← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾، (١) ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ﴾ المنادى، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب وسعة، ثم قال ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ شرط، والجزاء مضمر دل عليه ما تقدم. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾ راجعوا عقولهم وظهر لهم أنهم ظلموا أنفسهم بعبادة ما لاينطق ولا يدفع عن نفسه. وقيل: معناه أنتم الظالمون بسؤالكم إبراهيم (٢). وقيل: أنتم الظالمون إذ لم تحفظوا الأصنام من مثل ما نزل بها (٣). ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قتادة: أدرك القوم حيرة (٤). وقيل: أطرقوا حيارى خجلين. ابن عباس، ﵄: رجعوا إلى شركهم بعد المعرفة (٥). وقيل: معناه رجوا، تقول: نكست الأمر إذا أعدته إلى أوله (٦). وقيل: انقلبت آراؤهم (٧). مجاهد: ردت السفلة على الرؤساء، أي: رجع بعضهم إلى بعض (٨)، ويحتمل أن المعنى: ثم ردوا إلى رأس أمرهم، وقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ فكيف تأمرنا بسؤالها.

стр. 1507

﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ أي: قبحاً لكم ونتناً، وقد سبق. فلما ألزمتهم (١) الحجة وعجزوا عن الجواب. ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ أي: حرقوه بالنار. ﴿وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام لها منه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ للانتصار، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله ﴿حَرِّقُوهُ﴾ وروي في التفاسير عن ابن عمر ﵄ (٢) أن الذي أشار بتحريق إبراهيم رجل من أعراب فارس، أي: أكرادها يسمى هيون، خسف الله به الأرض وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (٣). وهب: قال هو نمروذ (٤). ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ ثم إن نمروذ اللعين أجج ناراً عظيماً وبنى بنياناً فرفعوا إبراهيم على البنيان وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه ورموا به إلى النار من مضرب شاسع وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله جبريل ﵇ فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. قال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾.

стр. 1508

﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ السدي: قال ذلك جبريل ﵇، قال (١): والمعنى: كوني ذات برد وسلامة، و " كان " بمعنى وقع، و ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ نصب على الحال، ويحتمل أن يجعل " كان " هاهنا بمعنى صار لأنه يفيد الانتقال من حال إلى حال فبردت نفس النار ورفعت عنه الحرارة. وقيل: جعل الله بينهما ما منعه من إحراقه وإيذائه. وروي عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: " لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها " (٢). الحسن: هو تسليم من الله عليه (٣). قال النقاش في تفسيره: "لوكان كما قال الحسن لكان رفعاً ولم يكن نصباً" (٤). قلت: "لا يدفع كونه نصباً تأويل الحسن؛ ألا ترى إلى قوله ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: ٦٩] أي: سلموا سلاماً كذلك هاهنا (٥) أي: سلم الله سلاماً على إبراهيم، ومثله في المعنى ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] في السورة الأخرى، فلم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. الكلبي: بنوا له أتوناً وألقوه فيه وأوقدوا عليه النار (٦). ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ ضرراً. وقيل: مكراً (٧). ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ أي: خلصناه وخلصنا لوطاً وهو ابن عم إبراهيم. وقيل: ونجيناه (٨) وأرسلنا لوطاً.

стр. 1509

عن الزجاج: من أرض بابل إلى أرض الشام، وهي الأرض المباركة كثيرة المياه والأشجار فيها ربوة ذات قرار ومعين (١). وقيل: سميت مباركة لأن الله تعالى ينزل من السماء الماء العذب إلى صخرة بيت المقدس ومنها يتفرق في سائر الأرض (٢). وقيل: سميت مباركة لأن أكثر الأنبياء منها (٣). وقيل: إلى الأرض التي باركنا فيها مكة، وهذا عن ابن عباس، ﵄ أيضاً (٤). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن النافلة العطية؛ فيعود إليهما جميعاً (٥). والثاني: الزيادة على الشيء كالنافلة من الصلوات، ويعود إلى يعقوب وحده، أي: سأل ولداً فأعطاه إياه وهو إسحاق وزاده يعقوب من غير مسألة. والثالث: أن النافلة (٦) ولد الولد، فيكون التقدير: وهبنا له إسحق ولداً ويعقوب ولد الولد (٧)، وقيل: هي مصدر من غير لفظ الفعل السابق أي: وهبنا له هبة. ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ أي: إبراهيم، ولوطاً، وإسحق، ويعقوب جعلناهم أنبياء، وقيل: أمرناهم بالصلاح فصلحوا (٨). ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ أنبياء. والإمام الذي يقتدى به.

стр. 1510

﴿يَهْدُونَ﴾ أي: الناس. ﴿بِأَمْرِنَا﴾ بوحينا وإذننا. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. وقيل: وألزمناهم فعل الخيرات وإقام الصلاة (١)، لأن الإضافة تنوب عنه كما قالوا: ليت شعري أي: شعري، وفلان أبو عذرها أي: عذرتها. ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ مطيعين موحدين. ﴿وَلُوطًا﴾ أرسلنا لوطاً. وقيل: واذكر، وقيل: وآتينا لوطاً، وكذلك انتصاب من بعده من الأنبياء (٢). ﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوة. ﴿وَعِلْمًا﴾ كتاباً. وقيل: الحكم القضاء بين الناس والعلم الفتوى (٣). ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ أي: من أهلها، وهي سَدُوم (٤). ﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ ما كرهه الله من اللواط، وقطع السبيل، وإتيان المنكر من التضارط، وخذف البنادق. وقيل: ونجيناه مما عذبوا به (٥). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ شرار. ﴿فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ خارجين عن طاعة الله. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾ دعا الله على قومه بالهلاك. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قبل قوم لوط.

стр. 1511

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أجاب الله دعاءه، يعني قوله ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦]. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ أي: أهل بيته. والكرب: أقصى الغم الآخذ بالنّفْس وهو هاهنا الغَرَق. وقيل: إذ نادى قومه (١). ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ أي: على القوم. وقيل: منعناه: منهم (٢). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ شرار. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم بالماء. ﴿أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأُنثاهم. ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ قتادة في جماعة: كان زرعاً (٣). ابن مسعود ﵁ في جماعة: كان كَرْماً تدلت عناقيده (٤). ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ أي: رعته ليلاً، والنَّفش: الرعي بالليل من غير راعٍ (٥). والهمل: بالنهار بلا راع.

стр. 1512

﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ عالمين، والضمير يعود إلى داود وسليمان والخصمين. وقيل: إلى القوم في قوله ﴿غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (١). وقيل: إلى داود وسليمان فجمع كما جمع في قوله ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] (٢). ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ القضية والحكومة. أجمع المفسرون على أن داود قضى بالغنم لصاحب الحرث، وقيمة الغنم كانت مثل قيمة الحرث، وأن سليمان قال: غير هذا أرفق بالفريقين؛ يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بنسلها ودرها وشعرها، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم بعمارته حتى إذا كان من القابل وعاد إلى مثل حاله رد كل واحد إلى صاحبه ما كان له. ثم اختلف المفسرون في ذلك؛ فقال بعضهم: إن داود أفتى في الأول، ولما سمع من سليمان حكم به (٣). وقال بعضهم: كان ذلك بالاجتهاد وللأنبياء الاجتهاد كغيرهم وكل مجتهد مصيب (٤).

стр. 1513

وقال بعضهم: لا يجوز للأنبياء الاجتهاد لأن الاجتهاد عند عدم النص وهم لا يعدمون النص، وقالوا: عمل داود بنص ثم نسخ ذلك بنص نزل على سليمان (١)، ولولا إجماع المفسرين على ما حكيت لاحتمل أن يقال: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ هاهنا مثل ما في قوله ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: سليمان وداود بدليل قوله ﴿وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وليس في الآية ما يدل على رد قول داود، وخص سليمان بالذكر شرفاً له ولأبيه أي: وآتى ابنه الحكم صَبِياً، وكان له يومئذ إحدى عشرة سنة. والله أعلم. ومذهب أهل العراق في ذلك أن النبي ﷺ قال: "جرح العجماء جبار" (٢)، فلا يلزم صاحب الماشية ضمان إذا لم يقصد. ومذهب أهل المدينة أن النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء بن عازب (٣)

стр. 1514

حائطاً فأفسدته فقضى أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل (١). ومذهب الحسن: أن حكم سليمان اليوم ثابت يُعمل به. (٢) ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ أي: ذّلَّلنا الجبال، والطير تسير معه حيث سار ويسبحن تسبيحاً يسمعه الناس. وقيل: كانت تصلي مع داود (٣). وقيل: تسخير الجبال بالسير هو تسبيحها لدلالتها على الله وحمل غيرها على التسبيح (٤). وقيل: هو تفعيل من السباحة (٥). الحسن: جميع ما خلق الله من الجبال والطير كانت تسبح مع داود بالغداة والعشي (٦). ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ قادرين على ذلك.

стр. 1515

﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ عمل الدروع، وهو أول من عمل الدروع وكان قبل ذلك صفائح. وقيل: الّلَبوس: السلاح كله من درع، وسيف، وسهم (١). ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ ليدفع السلاح عنكم. النون لله سبحانه والياء لله، ويجوز أن يكون للبوس والتاء للصنعة أو الدرع على المعنى (٢). ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ فاشكروا الله على ذلك. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح. ﴿عَاصِفَةً﴾ شديدة الهبوب. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ بأمر سليمان. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام، وكان يغدوا مسيرة شهر، ويروح مسيرة شهر إليها، وكان يستوطنها، وإذا أراد أن يغزوا أمر الريح فحملته إلى الموضع وعادت به. ابن جبير: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس على ما يليه المؤمنون من الإنس، ثم من دون الإنس المؤمنون من الجن فيظللهم الطير، ثم يأمر الريح فتحمله إلى حيث شاء مسيرة شهر غدوة ومثلها عشية، وهو قوله ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] (٣).

стр. 1516

وذكر المفسرون أنه وجد مكتوباً في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إليها إن شاء الله (١)، فقيل إن أصحاب سليمان كتبوه. ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ أي: نعلم ما يصلح لكل أحد (٢)، وما يصلح هو له. ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: سخرنا له من الشياطين من ينزلون له إلى قعر البحر ويخرجون نفائس البحر. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ سوى الغوص وهو بناء المحاريب والتماثيل. ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾ حفظناهم على سليمان. وقيل: حافظين من أن يفسدوا ما عملوه (٣). ﴿* وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وَهْب: هو أيوب بن أموص بن تارخ (٤). غيره: أيوب بن أقشر، وزوجته ماخير بنت ميشا بن يوسف. وقيل: رحمة بنت أفراييم بن يوسف (٥)، حكاه الثعلبي (٦). النقاش: ليا بنت يعقوب (٧) وكان ملكاً في أرضه (٨).

стр. 1517

وقيل: كان رجلاً من الروم وله أموال كثيرة من كل جنس من صنوف الأموال، وكان له أولاد رجال ونساء، وكان بَراً، تقياً، رحيماً بالمساكين، فحسده إبليس فسأل الله أن يسلطه على ماله ليجربه فأجابه إلى ذلك فأهلك ما كان له من الأموال عن آخرها. فبلغ الخبر أيوب فقال: هو الذي أعطى وهو الذي أخذ. ثم سأل الله أن يسلطه على أولاده، وكان له سبعة بنين وثلاث بنات. وقيل: سبعة وسبع (١)، فأجابه إلى ذلك فأهلكهم إبليس أسوأ إهلاك (٢)، فبلغه ذلك فقال (٣): هو الذي أعطى وهو الذي أخذ. وذكر وهب: أن إبليس جاءه على صورة معلم أولاده فجعل يصف ما حل بأولاده فلم يتمالك حتى رفع قبضة من التراب فجعل على رأسه ثم ندم من ساعته وتاب فغفر له، ثم إن إبليس سأل الله أن يسلطه على بدنه فقال الله تعالى: لك ذلك إلا قلبه فإنه محل المعرفة والفكر، ولسانه فإنه محل التسبيح والذكر. فأتاه إبليس وهو في صلاته فنفخ في منخره فظهر في جميع بدنه قروح يسيل منها الصديد ووقع فيها الدود فتفرق عنه الناس وهجروه ورموه على كناسة لبني إسرائيل ولا يقربه أحد إلا امرأته وأتى على ذلك سنون (٤). قيل: ثمان عشرة سنة (٥). وقيل: سبع سنين (٦)،

стр. 1518

وكانت زوجته تدخل على الناس وتخدمهم وتأخذ ما تنفق عليه، ثم إن إبليس أتاها فقال لها: إن أردت أن يبرأ زوجك من علته فليذبح شاة على اسمي وأتاها بشاة. فأخبرته امرأته بذلك فقال لها: ذلك إبليس. فأَلحت عليه فغضب فقال: إن برئتُ لأضربنك مائة. فقالت: متى تبرأ فعندها قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. وقيل: باعت ذؤابتها برغيف فأتته به فعندها قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (١). قيل: المرض. وقيل: البلاء (٢). وقيل: الضر الشيطان لقوله في الآية الأخرى ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ [ص: ٤١] (٣). وقيل: بلغت الأكلة لسانه فخاف أن يضعف عن ذكر الله (٤). وقيل: خاف شماتة الأعداء (٥). وقيل: سقطت منه دودة فردها إلى بدنه فعضته عضة زاد ألمها على ما قاساه من قبل (٦). وقيل: انقطع الوحي عنه أياماً (٧). وقيل: أراد الصلاة فلم يقدر عليها فقال ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ مخبراً لا شاكياً (٨).

стр. 1519

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ فأجاب الله دعاءه وأوحى إليه ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢]، فركض رجله فانفجرت عين ماء فاغتسل منها فصح بدنه، ثم نودي اركض برجلك فركض رجله فخرجت عين أخرى فشرب منها فصح ما في جوفه، وكان هذا في غيبة زوجته فلما رجعت إليه لم تعرفه وقالت: هل رأيت نبي الله المبتلى (١)؟ فضحك في وجهها فعرفته بثغره. ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ ابن عباس، ﵄: أحيا الله أولاده بأعيانهم، وأمواله، ومواشيه، ومثلها، ومثلهم معهم (٢). وقيل: رد أولاده الله (٣) وأبقاهم حتى جعل من نسلهم مثلهم (٤). وقيل: أعطاه مثلهم في الدنيا ويعطيه في الجنة من ماتوا (٥). ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: نعمة عليه. ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ يقتدون به في الصبر على البلاء والشكر على النعماء. عقبة بن عامر (٦)

стр. 1520

عن النبي ﷺ قال: " أوحى الله إلى أيوب تدري ما ذنبك عندي حتى ابتليتك؟ قال: لا يارب. قال: دخلت على فرعون فدهنت فأدهنت له بكلمتين (١) ". وروي أنه مُطِر على أيوب جَرَاد من ذهب فجعل يجمعه ويجعله في ثوبه فقال: يا أيوب أما تشبع؟ فقال: ومن يشبع من رحمتك (٢). ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو: ابن إبراهيم. ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ هو: ابن شيث بن آدم وهو أخنوخ. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ أي: أذكرهم. قال ابن عباس، ﵄: ذو الكفل هو إلياس (٣). الحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل (٤). وقيل: هو يوشع بن نون (٥). والكِفْل: الحظ، والله ضاعف ثوابه لأنه ضاعف عمله. المبرد: كان رجلاً صالحاً عَبَدَ الله في غار جبل، والكفل: الجبل (٦). وقيل: كان رجلاً صالحاً اسمه عويب، ولم يكن نبياً بل تكفل لله بأمور فوفى بها والكفل الكفالة (٧). وقيل: هو زكريا (٨).

стр. 1521

﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ أي: هؤلاء المذكورين كلهم موصوفون بالصبر. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قيل: هي النبوة، وقيل: هي النعمة في الآخرة (١). ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾ من الأنبياء وسموا صالحين لأن صلاحهم لايشوبه كدر الفساد. ومعنى ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ غمرتهم الرحمة فهو أبلغ من رحمناهم. ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أجمع المفسرون على أنه يونس ﵇، والنون: الحوت لتسمية الله إياه في السورة الأخرى صاحب الحوت (٢). ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ فيه أقوال: أحدها: مغاضباً لقومه حين دعاهم إلى الله مدة مديدة فلم يجيبوه فأوعدهم بالعذاب ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب بالقوم قبل أن أذن الله له (٣) في الخروج (٤).

стр. 1522

وقيل: مغاضباً للملك واسمه حزقيا، وذلك أن يونس كان يسكن فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطين ونصف سبط (١) فأوحى الله إلى شعياء النبي ﵇ أن أسر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل. قال له الملك: فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء؟ قال: يونس (٢) فإنه قوي أمين. فدعا الملك يونس فأمره بالخروج. فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ . قال: لا. قال فهل سماني لك؟ قال لا. قال: هاهنا غيري أنبياء فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك (٣). وقيل: ذهب مغاضباً لربه، لأنه وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعاده ولم يعرف أن الله صرف عنهم العذاب لتوبتهم وإنابتهم وأنهم آمنوا وكره أن يعود إليه كذاباً (٤). وقيل: خاف أن يقتلوه وهذا بعيد (٥). وقيل: مغاضباً بمعنى غضبان، لأن المفاعلة قد يأتي من واحد كطارقت وسافرت. ومعنى غضبان آنفاً أن يعود إليهم فيكذبوه. الحسن: إنما غاضب ربه من أجل أنه أُمر بالمصير إلى قومه لينذرهم فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم فقيل له الأمر أسرع من ذلك وكان رجلاً في خلقه ضيق فقال أعجلني ربي فخرج مغاضباً (٦).

стр. 1523

وروي عن وهب أنه قال: " يونس ﵇ كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق فلما حمل أثقال النبوة قذفها وخرج هارباً منه فأخرجه الله من أولي العزم فقال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم: ٤٨]، وقال ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (١). ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فيه أقوال: أحدها: لن نضيق عليه من قوله ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، ومصدره القَدْر بالسكون (٢). وقيل: لن نقدر عليه بالعقوبة من القَدَر بالفتح أي: لن نقضي عليه وهو بمعنى التشديد. وقد قرئ بالتشديد (٣). وقيل: لن نقدر عليه الرسالة (٤). وقيل: لن نقدر عليه كونه في بطن الحوت (٥). وقيل: استزله الشيطان فظن أن لن نقدر عليه ربه، من القُدرة (٦)، وهذا فاسد. وقيل: تقديره: أفظن أن لن نقدر عليه (٧). وقيل: فَعَلَ فِعل مَن ظن أن لن نقدر عليه، وقرئ (يُقْدَر) على المجهول (٨).

стр. 1524

وقيل: لن نُقْدِرَ عليه الملك حزقيا (١). ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ذهب من قومه وسار حتى بلغ السفينة فركبها فساهم فسُهِم فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ الليل، والبحر، وبطن الحوت. وقيل: ظلمة الأمعاء، وظلمة البطن، وظلمة البحر، وظلمة الليل (٢). وروى المفسرون أن سالم بن أبي الجعد (٣) قال " التقم ذلك الحوت حوت آخر، فيكون الظلمات ستاً " (٤). ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ لنفسي في خروجي من قومي قبل أن تأذن لي. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ جاء في التفسير: لما التقمه الحوت سار به على بحر النيل، ثم على بحر فارس، ثم إلى بحر دجلة، ثم ألقاه بنصيبين بعد أربعين يوماً وليلة. وقيل: سار به البِحَار كلها ثم ألقاه بنصيبين، وكان حبسه في بطن الحوت تأديباً له، وبقاؤه فيه معجزة له (٥).

стр. 1525

قيل: لبث فيه ثلاثة أيام (١). وقيل: من ارتفاع النهار إلى آخره (٢). وقيل: أربع ساعات (٣)، ففتح الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس فقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ فلفظه الحوت. وعن سعيد بن المسيب (٤) يرفعه أن رسول الله ﷺ قال: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي دعوة يونس النبي. قال الراوي: قلت يا رسول الله أله خاصة؟ فقال: له خاصة ولجميع المؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ " (٥). وعن ابن عباس، ﵄: أن رسالة يونس بعد أن نبذه الحوت إلى العراء، قال: والدليل على ذلك قوله في قصته بعد ذلك ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، والجمهور على ما سبق (٦).

стр. 1526

وعن النبي ﷺ أن يونس لما استقر به الحوت في قرار البحر حرك رجليه فلما تحركتا سجد مكانه وقال: يارب اتخذت لك مسجداً في موضع ما اتخذه أحد (١). ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ غم الخطيئة. وقيل: تغطية الظلمات؛ ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة (٢). ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ أي: كما نجيناه ننجي من اقتدى به ودعا الله بإخلاص، وكتب ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ في الإمام بنون واحدة وقرأت الجماعة بالإخفاء، وقرأ ابن عامر (٣)، وأبو بكر (٤) عن عاصم (٥) " نُجِّي " مشددة الجيم (٦)، واضطرب النحاة فيه؛ فذهب بعضهم إلى أنه خطأ (٧).

стр. 1527

وذهب بعضهم إلى أن المراد بالتشديد الإخفاء (١). وذهب بعضهم إلى أن التقدير: نجي، والفعل للمجهول والمصدر اسمه وسكن الياء تخفيفاً (٢). والأوجه الثلاثة فيها ضعف؛ أما قول من قال: هو خطأ فإنه لم يعرف الأسانيد وأن هذا ثبت بطرق ثبت بها جميع القرآن فلا يمكن دفعها. ومن قال: إنما هو إخفاء بعيد إذ لو كان كذلك لم يكن بين القراء خلاف. وقول من قال: مبني للمجهول بعيد من وجهين: أحدهما: أنه أسند الفعل إلى المصدر مع وجود المفعول وهذا لا يجوز. والثاني: تسكين الياء وبابه للضرورات، ويحتمل أن يقال: أصله ننجي من التنجية فحذف النون الثانية لاجتماع النونات كما حذف في مواضع لا تحصى. ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي: فرداً بلا ولد، ولا وارث، وأنت خير من يرث العباد من الأهل والأولاد. وقيل: فرداً عن عصمتك (٣). وقيل: تقديره: إن رزقتني ولداً وارثاً وإن لا فأنت خير الوارثين (٤). ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ وكانت عاقراً عقيماً. وقيل: كانت سيئة الخلق (٥). وقيل: كانت عجوزاً فرد إليها ماء الشباب (٦).

стр. 1528

﴿إِنَّهُمْ﴾ زكريا ويحي وزوجته. وقيل: هم الذين تقدم ذكرهم (١). ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون إليها. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا﴾ في الثواب. ﴿وَرَهَبًا﴾ من العقاب. وقيل: رغباً في الطاعة، ورهباً عن المعصية (٢). وقيل: رغباً ببطن الأكف، ورهباً بظهر الأكف (٣). ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ متواضعين، خائفين، راغبين، راهبين. وقيل: هو وضع اليمنى على اليسرى والنظر إلى موضع السجود (٤). ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يريد مريم، أي: حفظته ومنعته من الأزواج. وقيل: منعته من جبريل لما قرب منها لينفخ فيه قبل (٥) أن تعلم أنه رسول الله (٦). وقيل: فرجها جيب قميصها، حفظته ومنعته وحقيقته (٧). ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ مد جيب درعها بأصبعيه ثم نفخ فيها فحملت بعيسى، والتأنيث للنفس. قوله ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أمرنا، أي: نفخ فيها جبريل بأمرنا، وأضافه سبحانه إلى ذاته تشريفاً، وقد سبق في سورة مريم (٨).

стр. 1529

﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ أي: آية توجب العلم اليقين لمن تأمل، ووحد ﴿آَيَةً﴾ لأن الأعجوبة فيها واحدة. وقيل: قصتهما آية (١). ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: ملتكم، والأمة: الملة يعني: بها الإسلام، وهي ملة جميع الأنبياء والمؤمنين. وقيل: هذه جماعتكم، والأمة الجماعة جماعة واحدة في أنها مخلوقة لله ومملوكة له والله خالقها ومالكها (٢). وقيل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ مقصود بها دين واحد، والأَمُ: القَصْد (٣). وقيل: طريقتكم وسيركم أي: أنتم وآباؤكم طريقة في الكفر بالله، وهي نصب على الحال، أي: متوحدة غير متفرقة (٤). وقيل: بدل من اسم إن (٥). ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ وحدوني وأطيعوني. وقيل: عَدَّدَ الله في هذه السورة عدة من الأنبياء ثم جمعهم في خصلة واحدة وهي عبادة الله (٦). ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ تفرقوا في الدين فصاروا فِرَقَاً. ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ فنجزيهم بأعمالهم. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بمحمد والقرآن لأن البر من غير إيمان باطل. ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا نبطل عمله ولا نجحد بل نجازيه بأحسن الجزاء. ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ حافظون ما عمل إلى يوم الجزاء.

стр. 1530

و ﴿مِنَ﴾ في الآية صلة، ويحتمل التبعيض والمفعول محذوف، أي: براً. والصالحات: أبواب البر. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ حكمنا بإهلاكها (١). وقيل: وجدناها هالكة الثواب (٢). ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ لأنهم لا يرجعون إلى التوبة. وقيل: حرام عليهم أن يرجعوا إلى الدنيا و (لا) صلة (٣). والحرام: المنع والعزم. وقيل: تقديره: عزمٌ عليهم ومُوجَبٌ عليهم ترك الرجوع إلى النار، فيكون لا واقعاً موقعه (٤). وقيل: هو متصل بقوله ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ وحرام عليهم ترك الرجوع إلى الحساب والثواب والعقاب، لأنهم إذا منعوا من أن لا يرجعوا فقد حملوا على أن يرجعوا (٥). ويحتمل أن التقدير: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وحرام ذلك على الكفار لأنهم لا يرجعون إلى الإيمان (٦). ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: سدهما بأن يخرجا منه، وقد سبق ذكرهما في الكهف (٧). ﴿وَهُمْ﴾ يعني: يأجوج ومأجوج. وقيل: الخلق جميعاً (٨). ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ من كل نشز وارتفاع.

стр. 1531

﴿يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ يخرجون من نسل شعره، وقيل: يسرعون، من نسلان الذئب وهو وعده (١). وعن أم سلمة ﵂ (٢) أن النبي ﷺ كان نائماً في بيتي فاستيقظ محمر عيناه فقال: " لا إله إلا الله ثلاثاً ويل للعرب من أمر قد اقترب، قد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وأشار بيده إلى عقد تسعين " (٣). وقيل: إن ملك الروم يبعث كل يوم خيلاً يخرجون إلى الردم ويحرسونه فإذا عادوا قالوا: مازلنا نسمع من وراء السد جلبة وأمراً شديداً كأنهم يسمعون قرع فؤوسهم (٤). وقوله ﴿حَتَّى﴾ غاية الرجوع، وفي جواب ﴿إِذَا﴾ أقوال: أحدها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ والواو مقحمة زائدة. وقيل: تقديره (قالوا ياويلنا) (٥). وقيل: جوابه شخصت أبصار الذين كفروا (٦)، وقيل: جوابه مضمر، أي: رجعوا (٧).

стр. 1532

﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي: القيامة والحق الذي لا خلف فيه (١). ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ إذا للمفاجأة، وهي كناية عن القصة تجري مجرى الأَمر والشأن مع المذكر. وقيل: كناية عن الإبصار ومثلها ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] (٢). وقيل: كناية عن العيون وشخوصها امتدادها فلا تطرف (٣). وعن بعض القراء الوقف على ﴿هِيَ﴾ كأنه جعلها (٤) كناية عن الساعة، أي: فإذا هي قائمة، ثم استأنف فقال: ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أبصار الذين كفروا شاخصة، يقولون ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ أي: لم نعلم أنه حق (٥). ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾ لأنفسنا بترك الإيمان به. ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأوثان. ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه متصل بالأول أي: وقلنا لهم إنكم. والثاني: استئناف. و﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يهيج به النار، والحصب: ما يُحْصَب أي: يُرمى به، تقول: حصبه يحصبه رماه بالحصباء. وقيل: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حطب جهنم بلغة حبشة (٦).

стр. 1533

ويقال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يرفع به النار (١)، تقول: حَصَبَ النار إذا رفعها (٢)، وتقول: حصب في الأرض إذا ذهب فيها (٣). ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ داخلون، و ﴿لَهَا﴾ بمعنى إليها. وقيل: ﴿وَارِدُونَ﴾ مشرفون عليها، وقد سبق في سورة مريم (٤). ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً﴾ كما زعمتم. ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ ما دخلوا النار. ﴿وَكُلٌّ﴾ العابد والمعبود. ﴿فِيهَا﴾ في النار. ﴿خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين، وتنفس شديد (٥)، وبكاء، وعويل. ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ حين صاروا صماً عمياً بكماً (٦). وقيل: لا يسمعون ما يسرهم (٧). وقيل: لأنهم في توابيت من نار (٨).

стр. 1534

﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ في سبب النزول عن أبي بكر بن عياش (١) عن عاصم (٢) بروايته عن ابن عباس، ﵄ قال: " آية لا يسألني الناس عنها؛ لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أم جهلوها فلا يسألون عنها. قيل له: وما هي؟ قال: لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ شق على قريش. فقالوا: شتم آلهتنا، فجاء ابن الزبعرى (٣) فقال: ما لكم؟ قالوا: شتم آلهتنا. قال: فما قال؟ قالوا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾. قال: ادعوه لي. فلما دعي ﵊ قال يا محمد: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عُبِد من دون الله؟ قال: لا، بل لكل من عُبِدَ من دون الله. فقال: ابن الزبعرى خُصِمْتَ ورب هذه البُنْيَة يعني الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيراً عبد صالح (٤) وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيراً.

стр. 1535

قال: فضج أهل مكة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ " (١). الحسنى: السعادة. وقيل: العِدَةُ (٢). وقيل: بشارة الله بالجنة (٣). وقيل: الجنة (٤). وقيل: الطاعة التي يجازون عليها (٥). وقيل: التوبة (٦). ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ عن جهنم. ﴿مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ الحسن بن فضيل (٧): إنما أراد بقوله ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام، لأنه لو أراد الناس لقال: ومن تعبدون (٨). وقيل: أراد بقوله ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ جميع المؤمنبن. وعن علي ﵁ أنه خطب فقرأ هذه الآية ثم قال: " عثمان منهم " (٩).

стр. 1536

﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ صوتها، وهذه مبالغة في الإبعاد عنها أي: لا يقربونها فيسمعون صوتها وصوت من فيها. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ أي: في غاية التنعم ونعيم الجنة وملاذها. ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قيل: حين يذبح الموت (١). وقيل: إذا أطبقت النار (٢). وقيل: عند النفخة الثانية إذا خرجوا من قبورهم (٣). ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تستقبلهم بالبشرى. ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ في الدنيا فأبشروا بالأمن والفوز. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ نطويها بعد نشرها. وقيل: طَيُّها إبطالها وإفناؤها (٤). وقيل: طيها تبديلها (٥). ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ أي: نطويها كما يطوى السجل، والسجل الصحيفة. ﴿لِلْكُتُبِ﴾ على ما كتب فيه كي لا يطلع عليه. وقيل: كطي الصحيفة لأجل الكتاب الذي فيها (٦).

стр. 1537

وقيل: اللام زائدة والكتاب بدل من السجل أي: كطي الكتاب (١). وقيل: السجل الرَّجُل بلغة حبشة (٢). ابن عباس، ﵄: اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه (٣). السدي: اسم مَلَك يكتب بالنور استغفار الخلق (٤). وقيل: هو المَلَك الذي إذا مات الإنسان دفع إليه صحيفته فيطويها (٥). فعلى هذه الوجوه السِّجل فاعل والمصدر مضاف إليه، وعلى الوجه الأول مفعول أي: كطي السجل المجهول للكتابة. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: إذا أفنينا الخلق أعدناهم خلقاً كما بدأناه، أي: قدرتنا في الإعادة كقدرتنا في الابتداء (٦). وقيل: خلقناهم من الماء ثم نعيدهم من التراب (٧).

стр. 1538

وقيل: نعيدهم حفاة عراة غرلاً كيوم ولدته أمه (١). وقيل: المراد بالإعادة السماوات (٢)، أي: نفنيها ثم نعيد خلقها في الآخرة كما خلقناها في الدنيا. ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ أي: وعدنا وعداً علينا إنجازه. ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ لا خُلْفَ لوعدنا وقولنا. وقيل: إنا فعلنا أولاً وآخراً لا فاعل للخلق غيرنا (٣). ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ في كتاب داود ﵇، والزَّبَور بالفتح: كتاب داود، والضم لغة فيه. وقيل: الضم جمع زُبُر وهو الكتاب من زبرته إذا كتبته (٤). ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الذكر: التوراة. وقيل: ﴿الزَّبُورِ﴾ كتب الله المتقدمة، و ﴿الذِّكْرِ﴾ اللوح المحفوظ (٥). وقيل: ولقد كتبنا في زبور داود (٦). ﴿. بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ بعد العظة.

стр. 1539

﴿أَن الْأَرْضَ﴾ وقيل: الزَّبَور كتاب داود، والذكر القرآن (١)، و ﴿بَعْدِ﴾ بمعنى: قبل كقوله ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠] أي: قبل ذلك، ومثله في الظرف (وراء) يستعمل لهما. ﴿أَن الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة (٢). ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ المؤمنون. وقيل: الأرض المقدسة يرثها بنو إسرائيل (٣). وقيل: الأرض الغبراء كلها يرثها عبادي الصالحون أمة محمد ﷺ (٤). ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: في القرآن. ﴿لَبَلَاغًا﴾ سبب بلوغ إلى المقصود. ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ موحدين مطيعين. وقيل: بلاغاً مقنعاً ومكتفىً (٥). وقيل: بلاغاً يبلغون رضوان الله وجزيل ثوابه (٦). وقيل: فيما تعبدنا أمة محمد ﷺ من الصوم والصلاة وغير ذلك بلاغ في عبادة الله تعالى (٧). وقيل: في توريث الجنة للصالحين بلاغ في المجازات أي: كفاية (٨). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يامحمد. ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ نعمة تشملهم. قيل: هي للمؤمنين خاصة، وإليه ذهب ابن عباس، ﵄ (٩).

стр. 1540

وقيل: عام فيهم، أَمِنُوا من الخسف والمسخ والعذاب (١). وقيل: هي تعريضهم للنعيم الدائم لكن فوتوه على أنفسهم بكفرهم (٢). ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ أي: أسلموا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فلم يؤمنوا. ﴿فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أعلمتكم ما أمرت به وسويت بينكم في الإعلام لم أُخْفِ عن بعضكم شيئاً وأظهرته لغيره. وقيل: آذنتكم إنا وإياكم حرب لا صلح (٣). وقيل: آذنتكم إنا على سواء وعلى عدل (٤). و﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ صفة مصدر محذوف أي: إيذاناً على سواء. وقيل: حال من الفاعل أو من المفعول أو منهما جميعاً. ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري. ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾ أي لا أدري متى يكون يوم القيامة. وقيل: لا أدري متى يحل بكم العذاب إن لم تؤمنوا (٥). ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني: العلانية من القول. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ ما تسرون. ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ يعني: وما أدري. ﴿لَعَلَّهُ﴾ لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا. ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ بلاء واختبار لأنهم كانوا يقولون لو كان حقاً لنزل بنا. ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ لتمتعوا بحياتكم إلى الأجل المعلوم وهو الموت. وقيل: إلى يوم بدر (٦).

стр. 1541

وقيل: إلى يوم القيامة (١). ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل. وقيل: بما يستحق الكفار على كفرهم (٢). وقيل: عجل (٣). وقرئ ﴿قَالَ﴾ على الخبر (٤)، وقرئ ﴿أحْكَم﴾ على التفضيل (٥) تعبِدون بهذا الدعاء، والله لا يحكم إلا بالعدل والحق. ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾ العاطف على خلقه. ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه المعونة والنصر. وقيل معناه: نسأله أن يعيننا على قتالكم. (٦) ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ تقولون وتكذبون، والله أعلم.

стр. 1542

سورة الحج

стр. 1543

سورة الحج، ثمان وسبعون آية، مكية إلا ثلاث آيات من قوله ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ٢٠ - ٢٢] (١). وقيل: مدنية إلا أربع آيات من قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٧] (٢). وقيل: مكية إلى قوله ﴿خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [٣٨] (٣). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه اللفظة تدل على أنها نزلت بمكة، لما سبق أن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب لأهل مكة (٤). ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه واحذروا عقابه. ﴿إِن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها تقع في يوم القيامة، فأضاف إلى الظرف.

стр. 1544

وقيل: إنما تكون في الدنيا في آخر الزمان ويتبعها طلوع الشمس من مغربها، وأضيف إلى الساعة لأنها من أشراطها، والتقدير في الوجهين: زلزلة الأرض، وهي تحركها بشدة وعنف. ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ هائل فضيع. الحسن: أشد الزلزال ما يكون مع قيام الساعة (١). وقيل: ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ استعارة والمراد شدتها (٢). ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ قيل: الزلزلة (٣). وقيل: الساعة (٤). ﴿تَذْهَلُ﴾ تغفل، والذهول: الغفلة. وقيل: تسلوا (٥). وقيل: تَنْسى (٦). ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ المرضعة: هي التي تُرضع. والمرضع: ذاتُ الولد الرضيع، والمراد هاهنا: ذات الولد، ودخلت التاء لمعنيين: أحدهما: ازدواجاً، كقوله: ﴿أَرْضَعَتْ﴾. والثاني: لكونها في المستقبل، كما تقول حائضة غداً وطالقة بعد غد. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ محمولها وهو ولدها، والجمهور على أن هذا في القيامة، وذهب بعضهم لأن هذا في الدنيا مع الزلزلة التي من أشراط الساعة، وقال: لا يكون يوم القيامة حامل ولا مرضع لأن الخلق خارجون من قبورهم، والوجه القول الأول (٧) لقوله ﷺ وسلم " كما تكونون تبعثون "، ويروى " كما تموتون تبعثون" (٨). ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الفزع والخوف. ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب.

стр. 1545

وقيل: وترى الناس كالسكارى زائلة عقولهم مضطربة نفوسهم وما هم بسكارى عن شراب (١). ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فهم يخافون. وقرئ " سَكْرى " (٢)، ولها وجهان: أحدهما: أنه نَزَّل السَّكْرى منزلة العلل فجمع فعلان على فعلى نحو: مريض ومرضى، وصريع وصرعى. والثاني: أنها صفة مفردة كقوله ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، وكقولهم: القوم غضبى. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بجهل منه، نزلت في النظر بن الحارث، وكان كثير الجدال يزعم أن القرآن أساطير الأولين، وأن لابعث بعد الموت، ولا حساب، وأن الملائكة بنات الله (٣). وقيل: نزلت فيه وفي الوليد بن المغيرة (٤). ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي: يتبع في مجادلته إبليس. وقيل: المَريد: الغاوي (٥). وقيل: المتجرد للفساد، وأصله العري والملامسة (٦). ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ على ذلك الشيطان.
следующие страницы →