← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقرئ في الشواذ " فاتبّعهم "، والمعنى: خرج خلفهم ومعه جنوده (١). ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ نالهم. ﴿مِنَ الْيَمِّ﴾ البحر. ﴿مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ يعنى: الماء. وقيل: الغرق (٢)، ذكر بلفظ العموم تهويلاً وتعظيماً. وقيل: غشيهم من اليم ما غرقهم (٣). ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ قيل: أضلهم في البحر لأنهم غرقوا فيه (٤). وقيل: أضل فرعون قومه عن الدين (٥). ﴿وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ أي: وما هداهم. وقيل: ﴿وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ هو، أي: وما نجا (٦). وقيل: وما هداه الله إلى الصواب (٧). ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ قيل: متصل بما أوحى الله إلى موسى، أي: أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وقلنا يا بني إسرائيل (٨). وقيل: خطاب متصل للنبي ﷺ ، أي: قل لهم (٩).

стр. 1437

وقوله ﴿مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ يعني: فرعون وجنوده. ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ يعني: السبعين الذين اختارهم موسى ليسمعوا كلام الله إذا كلم موسى (١). ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ يريد في التيه، وقد سبق (٢).

стр. 1438

﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لذيذات. وقيل: حلالات (١). ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ الهاء يعود إلى (ما) أي: لا تجاوزوا الحد في المن والسلوى ولا تَدَّخِروا. ابن عباس، ﵄: لايظلم بعضكم بعضاً فيه (٢). وقيل: لاتعصوني بترك شكري في المن والسلوى (٣). ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ فينزل عليكم عذابي فيمن قرأ بالرفع، ومن كسر فمعناه يجب (٤). أبو علي: هو من حل وبل، أي: مباح غير محظور (٥). ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ فقد (٦) هلك. وقيل: تردى في النار (٧). وقيل: هوى وقع في الهاوية (٨). ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ أي: عن (٩) الشرك. ﴿وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ثم أقام على ذلك. وقيل: لزم الإسلام حتى يموت (١٠). وقيل: أخذ بسنة نبيه (١١)، وقيل: أصاب العمل (١٢).

стр. 1439

ابن عباس، ﵄: لم يشك في إيمانه (١). الفراء: علم أن لذلك ثواباً وعقاباً (٢)، ويحتمل أن التقدير به التقديم أي: لمن اهتدى وتاب (٣). ﴿* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣)﴾ وذلك أن موسى لما انتهى إلى الجبل مع السبعين الذين اختارهم عَجِلَ موسى شوقاً إلى كلام الله وخَلَّفَ السبعين وأمرهم أن يتْبَعُوه إلى الجبل، فقال الله لموسى ﴿* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ ما الذي حملك على العجلة ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ أي: السبعين، استفهام إنكار. ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ أي: هم خلفي يلحقون بي. الحسن: يعني إنهم ينتظرون من بعدي ما آتيهم به من عندك (٤) قال: ومعنى ﴿* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ ما جاء بك (٥) و ﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى: هؤلاء. ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون صلة لـ ﴿أُولَاءِ﴾، كما سبق في تلك (٦)، فاعتذر موسى وقال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ أي: لم أقصد بذلك تعظماً عليهم (٧) إنما قصدت المسارعة طلباً لمرضاتك (٨).

стр. 1440

﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ ابتلينا قومك بعبادة العجل بعد خروجك من عندهم. وقيل: دُفِعوا إلى حال شديد تظهر دخلتهم (١). ابن عيسى: عاملناهم معاملة المختبر (٢). ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ بدعائه إياهم (٣) إلى عبادة العجل وإجابتهم له. قيل: كان السامري من كَرْمان (٤). وقيل: من قبيلة يقال لها سامرة (٥)، وكان من عظماء بني إسرائيل (٦). ﴿فَرَجَعَ مُوسَى﴾ من مناجاة ربه. ﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ بِغَيْظٍ وغَضَب. ﴿أَسِفًا﴾ حزيناً، متلهفاً على ما فاته، وقيل: الأسف اشتداد الغضب (٧) وقيل: جَزِعاً (٨).

стр. 1441

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ الحسن: هو الجنة (١). وقيل: هو قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ الآية (٢). وقيل: هو إنزال التوراة عليهم (٣). وقيل: صدقاً (٤). ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ بإنزال التوراة كما وعدكم. وقيل: مدة فراقي إياكم (٥)؛ وذلك أن موسى وعد قومه حين أتى الجبل أن يرجع إليهم بعد ثلاثين يوماً فلما جاوز وعده من ثلاثين إلى أربعين قال لهم السامري إن موسى غضب عليكم لأجل حلي القبط استعرتم ثم لم تردوها عليهم. الكلبي: أن موسى وعدهم أربعين يوماً فكانوا يَعُدُّون اليوم واحداً والليلة (٦) واحداً، فلما كمل عشرون ولياليها قالوا: إن موسى أخطأ الطريق وخالفنا في الوعد (٧). ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ يجب عليكم. ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل. ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ اختلف المفسرون فيه؛ فأكثرهم على أن المعنى: خالفتموني فيما تواعدنا عليه (٨). المفضل: أوجدتموني اختلفت فيما وعدتكم، من قول العرب: فلان أخلف وعد فلان إذا وجده وقع فيه الخُلْف (٩).

стр. 1442

وقيل: أخلفتم ما وعدتمونيه في اللحاق بي واتباعي الموعد (١). ويحتمل أن الوعد (٢) من القوم وإضافته إلى موسى إضافة المصدر إلى المفعول، ولهذا وقع الإخلاف منهم ووعدهم لموسى هو أن وعدوه أن يتمسكوا بدين الله وسنة موسى ولا يخالفوا أمر الله أبداً، وإن جعلت المصدر مضافاً إلى الفاعل، فالوجه ما ذكره المفضل. ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي بملكنا (٣) الصواب ولكن أخطأنا. وقيل: معناه بسلطان كان لنا ولا قدرة (٤). وقيل: بطاقتنا (٥) الحجة لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك لمكان (٦) ملكنا، كقوله ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: ليس لهم سؤال فيكون لهم إلحاف، والمَلَكَ: بالحركات الثلاث لغات (٧). وقيل: قال المؤمنون إن الذين أخلفوا موعدكم ولم نقدر أن نردهم ولم نملك أن نمنعهم عن ذلك (٨).

стр. 1443

وقيل: معناه: لم نملك الوفاء فتركناه عن تمكن، لكن الذي حَمَلْنَاه من زينة القوم شغلنا عن الاهتمام بذلك (١). ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ وذلك أنهم كانوا قد استعاروا من القبط حلياً كثيراً ليوم زينة لهم فبقيت معهم. وقيل: أَمَرَهم موسى بالاستعارة، وقيل: أمر الله موسى بذلك وكان ابتلاءً لهم (٢). و﴿أَوْزَارًا﴾ أثقالاً، وكان كثيراً. وقيل: هو ما ألقاه البحر على الساحل من ذهبهم وفضتهم وحليهم بعد إغراقهم فأخذوه (٣). وقيل: ﴿أَوْزَارًا﴾ آثاماً أي: حَمَلنا من حلي القوم لأنهم استعاروا ليتزينوا في عيد كان لهم ثم لم يردوها عليهم عند الخروج من مصر مخافة أن يعلموا بخروجهم فحملوها، فلما تأخر مجيء موسى من الجبل قال لهم السامري: إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلي القوم وأنها حرام عليكم (٤). وقيل: لم تكن الغنائم حلالاً لهم قالوا: فما الرأي؟ قال: نحفر (٥) حفيرة ونسجر فيها ناراً وكل من معه شيء منها قذفه (٦) فيها، ففعلوا، وقذف السامري ما معه، وهو قوله ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ (٧).

стр. 1444

وقيل: فقذفناها عن أنفسنا وأولادنا (١). ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ ثم أخذ السامري تلك المذوبة أو الأوزار وصاغها كصورة العجل جسداً لحماً ودماً. وقيل: مزعفراً من الجَساد (٢). ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ قيل: كان يخور فيسجدون ثم يخور فيرفعون رؤوسهم (٣). وقيل: ما خار إلا مرة واحدة (٤)، وقد سبق بيانه (٥). ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ أي: قال السامري لهم فقبلوه. ﴿فَنَسِيَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن موسى نسي إلهه وذهب يطلبه وهو من تمام قول السامري (٦).

стр. 1445

وقيل: استئناف كلام من الله، أي: نسي السامري الله والإيمان (١). وقيل: نسي السامري الاستدلال على أن العجل لايجوز أن يكون إلهاً بقوله ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أي: لا يعلمون (٢). ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾ أنه لا يرجع. ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ أي: لا يجيبهم ولا يكلمهم. ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ لا يقدر على نفعهم ولا ضرهم. وقيل: لا يخور ثانياً (٣). ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال لمن عبدوا العجل قبل رجوع موسى. ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أبتليتم بالعجل. ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العجل. ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ديني. ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ فاعبدوا الله ولا تعبدوا العجل. ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ لن نزال مقيمين على العجل وعبادته. ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ وجاء في التفسير: فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً، وهم الذين لم يعبدوا العجل (٤). ﴿قَالَ يَا هَارُونُ﴾ أي: فلما رجع موسى قال يا هارون. ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ وقيل: فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل. قال السبعون الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى موسى هارون أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره وقال له: يا هارون ما منعك (٥) ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل وأشركوا (٦).

стр. 1446

﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي: شيء منعك من ترك اتباعي حين لم يقبلوا قولك واللحوق بي كي لا تكون من العاصين. وقيل: هلا اتبعت عادتي في منعهم والإنكار عليهم (١)، وجمهور المفسرين على أن (لا) زائدة كما في قوله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] (٢). وقال ابن عيسى: التقدير: ما منعك بدعائه إياك أن لا تتبعني (٣). ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ الجمهور على: أنه كان أخاه من أبيه وأمه، ولكنه ذكر الأم استعطافاً وترفيقاً (٤). وقيل: كان أخاه لأمه (٥). قال (٦) الزجاج: وقد قيل في هارون أنه لم يكن أخا موسى لأمه قال: "وقد يقول القائل لمن ليس بأخ لأم ولا بأخ البتة: يا بن أم، وكذلك يقول الأجنبي: يا بن عم" (٧).

стр. 1447

﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أي: شعر رأسي. ذهب بعضهم إلى أن أخذ اللحية في ذلك الوقت كأخذ اليد في وقتنا (١). وقال بعضهم: كانا كشخص واحد فسواء أخذ بلحية نفسه أو بلحية أخيه (٢)، والإنسان قد يأخذ لحيته عند الغضب وعند التأمل في الأمر يستقبله. وقال بعضهم: أخذ بأذنه وبلحيته يُسِّرُ إليه نزول الألواح عليه ويخفيه عن بني إسرائيل في تلك الحالة حتى يتوبوا فعبر عن الأذن بالرأس (٣)، وقوله سبحانه حكاية عنه ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ يضعف هذه الأقاويل. وقيل معناه: لا تخاطبني وخاطبهم، كما تقول: دعني وخل لحيتي ورأسي وهو لم يأخذ بلحيته ورأسه (٤)، وهذا يدفعه قوله ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، والأحسن إجراؤه على الظاهر وأن موسى فعل في غضبه في الله ما فعل والله أعلم (٥). ثم ذكر عذره وقال ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: خِفْت إن خرجت وفارقتهم لحق بي فريق، وتبع السامري على عبادة العجل فريق، وتوقف فريق ولم آمن مقاتلتهم فتقول لي فرقت بين بني إسرائيل، أو تقول قد تسببت (٦) لمقاتلتهم. ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ حيث قلت ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢].

стр. 1448

﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥)﴾ ثم أقبل على السامري فقال منكراً (١) عليه ما شأنك يا سامري؟ ، وما الذي حملك على ما فعلت؟ . ﴿قَالَ﴾ يعني السامري. ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: علمت ما لم تعلموا أي: علمت أن تراب أثر الرسول، وقيل: أثر فرس الرسول، والرسول هاهنا جبريل يصير به الجماد حيواناً. والثاني: رأيت مالم تروه يعني جبريل، تقول: بصرت بمعنى أبصرت. قال موسى: وما الذي أبصرته؟ قال: رأيت جبريل على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره فما ألقيت على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، وذلك أنه رأى جبريل حين فلق البحر فعرفه لأن أمه ألقته حين ولدته خوفاً عليه من فرعون حين يقتل أولاد بني إسرائيل، وكان يغذوه جبريل صغيراً فعرفه في كبره فأخذ قبضة من تراب حافر فرسه، وهو قوله ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: أخذت بجميع كفي مرة واحدة (٢). ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ قيل: فيما ذاب من الحلي (٣). وقيل: في جوف العجل حتى خار (٤). وقيل: حتى صار لحماً ودماً (٥). وقيل: مسحه به (٦).

стр. 1449

وقيل: الرسول هو موسى، والقبضة: ما أخذ من علمه، وأثره: شرعه وسنته (١). وقوله ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: طرحت شريعة موسى وسنته ثم اتخذت عجلاً (٢)، وذلك أنه كفر باتخاذ العجل، ثم لما جاء موسى صَرَّح بذلك. وقوله ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: بزعمه وزعم بني إسرائيل. ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾ أي: زينته وحسنته، وفعلت من تلقاء نفسي من غير أن دعاني إلى ذلك داع. وقيل: معناه أطمعتني نفسي في انقلابه حيواناً (٣). والسَّوْلُ: ما يتمناه الإنسان (٤). وقيل: نَاقَضَ في جوابه؛ لأنه قال ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ فأدعى العلم، ثم قال ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾ فنسبه إلى حديث النفس. ﴿قَالَ﴾ يعني: موسى. ﴿فَاذْهَبْ فَإِن لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أي: إنك لاتَمَسُّ أحداً ولا يَمَسَّك أحدٌ في حياتك، ولا يكون بينك وبين الناس مماسة، فأمر موسى بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يجالسوه، ولا يبايعوه. وقيل: معنى ﴿لَا مِسَاسَ﴾ إنك تعيش في البرية مع السباع والوحوش ولا تَمَس ولا تُمَس (٥).

стр. 1450

وقيل: ما مس أحداً ولا مسه أحد إلا حُمّا جميعاً، ومن أراد أن يمسه جهلاً بحاله قال له السامري: لا مساس خوفاً من الحمى وتنبيهاً للغير (١). ويقال: ذلك باق في عقبه إلى اليوم (٢). وقيل: أراد موسى أن يقتله فمنعه الله من قتله وقال لا تقتله فإنه سخي (٣). ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ لن تغيب عنه بل توافيه، ومن فتح اللام فمعناه لن يخلفكه الله (٤). ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ يعني: العجل. و﴿ظَلْتَ﴾ أصله ظللت، فحذف إحدى اللامين تخفيفاً، ويجوز كسر الظاء أي: تأمل فيما يُفْعل بمعبودك من التحريق والتفريق (٥)،

стр. 1451

ثم أكد باليمين فقال ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أي: بالنار، ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ نثير رماده. ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ ابن عباس، ﵄: أحرقه في النار ثم ذراه في البحر (١)، وهذا فيمن قال صار لحماً ودماً، ومن قال بقي ذهباً قرأ " لَنَحْرقنه " أي: لنبردنه بالمبرد (٢)، ويجوز أن يكون قراءة العامة من هذا أيضاً تحريقاً من حرقه بالمبرد. ومعنى نسفته: ذَرَوْتُه؛ من نَسَفْتُ الطعام إذا ذروته ليطير عنه القشور (٣). ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾ يعنى: معبودكم المستحق للعبادة. ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ لا العجل. والمعنى: لا يضيق علمه عن شيء، وتقديره: وسع علمه كل شيء أي: أطاقه وأحاط به. فصرف الفعل إلى المضاف إليه وانتصب المضاف على التمييز.

стр. 1452

واسم السامري فيما ذكره النقاش موسى بن ظفر (١)، وقيل: غيره. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: كما قصصنا عليك قصة موسى نقص عليك. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي: بعض أخبار من سبق زمانه زمانك، أي: تقدم بالزمان من الأنبياء وأممهم. وقيل: أخبار كل شيء (٢). ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ﴾ أعطيناك. ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا. ﴿ذِكْرًا (٩٩)﴾ يعني: القرآن (٣)، وقيل: آتيناك شرفاً (٤). ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن القرآن. وقيل: عن الله (٥). ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ يحمل أعباء كفره وذنوبه (٦)، أي: يعذب عذاباً شديداً. ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ في الوزر، أي: في جزاء الوزر، وهو العذاب. ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ أي: ساء حملاً للذنوب.

стр. 1453

﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يريد يوم القيامة، والصور شبه قرن، جمع صورة، وقد سبق بيانه (١). ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ زرقة العين وسواد الوجه من علامة أهل النار، وزرقتها أن تضرب الحدقة إلى خضرة، والعرب تتشائم بزرقة العين. وقيل ﴿زُرْقًا﴾ أعداءً، تقول العرب: عدو زرق. وقيل: تصير أعينهم من العطش زرقاً، وكذلك تصير العين في شدة العطش (٢). وقيل: هي عبارة عن العمى ليوافق الآية الأخرى (٣). وقيل: الأزرق شاخص البصر كأنه محدق نحو شيء أبداً (٤). ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ خافت بمعنى: خفت، أي: أخفاه، وأصله السكون (٥).

стр. 1454

﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ يقول بعضهم لبعض سراً (١): لبثنا في القبور عشر ليال، أي: منذ انقطع عنهم عذاب القبر. وقيل: إن لبثتم في الدنيا فينسون من هول ما يرد عليهم ما كانوا فيه من نعيم الدنيا (٢). ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعدلهم قولاً. وقيل: أجودهم عملاً، وقيل: أعلمهم عند نفسه بما يقول، وقيل: ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ رأياً، وحالاً، وعملاً. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ الحسن: لطول لبثهم في النار يقللون لبثهم في الدنيا (٣). وقيل: تحاقرت الدنيا عندهم حين عاينوا الآخرة (٤). ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أي: سيسألونك إلام يؤل أمر الجبال، ولهذا أُجيب بالفاء. وقيل: سأله رجال من ثقيف (٥) عنها (٦). ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ كما ينسف الطعام على الريح وهو تنقيته من القشور (٧). وقيل: يقلعها (٨) من أصلها ثم يبدد أجزاؤها (٩) فتصير كأن لم تكن (١٠). وقيل: يجعلها الله بمنزلة الرمل ثم يرسل عليها ريح الدبور فينسفها ويفرقها (١١).

стр. 1455

وقيل: يقلعها من أماكنها ويطرحها في النار فتستوى الأرض (١). ﴿فَيَذَرُهَا﴾ الكناية عن الأرض، ولم يتقدم ذكرها للعلم بها. وقيل: يعود إلى مواضع الجبال. ﴿قَاعًا﴾ مستوياً، صلباً لا تراب عليه (٢). ﴿صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ لا ينبت (٣). وقيل: القاع الذي يعلوه الماء، والصَّفْصَف: المستوى، كأنها من استوائها على صف واحد (٤). وقيل: القاع المنكشفة، والصَّفْصَف التي لا أثر للجبال فيها (٥). ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أودية. ﴿وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ روابي. وقيل: الأمت الارتفاع، والانخفاض، والغلظ، والرِّقة (٦). وقيل: الشُّقوق في الأرض (٧).

стр. 1456

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ أي: داعي الله الذي يدعوهم إلى الموقف، وهو إسرافيل، فيسرع المؤمنون ويتثاقل المجرمون فيرسل الله ناراً فيسوقهم إلى جهنم. وقيل: يدعوهم (١) من صخرة بيت المقدس (٢). ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ لا يقدر له أن يعدل عنه، والتقدير: لا عوج لهم عنه. ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: سكنت لمهابة الله. ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ الحسن: صوت وطأ الأقدام ونقلها إلى المحشر (٣). وقيل: صوتاً خفياً كتحريك الشفة (٤). ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ﴾ ... أي: إلا شفاعة من أذن. ﴿لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ أي: في الدنيا، وهو قول لا إله إلا الله. وقيل: لا ينفع إلا لمن أذن الله للشافع أن يشفع فيه، وقيل: معنى ﴿أَذِنَ﴾ سمع (٥). ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: الناس. وقيل: الملائكة يريد ما كان قبلهم (٦). ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما يكون بعدهم. وقيل: على العكس، واللفظ صالح لهما (٧). ... ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه يعود إلى قوله (٨) ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.

стр. 1457

والثاني: يعود إلى الله تعالى، أي: لا يحيطون علماً بذاته (١). ﴿* وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: ذَلَّت، وانقادت. أي: أصحابها. والعنوه تكون تسليماً (٢)، أي: استسلموا لما يفعله ويكون غلبة وقهراً أي صاروا كلهم أسرى له. وقيل: هي السجود على سبعة أعضاء الجبهة والكفين والركبتين والقدمين (٣). ... ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ أي: انقطع رجاؤه ويئس مما طلب. وقوله ﴿مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ أي: شركاً وثقل مغبته ووزره، كقوله ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ٣١]. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يريد الإيمان والطاعات. ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ لا يُزاد في سيئاته، ولا يُنقص من حسناته.

стр. 1458

وأصل الهضم الكسر (١)، والمعنى: لا يُظلم بحرمان الثواب، ولا يُهضم بنقصان الجزاء. ومن رفع (٢) جعل تقديره: فهو لا يخاف، ومن جزم جعله نهياً، ودخل الفاء لجزاء الشرط (٣). ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، وهو نسق على قوله ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩]. وقيل: كما رَغَّبْنا أهل الإيمان بالوعد حَذَّرْنا أهل الشرك بالوعيد (٤). ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾ كررنا القول فيه. ﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ذكر الطُّوفان، والصَّيْحة، والرَّجْفة، والمَسْخ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن تقدمهم. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ عظة واعتباراً. وقيل (٥): شرفاً بإيمانهم به (٦). و﴿أَوْ﴾ (٧) بمعنى الواو، وأسند الإحداث إلى القرآن لأنه يقع عنده (٨).

стр. 1459

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ ارتفع صفاته عن صفات (١) المخلوقين. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: يستحق الوصف بالملك، وقيل: هو المالك حقاً (٢). ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ قيل: كان النبي ﷺ يعجل بالقراءة من قبل أن يستتم جبريل وحيه مخافة أن ينساه أو يفوته شيء منه فيقرأ مع جبريل (٣). ابن عباس، ﵄: لا تعجل حتى نبينه لك (٤). السدي: لا تسأل إنزاله قبل لأن يأتيك (٥). وقيل: لا تعجل بتعليمه مالم تفهمه (٦).

стр. 1460

ومعنى ﴿يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ يتم بيانه. وقيل: يُفْرَغ من إيحائه وإنزاله (١). ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ سل الله أن يزيد علماً إلى علمك بوحيه إليك. وقيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ أدباً في دينك. وقيل: زدني علماً بقصص أنبيائك (٢). وقيل: زدني حفظاً حتى لا أنسى ما أُوحي إلي (٣). ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ﴾ أي: أمرناه أن لا يقرب الشجرة ولا يأكل منها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل هذا الزمان. وقيل: قبل أولاده (٤). ﴿فَنَسِيَ﴾ فيه قولان: أحدهما: نسي العهد وسها (٥). والثاني: ترك أمر ربه (٦). وقيل: نسي فأول (٧). وقيل: حُمِلَ النهي على التنزيه لا على التحريم، وقد سبق في أول البقرة بيانه (٨). وقيل: إن حواء أقدمت عليها فلم يصبها شيء، ثم أبت أن يجامعها إلا أن يأكل منها فأكل منها. ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ فيه قولان:

стр. 1461

أحدهما: فيه عزم على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد. والثاني: لم يكن من أهل العزيمة والثبات. وروي عن أبي أمامة (١) أنه قال: " لو وزنت أحلام بني أدم بحلم آدم لرجح حلمه، وقد قال الله ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ " (٢). ولا يصح أن يطلق في نفي العزم عنه بل يُقَيَّد، فيقال: لم يكن له عزم في التحفظ عن مكايدة إبليس. وقيل: لم نجد له عزماً في العود إلى الذنب ثانياً (٣). وقيل: ﴿عَزْمًا﴾ رأياً وصبراً (٤). وقيل: نسي الوعيد لا العهد (٥)، والعزم: اعتقاد القلب على الشيء. وقيل: العزم المحافظة على أمر الله (٦).

стр. 1462

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ أراد تشقيا، لكنه وحد لمشاكلة رؤوس الآي. وقيل: أَولُ الخطاب له وحده فجعل آخره كأوله (١). وقيل: حواء تبع لآدم (٢). ومعنى ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾: يشدد عيشك. والشقاء: كَدُّ العيش. وقيل: معنى ﴿فَتَشْقَى﴾ تأكل (٣) من كدك وكسبك (٤). ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ أي: لا ينقطع الطعام والشراب واللباس عنك بل يحضرك ما تريده أبداً. ومعنى ﴿تَضْحَى﴾ (٥): لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس. قرئ (إن) بالكسر والفتح، والكسر على العطف على الأول، والفتح على العطف على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾، ومحله نصب بإن (٦)، وجاز كما تقول: إن في علمي أنك جالس، كما وقع مبتدأ في قول الشاعر:

стр. 1463

أفي الحق إني مغرم بك هائم ... وأنك لا خَلٌ هواك ولا خَمْرُ (١). ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ أي: أَلقَى الشيطان في نفسه. و﴿شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ هي التي من أكل منها لا يموت. ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ لا يزول. وقيل: لا ينقطع بالموت (٢). ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا﴾ أقبلا وداما. ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يستران عورتيهما. ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة (٣). ﴿فَغَوَى (١٢١)﴾ ارتكب ما فيه الهلاك، أو فساد عظيم. وقيل: ﴿فَغَوَى﴾ ضل عما أُمر به (٤). وقيل: جَهِلَ وجه الأمر (٥). وقيل: تعدى إلى شيء لم يكن له أن يتعدى إليه (٦). وقيل: خاب ماكان يظن أن يناله بأكل الشجرة من الخلود (٧). وقيل: ﴿فَغَوَى﴾ حُرِمَ ما جعل الله له (٨) من الدوام في الجنة (٩).

стр. 1464

﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا الْجُودِيِّ جَمِيعًا﴾ يعنى: اهبطا أنتما وإبليس جميعاً، ولفظ جميع يدل على ذلك (١). وقيل: إنه خطاب لآدم وإبليس وذريتهما (٢). وقيل: كان أهبط إبليس قبلهما، والمعنى: اهبطا جميعاً ثم أنتما وإبليس. وقيل: والحية (٣). ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ خطاب لآدم وحواء وذريتهما. وقيل: وإبليس أيضاً مخاطب به، والوجه الأول (٤). ﴿مِنِّي هُدًى﴾ كتاب ورسول. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ سبق (٥). ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قيل: القرآن (٦). وقيل: الهدى فلم يتبعه (٧). ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضيقاً غير موسع، يعني: في النار. وقيل: حراماً يعني في الدنيا (٨). وقيل: هو الكسب الخبيث والعمل السيء (٩).

стр. 1465

وقيل: معيشة ضنكاً يضيق عليه قبره (١). وقيل: هو عذاب القبر، وبذلك فسره رسول الله ﷺ (٢). ابن عباس، ﵄: الشقاء معيشة الضنك (٣). ابن جبير: يسلبه القناعة (٤) حتى لا يشبع (٥). وقيل: عيش الدنيا ضَنِك ضَيِّق لانقضائه، وقصر مدته، وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة (٦).

стр. 1466

﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ قيل: عن الحجة (١). وقيل: أعمى البصر (٢). وقيل: أعمى القلب (٣). وعن ابن عباس، ﵄: يحشر بصيراً ثم إذا سيق إلى المحشر عمي (٤). وقيل: أعمى عن كل شيء إلا عن جهنم (٥). ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾ في الدنيا. ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: إنما عميت جزاءً على فعلك وهو نسيان آيات الله. وقيل: ترك العمل بها (٦). ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ تترك في العمى والعذاب. وقيل: تُعامل معك معاملة المنسي (٧). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أي: كما جازينا المُعرض نجزي المُسرف. والإسراف: مجاوزة الحد المحمود (٨). ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ﴾ يريد فعصى الله وكفر به. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾ الذي يناله بعد ذلك.

стр. 1467

﴿أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ﴾ هؤلاء. ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ديار المهلكين ومنازلهم إذا سافروا أو اتجروا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ اختلفوا في فاعل ﴿يَهْدِ﴾؛ فقال الكوفيون: فاعله ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الجمل لا تكون فاعلة. وقال البصريون: فاعله مضمر يفسره ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قالوا: ويجوز أن يكون مصدراً كما قيل في قوله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ [يوسف: ٣٥]، ويحتمل أن الفاعل هو الله سبحانه على تقدير أفلم يهد الله لهم فيعلموا ويقويه قراءة من قرأ نهد بالنون (١). ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ تقدير الآية: ولولا كلمة سبقت بتأخير العذاب عن أمة محمد ﷺ . وقيل: بأن يؤمن بعضهم وأجل مسمى يعنى القيامة لكان العذاب لزاماً لهم لا يفارقهم كما لم يفارق القرون الماضية الكافرة (٢). وقيل: الأجل المسمى الموت (٣). وقيل: لزاماً قتلاً (٤). وقيل: ما أصابهم يوم بدر لزمهم حتى يُستأصَلوا (٥).

стр. 1468

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ منسوخ بآية السيف (١). وقيل: اصبر على أذاك (٢). ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ صلاة العصر. ﴿وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ يعنى: المغرب والعشاء الآخرة. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ الظهر، وجمع لأن النهار جنس. وقيل: أراد بأطراف النهار التطوع في جميع أجزاء النهار (٣)، وبـ ﴿آَنَاءِ اللَّيْلِ﴾ صلاة الليل كله (٤)، وآناء جمع إنْيٌ (٥)، وإنَىً، وآنا (٦). ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ بما تعطى، ومثله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]. و﴿تَرْضَى﴾ يرضيك الله بكرامته.

стр. 1469

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ في سبب النزول " عن أبي رافع (١) مولى رسول الله ﷺ أن ضيفاً نزل برسول الله ﷺ فدعاني فأرسلني إلى رجل من اليهود يبيع طعاماً يقول لك محمد رسول الله ﷺ : إنه نزل بنا ضيف ولم نلف عندنا بعض الذي نصلحه، فبعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب. فقال اليهودي: لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن. قال: فرجعت إليه وأخبرته فقال: والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه، اذهب بدرعي، ونزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا " (٢). ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: لا تنظر. وقيل: لا يعظم (٣) في عينيك (٤).

стр. 1470

وقيل: لا تتأسف وارض بما رزقك الله (١). وقوله ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: أصنافاً وهم الرجال والنساء. وقيل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أشكالاً منهم (٢)، لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب (٣). ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ زينتها، وحسنها، وبهجتها، والزهرة المضيء المستحسن. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنعامل معهم معاملة المختبر. وقيل: لنشدد تكليفهم (٤). ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ في الجنة. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي: أمتك. وقيل: آل بيتك (٥). ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ داوم عليها (٦). ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ لخلقنا ولا لنفسك. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ فالتمس منا فإن الله رازق الجميع. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ أي: الصلاح في آخر الأمر للمتقين. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: آية تدل على صدق محمد ﷺ . ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ يعني القرآن فيه بيان ما في التوراة والإنجيل والزبور. وقيل: أليس قد أُعلموا أن الله قال في الكتب المتقدمة: إن الآية المقترحة إذا لم يؤمن بها تبعها عذاب الاستئصال (٧).

стр. 1471

وقيل: بيان صفة محمد ﷺ (١). ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يعني العرب. ﴿بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل محمد ﷺ والقرآن. ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا﴾ هلا. ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ يدعونا. ﴿فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ بالعذاب. وقيل: نذل في الدنيا ونخزى في العقبى (٢). ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر دوران الزمان ولمن يكون الفتح والنصر (٣). ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أنتم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءت القيامة. ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم. وقيل: السَّوِي الذي يستوى سالكه إلى نجاحه (٤). ﴿وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ من الضلالة أنحن أم أنتم، هذا إذا جعلت (من) استفهاماً، وإن جعلته خبراً نصبته، والمعنى ستعرفون. وقرئ في الشواذ " الصراط السوء " (٥)، ﴿السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ للازدواج. والله أعلم، وإليه المرجع والمآب (٦).

стр. 1472

سورة الأنبياء قال الشيخ الإمام برهان الدين تاج القراء أبو القاسم محمود بن نصر ﵀: سورة الأنبياء ﵈ مائة واثنتا وعشرة آية (١) مكية، ابن مسعود ﵁: سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هي من العتاق الأول، وهن من تلادي (٢). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ ابن عيسى: الاقتراب قِصَرُ المُدة للشيء بالإضافة إلى ما مضى من زمانه، وحقيقة القرب قلة ما بين الشيئين، وهو على ثلاثة أوجه؛ قرب زمان، وقرب مكان، وقرب رجال (٣). والحساب: إخراج الكمية من مبلغ العدة (٤). والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس. والإعراض: الذهاب عن الشيء إلى غير عرضه، أي: ناحيته (٥)، والمعنى: اقترب لأهل مكة (٦). وقيل: عام في منكري البعث (٧).

стр. 1473

﴿حِسَابُهُمْ﴾ وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته لهم على أعمالهم، يعني: يوم القيامة لأن ما هو آت قريب لدخوله فيما ينقضي، وهم في غفلة عن التأهب لها معرضون عن الإيمان، وقيل: تأتيهم بغتة (١). ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قيل: من القرآن (٢). وقيل: من الوعظ (٣). وقيل: الذكر محمد ﷺ (٤)، بدليل قوله حكاية عنهم ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والوجه الأول. ﴿مُحْدَثٍ﴾ بالتنزيل ينزله الله ليذكرهم ويعظهم به، ومن جعل الذكر الرسول (٥) قال: محدث بالإرسال. ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ أصغوا إليه، وقيل: أدركوه، والاستماع يأتي للمَعْنَيَين. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ مستهزؤون به. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ ساهية غافلة. وقيل: هو من اللهو واللعب، أي: قلوبهم في اللعب (٦). ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قيل: كتموه، وهو الأظهر. وقيل: أظهروا (٧). والنجوى (٨) ما تحدثوا به سراً. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.

стр. 1474

واختلف النحاة في ارتفاعه؛ فقال بعضهم بدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ وهو قول أكثرهم، وقال بعضهم: خبر مبتدأ، أي: هم الذين ظلموا (١). وقيل: هذا على لغة أزد شنوءة (٢)، كما قال: يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلهم ألوم. (٣) الكسائي (٤): رفع بالابتداء، وفيه تأخير. أي: والذين ظلموا أسروا النجوى (٥). وقيل: محله نصب بإضمار أعني. وقيل: محله جر بالبدل عن الناس، ويحتمل أنه رفع بإضمار القول أي: وأسروا النجوى وقال الذين ظلموا، وإضمار القول كثير، وهذا ظاهر، والله أعلم (٦).

стр. 1475

﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ آدمي مثلكم يعنون محمداً ﷺ ، وهذا تفسير النجوى أو محكي القول كما ذكرت. ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ أتقبلون سحره وأنتم ترون أنه رجل مثلكم. وقيل: أتقبلونه (١) وأنتم تعلمون أنه سحر (٢). وقيل: تقبلون وأنتم عقلاء، وعنوا بالسحر: القرآن (٣). ﴿قَالَ﴾ يا محمد أي: أجبهم. ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ ما يقال. ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ومن قرأ ﴿قَالَ﴾ فعلى الحكاية من محمد ﷺ (٤). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ فلا يخفى عليه سركم ونجواكم. ﴿بَلْ قَالُوا﴾ (بل) يأتي على وجهين: أحدهما: الإضراب عن الأول والإثبات للثاني. والثاني: إتمام الأول والابتداء بالثاني، وما كان في حق الله فمن الوجه الثاني، وهو قوله ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أشياء مختلفة رآها في المنام. ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه وأضافه إلى الله. ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ كسائر الشعراء تفرد بنوع منه، أي: قَسَّموا الكلام في القرآن أربعة أقسام؛ فقائل: هو سحر، وقائل: هو أضغاث أحلام، وقائل: هو مُفْتَرى، وقائل: هو شعر.
следующие страницы →