← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الضحاك: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النسب والعلم (١). ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ قيل: مرضياً ترضاه (٢). وقيل: تقياً (٣). وقيل: راضياً بحكمك (٤)، فأجاب الله دعاءه وقال ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ تولى الله تسميته تشريفاً له. ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ أي لم يسم أحد بيحيى قبله (٥). ابن عباس ﵄: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: مثلاً وشبيهاً لأنه لم يعص ولم يُهِم بمعصية قط (٦). وقيل: في كونه حصوراً (٧). وقيل: لم تلد العواقر مثله (٨). وقرأت في بعض التفاسير ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾ لزكريا. ﴿مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ ولداً، والعرب تسمي الولد سمياً، حكاه النقاش في تفسيره (٩). وسمي يحيى لأنه يحيى به دين الله، وقيل: لأن رحم أمه حي به (١٠). وقيل: هذا على الضد أي: يموت كالمفازة والسليم.

стр. 1332

وقيل: لأن الله أحياه من بين ميتين في حكم الولادة (١). وقيل: لأنه أستُشْهِد والشهداء أحياء، وقيل: اشتق من يا حي، حكاه النقاش (٢). ويحتمل أنه اسم أعجمي (٣) وهو الأظهر (٤)، فلما بشرته (٥) الملائكة به ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: من أين يكون لي الولد ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد. ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ نهاية أي: صرت قحل العظام يائساً، تقول: عتا يعتوا عتواً وعُتِياً إذا بلغ في سن أو كفر وكذلك عسياً (٦). الحسن: معناه: أصبت شدته (٧)، وإنما سأل بعد علمه بأن الله قادر على ذلك لما دخله من السرور فاستعجل معرفة كيفية ما بشر به قبل وقوعه، والسؤال وقع عن جائزين عنده، أحدهما: أن يعيده وامرأته شابين أم على هيئتهما. والثاني: أن يقويه على المجامعة وامرأته على علوق الولد. وقيل: استعلام أمن زوجته العاقر أم ينكح غيرها! (٨).

стр. 1333

﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: الأمر كما قيل لك، وقيل: تقديره كما أنتما أي على الحال التي أنتما عليه، وقيل: تقديره: كذلك قال ربك، يعني: كما قيل لك. ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: إعطاء الولد على هذه الحالة منكما. ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ سهل. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ بل كنت معدوماً. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً﴾ أي: علامة أعرف بها حبل امرأتي، وهذا السؤال أيضاً لفرط فرحه بما بشر به. ﴿قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ أي: آية ذلك ألا تقدر (١) على مكالمة الناس من غير بُكم ولا خَرس ثلاث ليالي مع أيامها مستوي الأعضاء لا لمرض ولا خلل بك. وعن ابن عباس ﵄ " ثلاث ليال متتابعات " (٢) جعله وصفاً لثلاث. وقيل: ربا لسانه في فيه فلم يقدر على كلام ثلاثة أيام عقوبة على السؤال (٣)، وقد سبق في آل عمران (٤). ابن بحر: تعبده الله بالسكوت (٥) عن جميع الأمور إلا عن التسبيح والتهليل؛ وقال: المراد بالآية الفرض كقوله ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١] أي: فرائض (٦). وقيل: رأى في المنام أن بشر بالولد فسأل الله حقيقة الرؤيا (٧).

стр. 1334

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ من المصلى، وقيل: نزل من الغرفة، والمحراب أشرف موضع في البيت (١). ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أومئ برأسه ويديه (٢)، وقيل: كتبه على الأرض، وكان إذا أراد أمراً كتب لهم كتاباً (٣)، والوحي الكتابة. ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ قيل: صلوا (٤)، والسبحة الصلاة (٥)، وقيل: يريد به التسبيح والتهليل (٦)، والبُكْرَة: الغداة مشتقة من التقدم (٧). والعشي مشتق من الظلمة (٨).

стр. 1335

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة (١)، وقيل: ما كان يوحى إليه (٢). ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد وعزيمة يريد غاية ما تقوى عليه وتطيقه واحمل الناس على العمل بما فيه. ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ أي: الحكمة كالقل والقلة. وقيل: الحكم: الفهم بكتاب الله (٣). وقيل: كان يقوم بالأحكام في حال طفولته (٤). الحسن: الحكم النبوة (٥). ابن عباس ﵄: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبياً (٦). ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، وقيل: رحمة لأبويه، وقيل: تحية (٧). والحنان: العطف والشفقة، يقال: حنانك يا ذا الحنان أي: ارحم يا رحيم وقد يثنى في الدعاء، قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أَهْوَنُ من بعضِ (٨)

стр. 1336

وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: " ما أدري ما الحنان " (١). ابن الأعرابي (٢)، عن المفضل بن محمد: حناناً رزقاً (٣). ﴿وَزَكَاةً﴾ طهارة وصلاحاً فلم يعمل بذنب. الكلبي: صدقة تصدق الله بها على أبويه (٤). وقيل: بركة ونماء (٥). ابن عيسى: جعلناه زكاة لمن قبل منه أي: ذا طهارة (٦). ونصب ﴿حَنَانًا﴾ و ﴿وَزَكَاةً﴾ عطفاً على الحكم، وقيل: نصب على المفعول له. ﴿وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ مخلصاً مسلماً مطيعا. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: باراً بهما لا يعصيهما. والبِرُّ: الحب، وقيل: الإسراع إلى الطاعة والمبالغة في الخدمة؛ تقول: بررت والديَّ أبرهما (٧). ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قتالاً متكبراً.

стр. 1337

الكلبي: الجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب (١). ﴿عَصِيًّا (١٤)﴾ عاصياً لربه. ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ أي: سلام له منا حين ولد. ابن جرير: الأمان من الله له يوم ولد من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم، وأمان له من فتّاني القبر وأمان له منه الفزع الأكبر (٢). ابن عيينة (٣): أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم القيامة فيرى نفسه في هول عظيم، فأكرم الله يحي فيها وخصه (٤). وذكر المفسرون أن يحي وعيسى ﵉ التقيا فقال يحي لعيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال عيسى: ليحي استغفر لي فأنت خير مني أنا سلمت على نفسي وسلم عليك الله ولا يعرف فضل ذلك إلا الله (٥). ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ من أمه واسمها أيلشفع، حكاه النقاش (٦). ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ في الآخرة. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ في القرآن، وقيل: من القرآن (٧).

стр. 1338

﴿مَرْيَمَ﴾ قصتها وقصة ابنها عيسى ﵇، ومريم اسم عجمي، وقيل: عربي (١) قال الشاعر: قلت لزير لم تصله مريمه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢) وهي التي تغازل الرجال. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ تباعدت وقعدت نُبْذَة أي: متباعدة لازم نبذ وهو الطرح. ﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ تقابل المشرق تستدفئ بالشمس. وقيل: مشرقة دارها (٣). قتادة: شرقياً شاسعاً بعيداً (٤). قيل: ومن ثم اتخذ النصارى المشرق قبلة لأنه ميلاد عيسى (٥). ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ قيل: استترت (٦)، بجبل (٧). وقيل: بجدران (٨). وقيل: جعلت بينها وبين أهلها حجاباً يسترها لتغتسل وراءه (٩).

стр. 1339

قتادة: اتخذت قبل المشرق مسجداً فتوارت منهم واعتزلت لعبادة ربها (١). ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ جبريل، وأضافه إليه سبحانه تشريفاً له، وقرأ أبو حيوة (٢) (رَوَّحْنَا) بالتشديد، وفسره ابن مهران (٣) أنه اسم جبريل (٤). ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ أي: تشبه وظهر لها في صورة رجل معتدل القامة والخلقة. وقيل: مساوياً لخلقة أشخاص البشر (٥). قال: أبي بن كعب ﵁: " لما أخذ الله من آدم ذريته كانت روح عيسى ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ ميثاقها، فأرسلها الله إلى مريم في صورة بشر فتمثل لها فحملت الذي خاطبها وهو روح عيسى ﵇ " (٦).

стр. 1340

﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ لما رأت جبريل في صورة شاب خُيِّلَ إليها أنه طالب فساد، فاستعاذت، أي: ألتجئ إلى الله وأسأله أن يعيذني مما أخاف من جهتك. ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ أي: مسلماً مطيعاً لله، وجزاء الشرط محذوف تقديره: فاخرج عني. الزجاج: فستتعظ بتعويذي بالله منك (١). وقيل: فلا تتعرض لي. وقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) أي: ما كنت تقياً بدخولك علي ونظرك إلي. وقيل: إن (٢) ﴿تَقِيًّا﴾ أسم رجل كان من أمثل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي فإني أعوذ بالرحمن منك، كيف يكون رجل أجنبي وامرأة أجنبية في حجاب واحد، حكاه الثعلبي (٣). وقيل: إن تقياً اسم رجل كان يتعرض للنساء وكانت سمعت مريم بقصته وفساده (٤). وقيل: إن ﴿تَقِيًّا﴾ تَرِبٌ (٥) لها يقال له يوسف من خَدَمِ بيت المقدس أتاها جبريل على صورته فظنت أن الشيطان استزله فتعرض لمريم فقالت: إن كنت من أظنه فإني أعوذ بالرحمن منك، حكاه ابنِ مهرَيزُد (٦)، (٧).

стр. 1341

﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ أجابها جبريل فقال: لست الذي تخافينه إنما أنا رسول من الله إليك ليهب ربك وقرئ (لأَهَبَ) (١). وله ثلاثة أوجه: أحدها (٢): أنه أسند إلى السبب والواهب هو الله سبحانه، أي: أنفخ في جيبك فيخلق الله من النفخة في بطنك غلاماً زكياً (٣). وقيل: معناه أرسلني بهبته إليك. وقيل: تقديره: إنما أنا رسول ربك قال ربك لأهب، وإضمار القول كثير (٤). و﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ طاهراً من الذنوب، وقيل: نامياً على الخير (٥). ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف ومن أين؟ . ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لم يباشرني زوج بالنكاح. ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ فاجرة تتعاطى (٦) الزنا، والولد يكون من أحد هذين، وفي حذف الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أن وزنه فعول، وفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. والثاني: أن لفظ البغي خاص في النساء فصار كالحائض والطالق وإنما يقال للرجل باغٍ. والثالث: فعيل بمعنى مفعول كعين كحيل ولحْيَةٍ دَهِين. وقيل: شذ كأخواته من قوله

стр. 1342

﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] و ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] و ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٢٧]. وحذف النون من (أك) تخفيفاً، وقد سبق. ﴿قَالَ﴾ أي: جبريل. ﴿كَذَلِكِ﴾ أي: الأمر كما قلت لم يمسسك رجل لا بالنكاح ولا بالسِّفَاح، وقيل: كذلك (١). ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ أي: هكذا قال ربك، ويحتمل أن يكون معنى (كذلك) أي: كما أنت يكون (٢) لك الولد من غير مسيس بشر. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: إعطاء الولد من غير أب علي سهل. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: الولد من غير مسيس آية للناس علامة على قدرتنا وتفضيلاً لكِ على سائر النساء. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ نعمة منا على الخلق يهتدون به. ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ تقدم قضاء الله وحكمه به، وقيل: مقضياً في اللوح المحفوظ (٣). قوله ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ عطف على قوله (ليهب)، ومذهب أبي حاتم (٤)، والمبرد أنه الاستئناف، واللام لام القسم كُسِرَ لما لم يصحبه النون، ويحتمل ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ فعلنا ما فعلنا (٥).

стр. 1343

﴿* فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: دنا جبريل منها فنفخ في جيب (١) درعها فدخلت النفخة في جوفها فحملت كما تحمل النساء (٢). وقيل: نفخ جبريل من بعيد فوصلت الريح إليها (٣). أبي بن كعب قال: " دخل الروح في (٤) فيها فدخل بطنها وولدته " (٥). قال ابن عباس ﵄: " ما هو إلا أن حملت فوضعت " (٦). وقيل: بقي ساعة (٧). مقاتل بن سليمان: حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها وهي بنت عشر سنين (٨). وقيل: ثلاث عشرة وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى (٩). وقيل: لم تكن حاضت بعد، حكاه محمد بن الهيصم (١٠). وقيل: ولدت لثمانية أشهر وما عاش مولود ولد لثمانية أشهر غير عيسى ﵇ (١١). وقيل: ولد لتسعة أشهر (١٢).

стр. 1344

وقيل: لستة أشهر، ومكث مع أمه ثلاثاً وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه إلى السماء ست سنين، وماتت ولها اثنتان وخمسون سنة (١). ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ أي: تباعدت وهي حامل بعيسى مكاناً بعيداً، والقصي والقاصي البعيد. وقيل: المكان القصي أول أراضي مصر وآخر بلاد الشام (٢). وهب: كانت بإيليا (٣)، (٤). وقيل: بقرية يقال لها بيت لحم (٥) على ستة أميال من إيليا (٦). ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ألجأها، تقول: العرب جاءه وأجاءه غيره (٧)،

стр. 1345

وفي المثل: شر ما أجاك إلى مُخَّةِ (١) عُرْقُوب (٢). وقرئ في الشواذ ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ أي: أتاها بغتة (٣). والمخاض: اشتداد وجع الولادة، وجذع النخلة ما بين الأرض ومتشعب الأغصان، ويقال للغصن أيضاً الجذع، وأكثر المفسرين على أنه كان جذعاً لم يكن على رأسه سعف (٤). وقيل: كان جذعاً يابساً قد جيئ به ليبتني به بناءً في بيت لحم فصارت (٥) إلى النخلة لتتفيأ بها (٦). ابن جرير: لما وجدت من المخاض شدة إلتجأت إلى النخلة فاحتضنتها على عادة النساء واحتوشتها الملائكة محدقين بها صفوفاً (٧). ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي﴾ أي: قالت في تلك الحالة يا ليتني. ﴿مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ تمنت الموت استحياءً من الناس. ابن عباس ﵄: إن كرب البلاء أنساها بشارة الملائكة (٨). وقيل: علمت أن الناس يقولون فيها وفي ابنها ما يصيرون بذلك كفاراً فتمنت الموت لا أنها (٩) لم ترض بقضاء الله تعالى (١٠).

стр. 1346

﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ قرئ بالفتح والكسر ومعناهما واحد وهو الشيئ الذي ينسى وما إذا ذكر لم يطلب (١). وقيل: حيضة ملقاة (٢)، وهي خرقة الحيض. وقيل: النسي المصدر والنسئ الشيئ المنسي (٣). السدي: أي نسي ذكري وأثري فلا يُرى ولا يُسمع لي أثر (٤). ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قيل: جبريل، وقيل: عيسى (٥)؛ وكذلك من قرأ بالكسر فإن جعلت الكناية عن مريم فعيسى أليق بالمعنى لأن جبريل ينادي من فوق. وقيل: من تحتها من بطنها بالقبطية، حكاه النقاش (٦). وإن جعلت الكناية عن النخلة أو عن البقعة تحتها بمعنى بين يديها أو دونها فجبريل أليق بالمعنى (٧). ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ و (٨) لا تتمني الموت (٩).

стр. 1347

﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ الجمهور على أنه النهر الصغير، وذهب الحسن في جماعة إلى أن السري هو الرجل الكريم وهو عيسى ﵇ (١)، ومن حمله على النهر فقوله ﴿تَحْتَكِ﴾ يريد بين يديك ودونك كما تقول: جلس تحته أي: دونه، وذلك أنها عطشت عند الولادة فأنبع الله عندها عين ماء. وقيل: ساق إليها نهراً من أردن كان قد يَبِسَ (٢). ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ فهزته وليس له رأس ولا ثمر فجعل الله له رأساً وخوصاً. و﴿رُطَبًا﴾ قيل: هي البُرْنِي (٣)، وهو أشبع التمر (٤). وقيل: عجوة (٥)، (٦).

стр. 1348

وقيل صرفانة (١)، (٢). وقيل: الجَنيّ: ما يرطب من البسر (٣). وقيل: المُذَنَّب (٤)، وقيل: جنياً بغباره (٥). والجَنِيُّ فعيل من جنيت بمعنى مفعول أي مجني، وذهب جماعة إلى أنه كان من رطب الجنة. وقيل: معناه كأنه جني أي: لم يغيره السقوط (٦). وقوله ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ في الباء ثلاثة أقوال: أبو علي: الباء زيادة، أي: هزي جذع النخلة (٧). الفراء: يقال هزه وهز به وأخذه وأخذ به وتعلقه وتعلق به (٨). المبرد: الباء حال من الرطب أي: هزي رطباً بجذع النخلة (٩)، ويحتمل أن يكون جذع النخلة غير النخلة التي صار لها رأس وخوص ورطب بل كان خشباً ملقى: أي، هزي بهذه الخشبة رطباً، فيكون الباء للآلة كما تقول: كتبت بالقلم، والله أعلم. و﴿رُطَبًا﴾ ينصب من أربعة أوجه: (١٠) أحدها: أن يكون مفعولاً به لهزي. والثاني: أن يكون مفعولاً به لـ ﴿تُسَاقِطْ﴾ بالتاء والياء (١١) الياء للجذع أو الهز والتاء للنخلة وتفاعل قد جاء متعدياً، قال الشاعر:

стр. 1349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... لعوبٌ (١) تناساني (٢) إذا قمت سربالي (٣). والتفاعل الذي جاء متعدياً في القرآن: قوله ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] أي يعرف بعضهم بعضاً (٤). والثالث: أن يكون بمنزلة تفقأت الدابة شحماً. والرابع: أن يكون حالاً أي: تَسَّاقَط الثمرة في هذه الحالة. ﴿فَكُلِي﴾ من الرطب. ﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء السَّرِي فيمن جعله نهراً. ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بالولد، وفيه قولان: أحدهما: من القَرّ وهو البرد، والقَرَوُر الماء البارد، ودمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولهذا قيل: لضدها سخنة العين، والفعل قرِرت بالكسر أَقَر بالفتح. والثاني: من القرار، أي: صادفت العين ما ترضاه فقرت وسكنت من النظر إلى غيره، وقيل: صادفت سروراً فذهب سهرها فنامت وقرت والفعل منه بالفتح والكسر و﴿عَيْنًا﴾ نصب على التمييز. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: إذا رأيت آدمياً وسألك عن حالك فقولي له إني نذرت للرحمن سكوتاً. وقيل: صمتاً (٥). وقيل: كانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام والشراب (٦).

стр. 1350

وقيل: قياماً في الصلاة، أي: لا تجيبيه وأَحيليه بالجواب عليّ فيمن جعل هذا الكلام من عيسى (١). ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ آدمياً بعد أن أخبرت بنذري وصومي بل أشتغل بالعبادة لله والدعاء إليه (٢). ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ أي: فلما فرغت من الولادة أقبلت نحوهم حاملة إياه. وقيل: بعد أربعين يوماً حين طهرت من النفاس (٣). ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ أي منكراً عظيماً ابن لا يُعْرَفُ له أب، والفَرْي القطع للإصلاح. قال الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يَفْرِي (٤) والفَرِيّ: العظيم من الأمر يستعمل في الخير والشر، قال النبي ﷺ في عمر ﵁ "فلم أر عَبقرياً يَفْرِي فَرِيّه" (٥). ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ فيه أقوال: أحدها: كانت من قبيلة ينسب إلى هارون أخي موسى كما تقول: يا أخا تميم إذا كان من صلبهم. والثاني: أن هارون هذا رجل زاهد، جاء في التفسير أنه يوم مات تبع جنازته أربعون ألفاً من بني إسرائيل كلهم يسمون هارون فخاطبوها بذلك استهزاءً. والثالث: أن هارون رجل فاسق فشتموها بأنك مثله.

стр. 1351

والرابع: أنها أخت هارون أخي موسى، وفيه بُعد لأن بينهما ستمائة سنة، وقيل: ألف سنة، وفي الحديث أن عائشة ﵂ قرأت ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ فقال لها كعب: "إن كنتِ سمعت رسول الله ﷺ فهو أعلم وإلا فإني أجد بينهما عشرين أباً" (١). ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ أي: طالح (٢): تقول رجل سوء، و (٣) ضده رجل صدق أي: صالح وهذه إضافة تخصيص. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ فاجرة، والبَغِيّ طالبة للشهوة من أي رجل كان. ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى بأن يجعلوا الكلام معه فتعجبوا من ذلك؛ وذلك أن عيسى ﵇ قد قال لها: لا تحزني وأحيلي بالجواب علي، وقيل: أمرها جبريل بذلك (٤). ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ رضيعاً في المهد، والمهد: سرير الصبي (٥). قتادة: المهد: الحِجْر (٦)، وكل موطئ مهد، وفي ﴿كَانَ﴾ هاهنا أقوال: أحدها: أنه صلة زائدة. والثاني: أنه بمعنى وقع، و ﴿صَبِيًّا﴾ حال والعامل فيه ﴿كَانَ﴾، وقيل: العامل فيه (قال) بعده. والثالث: أن ﴿مَنْ﴾ للشرط فيصير ﴿كَانَ﴾ بمعنى الاستقبال، أي: من يكن في المهد كيف نكلم (٧). والرابع: بمعنى صار، أي: صار في المهد.

стр. 1352

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جاء في التفسير أنه أخرج أصبعه السبابة فقال بصوت رفيع سمعه الحاضرون: إني عبد الله. ﴿آَتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الإنجيل أي: علمنيه وأنزله عليّ. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ أي: رسولاً، ذهب بعضهم إلى أن هذا هو إخبار بما يكون له في وقته وأن هذا كان إبراءً لأمه مما قُذفت به، وعند بعضهم أن الله جعله بالغاً عاقلاً كما خلق آدم، وكان نبياً مكلفاً مبعوثاً إلى الناس في ذلك الوقت وإن كان ظاهر جسمه كجسم الأطفال، وإليه ذهب الحسن (١). ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ أي: آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. وقيل: مباركاً على الناس في دينهم يتعلمون مني (٢). وقيل: ﴿مُبَارَكًا﴾ مُعَلِّمَ الخير (٣). وقيل: ثابتاً على دين الله، وأصل البركة الثبات (٤). وقيل: نَفَّاعاً (٥). ويحتمل أن قوله ﴿مُبَارَكًا﴾ نفي لما جرت عادة الناس به من التشاؤم من الشيئ يقع على خلاف مجرى العادة (٦)، والله أعلم. ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ أي: أوصاني بأن أصلي وأُخْرِج زكاة مالي إذا ملكته، وقيل: صدقة الفطر (٧).

стр. 1353

وقيل: الزكاة تطهير البدن من دنس الذنوب أي: أمرت بالطاعة واجتناب المعاصي مدة عمري (١)، ويحتمل أوصاني بأن آمركم بالصلاة والزكاة فإني نبي، والله أعلم (٢). ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: باراً بها أكرمها وأعظمها. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ أي: متكبراً على الله لا يرى لأحد عليه حقاً، وقيل: الجبار الذي يقتل على الغضب (٣). ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ أي: رزقني الله السلامة والكرامة منه في هذه الأوقات. وقيل: كأنه دعا وسأل السلامة على أحواله من يوم ولادته إلى يوم موته ثم بعثه (٤). وقيل: سلم على نفسه بأمر الله (٥). وقيل: يريد سلام جبريل عليه يوم الولادة، وسلام عزرائيل يوم الموت، وسلام الملائكة يوم البعث (٦)، ويحتمل تنكير سلام في الأولى وتعريف السلام في الأخرى وجهين: أحدهما: أن نكرة الجنس ومعرفة الجنس يفيدان فائدة واحدة، نحو: والله لا أشرب ماءً ولا أشرب الماء هما سواء. والثاني: أن الأول من الله، والقليل منه سبحانه كثير. وقيل: الألف واللام هاهنا للعهد يعود إلى قوله ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ (٧). ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: الذي تقدم ذكره بالصفة المذكورة هو عيسى بن مريم لا كما يصفه النصارى.

стр. 1354

﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ أي: كلمة الله، والقول هو الكلمة، والحق هو الله، وأضيف القول إلى الله كإضافة الكلمة إليه، وقيل: الحق من صفة القول أضيف إليه إضافة التبعيض كثوب خز وخاتم حديد، قرئ بالرفع والنصب الرفع على أنه صلة لـ ﴿عِيسَى﴾ أوخبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو قول الحق، والنصب على المصدر وله وجهان: أحدهما: قال عيسى قول الحق يعنى قوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآية. والثاني: قال الله قول الحق بما أخبر عن قصة عيسى وأمه (١). ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ يَشُكُّون؛ شكوا في أمره وفي نبوته من قولهم: مريت في الشيئ وامتريت فيه إذا شككت فيه، والمرية الشك (٢). وقيل: يمترون يختصمون فصاروا فيه فرقاً وأحزاباً والامتراء الاختصام (٣). ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ نزه (٤) نفسه عن اتخاذ الأولاد، وقيل: تقديره: ما كان الله ليتخذ ولداً، فقدم اللام (٥). ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ كان في علمه.

стр. 1355

﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ أي الأمر سهل عليه هين، وقد سبق (١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ الجمهور على أن هذا من تمام كلام عيسى ﵇ وأن من فتح عطفه على ﴿وَأَوْصَانِي﴾ أي: وأوصاني بأن الله ربي وربكم، وقيل ولأن الله (٢)، وقيل: قضى أن الله، ومن كسر جعله استئناف كلام من عيسى، والمعنى: كما أنا عبده فأنتم عبيده وعلي وعليكم أن نعبده. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اختلف النصارى، ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول ثلاثة من علمائهم كان عندهم أنهم أعلم زمانهم وهم: يعقوب، ونسطور، وَملْكَا؛ فقيل ليعقوب: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء. وقيل لنسطور: ما تقول أنت؟ فقال: لم يكن الله ولكن ابن الله أظهره ما شاء ثم رفعه إلى عنده. وقيل: لملكا ما تقول أنت؟ فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً، فتبع كل واحد منهم قوم تسموا باسمه اليعقوبية، والنسطورية، والملكانية (٣).

стр. 1356

وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والله إله والثلاثة أقانيم والروح واحد فتبعه جماعة. وقوله ﴿بَيْنِهِمْ﴾ قيل: تقديره: من بين الناس (١). وقيل: من بين أمم عيسى (٢). وقيل: ﴿مِنْ﴾ زيادة (٣). وقيل: هو من البَيْن الذي معناه البعد، أي: اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق (٤). فَوَيْلٌ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فشدة العذاب لهم. ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ من حضور يوم القيامة، والمشهد مصدر مضاف إلى المفعول أي: مشهدهم يوماً، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الظرف أي: مشهدهم في يوم عظيم وهو أعظم يوم على الخلق. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ جمهور المفسرين على أن هذا لفظ أمر معناه التعجب، والمجرور مرفوع المحل بالفاعلية والمعنى هم في محل تعجب منه (٥). قتادة: أي: لئن كانوا في الدنيا صماً عمياً عن الحق فهم سُمَعَاءُ للحق بُصَرَاءُ حين لا ينفعهم (٦)، وقيل: معناه أسمعهم وبصرهم اليوم كيف يصنع بهم يوم القيامة (٧). وقيل: معناه أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء وبصرهم بهم ليعرفوهم فيؤمنوا بهم، والقول هو الأول (٨).

стр. 1357

﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: خوفهم من ذلك اليوم، ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار وذُبح الموت، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " يُجَاء بالموت على صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون؛ فيقولون: نعم هذا الموت. فيؤمر به ويذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ " (١). ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ فأشار به إلى الدنيا. ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وقيل: قضي الأمر الذي يَحُل بهم (٢). ابن بحر: إذا انقضى أمر الدنيا بإقامة القيامة (٣). وقيل: قضي الأمر ذبح الموت (٤). ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نميتهم فيبقى الرب سبحانه فيرثهم، والوراثة ملك الشيء بوفاة مالكه. وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ يردون فنجازيهم جزاءً وفاقاً. ﴿وَاذْكُرْ﴾ لقومك. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ القرآن. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ قصة إبراهيم مع أبيه. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ كثير الصدق.

стр. 1358

﴿نَبِيًّا (٤١)﴾ رسولاً ينبئ عن الله. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ وهو يعبد الصنم. ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ﴾ الدعاء. ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ العبادة. ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ لا يدفع عنك مضرةً ولا مكروهاً، وقيل: لا يدفع عنك عذاب الله (١). ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ بالتفكر والاستدلال. ﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ قيل: من العلم أن من عبد غير الله عذبه الله في النار (٢). وقيل: جاءني من العلم من الوحي ما لم يأتك (٣). ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾ أبين لك تلك الدلائل، وقيل: أهدك ديناً قيماً يرضاه الله (٤). ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ لا تطعه. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ عاصياً. قيل ﴿كَانَ﴾ زيادة (٥)، وقيل: معناه صار، وقيل: معناه للدوام (٦). ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ إن أقمت على الشرك، والجمهور على أن المعنى: إعلم يقيناً إن يمسك عذاب من الرحمن (٧)، وقيل: معناه أخاف أن لا تقبل مني نصيحتي فيعذبك الله (٨).

стр. 1359

﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ قريناً في النار تليه ويليك، وقيل: معناه يتبرأ الله منك (١). ﴿قَالَ﴾ يعني أبا ابراهيم. ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي﴾ يا إبراهيم استفهام إنكار أي: أترغب عن عبادتها وتميل عنها. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن مقالتك وأمري ونهي. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ لأعيبنك، وقيل: لأشتمنك بمخالفتك لي (٢). وقيل: لأقتلنك كسائر مافي القرآن (٣). وقيل: لأرمينك بالحجارة (٤). ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ سالماً صحيحاً، أي: تباعد عني وعرضك سالم من عقوبتي. وقيل: ﴿مَلِيًّا (٤٦)﴾ عمراً طويلاً (٥). السدي: أبداً (٦). ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ سلمت مني لا أصيبك بمكروه. وقيل: أكرمك الله بالهدى (٧). وقيل: إيذان بالهجران، كما تقول: سَلَّمْتُ على فلان وكَبّرْتُ عليه (٨). ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ أي: لا أترك مجهودي في تخليصك بل أسأل الله توفيقك. الحسن: هذه صغيرة من إبراهيم ﵇، ولهذا قال الله سبحانه ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] (٩).

стр. 1360

وقيل: أستغفر لك إن تبت وآمنت (١). وقيل: وعده قبل (٢) أن نهاه ربه عن ذلك (٣). وقيل: كان يستغفر له مادام أبوه حيا فلما مات كافراً ترك الاستغفار له (٤). قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ باراً لطيفا، وقيل: محسناً (٥). وقيل: عالماً (٦). وقيل: مكرماً (٧). وقيل: ذو عناية (٨). ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام. ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أتباعد بديني وأتفرد بعبادة الله. ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾ كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام، وقيل: يتقبل عبادتي ويثيبني (٩)، والشقاء بالدعاء ترك إجابة الداعي. ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ وذلك أنه لما خرج من بين ظهراني قومه مهاجراً وقصد الشام أتى أولاً حَرّان (١٠)،

стр. 1361

وتزوج في طريقه سارة فولدت له إسحاق ووهبت له هاجر فولدت له إسماعيل. ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ أي: كل واحد منهما، وقيل: منهم (١). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ المال والولد والنبوة. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ أي: القول بالحكمة والخير، وسمي القول لساناً لأنه باللسان يكون. وقيل: الثناء الحسن والذكر الرفيع في كل الأديان (٢). ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ مسلماً موحداً غير مرائي. و﴿مُخْلَصًا﴾ بالفتح أخلصه الله. ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وناديناه﴾ أي: دعوناه وكلمنه ليلة الجمعة. ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ وهو: الجبل بين مصر ومدين واسمه زَبِير (٣) والأَيمن اليمين، والجمهور على أن الأيمن يمنى موسى وليس للجبل يمين ولا شمال وإنما ذلك بالقياس إلى غيره مما له يمين ويسار. مقاتل: من يُمْنى الجبل، والأول أصح (٤). ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ تقريب تشريف أي: أكرمناه (٥) بمناجاتنا إياه.

стр. 1362

عطاء (١): قربه حتى سمع صرير القلم (٢)، وفي رواية أخرى: صريف القلم الذي كتب به التوراة (٣). وقيل: رفع من سماء (٤) إلى سماء ومن حجاب إلى حجاب حتى لم يكن بينه وبينه إلا حجاب واحد، حكاه الثعلبي (٥). و﴿نَجِيًّا (٥٢)﴾ من النجوى أي: مناجياً، وقيل: من النجوة وهي الارتفاع (٦). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ أي: أجبنا دعاءه في طلبته حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٢٩]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ كان إذا وعد أنجز، وذكر المفسرون أنه وعد رجلاً أن يقوم مقامه حتى يرجع إليه فقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام، وفي رواية الكلبي انتظره حتى حال عليه الحول (٧). ومعنى ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ يصدق إذا وعد ويفي إذا ضمن. أبو عبيدة: ﴿ ... صَادِقَ﴾ بمعنى مصدوق، أي: كان مصدوق الوعد (٨). ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ أمته.

стр. 1363

﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ صالحاً زكياً. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ وهو جد أبي نوح واسمه أخنوخ، وقيل: إلياس (١). وسمي إدريس لكثرة درسه، وكان خياطاً وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط وكانوا يلبسون قبل ذلك الجلود وأول من خط. وقيل هو: أول من نظر في النجوم والحساب (٢). ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة. ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ قيل: هو الرتبة والنبوة والمنزلة (٣). وقيل: ﴿مَكَانًا عَلِيًّا﴾ الجنة وهو فيها (٤). وقيل: هو السماء الرابعة وفيها مات (٥). وقيل: السادسة (٦)، والله أعلم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالنبوة. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح وإدريس لم يكن ممن حُمل مع نوح. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: إسحاق، وإسماعيل، وإسرائيل، أي: ومن ذرية يعقوب يعني: موسى وهارون، وفيهم كثرة (٧). ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ إلى ديننا. ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾ من بين الناس يعني المؤمنين. ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ أي: إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة.

стр. 1364

﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا لوجوههم ساجدين تعظيماً لله ولكلامه. ﴿وَبُكِيًّا) (٥٨)﴾ أي: وباكين خوفاً منه وطمعاً، وقيل: وبكوا بكياً وهو مصدر (١). ﴿* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: جاء بعدهم قوم لا خير فيهم، و ﴿خَلْفٌ﴾ إذا أضفته سكنت اللام تقول: خَلْفُ صدق وخَلف سوء، وإذا لم تضف سكنته في الشر وفتحته في الخير. ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ لم يعتقدوا وجوبها لقوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ﴾ فدل على كفرهم. وقيل: تركوها ولم يحافظوا عليها وعن جماعة أخروها عن مواقيتها (٢). ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الزنا، وقيل: ارتكاب المعاصي (٣). ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ أبو عبيد ضلالاً (٤)، وأنشد: . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ومن يَغْوِ لا يُعْدم على الغي لا ئماً. (٥) الحسن: عذاباً شديداً (٦).

стр. 1365

ابن عباس ﵄: شراً (١). وقيل: الغي اسم واد في النار أشدها حراً وأبعدها قعراً فيه بئر يقال لها الهُبْهُب (٢). الزجاج: أي جزاء غيهم (٣). وقيل: اسم نهر في النار وقيل آبار في جهنم يسيل (٤) إليها الصديد والقيح (٥). ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: رجع عن ذنبه وآمن بلسانه وقلبه. ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ جاز أن يكون مصدراً، وجاز أن يكون مفعولاً. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ بدل من الجنة، وقيل: نصب على المدح و ﴿عَدْنٍ﴾ بمعنى إقامة وقد سبق، ومعنى ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: هم في الدنيا والموعود في حال غيبة عنهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾ قيل: بمعنى: آت (٦).

стр. 1366

وقيل: ذو إتيان (١). وقيل: إتيانها المصير إليها (٢). ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ فحشاً وكذباً وسباً، واللغو: مالا خير فيه من الكلام. وقيل: لا يسمعون كلاماً لا معنى له (٣). ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ الجمهور على أنه استثناء منقطع، وتقديره: لكن يسمعون سلاماً، ويحتمل أن التقدير: لا يسمعون قولاً لغواً إلا قولاً سلاماً. ومعنى ﴿سَلَامًا﴾ يسلمون معه من الأحزان. الزجاج: السلام اسم جامع للخير (٤). وقيل: لا يسمعون إلا ما يؤدي إلى السلامة (٥). ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ أي: على قياس عادة أهل الدنيا ومقدار أوقاتها. وقيل: لأن العرب كانت (٦) في زمانها من وجد غداءً مع عشاء فذلك هو الناعم (٧). ويحتمل أن البكرة والعشي كناية عن الدوام وليس في الجنة ليل، وجاء في التفسير ليس في الجنة ليل ولهم مقدار الليل بإرخاء الحجب ومقدار النهار برفع الحجب (٨). وقيل: يخدمهم بالليل الجواري وبالنهار الغلمان فذلك آية الليل والنهار (٩).

стр. 1367

﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ أي: تلك الجنة التي وصفت هي التي يعطى المتقون، والوراثة أقوى لفظة تستعمل في هذا الباب لا تعقب بفسخ ولا نقض واسترجاع. وقيل: المؤمنون يرثونها من الكفار فإن الله قد خلق لكل مكلف قصراً في الجنة فمن آمن سكن قصره ومن كفر جعل قصره لمؤمن زيادة في درجته وكرامته (١). ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ عن ابن عباس ﵄: قال: رسول الله ﷺ لجبريل: " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزل ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية " (٢). وقال مجاهد: أبطأ الملك على رسول ﷺ ثم أتى فقال: لعلي أبطأت؟ فقال: قد فعلت. قال: ولم لا أفعل وأنتم لا تتسوكون ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم (٣)، وقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٤).

стр. 1368

وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: " احتبس جبريل عن النبي ﷺ حين سأله قومه عن قصة (١) أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح ولم يدر ما يجيبهم ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوه فأبطأ عليه، فشق على رسول الله مشقة شديدة ولما نزل جبريل قال: أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك فقال جبريل: إني كنت أشوق إليك ولكني (٢) عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست فأنزل الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ أي: قل يا جبريل لمحمد إني لا أنزل إلا إذا أمرت بالنزول. (٣) ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ ما سيكون. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ ما كان. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وما في الحال. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ لم ينسك ربك. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ أمر الآخرة. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أمر الدنيا. ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما (٤) بين النفختين (٥). وقيل: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما يكون من هذا الوقت إلى يوم القيامة، وقيل: المراد به الأزمان، وقيل: الأزمان والأماكن والأجسام (٦).

стр. 1369

ابن بحر: خالف الجمهور فقال: هذا من كلام أهل الجنة بعضهم لبعض إذا دخلوها وهي متصلة بالآية الأولى إلى قوله ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (١). ثم استأنف فقال ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ (٢). ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي: على عبادته. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ قيل: مثلاً (٣). وقيل: أحداً يسمى الله (٤). وقيل: أحداً يسمى الرحمن (٥). وقيل: أحداً يستحق أن يسمى إلهاً (٦). وقيل: أحداً يستحق أن يوصف بصفات الله (٧). وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ في سبب النزول قال الكلبي: " نزلت في أُبي بن خلف (٨) حين أخذ عظاماً بالية ففتتها بيده وقال يزعم لكم محمد أنّا نبعث بعد ما نموت أي يقول الإنسان يعني أُبياً " (٩). ﴿أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ أي: يقال لي والله لسوف أخرج من التراب بعد الموت والبلى حياً، قاله استبعاداً للبعث وإنكاراً. ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني أُبياً.

стр. 1370

﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ فيعرف ببديهة العقل أن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة؛ فمن قرأ بالتخفيف فهو من الذكر والذاكر للشيء عارف به في الحال، ومن شدد فمن التذكر وهو التدبر والتفكر (١). وقوله ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ دليل على أن المعدوم ليس بشيء. ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أقسم الله بذاته فقال: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد يعني: المشركين المنكرين للبعث، و ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ يعني: قرناءهم الذين أضلوهم يقرن كل كافر بشيطان في سلسلة، والواو بمعنى: مع. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: في جهنم، ويقال إذا حضروا جهنم حبسوا حولها فأحدقوا بها. ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ على ركبهم حتى يدفعوا فيها الأول فالأول، ويقال: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ ثم لندخلنهم. مقاتل: جثياً جميعاً (٢). وقيل: جماعات جماعات جمع جُثْوة (٣). وقيل: جمع جاث أي: جاثية على ركبهم (٤). ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ لنخرجن من كل أمة وأهل دين. ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ جرأة، وقيل: ذنباً (٥). وقيل: كذباً (٦) وفجوراً (٧).
следующие страницы →