفادها. ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ بمثل البحر. ﴿مَدَدًا (١٠٩)﴾ زيادة على البحر. وقرئ في الشواذ "مداداً " (٦).

стр. 1320

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في سبب النزول عن ابن عباس، ﵄: " أنها نزلت في جندب بن زهير (١) وذلك أنه قال: إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني. فقال ﷺ : " إن الله طيبٌ لا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه" فأنزل الله هذه الآية (٢). وقال طاووس (٣): " قال رجل يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني فأنزل الله هذه الآية " (٤). مجاهد: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لاتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني وأُحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت ولم يقل شيئاً فأنزل الله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية " (٥). قل يا محمد إنما أنا بشر مثلكم يعني: آدمياً. ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: المستحق للعبادة هو وحده لا يتصف غيره بوصفه. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يطمع ثواب ربه. الزجاج: يرجوا صالح المنقلب عند ربه (٦).

стр. 1321

مقاتل: يخاف (١)، وقيل: إنما يأتي يرجوا بمعنى الخوف في النفي (٢). ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خالصاً، أي: فليكثر من العمل الصالح وهو الطاعة لله. ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ لا يُراءي، وهو نهي عن الرياء. وقال رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج الدجال في تلك الثمانية عصمه الله من فتنة الدجال، ومن قرأ الآية التي في آخرها ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلى آخره حين يأخذ مضجعه كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه، وإن كان مضجعه بمكة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى بيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يُصلون عليه ويستغفرون له (٣) حتى يستيقظ " (٤).

стр. 1322

سورة مريم

стр. 1323

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وإياك أسأل التوفيق قال الشيخ الإمام برهان الدين سعد الإسلام تاج القراء أبو القاسم محمود بن حمزة قدس الله روحه (١). سورة مريم ثمان وتسعون آية (٢) مكية (٣)، و (٤) قيل: مكية إلا آية السجدة (٥). ﴿كهيعص (١)﴾ وقد (٦) ذكرتُ فيما سبق ما قاله المفسرون في حروف التهجي الواقعة أوائل السور (٧)، وقرأت في بعض التفاسير أن هذه الحروف من حساب الجُمل، وهي تدل على مدة بقاء الإسلام، والمدة ستمائة سنة وثلاثة وتسعون سنة ثم تقوم القيامة (٨)، وهذا ضعيف بل باطل من ثلاثة أوجه:

стр. 1324

أحدها: أن هذا دعوى علم يوم القيامة والله تعالى (١) يقول: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]. والثاني: أن حساب الجُمل لا تعرفه العرب والله تعالى (٢) يقول ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، و ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. والثالث: أنه أخذ حساب الحروف غير مكررة ولو أخذ حسابها مكررة لوجدها أضعافاً. وذهب بعض المفسرين إلى أنه اسم من أسماء الله (٣). وقيل: إنه الاسم الأعظم (٤). وروي عن علي ﵁ أنه كان يحلف بـ ﴿كهيعص (١)﴾ وكان يدعوا ويقول في دعائه: " يا ﴿كهيعص (١)﴾ (٥) ". وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكر أنه اسم من أسماء الله. والثاني: أنه صفات الله، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الكاف من كافٍ" (٦). وقيل: من كريم (٧).

стр. 1325

وقيل: من كبير، والهاء من هاد (١). ولم يُرَو عن ابن عباس ﵄، في الياء شيء لأنه لم يأت في أسماء الله ما في (٢) أوله ياء. وعن غيره: الياء من يمين (٣)، وقيل: من عليم. وقيل: من حكيم (٤). وقيل: من قولهم: "يا من يجير ولا يجار عليه"، قاله الربيع بن انس (٥)، (٦). والعين من عليم، وقيل: من عزيز (٧). وقيل: من عدل (٨). والصاد من صادق (٩). وقيل: هو اسم للقرآن (١٠).

стр. 1326

وقيل: اسم للسورة (١). ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ أي: هذا ذكر ربك عبده بالرحمة فيكون الرب فاعل الذكر و ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعوله (٢). وقيل: رحمة ربك عبده، فيكون الرب فاعل الرحمة وعبده مفعولها والرحمة مفعول الذكر، ويجوز أن يكون الذكر مضافاً إلى الرحمة وهي فاعلة وعبده مفعولها كما تقول: ذكري جود زيد. وقيل: الرحمة صلة وزكريا بدل عن العبد (٣). وقرئ في الشواذ (٤) (عبدُه) بالرفع (٥) فيكون فاعل الذكر. ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ دعاه دعاءً سراً كما هو المأمور في قوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقيل: رفع صوته فأخفاه عن القوم (٦). ابن عيسى: النداء: الدعاء على طريقة يافلان (٧). وقيل: نداءً خفياً لايدخله رياء (٨). وقيل: لأنه (٩) استحى من (١٠) القوم أن يسأل الله الولد على كبر السن من امرأة عاقر (١١). وقيل: دعاه في وسط الليل (١٢). وقيل: علم أن رفع الصوت وخفضه عند الله سواء وفي الخفض خضوع فاختاره (١٣).

стр. 1327

﴿إِذْ نَادَى﴾ ظرف للذكر، وقيل: للرحمة، وقيل: ظرف لقال بعده، ويحتمل أنه خبر المبتدأ، والمبتدأ (١) قوله ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ هذا تفسير الدعاء ومعناه ضَعُفَ بدني لكبر سني، والواهِنة: الضعف، وكان له سبعون سنة (٢). وقيل: وهن بمعنى: وَهِيَ، تقول: وَهَنَ يَهِنُ ووَهِنَ يَوْهَنُ ووَهِنَ يَهِنُ (٣)، وخص العظم بالذكر لأنه أقوى ما في الإنسان، ويحتمل أن المراد بالعظم الأسنان (٤). ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فشا في رأسي المشيب اشتعال النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شُعُلاً. وقيل: الاشتعال انتشار شُعَاع النار أي: اشتعل الشيب فيه اشتعال شعاع النار (٥). وقيل: هاج الشيب فيه (٦). وفي نصبه قولان: أحدهما: التمييز لأن اشتعال الرأس مبهم لا يدرى مم اشتعل.

стр. 1328

وقيل: انتصابه على المصدر لأن اشتعل بمعنى شاب، ويحتمل أنه من باب تفقأت الدابة شحماً (١) لأن تقديره: واشتعل شيب الرأس، وقيل: من شيب وبِشَيْبٍ فنصب بنزع الخافض وفيه بُعد (٢). ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ أي: كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيداً به غير شقي فيه، والسعادة: إدراك الخير، والشقاوة: حرمانه. وقيل: بدعائك إياي، وقيل: من دعاك مخلصاً فَوَحّدَك وَعَبَدَك لم يكن بعبادتك شقياً (٣). ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ يعني العَصَبَة، وقيل: بني العم (٤). وقيل: الكلالة (٥). ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ من بعدي، وقيل: من حولي، حكاه محمد بن الهيصم (٦). إني خفت أن يكونوا هم يرثون مالي من بعدي.

стр. 1329

قتادة قال: روي أن رسول الله ﷺ قال: " رحم الله زكريا ماكان عليه من ورثة " (١). وقيل: خاف أن يُفْسِدوا بعده في دين الله (٢). وقيل: خاف أن يرثه غير الولد (٣). وقرئ (خَفَّتِ الموالي من ورائي) (٤) أي: ماتوا وذهبوا، ويحتمل خِفْتُ فوات الموالي من ورائي قبل موتي فهب لي ولياً يبقى بعدي سأل، ولداً يرثه علمه ويجري في دين الله على سنته. ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لاتلد، وإنما ذكر امرأتي عاقراً لأنه سأل الله إزالة العلة عنها لتحبل. ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ من قدرتك وفضلك. ﴿وَلِيًّا (٥)﴾ ابناً يلي أمرك بعدي. ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾ من رفع جعله وصفاً لولي ومن جزمه جعله جواباً للأمر (٥)،

стр. 1330

و (وليّ) عام وضع موضع الخاص، أي: ولياً وارثاً يرثني ويرث من آل يعقوب. قيل: المال (١) كما سبق وفيه ضعف لقوله ﷺ : " إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه " (٢). وقيل: يرثني النبوة (٣)؛ وهذا أيضاً فيه كلام لأن النبوة ليست بالوراثة ولو كانت بالوراثة لكنا جميعاً أنبياء لأن آدم ﵇ كان نبياً بالإجماع، ويحتمل أن التقدير: ولياً بهذه الصفة أي: ولداً نبياً، وباب السؤال والدعاء مفتوح. ﴿وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾ قيل: النبوة (٤). وقيل: المال (٥). وقيل: يعقوب هذا ليس يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وإنما هو يعقوب بن ماثان (٦) وكانت امرأة زكريا أخت مريم بنت عمران بن ماثان. مجاهد: يرثني علمي ويرث من آل يعقوب النبوة (٧).

стр. 1331

الضحاك: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النسب والعلم (١). ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ قيل: مرضياً ترضاه (٢). وقيل: تقياً (٣). وقيل: راضياً بحكمك (٤)، فأجاب الله دعاءه وقال ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ تولى الله تسميته تشريفاً له. ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ أي لم يسم أحد بيحيى قبله (٥). ابن عباس ﵄: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: مثلاً وشبيهاً لأنه لم يعص ولم يُهِم بمعصية قط (٦). وقيل: في كونه حصوراً (٧). وقيل: لم تلد العواقر مثله (٨). وقرأت في بعض التفاسير ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾ لزكريا. ﴿مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ ولداً، والعرب تسمي الولد سمياً، حكاه النقاش في تفسيره (٩). وسمي يحيى لأنه يحيى به دين الله، وقيل: لأن رحم أمه حي به (١٠). وقيل: هذا على الضد أي: يموت كالمفازة والسليم.

стр. 1332

وقيل: لأن الله أحياه من بين ميتين في حكم الولادة (١). وقيل: لأنه أستُشْهِد والشهداء أحياء، وقيل: اشتق من يا حي، حكاه النقاش (٢). ويحتمل أنه اسم أعجمي (٣) وهو الأظهر (٤)، فلما بشرته (٥) الملائكة به ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: من أين يكون لي الولد ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد. ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ نهاية أي: صرت قحل العظام يائساً، تقول: عتا يعتوا عتواً وعُتِياً إذا بلغ في سن أو كفر وكذلك عسياً (٦). الحسن: معناه: أصبت شدته (٧)، وإنما سأل بعد علمه بأن الله قادر على ذلك لما دخله من السرور فاستعجل معرفة كيفية ما بشر به قبل وقوعه، والسؤال وقع عن جائزين عنده، أحدهما: أن يعيده وامرأته شابين أم على هيئتهما. والثاني: أن يقويه على المجامعة وامرأته على علوق الولد. وقيل: استعلام أمن زوجته العاقر أم ينكح غيرها! (٨).

стр. 1333

﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: الأمر كما قيل لك، وقيل: تقديره كما أنتما أي على الحال التي أنتما عليه، وقيل: تقديره: كذلك قال ربك، يعني: كما قيل لك. ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: إعطاء الولد على هذه الحالة منكما. ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ سهل. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ بل كنت معدوماً. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً﴾ أي: علامة أعرف بها حبل امرأتي، وهذا السؤال أيضاً لفرط فرحه بما بشر به. ﴿قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ أي: آية ذلك ألا تقدر (١) على مكالمة الناس من غير بُكم ولا خَرس ثلاث ليالي مع أيامها مستوي الأعضاء لا لمرض ولا خلل بك. وعن ابن عباس ﵄ " ثلاث ليال متتابعات " (٢) جعله وصفاً لثلاث. وقيل: ربا لسانه في فيه فلم يقدر على كلام ثلاثة أيام عقوبة على السؤال (٣)، وقد سبق في آل عمران (٤). ابن بحر: تعبده الله بالسكوت (٥) عن جميع الأمور إلا عن التسبيح والتهليل؛ وقال: المراد بالآية الفرض كقوله ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١] أي: فرائض (٦). وقيل: رأى في المنام أن بشر بالولد فسأل الله حقيقة الرؤيا (٧).

стр. 1334

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ من المصلى، وقيل: نزل من الغرفة، والمحراب أشرف موضع في البيت (١). ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أومئ برأسه ويديه (٢)، وقيل: كتبه على الأرض، وكان إذا أراد أمراً كتب لهم كتاباً (٣)، والوحي الكتابة. ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ قيل: صلوا (٤)، والسبحة الصلاة (٥)، وقيل: يريد به التسبيح والتهليل (٦)، والبُكْرَة: الغداة مشتقة من التقدم (٧). والعشي مشتق من الظلمة (٨).

стр. 1335

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة (١)، وقيل: ما كان يوحى إليه (٢). ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة يريد غاية ما تقوى عليه وتطيقه واحمل الناس على العمل بما فيه. ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ أي: الحكمة كالقل والقلة. وقيل: الحكم: الفهم بكتاب الله (٣). وقيل: كان يقوم بالأحكام في حال طفولته (٤). الحسن: الحكم النبوة (٥). ابن عباس ﵄: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبياً (٦). ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، وقيل: رحمة لأبويه، وقيل: تحية (٧). والحنان: العطف والشفقة، يقال: حنانك يا ذا الحنان أي: ارحم يا رحيم وقد يثنى في الدعاء، قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أَهْوَنُ من بعضِ (٨)
следующие страницы →