← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقيل: إلى يوم القيامة (١). ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل. وقيل: بما يستحق الكفار على كفرهم (٢). وقيل: عجل (٣). وقرئ ﴿قَالَ﴾ على الخبر (٤)، وقرئ ﴿أحْكَم﴾ على التفضيل (٥) تعبِدون بهذا الدعاء، والله لا يحكم إلا بالعدل والحق. ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾ العاطف على خلقه. ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه المعونة والنصر. وقيل معناه: نسأله أن يعيننا على قتالكم. (٦) ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ تقولون وتكذبون، والله أعلم.

стр. 1542

سورة الحج

стр. 1543

سورة الحج، ثمان وسبعون آية، مكية إلا ثلاث آيات من قوله ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ٢٠ - ٢٢] (١). وقيل: مدنية إلا أربع آيات من قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٧] (٢). وقيل: مكية إلى قوله ﴿خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [٣٨] (٣). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذه اللفظة تدل على أنها نزلت بمكة، لما سبق أن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب لأهل مكة (٤). ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه واحذروا عقابه. ﴿إِن زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها تقع في يوم القيامة، فأضاف إلى الظرف.

стр. 1544

وقيل: إنما تكون في الدنيا في آخر الزمان ويتبعها طلوع الشمس من مغربها، وأضيف إلى الساعة لأنها من أشراطها، والتقدير في الوجهين: زلزلة الأرض، وهي تحركها بشدة وعنف. ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ هائل فضيع. الحسن: أشد الزلزال ما يكون مع قيام الساعة (١). وقيل: ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ استعارة والمراد شدتها (٢). ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ قيل: الزلزلة (٣). وقيل: الساعة (٤). ﴿تَذْهَلُ﴾ تغفل، والذهول: الغفلة. وقيل: تسلوا (٥). وقيل: تَنْسى (٦). ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ المرضعة: هي التي تُرضع. والمرضع: ذاتُ الولد الرضيع، والمراد هاهنا: ذات الولد، ودخلت التاء لمعنيين: أحدهما: ازدواجاً، كقوله: ﴿أَرْضَعَتْ﴾. والثاني: لكونها في المستقبل، كما تقول حائضة غداً وطالقة بعد غد. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ محمولها وهو ولدها، والجمهور على أن هذا في القيامة، وذهب بعضهم لأن هذا في الدنيا مع الزلزلة التي من أشراط الساعة، وقال: لا يكون يوم القيامة حامل ولا مرضع لأن الخلق خارجون من قبورهم، والوجه القول الأول (٧) لقوله ﷺ وسلم " كما تكونون تبعثون "، ويروى " كما تموتون تبعثون" (٨). ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الفزع والخوف. ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب.

стр. 1545

وقيل: وترى الناس كالسكارى زائلة عقولهم مضطربة نفوسهم وما هم بسكارى عن شراب (١). ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فهم يخافون. وقرئ " سَكْرى " (٢)، ولها وجهان: أحدهما: أنه نَزَّل السَّكْرى منزلة العلل فجمع فعلان على فعلى نحو: مريض ومرضى، وصريع وصرعى. والثاني: أنها صفة مفردة كقوله ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، وكقولهم: القوم غضبى. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: بجهل منه، نزلت في النظر بن الحارث، وكان كثير الجدال يزعم أن القرآن أساطير الأولين، وأن لابعث بعد الموت، ولا حساب، وأن الملائكة بنات الله (٣). وقيل: نزلت فيه وفي الوليد بن المغيرة (٤). ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي: يتبع في مجادلته إبليس. وقيل: المَريد: الغاوي (٥). وقيل: المتجرد للفساد، وأصله العري والملامسة (٦). ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ على ذلك الشيطان.

стр. 1546

وقيل: كتب فيما تقدم من الكتب الإخبار بذلك (١). ﴿أَنَّهُ﴾ أن الأمر والشأن. ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ تبعه أي: تبع الشيطان وأحبه ونصره. ﴿فَأَنَّهُ﴾ يجوز أن يكون العائد إلى الشيطان، ويجوز أن يكون العائد إلى ﴿مَنْ﴾، ويجوز أن يكون للأمر. ﴿يُضِلُّهُ﴾ أي: عن سواء الصراط. ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ النار. وقيل: تقديره: من تولى الشيطان يضله الله. قال الزجاج: " الفاء للعطف و (أن) مكررة للتأكيد " (٢)، ورد عليه أبوعلي في إصلاح الإغفال (٣) وقال: " ﴿مَنْ﴾ هاهنا إما أن يكون شرطاً، وإما أن يكون بمعنى الذي؛ فإن جعلته للشرط فالفاء دخل لجزاء الشرط، وإن جعلته بمعنى الذي فالفاء دخل على خبر المبتدأ والتقدير: فالأمر أنه يضله. قال: والعطف والتأكيد يكونان بعد تمام الأول، والمعنى: كتب على الشيطان إضلال من تَوَلِّيه وهدايته إلى النار " (٤). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أيها الشَّاكُون في البعث. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ في شك في قدرة الله على البعث وفي شك من صدق محمد ﷺ . ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: فانظروا في ابتداء خلقكم فإنا ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: آدم. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ثم أولاده من مَنيِّ، والنَّطْفُ: الصَّب، والنُّطْفَة المصبوب.

стр. 1547

وقيل: هي الماء القليل (١). وقيل: هي الماء الصافي (٢). ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ وهي: الدم الجامد قبل أن ييبس. ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي: القطعة من اللحم مقدار ما يمضغ. ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ تام وساقط. وقيل: مصورة وغير مصورة (٣). وقيل: لتمام الشهر ونقصانه (٤). وقيل: تام الأعضاء وناقصها (٥). والمخلقة: المخلوقة، والتشديد لتكرار الفعل من السمع، والبصر، والأنف، والفم وغير ذلك. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ رشدكم وضلالكم. وقيل: نقلناكم في ابتداء الخلق من حال إلى حال مع قدرتنا على إنشائكم دفعة واحدة لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء (٦). ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ استئناف. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقت الولادة. وقيل: إلى التمام (٧). ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ والطِّفْل يقع على الجمع كقوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١]. وقيل: يخرج كل واحد طفلاً (٨). وقيل: أصله مصدر ولهذا لم يجمع، و ﴿طِفْلًا﴾ نصب على الحال (٩). ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ هاهنا فعل مضمر تقديره ثم نربيكم. ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ حد البلوغ.

стр. 1548

وقيل: أربعين سنة (١)، وكلاهما من القرآن، وقد سبق (٢). وقيل: ﴿أَشُدَّكُمْ﴾ تمام فهمكم وعقلكم (٣). ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ عند بلوغ الأشد أو قبله أو بعده. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الهَرَم، وهو أهونه وأخسه عند أهله، لأنه يصير كَلاً عليهم. وقيل: أرذل العمر: الشَّيْب، لأنه لايرجوا بعده قوة ولا بقاء (٤). وأفاد قوله ﴿يُرَدُّ﴾ الرجوع إلى حالة كان عليها قبل وهي الضعف زمن الطفولة وقلة الفهم. (٥) ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ لا يستفيد علماً، وينسى ما كان عالماً به. وقيل: لا يعقل بعد عقله شيئاً (٦).

стр. 1549

وقيل: لا يفهم (١). وقيل: لا يعمل بعد عمله، حكاه الماوردي (٢)، والمعنى: رددناه إلى حاله الأولى في حياته ليعلم قدرتنا على رده بعد موته. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ يابسة، ساكنة ميتة، من هَمَدتِ النارُ إذا صارت رماداً لم يبق فيها حرارة. وقيل: أصله الدروس (٣). ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت لإخراج النبات منها. ﴿وَرَبَتْ﴾ زادت، وانتفخت، ونمت. وقيل: اهتز نباتها، فحذف المضاف (٤). الحسن: فيه تقديم وتأخير أي (٥): ربت واهتزت (٦). ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف ونوع. وقيل: كل لون (٧). ﴿بَهِيجٍ﴾ حسن رائق، والمعنى: حياة الأرض بنباتها بعد موتها بهمودها دالة على قدرتنا على إحياء الموتى فيها. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: ذلك وهو ما سبق بسبب أن الله. أبو علي ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ خبره (٨). الزجاج: الأمر ذلك (٩)، ورد عليه أبو علي وقال: " يبقى الجار غير متعلق بشيء " (١٠).

стр. 1550

﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ المستحق لكمال الصفات. ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ كما أحيا الأرض. ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قادر. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا ترتابوا فيها. ﴿وَأَن اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ فقد قام الدليل على ذلك. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ في صفاته فيصفه بغير ماهو له، نزلت في النظر بن الحارث كما سبق (١). وقيل: نزلت في أبي جهل (٢). وقيل: في المشركين (٣). ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حجة وبرهان عقل. ﴿وَلَا هُدًى﴾ سنة متبعة. ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ واضح مبين أنزل من عند الله وحصول علم الإنسان من هذه الوجوه الثلاثة. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: متكبراً (٤)، والعِطْفُ: الجِيد. قتادة: لاوياً عنقه (٥). وقيل: لاوياً رأسه معرضاً عن استماع ما قيل له (٦). وقيل: هو إدباره وإعراضه عن الحق استخفافاً به (٧). ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي يجادل ليضل عن دينه. ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قتل يوم بدر (٨).

стр. 1551

﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو النار، أي: جُمِعَ له عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له يوم القيامة هذا التعذيب بكفرك وتكذيبك محمداً. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بل يجازيهم على أعمالهم، وذكر (الظَلاّم) بلفظ المبالغة لما اقترن بالعبيد وهو اسم الجمع. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ في سبب النزول: أنها نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ المدينة مهاجرين من باديتهم، وكان الواحد منهم إذا قَدِمَ المدينة فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، وكثر ماله ومواشيه رضي به واطمأن، وقال: ما أصبت مذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وأجهضتِ رمَاكه (١)، وذهب ماله أتاه الشيطان فقال له: والله ما أصبت مذ دخلت في دينك هذا إلا شراً فينقلب عن دينه (٢). وعن عطية (٣) عن أبي سعيد الخدري، ﵁ (٤)

стр. 1552

قال: " أسلم يهودي فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي ﷺ وسلم وقال: أقلني. قال: إن الإسلام لايقال. قال: إني لم أُصِب في ديني هذا خيراً؛ ذهب بصري ومالي وولدي. فقال: يا يهودي إن الإسلام لَيَسْبُكُ الرجال كما تَسْبُكُ النار خبث الحديد والفضة والذهب فنزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (١). أي: على حد من دينه غير متوغل فيه. وقيل: على طرف، وحرف الشيء طرفه (٢). وقيل: على شك (٣). وقيل: على ضعف كضعف القائم على حرف (٤). وقيل: على لون واحد وهو تتبع مراده (٥). وقيل: هو المنافق يؤمن بلسانه دون قلبه والمؤمن يعبد الله على حرفين لسانه وقلبه (٦). وقيل: الحرف عند العرب مالا تَمَكن له ولا حقيقة لشأنه (٧)، قال: ركابي على حرف وقلبي مُشَيَّعٌ ... وغير بلاد الباخلين بلادُ (٨). الكلبي: على حرف دين (٩). وقيل: هو كقوله ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] (١٠).

стр. 1553

﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صحة، ومال، ومحبوب. ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ سكن واستقر به بسبب الخير الذي أصابه. وقيل: ﴿بِهِ﴾ أي: بالدين فيعبد الله (١). ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ مرض، وفقر، ومكروه. ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: انقلب إلى الكفر. وقيل: قلب وجهه عما كان عليه (٢). وقيل: معناه تغير عما كان عليه كما يقال: قَلَبَ ظَهر المِجَنّ (٣). ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ خسر الدنيا حيث لم يعمل فيها خيراً والآخرة حيث لاينال نعيماً. وقيل: قُتِلَ في الدنيا، وحُرِمَ الجنة في العقبى (٤). وقيل: معناه لم يظفر بمراده (٥). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: خسران الدنيا والآخرة. ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الظاهر حاله لا خسران أخسر منه. ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ يعبد ما نفع فيه ولا ضر. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الفعل. ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ العدول عن الصواب. ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ أي: لمن ضر دعائه أقرب من نفعه؛ لأنه يوجب القتل في الدنيا والنار في الأخرى (٦). ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ الصنم. ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الصاحب والخليط، وأصله الجمع، ومنه العشيرة والعشرة والعِشرة وبرمة أعشار.

стр. 1554

وقيل: المولى هاهنا (١) ابن العم، والعشير: الخليط (٢). وقيل: المولى ابن العم، والعشير: العشيرة أي: بئس ابن العم هذا الذي يعبد الله على حرف (٣). وفي لام ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ أقوال: قيل: هو زيادة، و (من) مفعول يدعو. وقيل: اللام مقدم والنية به التأخير، أي: يدعوا من لضره أقرب من نفعه، وهذا قول الزجاج (٤)، وزيفه أبو علي (٥). وقيل: هو جواب قسم، وقيل: يدعوا بمعنى يقول (٦) و ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ مبتدأ وخبره مضمر تقديره: لمن ضره أقرب من نفعه مولاي (٧). وقيل: يدعوا تكرار للأول، ومفعوله هو مفعول الأول ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ (٨). وقيل: يدعوا حال من ﴿الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (٩). وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ هاهنا موصول ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ صلته وهو نصب بـ ﴿يَدْعُو﴾، ويجوز أن يكون رفعاً و ﴿يَدْعُو﴾ خبره على تقدير: يدعوه (١٠).

стр. 1555

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لا دافع لإرادته ولا مانع. ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ قيل: نزلت الآية ابتداءً من الله من غير سبب ذُكر كأكثر القرآن (١). وقيل: هو متصل بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٢). وقيل: نزلت في قوم من أسد وغطفان تباطؤا عن الإسلام وقالوا: نخاف أن لا يُنَصر محمد فنقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يجيروننا ولا يؤوننا (٣). وقيل: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطؤون ما وعد لهم من النصرة وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم أمره فنزلت الآية (٤). فـ ﴿مَنْ﴾ في قوله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾ عام على قول من لم يحك للآية سبب نزول، وخاص في قول من يحكي له سبباً، والهاء في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ يعود إلى محمد ﷺ ، وإن لم يتقدم ذكره في هذه السورة لأن القرآن كله كسورة واحدة (٥). وقيل: يعود إلى ﴿مَنْ﴾، ومعنى ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يغلبه الله (٦) على أعدائه (٧).

стр. 1556

وقيل: معناه: يرزقه بكثرة الأمطار، ورخص الأسعار؛ من قولهم: أرض منصورة أي: ممطورة (١). قوله (٢) ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: بالغلبة والحجة، وفي الآخرة بالحجة والشفاعة والثواب. ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ فليطرح وليشدد ﴿بِسَبَبٍ﴾ بحبل. ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ إلى سقف البيت (٣). وقيل: إلى الهواء جهة السماء (٤). وقيل: إلى السماء الدنيا (٥). ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قيل: معناه ليختنق، والعرب تقول: قَطَعَ فلان إذا اختنق، حكاه المحققون منهم (٦). وقيل: فليقطع الحبل (٧). وقيل: فليقطع مسافة السماء. وقيل: فليقطع الأرض، وهذا كما خاطبة بقوله ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وقيل: فليقطع تلك المادة (٨).

стр. 1557

وقيل: فليقطع عنقه. وقيل: فليقطع الحبل عنقه (١). وقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ من جعل ﴿لِيَقْطَعْ﴾ أو ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ كناية عن مهلك جعل ما بعده من الفعل على سبيل التوهم، أي: ليتوهم هذه الحالة في نفسه، وليس بأمر حتم. قوله ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ خنقه وقطعه على ما فُصِّل. ﴿مَا يَغِيظُ﴾ الذي يغيظه ويسوءه. وقيل: (ما) للمصدر أي: غيظه. وفي معنى الآية أقوال: (٢) أحدها: من ظن أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا والآخرة وغاظه نصر الله إياه فليختنق وليمت غيظاً، كما يقال: من لم يحب هذا فليختنق، ومن لم يرض هذا فرأسه والجدار (٣). وقيل: معناه فليمدد بحبل إلى السماء ثم ليرتق فيه (٤) ثم ليقطع الحبل حتى يخر فيهلك فينظر هل ينفعه ذلك. وقيل: من ظن أن لن ينصر الله محمداً (٥) فليمت غيظاً. وقيل: من ظن أن لن ينصر الله محمداً وأراد قطع مادة النصرة والوحي منه فليمدد بحبل إلى السماء وليعرج إليها وليقطع تلك المادة فإنها تأتيه من السماء مع الملائكة (٦).

стр. 1558

وقيل: معناه: من لم يثق بوعد محمد واستعجل فليختنق وليجتهد جهده (١). وقيل: معناه من كان يحسب أن لن يرزق الله محمداً وأمته فيوسع عليهم من فضله في الدنيا والآخرة من جزيل عطاياه فليهلك نفسه، فإن ذلك كائن لا محالة (٢). وقيل: معناه من كان يظن أن لن يرزقه الله فليمدد حبلاً يختنق به هل يأتيه ذلك الرزق، فيكون العائد إلى من والنصرة الرزق كما سبق (٣). وقيل: معناه من استبطأ رزق الله ونصره وطلب الموعود عاجلاً فليهلك نفسه بخنق (٤) أو خرور من الهواء فإن لذلك وقتاً لا يجوز إيقاعه إلا فيه (٥)، والله أعلم. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما بينا ابتداء الخلق والمعاد ﴿أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات يريد جميع القرآن. وقيل: كما بَيَّنَا قدرتنا على الخلق عقلاً أنزلنا آيات أي: في القرآن آيات واضحات بصحة ذلك (٦). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: ولأن الله يهدي إلى النبوة من يريد. وقيل: التوبة. الحسن: يهدي من يهتدي بهداه (٧). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يحكم بينهم لأن كل واحد يدعي أنه على الحق وصاحبه مبطل. والثاني: يفرق بينهم فالمؤمنون في الجنة والكافرون في النار.

стр. 1559

وخبر ﴿إِنَّ﴾ الأول ﴿إِنَّ﴾ الثاني كما تقول: إن زيداً إن أباه قائم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالم به حافظ له. ﴿أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هو على العموم وسجودهم سجود طاعة. وقيل: طبعاً، وفيه بعد (١). ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ خصوص في المؤمنين. ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ في سجودها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تسجد لكنا لا نقف على سجودها كما لا نقف (٢) على تسبيحها، من قوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٣). وقيل: سجودها بظلالها كما في الآية الأخرى (٤).

стр. 1560

وقيل: سجودها دلالتها على وحدانية الله وحمل غيرها على السجود وعند الاستدلال وتأتيها لمراده (١). ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ هو عطف على الأول أي: يسجد كثير من الناس وهم المؤمنون، وقيل: استئناف أي: وكثير من الناس حق له الثواب، ودل عليه ما بعده من قوله ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفره وإبائه السجود (٢). وقيل: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أيضاً معطوف على الأول إذا أردت بالسجود سجود الظل أو سجود الدلالة لأن ذينك موجود في الكفار، و ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ صفته، والجمهور على أن قوله ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مبتدأ ﴿حَقَّ عَلَيْهِ﴾ خبره (٣). ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ بالشقاوة وإدخال النار. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يكرمه بالسعادة وإدخال الجنة، وقرئ في الشواذ (من مُكرَم) بالفتح أي: إكرام (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإهانة والإكرام.

стр. 1561

﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ في سبب النزول رواه البخاري (١) في صحيحه أن أبا ذر، ﵁ (٢) كان يقول: " أُقْسِم بالله لقد نزلت هذه الآية في هؤلاء الستة: حمزة (٣)، وعلي، وعبيدة (٤)، وعتبة (٥)، وشيبة (٦)،

стр. 1562

والوليد بن عتبة (١) " (٢). وعن علي ﵁ أنه قال: " فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر " (٣). ابن عباس، ﵄: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم؛ كتابنا ونبينا قبل كتابكم ونبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بنبينا ونبيكم وما أنزل الله من كتاب (٤). الحسن: هما جملة المؤمنين والكافرين اختصموا في دين الله (٥). قوله (٦) ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يريد جمع الكفار وجمع المؤمنين، وهو مصدر فلا يثنى ولا يجمع مع التثنية والجمع. وقيل: جمع خاصم كراكب وركب (٧). ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ فجمع حملاً على المعنى. عكرمة: الخصمان الجنة والنار (٨).

стр. 1563

روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ وسلم أنه قال: " تحاجت الجنة والنار فقالت: النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت: الجنة مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس؟ فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها " (١). ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ﴾ هذا أحد الخصمين، ومعنى ﴿قُطِّعَتْ﴾: قُدِّرَت وجُعِلت وسُويت. ﴿لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: النار أحاطت بهم كإحاطت الثياب المقطوعة. وقيل: يُذَابُ النُّحاس عليهم فيصير مثل الثياب عليهم (٢). سعيد بن جبير: ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: نحاس وليس شيء أشد حراً منه إذا أحمي (٣)، ومثله قوله ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وهو النُّحاس. ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار الشديد الحرارة المُحرق من حرارته. ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ بالحميم، أي: يُذَاب، تقول: صَهَرَتْه الشمس أي: أذابته، والصهارة: الإلية المذابة (٤). ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ أجوافهم من الأحشاء.

стр. 1564

﴿وَالْجُلُودُ﴾ هي: عطف على ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: إذا بلغ الحميم رؤوسهم أذاب اللحم والعظم، ووصل إلى الجوف فأذاب الأمعاء ثم سالت الجلود. ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ يُعَذَّبون بها، جمع مِقْمَعة، وهي: سلاح كالمِدَقَّة، وقيل: هي السِّياط، وحقيقتها ما يُقْمَع به أي: يُكَفُّ بعنف. وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقديره: ولهم مقامع من حديد يثقب بها رؤوسهم ثم يصب فيها من فوق رؤوسهم الحميم (١). وقال بعض المفسرين: مقامع جمع مَقْمُع وهو: القُمْعُ واحد الأقماع (٢)، وفي الآية تقديم وتأخير كما حكيت. ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النار. ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ من غمها وحَرِّها.

стр. 1565

وقيل: الغم هاهنا: تغطية العذاب لهم والأخذ يكظمهم، لأن ما هم فيه أعظم من الحزن (١). ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ بالمقامع. ﴿وَذُوقُوا﴾ أي: يقال لهم ذوقوا. ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ النار. ثم ذكر الخصم الآخر فقال: ﴿إِن اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يلبسون فيها. ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع أسوِرَة، وأسورَة جمع سوار وهو: ما يلبس في الذراع (٢). ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ أو فضة. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ مَن جَرَّه جعله عطفاً على ذهب والمعنى: مرصعة. وقيل: جعله عطفاً على أساور، ومن نصبه (٣) جعله عطفاً على أساور في المعنى أي: يحلون أساور ويحلون لؤلؤاً (٤). وكرر ﴿مِنْ﴾ لأن الأول للتبعيض والثاني للتبيين وفيها ظرف ﴿يُحَلَّوْنَ﴾. وقيل: صفة لأساور تقدمت عليها فهي حال لها وأفاد أنها معدة (٥). ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ثيابهم من إبرَيْسَم (٦).

стр. 1566

﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُرشِدوا إليه ودلوا عليه في الدنيا، و ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل: القرآن (١). وقيل: سبحان الله والحمد لله (٢). وقيل: إلى البشارات التي تأتيهم من الله في الجنة وإلى التحية والسلام من الله كقوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] (٣). ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الإسلام، و ﴿الْحَمِيدِ﴾ هو الله سبحانه، بمعنى حامد. وقيل: محمود (٤). وقيل: طالب حمد (٥). وقيل: الحميد الإسلام أي: إلى صراط الإسلام (٦). وقيل: هدوا إلى طريق الجنة (٧). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في أبي سفيان (٨) وأصحابه حين صدوا رسول الله عن البيت (٩)، والمعنى: إن الذين كفروا فيما مضى ويصدون عن سبيل الله الآن.

стр. 1567

وقيل: يصدون بمعنى صدوا، أي: يمنعون ويمتنعون من (١) الدخول في الإسلام (٢). ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: يصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه والطواف بالبيت. ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، ﴿الْعَاكِفُ﴾: من كان من أهله، ﴿وَالْبَادِ﴾ من نزع إليه الحج أو عمرة. وقيل: المقيم وغير المقيم، والعكوف الإقامة والباد نازل بدو (٣). وقرئ "سواء" بالرفع والنصب؛ الرفع على أنه خبر والمبتدأ مؤخر أي: العاكف فيه والباد سواء، ومن نصب جعله مفعولاً ثانياً أو حال وارتفع به العاكف والباد، والمعنى: هما سواء في النزول به وليس أحدهما أحق به من الآخر (٤). وقيل: هما سواء في قضاء النسك وتعظيم الحرمة وأداء الواجب فيه عليهما (٥). ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الباء زيادة أي: إلحاداً. وقيل: تقديره: ومن يرد إرادة بإلحاد، وقيل: الفعل محمول على المصدر أي: من إرادته بإلحاد كما سبق في اللام (٦). وباء ﴿بِظُلْمٍ﴾ متصل بالإرادة والإلحاد والميل عن الصواب، والظلم هاهنا: الشرك. وقيل: ركوب الآثام واستحلال الحرام (٧)،

стр. 1568

وجاء مرفوعاً أنه الاحتكار (١)، وكان ابن عمر ﵄ يقول: " من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله وبلا والله " (٢). وقيل: من هَمّ بذنب فيه كتب عليه (٣). وقيل: هو القتل، نزلت ابن خطل (٤) بعث معه رجلين أحدهما مهاجر والآخر أنصاري فافتخروا فغضب ابن خطل وقتل الأنصاري وارتد ولحق بمكة كافراً (٥). وقيل: هو ما نهي عنه فيه قوله (٦) ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: في الآخرة.

стр. 1569

واختلف النحاة في خبر ﴿إِنَّ﴾؛ فقال بعضهم: الواو في ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ زيادة وهو الخبر، وقيل: ﴿نُذِقْهُ﴾، وهو قول الزجاج (١)، وزيفه النحاس (٢)، ووجه ذلك أن الموصول فيه معنى الشرط فجاز وقوع المجزوم خبراً عنه (٣). وقيل: الخبر محذوف أي: هلكوا، وقيل: خبره ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ وإن طال لأن الكل صفة المسجد والحج وما يتعلق بذلك. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي: واذكر يا محمد كيف كان بدء بناء البيت. وقيل: فيه مضمر، تقديره: وأوصينا إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، تقول: تبوأ الرجل منزلاً اتخذه، وبوأه غيره منزلاً أعطاه، وأصله باء إذا رجع وبوأته جعلت له منزلاً يرجع إليه، واللام في لإبراهيم زيادة كقوله ﴿بَوَّأْنَا بَنِي ﴿بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٣]، وقوله ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١]. ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ موضع البيت وكان البيت قد رفع. ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: وأمرنا. وقيل: وقلنا لا تشرك بي شيئاً (٤). ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ من الأوثان وأن لا يُعْبَد فيه غيري. وقيل: من الأقذار وأن يُجْرَى فيه ما يُجْرَى في سائر البيوت (٥). ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ لمن يطوف به. ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: المصلين؛ فإن الصلاة قيام وركوع وسجود.

стр. 1570

﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع راكع. و ﴿السُّجُودِ﴾ جمع ساجد، ولم يذكر الواو بين الركوع والسجود وذكر بين القيام والركوع لأن الصلاة قاعداً جائز ولا يجوز بغير الركوع والسجود. وقيل: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ بمعنى المقيمين فيه (١). ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ هذا عطف على ما قبله أي: أمرنا إبراهيم وقلنا له أذن في الناس بالحج أعلمهم وناد فيهم. الحسن: هذا استئناف وخطاب لمحمد ﷺ (٢)، والأول أظهر لأن جُل المفسرين رووا أن إبراهيم ﷺ قال: لما أمره الله بالتأذين قال: يارب وما يبلغ صوتي؟ فقال الله: عليك الأذان وعلي البلاغ. فقام إبراهيم على المقام، وقيل: على أبي قبيس ونادى: يأيها الناس أن ربكم بنى بيتاً فحجوه فأسمع الله ذلك من في أصلاب الرجال وأرحام النساء وما بين المشرق والمغرب والبحر والبر ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة فأجابوه وقالوا: لبيك اللهم لبيك (٣). وروى عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: "الناس هاهنا أهل القبلة" (٤). قوله ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: ماشين على أقدامهم جمع راجل، والرَّاجِل: هو الذي يمشي على رجليه، وكذلك رجل ورجلان، وامرأة رجلى، حكاه سيبوبه (٥). ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: بعير مهزول أتعبه السفر لبعده.

стр. 1571

وقيل: كل ضامر، الضُّمْر: الصِّلاب الأقوياء (١). ﴿يَأْتِينَ﴾ جَمع حملاً على معنى كل ضامر. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ طريق. ﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، وأصل العمق البعد سفلاً، تقول: بئر عميق أي: بعيدة الغور، والفعل عَمَقَ وعَمُقَ (٢). ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ليحضروا منافع دينهم. وقيل: متاجر (٣). وقيل: الأسواق (٤). وقيل: منافع الدين والدنيا معاً (٥). وقيل: معنى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ ليشهدوا مكة ومشاهدها للحج والعمرة (٦). وقيل: العفو والمغفرة (٧). ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ يريد ذكر اسم الله عند الذبح. والأيام المعلومات قيل: هي عشر ذي الحجة (٨). وقيل: يوم النحر (٩). وقيل: يوم التروية وأربعة بعده (١٠)،

стр. 1572

والأحسن أن تجعل أيام النحر؛ لأن المراد بذكر اسم الله ذكر اسمه على القرابين وأنها تكون في أيام النحر (١). ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أي: فليضحوا الضحايا من الإبل والبقر والغنم واذكروا اسم الله عند الذبح، وأضاف البهيمة إلى الأنعام لأنها قد تكون من غير الأنعام لأن كل ما لايعقل بهيمة فصار من باب ثوب وخز. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أي: من لحومها. ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الزَّمِن المحتاج، والبائس: الذي في بئس وشدة من العيش، والفقير: الذي كأنه أصيب فقاره. وفي الأكل والإطعام ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما واجبان. والثاني: أنهما مستحبان. والثالث: أن الأكل مستحب والإطعام واجب، وهذا فيما كان تطوعاً فأما إذا كان واجباً فلا يجوز الأكل منه (٢).

стр. 1573

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أخذ الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، والأخذ من الشعر، وتقليم الأظفار كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال. وقيل: هو ما يلزم المحرم من إماطة الأذى (١). وقيل: التفث سائر المناسك (٢). ابن عمر: التفث الآثام وهي رمي الجمار (٣). وأصل التفث الوسخ وكل قاذورة تلحق (٤) الإنسان، وحكى قطرب: تَفَثَ الرجل إذا كثر وسخه في سفره (٥). أبو محمد البصري (٦): أصل التفث من التف وهو وسخ الأظفار قلب الفاء ثاءً كجدث ومغثور (٧). الزجاج: معنى التفث لا يعرفه أصل اللغة (٨) إلا من التفسير (٩).

стр. 1574

﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: فليتموا، وإيفاؤها الإتيان بها عن آخرها. وقيل: فليوفوا الله بما نذروا من هدي وبدنة وغير ذلك (١). وقيل: هي إراقة الدماء (٢). ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يريد طواف الزيارة بعد الحلق والقصر، والطواف: أن يدور حول البيت، و (البيت العتيق) الكعبة، وفي تسميته عتيقاً أقوال: أحدها: أنه القديم، لأن آدم بناه وجدده إبراهيم (٣). وقيل: العتيق الذي لم يملكه أحد (٤). وقيل: أعتق من الطوفان فلم يهدمه (٥). وقيل: أعتق من الهلك فلم يغلب عليه مَلِك (٦). وقيل: العتيق الكريم (٧). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك وهو خبر مبتدأ محذوف. وقيل: ذلك الأمر والشأن فهو مبتدأ محذوف الخبر. وقيل: تقديره: ليفعلوا ذلك. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ دين الله. وقيل: هو ما وجب القيام به (٨). وقيل: تعظيم الكعبة وحجها بالإتيان بما أمروا الكف عما نهي (٩).

стр. 1575

ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ البيت الحرام، والمشعر الحرام، والشهر الحرام (١). ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم. ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ثواب له مدخر. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: مباح أكلها إلا ماذكر في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية (٢) [المائدة: ٣]. وقيل: أُحل لكم في حال إحرامكم أكل لحوم الأنعام إلا ما يتلى عليكم من الصيد في الإحرام (٣). ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أي: اجتنبوا الأوثان كما يجتنب الشيء القذر أي: دعوا عبادة الأوثان. وقيل: هي ما كانوا ينحرون عليها هديهم ويصبون عليها الدماء ومع رجسها يمسحونها فنهى الله عن ذلك، والأول أظهر (٤). والرِّجْس على وجهين: القذر المنتن في النهاية، والرجس القبيح في النهاية، و ﴿مِنَ﴾ فيه للتبيين. وقيل: لابتداء الغاية أي: من عبادة الأوثان (٥). وقيل: اجتنبوا من الأوثان الرجس وهو عبادة الأوثان (٦).

стр. 1576

﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الكذب، قال رسول الله ﷺ " إياكم والزور فإن الله تعالى جعله عديلاً للشرك وجمع بينهما في النهي عنهما " (١). وقيل: الزور الشرك، وقولهم الملائكة بنات الله، وأنه حَرَّمَ البَحِيرَة وأخواتها (٢). ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ على ملة إبراهيم. وقيل: مخلصين بالتلبية (٣). ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ لأنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.

стр. 1577

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الزجاج: أي: بُعْدُ من أشرك به من الحق كبُعُدِ من خَرَّ من السماء (١). ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢) فذهب به الطير، أو هوت به الريح في مكان بعيد من السماء. وقيل: معناه: من كفر فلا اعتصام له كمن خَرَّ من السماء ولا شيء له يتعلق به فينجوا (٣). وقيل: معناه بُعْدُ من أشرك بالله من الخلاص كبعد من خَرَّ من السماء (٤). ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فاختطفته الطير فبعد من الخلاص (٥)، أو الهوي من مكان بعيد مهلك. وقيل: من أشرك بالله بعد في القيامة من الخير كبعد من اختطفته الطير بمخالبه أو حملته الريح فلا يقدر (٦) على استمساك (٧). وقيل: أعماله باطلة كعمل من هذه حاله (٨). وقوله ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ عطف على ﴿خَرَّ﴾، وتقديره: فكأنما تهوي به الريح من مكان مرتفع إلى مكان منخفض بعيد، والخُرُور: السقوط على الوجه (٩). والخطف والتخطف: السَّلْبُ بسرعة (١٠).

стр. 1578

والهُويّ: السقوط. والسَّحِيق: البعيد، تقول: سُحق بالضم بَعُد، وسَحَقَه: بالفتح أبعده، وسَحِق بالكسر: هَلَك (١). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، وقد سبق (٢). ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ في الشعائر ثلاثة أقوال: أحدها: شعائر الله جمع شَعيرة وهي: البُدْن أُشْعِرت بالدم، وقُلِّدَت بلحاء الشجر أو بالنعل. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: اللبن والوبر والحمل عليها والركوب والكِرا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يُشْعَر، فإذا أُشعر (٣) لا يجوز ركوبها إلا عند الضرورة. ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن يشعر (٤). ﴿مَحِلُّهَا﴾ موضع نحرها. ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الحَرَم كله، ومنهم من جوز الانتفاع بها بعد أن تشعر إلى أن تنحر (٥)،

стр. 1579

وتعظيمها على هذا القول تحسينها وتسمينها. ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: أصحاب القلوب. والثاني (١): شعائر الله فرائض الله ومواضع نسكه. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ بالتجارات والمعاملات في الأسواق. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت الخروج من هذه المواضع. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ إلى طواف الزيارة والخروج من الإحرام. والثالث: شعائر الله دينه كله وفروضه، وتم الكلام على ﴿الْقُلُوبِ﴾ ثم عاد إلى حديث الأنعام. وقيل: بل الضمير يعود إلى شعائر الله وهي الدين ومنافع الدين لا يخفى. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الموت. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ يُشْكِل على هذا التأويل؛ فقيل: الإيمان به والتوجه إليه بالصلاة وكذلك القصد بالحج والعمرة، ولو قيل على هذا التأويل: إن البيت العتيق الجنة لم يبعد، والله أعلم (٢). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولكل أهل دين قبلكم. ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ ذبائح يتقربون بها إلى الله، والنَّسْكُ: الذبح، والنسيكة الذبيبحة على وجه التقرب.

стр. 1580

وقيل: النسك: العبادة، والمَنْسَك: موضعها (١)، الفتح الأصل، والكسر على الشذوذ كالمطلع والمغرب. وقيل: منسكاً عيداً وقرباناً (٢). وقيل: إراقة دم (٣). ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ دون غيره. ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: مرجع الأديان إلى توحيد الله. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: استسلموا لمحمد (٤) وآمنوا به وانقادوا له (٥) واخضعوا لله وأطيعوه. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المتواضعين، وقد سبق اشتقاقه (٦). ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ هيبة منه وخوفاً. والوَجَلُ: الخوف. ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ في الله وفي مرازئهم. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ أي: يقيمونها في مواقيتها. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يزكون ويتصدقون. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ البُدْنَ: جمع بَدَنَة كخشبة وخشب وأصله الضم ثم خفف.
следующие страницы →