← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقيل: بيان صفة محمد ﷺ (١). ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يعني العرب. ﴿بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ قبل محمد ﷺ والقرآن. ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا﴾ هلا. ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ يدعونا. ﴿فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ بالعذاب. وقيل: نذل في الدنيا ونخزى في العقبى (٢). ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر دوران الزمان ولمن يكون الفتح والنصر (٣). ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أنتم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءت القيامة. ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم. وقيل: السَّوِي الذي يستوى سالكه إلى نجاحه (٤). ﴿وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ من الضلالة أنحن أم أنتم، هذا إذا جعلت (من) استفهاماً، وإن جعلته خبراً نصبته، والمعنى ستعرفون. وقرئ في الشواذ " الصراط السوء " (٥)، ﴿السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ للازدواج. والله أعلم، وإليه المرجع والمآب (٦).

стр. 1472

سورة الأنبياء قال الشيخ الإمام برهان الدين تاج القراء أبو القاسم محمود بن نصر ﵀: سورة الأنبياء ﵈ مائة واثنتا وعشرة آية (١) مكية، ابن مسعود ﵁: سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هي من العتاق الأول، وهن من تلادي (٢). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ ابن عيسى: الاقتراب قِصَرُ المُدة للشيء بالإضافة إلى ما مضى من زمانه، وحقيقة القرب قلة ما بين الشيئين، وهو على ثلاثة أوجه؛ قرب زمان، وقرب مكان، وقرب رجال (٣). والحساب: إخراج الكمية من مبلغ العدة (٤). والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس. والإعراض: الذهاب عن الشيء إلى غير عرضه، أي: ناحيته (٥)، والمعنى: اقترب لأهل مكة (٦). وقيل: عام في منكري البعث (٧).

стр. 1473

﴿حِسَابُهُمْ﴾ وقت محاسبة الله إياهم ومجازاته لهم على أعمالهم، يعني: يوم القيامة لأن ما هو آت قريب لدخوله فيما ينقضي، وهم في غفلة عن التأهب لها معرضون عن الإيمان، وقيل: تأتيهم بغتة (١). ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قيل: من القرآن (٢). وقيل: من الوعظ (٣). وقيل: الذكر محمد ﷺ (٤)، بدليل قوله حكاية عنهم ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والوجه الأول. ﴿مُحْدَثٍ﴾ بالتنزيل ينزله الله ليذكرهم ويعظهم به، ومن جعل الذكر الرسول (٥) قال: محدث بالإرسال. ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ أصغوا إليه، وقيل: أدركوه، والاستماع يأتي للمَعْنَيَين. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ مستهزؤون به. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ ساهية غافلة. وقيل: هو من اللهو واللعب، أي: قلوبهم في اللعب (٦). ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قيل: كتموه، وهو الأظهر. وقيل: أظهروا (٧). والنجوى (٨) ما تحدثوا به سراً. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا.

стр. 1474

واختلف النحاة في ارتفاعه؛ فقال بعضهم بدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ وهو قول أكثرهم، وقال بعضهم: خبر مبتدأ، أي: هم الذين ظلموا (١). وقيل: هذا على لغة أزد شنوءة (٢)، كما قال: يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلهم ألوم. (٣) الكسائي (٤): رفع بالابتداء، وفيه تأخير. أي: والذين ظلموا أسروا النجوى (٥). وقيل: محله نصب بإضمار أعني. وقيل: محله جر بالبدل عن الناس، ويحتمل أنه رفع بإضمار القول أي: وأسروا النجوى وقال الذين ظلموا، وإضمار القول كثير، وهذا ظاهر، والله أعلم (٦).

стр. 1475

﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ آدمي مثلكم يعنون محمداً ﷺ ، وهذا تفسير النجوى أو محكي القول كما ذكرت. ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ أتقبلون سحره وأنتم ترون أنه رجل مثلكم. وقيل: أتقبلونه (١) وأنتم تعلمون أنه سحر (٢). وقيل: تقبلون وأنتم عقلاء، وعنوا بالسحر: القرآن (٣). ﴿قَالَ﴾ يا محمد أي: أجبهم. ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ ما يقال. ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ومن قرأ ﴿قَالَ﴾ فعلى الحكاية من محمد ﷺ (٤). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ فلا يخفى عليه سركم ونجواكم. ﴿بَلْ قَالُوا﴾ (بل) يأتي على وجهين: أحدهما: الإضراب عن الأول والإثبات للثاني. والثاني: إتمام الأول والابتداء بالثاني، وما كان في حق الله فمن الوجه الثاني، وهو قوله ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أشياء مختلفة رآها في المنام. ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه وأضافه إلى الله. ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ كسائر الشعراء تفرد بنوع منه، أي: قَسَّموا الكلام في القرآن أربعة أقسام؛ فقائل: هو سحر، وقائل: هو أضغاث أحلام، وقائل: هو مُفْتَرى، وقائل: هو شعر.

стр. 1476

ويجوز أن يكون التقدير: ناقضوا قولهم، فمرة يقولون هو كذا، ومرة يقولون هو كذا، و﴿بَلْ﴾ الحرف الثاني والثالث يجوز أن يكون من الله كالأول على التأويل الذي ذكرت، ويجوز أن يكون محكياً عنهم. ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ إن كانت دعواه صادقة وليس كما نظن فليأتنا بمعجزة ظاهرة كما أُرسِل من قَبْلَه باليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى. ﴿مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: من أهل قرية. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ حكمنا بإهلاكها. وقيل: من القرى المهْلَكة بما اقترحوا من الآيات لما جاءت لأنهم طلبوها تعنتاً (١). ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ استفهام تبعيد وإنكار أي فلا تأتيهم (٢) إذ قضينا في السابق أن لا نعذب أمة محمد ﷺ بالاستئصال. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ هذا جواب قولهم (٣) ... ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الكتب المتقدمة. وقيل: من آمن منهم (٤). وعن علي ﵁: نحن أهل الذكر (٥)، يعني المؤمنين، والسؤال شفاء من الجهل. وقيل: ﴿الذِّكْرِ﴾ العلم بأخبار من مضى من الأمم (٦).

стр. 1477

﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ أي: وما جعلنا الرسل (١) ذوي أجساد لا يأكلون الطعام، ولا يموتون. وقيل: وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ذهب بها مذهب بابها من العقلاء (٢). وقيل: الجسد في الأصل مصدر سمي به، ولهذا لم يجمع (٣)، ويحتمل: وما جعلنا كل واحد جسد. مجاهد: الجسد مالا يأكل ولا يشرب (٤)، والجسم (٥) ماله ثلاثة أبعاد الطول والعرض والعمق، وكل ماله قوام بذاته فهو جسد. والمعنى: هم من جميع الوجوه كسائر بني آدم إلا في رتبة النبوة وشرف المنزلة. ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ أي: أنجزنا وعدنا فأنجينا الأنبياء والمؤمنين وأنزلنا وعيدنا بالكافرين، والإسراف: مجاوزة الحد المحمود إلى الباطل المذموم. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ يعنى: القرآن فيه شرفكم ومنزلتكم. وقيل: ذكر دينكم ودنياكم (٦). وقيل: تذكيركم ووعظكم (٧). وقيل: حديثكم (٨). وقيل: ما يُتَذَكرُ به ويُهْتَدى (٩).

стр. 1478

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ ما فضلتكم به على غيركم. ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهلكنا أهل قرية، والقَصْمُ: كسر الشيء الصلب حتى يَبِين (١). ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: أهلها ظالمون. ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾ بعد إهلاك أهلها. ﴿قَوْمًا آَخَرِينَ (١١)﴾ والإنشاء: إحداث الشيء. ابن عيسى: إيجاد الشيء من غير سبب، (٢) تقول: أنشأه فنشأ، وهو ناشئ، والجمع نشاء، كخادم وخَدَم، وخَارب وخرب (٣). ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ أي: أدركوا بحواسهم عذابنا، يعني: أهل القرية المهلكة. ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾ من القرية. ﴿يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ يخرجون مسرعين. وقيل: يهربون سراعاً (٤). وقيل: يركضون على أرجلهم فارين، تقول: رَكَضْت الدابة إذا ضربته لتجد في السير، ورَكَضْتُ برجلي على الأرض إذا ضربتها بها (٥). ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ أي: قيل لهم: لا تركضوا فإن هربكم لا ينفعكم وسعيكم لا يغنيكم من القدر. ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ إلى تنعمكم (٦)، والترفه: التلذذ بالنعمة (٧).

стр. 1479

﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ فيه أقوال: الحسن: ستعذبون، ولعل من الله واجب (١). قتادة: هذا على وجه السخرة والاستهزاء (٢). مجاهد: لعلكم تفقهون بالمسألة (٣). الكلبي: هم أهل حَصُوراء من قرى اليمن أرسل الله إليهم نبياً فكذبوه ثم قتلوه، فسلط الله عليهم بخت نصر فقاتلهم (٤) فهزمهم فمروا على دورهم ولم يَلووا على شيء منها فردهم الملائكة حتى رجعوا إلى دورهم فدخل عليهم بخت نصر فأهلكهم والملائكة يقولون يا ثارات فلان يسمونه فلما سمعوا ذلك ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ (٥). وقيل (٦): لعلكم تُسألون الإيمان كما سؤلتموه قبل (٧) نزول العذاب (٨). وقيل: لعلكم تسألون من دنياكم أشياء استهزاءً بهم (٩). الزجاج: تسألون أشياء مما أترفتم فيه (١٠). وقيل: لعلكم تُسألُون عما تشاهدون فَتُجِيبوا (١١).

стр. 1480

ويحتمل على قول الكلبي أنهم خرجوا هرباً من بخت نصر فأوقع الله في قلوبهم، أو قال بعضهم لبعض: لا تهربوا وارجعوا إلى منازلكم وأموالكم لعلكم تُسْألون مالاً وخراجاً أي: نُرضي بخت نصر بالمال فلا يتعرض للقتل والقتال (١). ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ أي: هلكنا ووقعنا في أشد البلاء. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ أقروا على أنفسهم بظلمهم بالإشراك بالله وقتل نبيهم. ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ لم يزالوا يرددون كلمة الويل، والدعوى: الادعاء. ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا﴾ محصوداً بالسيف. الحسن: مستأصلاً بالعذاب (٢)، ووحد لأن " فعيلا " قد يقع موقع الجمع. وقيل: بل أُجرى مجرى المصادر. ﴿خَامِدِينَ (١٥)﴾ ميتين، من خمدت النار خموداً. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ اللعب: فعل يدعوا إليه الجهل يروق أوله ولا ثبات له، وإنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء وليُستَدل بها على وحدانية الله وقدرته. ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ابن عيسى: اللهو: صرف الهَم عن النفس بفعل القبيح. واختلف المفسرون في الآية؛ فذهب الحسن في جماعة إلى أن المراد به هاهنا الزوجة رد على من قال مريم صاحبته (٣).

стр. 1481

الزجاج: في جماعة الولد بلغة حضرموت (١)، رد على من قال عيسى ابنه (٢). وقيل: رد على المشركين ما أضافوا إليه أُنسه بالأصنام (٣). وقيل: هو اللهو على ظاهره (٤). قوله ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: من عندنا. وقيل: لاتخذناه بحيث لايطلع عليه أحد لأنه نقص وستره أولى. السدي: من السماء لا من الأرض (٥). ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ قيل: شرط. أي: إن كُنا ممن يفعل ذلك ولسنا كذلك. وقيل: هو نفي كقوله ﴿وَإِنْ أَدْرِي (١١١)﴾ أي: ما كنا فاعلين. وقيل: معناه لوكنا فاعلين (٦). ابن بحر: ليس في الآية ذكر الولد والزوج، وإنما هي عطف على الآية الأولى، أي: لو كان اللعب يليق بنا لاتخذنا منه ما يكون في علمنا وقدرتنا (٧).

стр. 1482

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ بالإسلام على الإشراك. وقيل: بالقرآن على إبليس (١). وقيل: بالوعظ على المعاصي. وقيل: بالحجة على الشبهة. وقيل: بالدليل المبطل للباطل على الباطل. ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيكسره ويبلغ أم دماغه فلا يحيى ولا يبقى بعده. ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ هالك ذاهب. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ شدة العذاب. ﴿مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ أي: تصفون الله مما لا يليق به. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَلَقاً، ومُلْكاً، فكيف يكون ولداً وبينهما تناف. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ أي: في محل كرامته، يعني: الملائكة. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتعظمون. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ لا يعيون، فإن تسبيحهم يجري مجرى التنفس منا. وقيل: لا ينقطعون (٢). حَسَرَ واسْتَحْسَر بمعنى، وحَسَرَ لا زم ومتعدٍ (٣). ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزهون الله عن الولد، والزوجة، والشريك، وعما لا يليق به. ﴿لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ لا يضعفون عنه، وروي عن بعض القراء الوقف على قوله

стр. 1483

﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ أي: عن سائر الأعمال مما يأمرهم الله تعالى، وفيه ضعف؛ لأن عملهم لا يمنعهم من التسبيح كما أن أعمالنا لا تمنعنا (١) عن التنفس وطرف العين (٢). ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ يحيون الموتى، أي: الإحياء والإماتة بيد الله سبحانه. وقوله ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ صفة للآلهة (٣). وقيل: تقديره: أم اتخذوا آلهة هم ينشرون من الأرض الموتى (٤). ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: غير الله ولهذا رفع، ويأتي ﴿إِلَّا﴾ بمعنى غير كما جاء غير بمعنى إلا، وهو الكثير، ولو نصبته في الآية لبطل المعنى المقصود وصار الآلهة مثبتة مع الله، تعالى الله عن ذلك. وإثبات إلهين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكونا عاجزين، أو قادرين، أو قادراً وعاجزاً؛ والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً فبطل قسمان وبطل الثالث أيضاً، لأن الإله واجب الوجود ووجوب الوجود لا يصح لاثنين، ويبطل أيضاً الاستحالة ووجود الشيء من فاعلين وليس أحدهما بأولى به (٥) من الآخر والسماوات والأرض موجودات، فدل وجودهما على وحدانية الموجد وهو الله سبحانه.

стр. 1484

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ أي: له السماوات والأرض وما فوقهما من الكرسي والعرش، وهو مُنزه عن الوصف بالشريك والصاحبة والولد. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ أي: ليس عليه اعتراض في حكمه؛ إذ لا أحد مثله وفوقه فيسأله عن فعله بعباده. ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ أي: العباد مسؤولون عن أفعالهم. وقيل: لا يسأله الملائكة وهم يسألون بقوله ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ [سبأ: ٤٠] (١). وقيل: لا يُسأل سبحانه والذين اتخذتموهم آلهة كعيسى، والملائكة، والأوثان يُسألون (٢). وقيل: لا يُسأل لأن جميع أفعاله صواب وهم يُسأَلون لأنهم يخطئون (٣). وروي عن الضحاك: أن كفار قريش قالوا: يا محمد ربنا يكتب علينا الذنب ثم يعذبنا عليه قالوه (٤) تكذيباً بالقدر، فأنزل الله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٥) أي: لا يسأل عن قضائه وهم يسألون عن أفعالهم. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً﴾ أمرهم الله تعالى بعبادتها في كتب من الكتب (٦). ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قدموا حجتكم على ذلك. ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي: هذا القرآن فيه ذكر أمتي وذكر الأمم المتقدمة، وليس فيه جواز ذلك ولا الأمر بعبادة الأوثان.

стр. 1485

وقيل: تقديره: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: القرآن، وهذا (١) ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: التوراة والإنجيل، وليس فيها كلها إباحة ذلك (٢)، وليس قوله ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ بتكرار ساذج بل الأول للقياس (٣) أي: أوجدوا آلهة ينشرون الموتى من الأرض فاتخذوهم آلهة قياساً، والثاني للتقليد (٤) والمعنى: أوجدوا في كتب الله الأمر باتخاذ آلهة فاتخذوهم آلهة تقليداً. والبرهان: البَيِّن (٥) الواضح من القول. وقيل: معنى ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ خبر من معي وخبر من قبلي؛ فمن نجا فبالإيمان، ومن هلك فبالشرك (٦). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ بسبب جهلهم. وقيل: لا يعلمون القرآن فهم لأجل ذلك معرضون تاركون (٧)، ثم أكد ذلك فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وحدوني ولا تشركوا بي شيئاً. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعنون الملائكة. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عن اتخاذ الولد لأن ذلك يقتضي المجانسة، والله منزه عن الوصف بالجنس والنوع. ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ أي: بل هم عباد مكرمون وليسوا بأولاد.

стр. 1486

﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا يتكلمون إلا بما أمرهم به. وقيل: لا يتعدون ما أمروا به (١). وقيل: لا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بأمره (٢). وقيل: لا يقولون قبل أن يقول (٣). وقيل: لا يقولون إلا بما يوحى إليهم (٤). ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ أي: يعملون ما يعملون بأمره. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قد سبق. وقيل: ما كان الملائكة وما يكون بعدهم (٥). ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أي: من رضيه الله، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله. ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ خائفون أن يحل بهم عقابه. وقيل: يخافون أن يشفعوا إلا بإذنه. وقيل: يخافون من التقصير في العبادة (٦). ﴿* وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: من الملائكة. وقيل: من الملائكة وممن عُبِدوا من دون الله (٧). ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ﴾ أي: فذلك القائل. ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ أي: الكافرين. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد به إبليس فإنه ادعى الإلهية لنفسه ووسوس إليهم (٨).

стр. 1487

﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرئ بالواو وحذفها وهما في المعنى سواء (١)، والرؤية بمعنى العلم وقيل: هي (٢) من رؤية العين. ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ منسداً ووحد لأنه مصدر. والرَّتَقُ: السد، وكل شيئين لا فرجة بينهما فهما رتق (٣). ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فشققناهما. والفَتْقُ: الفصل بين الشيئين كانا ملتئمين (٤)، وفيها أربعة أقوال: أحدها: أن السماوات كانت متصلة بالأرض ففتقناهما بأن جعلنا بينهما الهواء (٥). والثاني: أن السماوات كانت واحدة ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بأن جعلناها سبعاً، وكذلك الأرض كانت واحدة فجعلناها سبعاً (٦).

стр. 1488

والثالث: أن السماوات كانت رتقاً لا تمطر ففتقناها بالمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت ففتقناها بالنبات، وعلى هذا القول المراد بالسماوات سماء الدنيا فجمع (١). والرابع: كانت رتقاً بالظلمة لا يُرى ما فيهما ففتقناهما بخلق الأبراج النيرة، حكاه ابن الهيصم (٢)، (٣). ﴿وَجَعَلْنَا﴾ وخلقنا. ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ المشروب. وقيل: من النطفة (٤). ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ كل شيء له حياة. وقيل: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ هاهنا يتعدى إلى مفعولين، فالمعنى: يعيش كل شيء بالماء، وهذا لا يصح إلا على قراءة من قرأ " حياً " (٥)،

стр. 1489

أو على إضمار تقديره: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي وحذف المضاف، و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هاهنا للأغلب الأكثر لا للعموم، ويحتمل أن التقدير: وجعلنا من الماء أو مما ينبت بالماء كالنبات أو مما يتولد بالنبات كالَّلحم فإن أصل كلها الماء. ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ مع ظهور الآيات. ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالاً. من رَسَا إذا ثبت (١). وقيل: سمي رواسي لأن الأرض رست بها (٢). ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ كراهة أن تميد. وقيل: لأن لا تميد (٣). ومعنى ﴿تَمِيدَ﴾: تميل. وقيل: تضطرب بالذهاب في الجهات (٤). ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ في الأرض. وقيل: في الجبال (٥). ﴿فِجَاجًا﴾ طرقاً، جمع فَج، وهو الطريق الواسع. وقيل: الفَجُّ: الطريق بين الجبلين (٦). وقيل: فجاجاً أعلاماً (٧).

стр. 1490

﴿سُبُلًا﴾ مسالك للسابلة. وقيل: سبلاً للاعتبار (١). ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ إلى ديارهم وأوطانهم. وقيل: يهتدون بالاعتبار (٢). ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ كل ما رفع وسُمِكَ على شيء فهو سقفه. ﴿مَحْفُوظًا﴾ من السقوط. وقيل: محفوظاً من الشياطين بالشهب (٣). وقيل: محفوظاً من الهواء من غير علاقة ولا عماد (٤). وقيل: محفوظاً من الشرك والمعاصي (٥). ﴿وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا﴾ عن الأدلة التي فيها كالشمس، والقمر، والنجوم. ﴿مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ غير متفكرين فيها (٦). ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ الليل عبارة عن زمان غروب الشمس، والنهار عبارة عن زمان طلوعها ولولا تعاقبهما (٧) لما كان لبشر ولا نبات ولا لحيوان قرار كما كان في الأماكن التي لا تزول عنها الشمس والأماكن التي لا تطلع عليها. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ أي: الليل والنهار والشمس والقمر. وقيل: والنجوم، وذكر الليل يدل عليها. ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ ابن عباس، ﵄: الفَلَك: السماء (٨)، وأكثر المفسرين على أن الفَلَك: موج ملفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم (٩).

стр. 1491

الحسن: الفلك يشبه الطاحونة تجري تحت السماء (١). قتادة: الفَلَك: استدارة بين السماء والأرض تدور بالنجوم مع ثبوت السماء (٢). وقيل: أنه يدور دورة البَكَرَة (٣). وقيل: يدور دور الرَّحَا (٤). وقيل: الفَلَك: القطب الذي تدور عليه النجوم (٥). وقيل: الفَلَك: المواضع التي ركبت فيها (٦). وقيل: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ دوران (٧). وقيل: الفَلَك: جرم مستدير ولاستدارته سمي فلكاً (٨)، ولكل واحد من السيارات فلك، وفلك الأفلاك تحركها حركة واحدة من المشرق إلى المغرب. والله أعلم. (٩) ومن المفسرين من قال: إن الله هو العالم بكيفية جريها كما يشاء. قوله ﴿يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ أي: يسيرون. وقيل: يدورون (١٠).

стр. 1492

وأصل السَّبْح: العَوْمُ في الماء، ثم جُعِلَ كُلُ مُسرع في سيره سابحاً، وفرس سَابِح وسَبوح (١): مسرع (٢)، وأجري مجرى العقلاء لما أخبر عنه كما يخبر عن العقلاء وليس له حياة ولا عقل خلاف لمن زعم ذلك (٣). ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ البقاء السرمد الدائم. ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ نزلت حين قالوا ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٣٠] (٤)، نفى عنه شماتة الموت، والفاء الأول لعطف جملة على جملة، والثاني لجزاء الشرط، وألف الاستفهام حقه الجزاء ودخل الشرط لأن الاستفهام له صدر الكلام. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: كل ذي جسد وروح. ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: سيذوق ويقاسي مرارة الموت، واستعير لفظ الذوق كما استعير لفظ المرارة. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ﴾ الفقر والضر. ﴿وَالْخَيْرِ﴾ الغنى والنفع. وقيل: ما تحبون وما تكرهون (٥). ﴿فِتْنَةً﴾ امتحاناً لصبركم وشكركم. وقيل: نعاملكم معاملة المختبر (٦). ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ للحساب، والثواب، والعقاب.

стр. 1493

﴿وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في سبب النزول: أن أبا جهل (١) وأبا سفيان (٢) كانا جالسين في جماعة من قريش فاجتاز النبي ﷺ فقال أبو جهل لأبي سفيان: أنظر إلى نبي بني عبد مناف استهزاءً. فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبي بني عبد مناف؟ فسمع النبي ﷺ قولهما فقال لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة (٣). وقال لأبي سفيان: إنما قلت الذي قلته حَمِيَّة؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤). ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يتخذونك. ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ يهزؤون بك. وقيل: تقديره: وإذا رأوك داعياً إلى رفض آلهتهم هزؤوا وقالوا ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ﴾ أي: يعيبها. ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ قيل: يريد الذين قالوا: وما الرحمن؟ لا يعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعني: مسيلمة (٥). وقيل: بذكر الرحمن أي: بتوحيده (٦). وقيل: ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ القرآن (٧).

стр. 1494

وقيل: ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: بشكره. وقيل: إذا ذكروا الرحمن قالوا الأصنام شركاؤه (١). ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ (٢) وكرر لأن الصلة حالت بينه وبين الخبر فأعاد المبتدأ. وقيل: كرر للتأكيد. ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قيل: المراد به آدم ﵇ (٣). مجاهد: هو أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت الغروب فقال: يارب عَجِّل تمام خلقي قبل أن تغيب الشمس (٤). سعيد: لما بلغت الروح ركبتيه كاد يقوم فقال خلق الإنسان من عجل (٥). قال ابن زيد: خلقه الله آخر يوم الجمعة على عجلة في خلقه (٦). وقيل: الإنسان هاهنا عام، والمعنى: خُلِق عجولاً (٧)، والعَجَلَ والعَجَلَةُ مصدران، والعَجَلَةُ: فعل الشيء قبل وقته. وقيل: من عَجِلَ مبالغة في الوصف بالعَجَلَة، كما يوصف الإنسان بالشيء إذا أكثر منه، تقول: خُلِق الإنسان من الكَرَم، وخُلِقَ فلان من اللؤم، إذا كثر ذلك منهما (٨).

стр. 1495

أبو عمرو (١): خلق العجلة من الإنسان على طريق القلب كما تقول: عرضت الإبل على الحوض (٢)، وزعموا أن في حرف ابن مسعود ﵁ "خلق العجل من الإنسان" (٣). الفراء: من عجل على عجل (٤). الأخفش: من عجل لأن الله قال له كن فكان (٥). الحسن: من عجل أي: ضعف، يعني: النطفة (٦). وقيل: العجل الطين، وأنشد أبوعبيدة: النَّبْعُ في الصخرة الصماء مَنْبِتَه ... والنخل مَنْبِتَه في الماء والعَجَلِ (٧). ابن عيسى: خلق على حب العجل في أمره وهو مأمور بالتثبت (٨). ﴿سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي﴾ قيل (٩): نزلت في النظر بن الحارث حين استعجل العذاب، أي: الآيات التي طلبوها (١٠).

стр. 1496

وقيل: سأريكم آياتي على صدق محمد ﷺ (١). وقيل: آياتي في آثار قوم نوح، وعاد، وثمود، فتعلمون قدرتي على إهلاككم (٢). ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ بالعذاب. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ أي: وعد العذاب. وقيل: الساعة ووقتها (٣). ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لا يقدرون فيه على كف النار لأنها محيطة بجميع أبدانهم. وقيل: عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم السياط (٤). ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ يُمْنَعون من عذاب الله، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف أي: لما استعجلوه. وقيل: لعلموا البعث والنشور، وقيل: لعلموا صدق الموعد (٥). ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ أي: الساعة. ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة لا يعلمون بها. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ فتحيرهم (٦). ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ لا يقدرون على دفعها. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ لا يؤخر عنهم. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعزي نبيه بهذا. ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾ فحل بهم جزاء استهزائهم وعاد عليهم ما أرادوا بالرسل.

стр. 1497

﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ (٤٢)﴾ من يحفظكم ويمنعكم من عذابه إن أتاكم ليلاً أو نهاراً، استفهام معناه النفي أي (١): أَيُّ كالئٍ لكم. يقال: كلأه كلأةً أي: حفظه (٢). ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ أي: عن علم قدرته عليهم. وقيل: عن مواعظ ربهم معرضون لا يلتفتون إليها (٣). وقيل: عن القرآن لايتدبرونه (٤). ﴿أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ أي: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا (٥). ابن عباس، ﵄: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم (٦)، فقدم وأخر، تقول: منعت دونه كففت أذاه. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ لا تستطيع (٧) آلهتهم دفع ذباب عنها فكيف يرجون نصرها. ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ قيل: الكناية للآلهة أي: لا يصحبها الله معونة على النصر (٨). وقيل: الكناية للكفار (٩)،

стр. 1498

والمعنى: لا يُجَارون ولا يُمْنَعون، والصحبة: النُصْرَة والحفظ، تقول: صَحِبَكَ الله أي: حَفِظَك الله ونَصَرك (١). ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي: ليس لهم آلهة يرجون نصرها بل وَسَّعْنَا عليهم ما يعيشون به وعلى آباءهم من قبلهم، وطَوَّلْنا أعمارهم فَغَرَّهم ذلك وتركوا التدبر في آياتنا فصاوا كفاراً. ثم استأنف فقال (٢) ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ نفتحها على محمد ﷺ ونُخْرِجها من أيدي المشركين ونزيدها في أرض المسلمين. ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ رسول الله والمؤمنون. وقيل: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ نُمِيتُ الواحد بعد الواحد، والقرون بعد القرون (٣)، وجاء مرفوعاً " إن نقصانها موت علمائها " (٤). وقيل: جَوْرُ ولاتها (٥).

стр. 1499

﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ أي: أُنْذِركم عذاب الله بأمره، وبما أُوحِيَ إليَّ. ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾ نَزَّلَهم منزلة الأصم لقلة الانتفاع بما يسمعون. ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: نالهم أدنى عذاب من الله ذلوا وخضعوا ودعوا بالويل على أنفسهم مقرين بأنهم كانوا ظالمين. والنفحة: الدفعة من الشيء، تقول: أعطني نفحةً أي: شيئاً يسيراً. وقيل: النَّفْحَة: الزمهرير، وأصلها من النفخة وهي: الريح اللينة، وكذلك نفح الطيب (١)، ويجوز أن يكون من نفخت الدابة إذا رَمَحَتْ (٢). ابن عباس، ﵄: نفحة: طرف (٣). قتادة: عقوبة (٤). ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان وهو: ما يوزن به الشيء فيعرف كميته وله لسان وكفتان، وقيل: هي عبارة عن العدل (٥)،

стр. 1500

وقد سبق، ويحتمل أنه جمع موزون. ﴿الْقِسْطَ﴾ القسط: العدل، وهو مصدر. ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لجزاء يوم القيامة. وقيل: لأهل القيامة (١). وقيل: في يوم القيامة (٢). ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ من حقه. وقيل: شيئاً من الظلم (٣). ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: وإن كان الشيء مثقال حبة. وقيل: وإن كان الظلامة (٤)، ومن رفع جعل " كان " بمعنى وقع، أي: وإن (٥) وقع وحصل مثقال حبة من خردل (٦). ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ أحضرناها إياه. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ لا مزيد على عدلنا وحسابنا. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ التوراة الفارق بين الحق والباطل. وقيل: هو النصر والنجاة من آل فرعون (٧). وقيل: الفرقان إنفراق البحر (٨). ﴿وَضِيَاءً﴾ نوراً يستضاء به.

стр. 1501

وقيل: الواو زيادة وإليه ذهب ابن عباس، ﵄، وقرأ به (١). وقيل: تقديره: وآتيناه ضياءً (٢). ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ يذكرون مالهم وعليهم. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافونه ويعظمونه في سريرتهم وخلواتهم وقيل يخشونه ولم يروه بعد (٣). ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ من القيامة. ﴿مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ خائفون. ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني القرآن. ﴿مُبَارَكٌ﴾ كثير الخير دائم النفع. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمد صلى عليه وسلم. ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ استفهام توبيخ أي: أتنكرون أنه من الله وتنسبونه إليه. ﴿* وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ هداه وتوفيقه. وقيل: نبوته (٤). وقيل: الكتب والحكمة (٥). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل موسى وهارون (٦). وقيل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (٧) أي: في صغره حيث قال ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ الآيات [الأنعام: ٧٩] (٨).

стр. 1502

وقيل: قبل محمد ﷺ (١). ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ بإبراهيم. وقيل ﴿بِهِ﴾ يعود إلى الرشد، أي: علمنا أنه أهل لما آتيناه. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ جمع تمثال وهو: شيء يعمل مشبهاً لغيره في الشكل، والعكوف: إطالة الإقامة، وكانت تماثيل على صور السباع، والطيور، والإنسان. وقيل: على صور هياكل الكواكب يعبدون الله بواسطة عبادة الكواكب ثم اعتقدوا أنها في أنفسها آلهة (٢). ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾ أي: اتبعنا آباءنا في ذلك واقتدينا بهم. ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾ خطأ بَيِّن وعدول عن الصواب. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾ بالجد. ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ أي: أَبِجِدٍ منك (٣) هذا الكلام أم تلعب بهذا المقال. ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: لستُ بلاعب، وإنما ربكم وخالقكم الذي يجب عليكم عبادته هو رب السماوات والأرض، وفاطرها، ويحتمل أن الضمير في ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ يعود إلى التماثيل (٤)، والله أعلم. ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾ أنه ربكم، وتقديره: وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين، ولا يجوز تعلق على الشاهدين، وقد سبق في سورة يوسف ﵇ (٥).

стр. 1503

﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ لأكسرنها بعد ذهابكم عنها إلى عيدٍ لكم، وسماه كيد لأنه مكر بذلك عابديها. وقيل معناه: أُدَبِّر عليها سوءً، وأصل " تالله " والله، قُلِبَ الواو تاءً، وخص اسم الله به، وقد سبق (١). ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ أي: قطعاً، والجَذُّ: القطع (٢). ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ للأصنام. وقيل: هو للكفار (٣)؛ فكسر الأصنام وجعل الفأس في عنق الصنم الأكبر. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ قيل: إلى الكبير (٤). وقيل: إلى الله (٥). وقيل: إلى إبراهيم فيحاجهم (٦). وقيل: إلى الجَذ، وفيه بُعْد (٧). ﴿قَالُوا﴾ أي: الكفار بعضهم لبعض حين رجعوا من عيدهم ورأوا ذلك. ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ بفعله هذا. وقيل: من الظالمين لنفسه، لأنه يُقْتَل لو عُلم به (٨). ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ يعيبهم فلعله الذي فعل هذا.

стр. 1504

وقيل: سمع منه قوله ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (١). ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ أي: يسمى إبراهيم، وهو رفع بالخبر أي: هو إبراهيم. وقيل: ضم بالنداء أي: يقال له يا إبراهيم (٢). ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾ أي: اجعلوه حيث يقع عيون الناس على ما يُفْعَل به من العذاب والعقاب فَيَنْكل غيره عن مثل ما فعل هو إذا رأى ما يفعل به. وقيل: معناه: لعلهم يشهدون عليه بفعله أو بقوله فيكون حجة عليه، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة (٣). وقيل: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ معناه: ظاهر (٤). وقيل: ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ خواص الملك وأولياءه (٥). ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ فأحضروه فسُئِل عن ذلك. ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية؛ فقال بعضهم: إن إبراهيم ﵇ كَذَبَ، والكذب في بعض المواضع أحسن من الصدق (٦).

стр. 1505

وقيل (١): إذا تعلق بالكذب نفعٌ لا فساد معه البتة، وقيدوا ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لإبراهيم ثلاث كذبات أحدها: قوله " فعله كبيرهم "، والثاني: قوله " إني سقيم "، والثالث: قوله لسارة: هي أختي " (٢). قال بعضهم: ليس ببعيد أن يأذن الله له في ذلك لما في ضِمْنِه من الاحتجاج لإبراهيم كما أذن ليوسف في قوله ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ [يوسف: ٧٠] (٣). وقال بعضهم: إن ذلك على طريق الشرط والجزاء، أي: فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون (٤). وقوله ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ اعتراض بينهما وحقه التأخير، فعُدم الشرط وعُدم الجزاء، وحمل بعضهم على الشرط والجزاء من وجه آخر فقال تقديره (٥): إن كانوا آلهة كما تزعمون فهذا الذي هو أكبرهم فعل بها ذلك ليكون وحده إلهاً؛ قال: وبيان ذلك في قوله ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ وهذا شرط وجزاء آخر. وقيل: خرج هذا مخرج الخبر وليس بخبر وإنما هو إلزام، أي: ما تنكرون أن يكون فعله كبيرهم. وقال الكسائي (٦) حكاه الثعلبي: أن الوقف على قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ جائز (٧)، قال: ومعناه فعله (٨)، ويحتمل على هذا الوجه أن يكون أسند الفعل إلى الفتى المذكور في قوله ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ (٦٠)﴾، ويحتمل أيضاً أنه أسند إلى إبراهيم في قوله

стр. 1506

﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾، (١) ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ﴾ المنادى، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب وسعة، ثم قال ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ شرط، والجزاء مضمر دل عليه ما تقدم. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾ راجعوا عقولهم وظهر لهم أنهم ظلموا أنفسهم بعبادة ما لاينطق ولا يدفع عن نفسه. وقيل: معناه أنتم الظالمون بسؤالكم إبراهيم (٢). وقيل: أنتم الظالمون إذ لم تحفظوا الأصنام من مثل ما نزل بها (٣). ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قتادة: أدرك القوم حيرة (٤). وقيل: أطرقوا حيارى خجلين. ابن عباس، ﵄: رجعوا إلى شركهم بعد المعرفة (٥). وقيل: معناه رجوا، تقول: نكست الأمر إذا أعدته إلى أوله (٦). وقيل: انقلبت آراؤهم (٧). مجاهد: ردت السفلة على الرؤساء، أي: رجع بعضهم إلى بعض (٨)، ويحتمل أن المعنى: ثم ردوا إلى رأس أمرهم، وقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ فكيف تأمرنا بسؤالها.

стр. 1507

﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ أي: قبحاً لكم ونتناً، وقد سبق. فلما ألزمتهم (١) الحجة وعجزوا عن الجواب. ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أي: حرقوه بالنار. ﴿وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام لها منه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ للانتصار، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله ﴿حَرِّقُوهُ﴾ وروي في التفاسير عن ابن عمر ﵄ (٢) أن الذي أشار بتحريق إبراهيم رجل من أعراب فارس، أي: أكرادها يسمى هيون، خسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (٣). وهب: قال هو نمروذ (٤). ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ ثم إن نمروذ اللعين أجج ناراً عظيماً وبنى بنياناً فرفعوا إبراهيم على البنيان وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه ورموا به إلى النار من مضرب شاسع وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله جبريل ﵇ فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. قال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾.

стр. 1508

﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ السدي: قال ذلك جبريل ﵇، قال (١): والمعنى: كوني ذات برد وسلامة، و " كان " بمعنى وقع، و ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ نصب على الحال، ويحتمل أن يجعل " كان " هاهنا بمعنى صار لأنه يفيد الانتقال من حال إلى حال فبردت نفس النار ورفعت عنه الحرارة. وقيل: جعل الله بينهما ما منعه من إحراقه وإيذائه. وروي عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: " لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها " (٢). الحسن: هو تسليم من الله عليه (٣). قال النقاش في تفسيره: "لوكان كما قال الحسن لكان رفعاً ولم يكن نصباً" (٤). قلت: "لا يدفع كونه نصباً تأويل الحسن؛ ألا ترى إلى قوله ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: ٦٩] أي: سلموا سلاماً كذلك هاهنا (٥) أي: سلم الله سلاماً على إبراهيم، ومثله في المعنى ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] في السورة الأخرى، فلم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. الكلبي: بنوا له أتوناً وألقوه فيه وأوقدوا عليه النار (٦). ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ ضرراً. وقيل: مكراً (٧). ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ أي: خلصناه وخلصنا لوطاً وهو ابن عم إبراهيم. وقيل: ونجيناه (٨) وأرسلنا لوطاً.

стр. 1509

عن الزجاج: من أرض بابل إلى أرض الشام، وهي الأرض المباركة كثيرة المياه والأشجار فيها ربوة ذات قرار ومعين (١). وقيل: سميت مباركة لأن الله تعالى ينزل من السماء الماء العذب إلى صخرة بيت المقدس ومنها يتفرق في سائر الأرض (٢). وقيل: سميت مباركة لأن أكثر الأنبياء منها (٣). وقيل: إلى الأرض التي باركنا فيها مكة، وهذا عن ابن عباس، ﵄ أيضاً (٤). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن النافلة العطية؛ فيعود إليهما جميعاً (٥). والثاني: الزيادة على الشيء كالنافلة من الصلوات، ويعود إلى يعقوب وحده، أي: سأل ولداً فأعطاه إياه وهو إسحاق وزاده يعقوب من غير مسألة. والثالث: أن النافلة (٦) ولد الولد، فيكون التقدير: وهبنا له إسحق ولداً ويعقوب ولد الولد (٧)، وقيل: هي مصدر من غير لفظ الفعل السابق أي: وهبنا له هبة. ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ أي: إبراهيم، ولوطاً، وإسحق، ويعقوب جعلناهم أنبياء، وقيل: أمرناهم بالصلاح فصلحوا (٨). ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ أنبياء. والإمام الذي يقتدى به.

стр. 1510

﴿يَهْدُونَ﴾ أي: الناس. ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بوحينا وإذننا. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. وقيل: وألزمناهم فعل الخيرات وإقام الصلاة (١)، لأن الإضافة تنوب عنه كما قالوا: ليت شعري أي: شعري، وفلان أبو عذرها أي: عذرتها. ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ مطيعين موحدين. ﴿وَلُوطًا﴾ أرسلنا لوطاً. وقيل: واذكر، وقيل: وآتينا لوطاً، وكذلك انتصاب من بعده من الأنبياء (٢). ﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوة. ﴿وَعِلْمًا﴾ كتاباً. وقيل: الحكم القضاء بين الناس والعلم الفتوى (٣). ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ أي: من أهلها، وهي سَدُوم (٤). ﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ ما كرهه الله من اللواط، وقطع السبيل، وإتيان المنكر من التضارط، وخذف البنادق. وقيل: ونجيناه مما عذبوا به (٥). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ شرار. ﴿فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ خارجين عن طاعة الله. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾ دعا الله على قومه بالهلاك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل قوم لوط.
следующие страницы →