← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الكذب، قال رسول الله ﷺ " إياكم والزور فإن الله تعالى جعله عديلاً للشرك وجمع بينهما في النهي عنهما " (١). وقيل: الزور الشرك، وقولهم الملائكة بنات الله، وأنه حَرَّمَ البَحِيرَة وأخواتها (٢). ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ على ملة إبراهيم. وقيل: مخلصين بالتلبية (٣). ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ لأنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.

стр. 1577

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الزجاج: أي: بُعْدُ من أشرك به من الحق كبُعُدِ من خَرَّ من السماء (١). ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٢) فذهب به الطير، أو هوت به الريح في مكان بعيد من السماء. وقيل: معناه: من كفر فلا اعتصام له كمن خَرَّ من السماء ولا شيء له يتعلق به فينجوا (٣). وقيل: معناه بُعْدُ من أشرك بالله من الخلاص كبعد من خَرَّ من السماء (٤). ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فاختطفته الطير فبعد من الخلاص (٥)، أو الهوي من مكان بعيد مهلك. وقيل: من أشرك بالله بعد في القيامة من الخير كبعد من اختطفته الطير بمخالبه أو حملته الريح فلا يقدر (٦) على استمساك (٧). وقيل: أعماله باطلة كعمل من هذه حاله (٨). وقوله ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ عطف على ﴿خَرَّ﴾، وتقديره: فكأنما تهوي به الريح من مكان مرتفع إلى مكان منخفض بعيد، والخُرُور: السقوط على الوجه (٩). والخطف والتخطف: السَّلْبُ بسرعة (١٠).

стр. 1578

والهُويّ: السقوط. والسَّحِيق: البعيد، تقول: سُحق بالضم بَعُد، وسَحَقَه: بالفتح أبعده، وسَحِق بالكسر: هَلَك (١). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، وقد سبق (٢). ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ في الشعائر ثلاثة أقوال: أحدها: شعائر الله جمع شَعيرة وهي: البُدْن أُشْعِرت بالدم، وقُلِّدَت بلحاء الشجر أو بالنعل. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: اللبن والوبر والحمل عليها والركوب والكِرا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يُشْعَر، فإذا أُشعر (٣) لا يجوز ركوبها إلا عند الضرورة. ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن يشعر (٤). ﴿مَحِلُّهَا﴾ موضع نحرها. ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الحَرَم كله، ومنهم من جوز الانتفاع بها بعد أن تشعر إلى أن تنحر (٥)،

стр. 1579

وتعظيمها على هذا القول تحسينها وتسمينها. ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: أصحاب القلوب. والثاني (١): شعائر الله فرائض الله ومواضع نسكه. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ بالتجارات والمعاملات في الأسواق. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت الخروج من هذه المواضع. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ إلى طواف الزيارة والخروج من الإحرام. والثالث: شعائر الله دينه كله وفروضه، وتم الكلام على ﴿الْقُلُوبِ﴾ ثم عاد إلى حديث الأنعام. وقيل: بل الضمير يعود إلى شعائر الله وهي الدين ومنافع الدين لا يخفى. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الموت. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ يُشْكِل على هذا التأويل؛ فقيل: الإيمان به والتوجه إليه بالصلاة وكذلك القصد بالحج والعمرة، ولو قيل على هذا التأويل: إن البيت العتيق الجنة لم يبعد، والله أعلم (٢). ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولكل أهل دين قبلكم. ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ ذبائح يتقربون بها إلى الله، والنَّسْكُ: الذبح، والنسيكة الذبيبحة على وجه التقرب.

стр. 1580

وقيل: النسك: العبادة، والمَنْسَك: موضعها (١)، الفتح الأصل، والكسر على الشذوذ كالمطلع والمغرب. وقيل: منسكاً عيداً وقرباناً (٢). وقيل: إراقة دم (٣). ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ دون غيره. ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: مرجع الأديان إلى توحيد الله. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أي: استسلموا لمحمد (٤) وآمنوا به وانقادوا له (٥) واخضعوا لله وأطيعوه. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المتواضعين، وقد سبق اشتقاقه (٦). ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ هيبة منه وخوفاً. والوَجَلُ: الخوف. ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ في الله وفي مرازئهم. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ أي: يقيمونها في مواقيتها. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يزكون ويتصدقون. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ البُدْنَ: جمع بَدَنَة كخشبة وخشب وأصله الضم ثم خفف.

стр. 1581

وقيل: بَدَن وبُدْن كأَسد وأُسد (١). وقيل: بَادن وبُدْن كفارهٍ وفُرْه (٢)، وأصلها من الضخامة، يقال: (٣) بَدُنَ بدانةً، والبُدْن الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم (٤). وقيل: المراد به ما يصلح للأضحية (٥). ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ متعبداته. وقيل: من أعلام دينه (٦). ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ في نحرها وذبحها ثواب. وقيل: فيها خير من احتاج إلى ظهرها ركب، وإن احتاج إلى لبنها شرب (٧). ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ يريد عند ذبحها. قال ابن عباس، ﵄: "هو أن يقول بسم الله والله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر" (٨). ﴿صَوَافَّ﴾ أي: قِفوها مصفوفة وانحروها قائمة، يعني الإبل خاصة، والسُّنة أن ينحر الإبل قائمة. وقرئ (صوافن) (٩)، وهي: التي عُقِلَت إحدى قوائمها تشبيهاً بالفرس الصافن. وقرئ (صوافيَ) (١٠) أي: خالصة لله وحده لا يذكر معه الوثن.

стр. 1582

﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت على الأرض، وهذا يدل على قيامها وهو عبارة عن الموت. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة، ومن السنة أكل لحم الأضحية، وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم. ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ السائل، قَنَعَ قنوعاً إذا سأل (١). وقيل: القانع الزاهد (٢)، من قَنَع قَنَاعة (٣). وقيل: القانع المسكين (٤). مجاهد: جارك وإن كان غنياً (٥). وقيل: القانع الذي إذا (٦) أعطيته شيئاً قنع وقَبِل (٧). الحسن: القانع الذي يقنع إلى الرجل فيسأله (٨)، كما قال ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وهذا يقتضي المقنع. أبو عبيدة: القانع: السائل الذي قنع إليك أي: خضع (٩). ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ الذي يتعرض للمعروف، إعتره وعَرَّه وعَرَاه واعتراه بمعنى، وقرئ (المعترِ) أي: المعتري (١٠). وقيل: المعتر السائل (١١).

стр. 1583

﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ أي: كما أمركم بنحرها سخرها لكم. وقيل: هو كقوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ [الحج: ٣٢] ذلك ومن فيما سبق، ثم استأنف فقال: ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكي تشكروا نعمتي. ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ كانوا في الجاهلية إذا ذبحوا القرابين لطخوا جدار الكعبة بدمائها فهَمَّ المسلمون بمثل ذلك فأنزل الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ (١). ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قيل: معناه لن يقبل الله اللحم (٢) والدم وإنما يقبل التقوى (٣). وقيل: لن يصعد اللحم والدم ولكن يصعد إليه التقوى، ومثله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] (٤). وقيل: معنى يناله التقوى يُعتد ذلك منكم ويحسن موقعها عنده (٥). وقيل: معناه ينفعكم ذلك (٦). وقيل: لن ينال رضى الله اللحم والدم ولكن ينال رضى الله التقوى (٧). ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أي: البُدْن. ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يريد التسمية عند الذبح.

стр. 1584

وقيل: التكبير عند الإحلال كالتلبية عند الإحرام، والمعنى: لتعظموا الله على ما أرشدكم إليه (١). ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ الممتثلين أوامره ونواهيه بالقبول. وقيل: بالجنة (٢). ﴿إِن اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانة الله. ﴿كَفُورٍ﴾ نعمة ربه. وقيل: هذا خبر إن كما سبق وهو من تمام الكلام (٣) في الحج. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في سبب النزول: أن أهل مكة كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ ولا يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج ويشكون إلى رسول الله ﷺ فيقول لهم: اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال، حتى هاجر رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية (٤). ابن عباس، ﵄: لما أُخرج النبي ﷺ وسلم من مكة قال أبو بكر ﵁: "أخرجوا نبيهم تالله ليهلكن فأنزل الله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآية، قال أبو بكر: " فعرفت أنه سيكون قتال " (٥). مجاهد: نزلت في أقوام بأعيانهم أرادوا الخروج من مكة إلى المدينة للهجرة فمنعوا فأذن الله لهم في قتال الذين يمنعونهم من الهجرة (٦).

стр. 1585

والمعنى: أَذن الله للمؤمنين (١) الذين يصلحون للقتال في قتال الكفار. ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ بسبب أنهم ظُلِموا ومن أجل أنهم ظُلِموا، ومن فتح التاء فالمعنى: أُذن لمن يُقاتَل بأن يقاتِل لأنهم ظلموا بالقتال والإخراج من ديارهم (٢). ابن عباس، ﵄: هذه أول آية نزلت في القتال نُسِخَت بها كل آية أُمر فيها بالكف عن القتال (٣). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ﴾ على نصر المؤمنين وقهر الكفار. ﴿لَقَدِيرٌ﴾ قادر، وهذه بشارة للمؤمنين بالنصرة. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: أُخرجوا من مكة ظلماً بغير حق أوجب إخراجهم. وقيل: بغير حق استحقوا ذلك (٤). ﴿إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ هذا استثناء منقطع أي: لكنهم يقولون ربنا الله.

стр. 1586

وقيل: محله جر بدلاً من قوله ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: أخرجوا بأن يقولوا ربنا الله أي: بسبب قولهم (١). ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: يدفع الكفار عن المسلمين وديارهم ومتعبداتهم بالمسلمين وبأمثالهم من الكفار. وقيل: ولولا دفع الله عن المؤمنين بالنبيين وعن القاعدين بالمجاهدين (٢). وقيل: دفع الله بأصحاب رسول الله ﷺ وسلم عمن بعدهم من التابعين (٣). وقيل: ولولا دفع الله عن النفوس بالقصاص (٤)، وعن المنكر بالمعروف (٥). ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لأُخربت. ﴿صَوَامِعُ﴾ أي: صوامع الرهبان. قتادة: مُصَلى الصابئين (٦).

стр. 1587

الحسن: صوامع المؤمنين (١)، لقوله ﷺ وسلم " نعم صومعة المؤمن بيته" (٢) واشتقاقها من الصمع وهو الصَغَر في الأذن تقول: أُذن صمعاء (٣). ﴿وَبِيَعٌ﴾ أي: بيع النصارى (٤). مجاهد: كنائس اليهود (٥). الحسن: هي مواضع يتخذها المؤمنون للصلاة، واحدها بيعة (٦). ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ الضحاك: كنائس اليهود قال: ويسمونها صَلُوتاً (٧). وقيل: مواضع صلوات المسلمين فحذف المضاف (٨). الحسن: هي عين الصلاة، قال: وهدمها بقتل من عليها ومنعهم عنها (٩)، ويحتمل وتركت صلوات، كقول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . ... متقلداً سيفاً ورمحاً. (١٠)

стр. 1588

أي: وحاملاً رمحاً. وروي عن الحجاج (١): وصلوب جمع صليب، ومثله ظريف وظروف وعَناق وعُنُوق وهما أختان (٢). ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أي: في المساجد. وقيل: في جميع ما تقدم (٣). الزجاج: لهدمت صوامع في أيام شريعة عيسى، وبِيَعٌ في أيام شريعة موسى، ومساجد في أيام شريعة موسى عليهم الصلاة والسلام (٤)، والمعنى: لهدِّم في أيام كل شريعة (٥) موضع عبادتهم. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: ينصر دينه.

стр. 1589

﴿إِن اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الحسن: هم هذه الأمة (١). وقيل: هذه صفة الذين أخرجوا من ديارهم (٢). ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ مرجع الأمور كلها إليه فيجازي كلاً بعمله. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ في هذه الآيات تسلية لمحمد ﷺ من تكذيب أهل مكة إياه، أي: لست بأول من نُسِب إلى الكذب من الأنبياء بل كذب كل قوم نبيهم أول ما أتاهم فأمهلهم الله ولم يهملهم فلك بهم أسوة واقتداء، وظاهره شرط والجزاء مضمر تقديره: وإن يكذبوك فلا تحزن، والفاء في قوله ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾ لعطف جملة على جملة بينهما اتصال شديد وليس بجزاء الشرط لوقوع التكذيب منهم. ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحاً. ﴿وَعَادٌ﴾ هوداً. ﴿وَثَمُودُ﴾ صالحاً. ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم. ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطاً. ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ شعيباً. ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ كذبه فرعون وقوم فرعون (٣) ولم يقل قوم موسى، لأن قوم موسى بنو إسرائيل وكانوا قد آمنوا به. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أخرت آجالهم. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم على كفرهم وأهلكتهم يعني قوم نوح بالطوفان، وعاداً بالريح، وثمودا بالصيحة، ونمروذ ببعوضة، وقوم لوط بالخسف وإمطار الحجارة عليهم، وأصحاب مدين بالظلة، وأعداء موسى بالغرق. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري بالعذاب والهلاك.

стр. 1590

﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أهلكناهم. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أهلها مشركون. ﴿فَهِيَ﴾ أي: القرية. ﴿خَاوِيَةٌ﴾ فيها قولان: أحدهما: ساقطة ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها أي: سقطت ثم سقطت عليها الجدر. وقيل: على عروش كرومها (١). والثاني: خاوية خالية من أهلها باقية على حالها. وفي العروش على هذا الوجه قولان: أحدهما: ما سبق. والثاني: جمع عرش وهو: سرير المُلْك. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مبطلة بهلاك أهلها. وقيل: بترك الاستقاء منها وفقد دلوها ورشائها ورفض تفقدها وعمارتها (٢). وقيل: غار ماؤها فيبست، وتعطيل الشيء إبطال عمله (٣). والبئر من بارأت، أي: حفرت وهي مؤنثة (٤). ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قيل: حصين (٥). وقيل: رفيع، من قول العرب شاده إذا رفعه (٦). وقيل: مشيد مبني بالشيد وهو الجص (٧)، عطف بهما على قرية أي: وكأين من قرية وبئر وقصر. وقيل: عطفاً على عروشها، وإنما يكون ذلك على من جعل معنى ﴿خَاوِيَةٌ﴾ خالية باقية والمعنى بهما: البادية والحاضرة وهما الناس جميعاً (٨)، وفي البئر والقَصْرِ قولان:

стр. 1591

أحدهما: أنهما للعموم وهو الأظهر والأولى. وقيل: للخصوص، وفيه قولان: أحدهما: أنهما بحضرموت من أرض البحر وهما معروفان، والقصر مشرف على قلة جبل لايرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر الريح (١) شيئاً سقط فيها. والثاني: قال الضحاك " هذه كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاضور أنزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح، أتوا حضرموت ومعهم صالح فلما حضروه مات صالح فسموا المكان حضر موت، ثم إنهم كثروا وكفروا وعبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نبياً يقال له: حنظلة بن صفوان وكان حمالاً (٢). وقيل: اسمه شريح بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله عن آخرهم وعَطَّل بئرهم وخرب قصرهم (٣). وقال ابن عباس، ﵄ " أما البئر المعطلة فإنها كانت لأهل عدن من اليمن وهي الرس، قال: وكذلك قال الله لهم أصحاب الرس " (٤). وروى الواقدي (٥)

стр. 1592

بإسناده عن نوف البكالي (١) عن كعب الأحبار أن القصر بناه عاد الثاني وهو منذر بن عاد بن آدم بن عاد حكاه النقاش، ووصف البناء بما لا فائدة في وصفه ثم قال: فكذبوه فأهلكهم الله وإنه ليخرج منها دخان أسود منتن فمن دنا اليوم من القصر سمع أنين القوم (٢). ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيروا آيات عذاب الله في الذين كذبوا الأنبياء فيحذروا وقوع مثل ذلك بهم. وقيل: معناه قد ساروا ورأوا فهلا أعملوا عقولهم فاعتبروا (٣). ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ما يراد بهم أي: يعلمون بها، والعقل علم غريزي يكتسب به العلم الاختياري. ﴿أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يوعظون به أي: ينتفعون بما يسمعون. ﴿فَإِنَّهَا﴾ قيل: هي القصة كالأمر والشأن. وقيل: كناية عن الإبصار بشريطة التفسير (٤). ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ أي: عن النظر. ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ عن الاعتبار. وقيل: معناه فليس العمى عمى البصر ولكن العمى عمى القلب (٥).

стр. 1593

ابن عباس، ﵄ ومقاتل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] جاء ابن أم مكتوم وهو عبد الله بن زائدة (١) إلى النبي ﷺ فقال: " يارسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل الله هذه الآية " (٢). وأكد القلب بالصدر تأكيداً ونفياً لمجاز يستعمل القلب له. ابن عيسى: القلب اسم مشترك فقيد بالصدر (٣). قال المفسرون: وفي الآية دليل على أن القلب محل العقل والعلم لا الدماغ. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: استهزاءً، نزلت في النظر بن الحارث (٤). ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا يجوز عليه الخلف فهو يأتيهم به للوقت الذي عين له. وقيل: ولن يخلف الله وعده في النظرة لهم (٥).

стр. 1594

﴿وَإِن يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: عذاب يوم من أيام الآخرة يقوم مقام عذاب ألف سنة من سني الدنيا فهم يستعجلون ما هذه صفته، وذهب ابن مسعود ﵁ في جماعة إلى أن كل يوم هناك في قدر ألف سنة من الدنيا (١). وقيل: عذاب يوم في الآخرة ينزل منزلة عذاب ألف سنة، وكذلك نعيم يوم في الآخرة يقوم مقام لذات الدنيا ونعيمها ألف سنة لو عاش فيها (٢). وقيل: معناه لافوت وإن يوماً عنده وألف سنة سواء (٣). ابن عباس، ﵄: في جماعة أن كل يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض كألف سنة مما تعدون (٤). ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ أمهلتها بتأخير عقوبتها. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ كافرة. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب (٥). ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ مرجع الجميع فلا يفوتني شيئ. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يا أهل مكة. ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بشير ونذير، ثم بشر فقال ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة، والكريم من الأشياء هو الذي جمع فضائل متنوعه (٦). وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ حسن (٧).

стр. 1595

وقيل: ﴿كَرِيمٌ﴾ شريف واسع. وقيل: رزق كريم لا يكتسب بالدنيات من التذلل للخلق والأخذ من المنان وارتكاب الظلم (١)، ثم أنذر فقال ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا﴾ يجتهدون في رد القرآن وإبطاله. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مقدرين أنهم يعجزوننا ظانين ذلك، و (معجزين) مثبطين الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ (٢). وقيل: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ يغالبون النبي طامعين في إعجازه (٣). ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ النار الموقدة. وقيل: الجحيم إحدى الطبقات (٤). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ من لابتداء الغاية. ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ من زيادة لعموم النفي. ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ اختلفوا في الرسول والنبي؛ فقال بعضهم: كل رسول نبي وكل نبي رسول. وقال بعضهم: الرسول أعلى شأناً لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. وقال بعضهم: الرسول: صاحب الشرع، والنبي: هو الذي يؤمر باتباع شرع سابق. وقال بعضهم: الرسول الذي يأتيه الملك بالوحي والنبي الذي يرى في المنام ما يوحى إليه (٥). وقيل: النبي المحدث الذي لم يرسل، وقيل: المراد بالرسول هاهنا الملَك، وبالنبي: الإنس، وفيه ضعف لأن ما بعده ليس من وصف الملك (٦).

стр. 1596

﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ فيها قولان: أحدهما: تمنى حدّث به نفسه. والثاني: تلا (١)، وأنشد: تمنى كتاب الله آخر ليلة ... تمني داود الزبور على رسل (٢). وأصل الكلمة من منى الله كذا إذا قدر، وتمنى الإنسان تقديره بلوغه، والتمنى: التلاوة لأن التالي يقدر الحروف (٣) ويذكرها شيئاً فشيئاً (٤). ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في سبب النزول: أن النبي ﷺ لما رأى تولي قومه عنه شق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم.

стр. 1597

فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون به عنه (١) وتنمى ذلك فأنزل الله سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقرأها رسول الله ﷺ عليهم حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدث به نفسه ويتمناه (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، وروي "تلك الغرانقة العلا"، ويروى "الغرانيق الأولى منها الشفاعة ترتجى". والغرانيق والغرانقة جمع غُرْنُوق وغِرْنَاق وهو الحَسَن. وقيل: جمع غِرْنيِق، وهو الطير العظيم وكانوا يدّعون أنها تصعد إلى السماء وتعلم الغيوب، وقيل: عنوا أنها كالملائكة فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله ﷺ في قراءته فقرأ السورة فسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، وأبا أحيحة سعيد بن العاص (٢)

стр. 1598

فإن كل واحد منهما أخذ كفاً من تراب البطحاء ورفعه إلى جبهته وسجد عليه لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سَرَّهُم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا فأحسن الذكر. وقالوا: قد عرفنا أن الله يحي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعل معه لها محمد نصيباً فنحن معه فلما أمسى رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: ماذا صنعت تلوت على الناس مالم آتك به عن الله، وقلت مالم أقل لك! فحزن رسول ﷺ حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً كثيراً. فأنزل الله هذه الآية. فقالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فازدادوا شراً إلى ما كانوا عليه (١).

стр. 1599

قال قتادة: ألقى الشيطان في تلاوته وهو ناعس (١). وقيل: ألقى الشيطان في تلاوته بقراءة الشيطان رافعاً صوته فظن الناس السامعون أنه من قراءة النبي ﷺ (٢). ابن عيسى: تلاه منافق من شياطين الإنس فخيل إلى الناس أنه من تلاوة النبي ﷺ (٣). الحسن: تلك الغرانيق العلا بزعمكم أيها المشركون (٤). وبعض المفسرين أنكر هذا أصلاً وقال: النبي معصوم من أن يجري على لسانه ما هو كفر، وبعضهم قال: هذا من الأخبار الآحاد التي لا توجب علماً، ويحتمل أنه حكى كلامهم ثم أنكر عليهم، وتقديرها: تلك الغرانيق العلى أيها المشركون بزعمكم (٥) كما قال الحسن (٦) أمنها الشفاعة ترتجى وكم ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً، والله أعلم. ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ فبين بطلان ذلك ويخبر أنه من الشيطان. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ أي: ينزلها محكمة مثبتة (٧) ولا يجد أحد إلى بطلانها سبيلاً. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بوحيه. ﴿حَكِيمٌ﴾ بخلقه. ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ ضلالاً. وقيل: امتحاناً (٨). وقيل: عذاباً أي: سبب عذاب. ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق وهم المنافقون. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون. ﴿وَإِن الظَّالِمِينَ﴾ المنافقين والمشركين.

стр. 1600

﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ خلاف. ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق. وقيل: ﴿شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ خلاف طويل مع النبي والمؤمنين (١). ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الإيمان والتوحيد وهم المؤمنون. وقيل: العقل والتمييز (٢). ﴿أَنَّهُ﴾ أن القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بالقرآن وبالله. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فيتواضعوا لله. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يثبتهم عليه. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ شك لا يفارقهم أبداً من سجود النبي ﷺ . وقيل: مما تلاه (٣). وقيل: من القرآن (٤). ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامة. وقيل: الموت (٥). ﴿بَغْتَةً﴾ مباغتاً أي: مفاجئاً. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ﴾ قيل: لأحد الشيئين على أصله. وقيل: بمعنى الواو. ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم القيامة، لأنه لا يعقب بعده يوم. وقيل: عقيم على الكفار فلا يكون لهم فيه خير (٦). وقيل: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يوم بدر، سمي عقيماً لأن نسلهم انقطع فيه (٧). وقيل: لأنهم لم ينظروا إلى الليل (٨).

стр. 1601

وقيل: عقيم لعظم أمره وأنه لا مثيل له لقتال الملائكة فيه (١). ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ يوم القيامة كقوله ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بينهم، ثم بَيَّنَ حكمه فيهم فقال ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: عذاب معه ذلة وهوان. وقيل: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم بدر، فحكم لنبيه بالنصر والمؤمنين بالجنة ولأعدائه بالقتل والهزيمة والنار (٢). ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين. ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد. ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حتف أنفسهم. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الجنة ونعيمها، وقيل: الشهادة ثم الجنة (٣). وقيل: العلم والحكمة في الدنيا (٤). ﴿وَإِن اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ لأنه يرزقهم إلى غير نهاية. ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا﴾ مكاناً الجنة، وقيل: هو مصدر، ومن قرأ بالفتح فعلى هذين الوجهين (٥).

стр. 1602

﴿يَرْضَوْنَهُ﴾ الجنة يرضاها كل أحد لا يبتغي عنها حولاً. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ بأحوالهم. ﴿حَلِيمٌ﴾ لم يعجلهم بالعفو والعذاب. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك. ﴿عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ نزلت في قوم من المشركين أرادوا قتال قوم من المسلمين لليلتان بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال فيه وسألوهم (١) أن يكفوا عن قتالهم للشهر الحرام فأبى المشركون إلا القتال فقاتلهم المسلمون ونصر الله المسلمين (٢). وقيل: نزلت في أُحد، ومثله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] (٣) فسمى الأول عقاباً ازدواجاً للكلام، ومثله قولهم: كما تدين تدان، والأول ليس بمجازاة. ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: حاربوه بعد ذلك، وقيل: بُغي عليه بعد أخذ حقه (٤). ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أوجب الله على نفسه نصرة المبغي عليه. مجاهد: ثم بغي عليه يعني محمداً ﷺ وعده الله أن ينصره (٥). الحسن: ثم بغي عليه أخرج من منزله (٦). ﴿إِن اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ للمنتصر من الظالم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فيكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات.

стр. 1603

وقيل: الليل والنهار أبداً اثنتا عشرة ساعة يطول أو يقصر الساعات، والمعنى فلا يخفى عليه شيء فيهما ولا يعجز عن شيء أراد (١). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ متصل بالآية الأولى أي: سمع قول المعاقب والباغي. ﴿بَصِيرٌ﴾ أبصر فعلهم فيجزيهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق. وقيل: المستحق للعبادة (٢). وقيل: الثابت الموجود لا أول لوجوده ولا آخر. ﴿وَأَن مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الأصنام. وقيل: الشيطان (٣). ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ الزائل لا وجود لوصف الإلهية له. ﴿وَأَن اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَن اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطراً، هذا استفهام معناه الخبر ولهذا رفع بعده ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أنزل فأصبح وينزل فيصبح فاقتصر من كل بلفظة، ومنه قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني. (٤) قوله ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات بعد أن كانت مسودة يابسة. ﴿إِن اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. وقيل: لطيف باستخراج النبات منها (٥). ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم به. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: لغني عن خلقه حميد على فعله.

стр. 1604

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ تستعملونه فيما احتجتم إليه. ﴿وَالْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ فهي عطف على ﴿مَا﴾ و ﴿تَجْرِي﴾ حال لها. وقيل: عطف على اسم إن. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ يحفظها من أن تقع. وقيل: كراهة أن تقع (١). وقيل: لئلا تقع (٢). ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ بأمره وإرادته. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تفضل عليهم بما وعد في الآية. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أي: في الأرحام. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند الموت. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والنشور. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ قيل: عام، والمراد به كفران النعمة (٣). وقيل: أراد بالإنسان الكفار (٤). ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أهل دين. وقيل: دين (٥). ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قيل: عيداً (٦). وقيل: موضع عبادة (٧). وقيل: إراقة دم. وقيل: ذبيحة (٨). وقيل شريعة تعبدوا بها (٩).

стр. 1605

﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أي: ينسكون تلك المناسك (١). ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: ليس لليهود وغيرهم من ذوي الأديان والمشركين بأن ينازعوك في شريعة قومك وذبائحهم. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أدع الناس إلى عبادة الله. ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق واضح. ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ ولم يقبلوا منك. ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أوعدهم بحكمه فيهم يوم القيامة، ويجوز أن يكون استئناف. وقيل: جادلوك في أكل الميتة فقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله (٢)، والآية منسوخة بآية ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠] فيعلم أعمالكم فيجازيكم على ذلك (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يريد اللوح المحفوظ. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يكونه بقوله كن. وقيل: إن الحكم بينكم يسير على الله (٤).

стр. 1606

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة وبرهاناً على عبادته. ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: يعبدونه تقليداً وجهلاً لا عن عقل ولا سمع. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ مانع من عذاب الله. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ على أهل مكة. ﴿آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ بالفرائض والأحكام، والحلال والحرام، يريد القرآن. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الكراهية والعبوس والإنكار على تاليه، والمنكر مصدر ويجوز أن يكون مفعولاً أي: الذي تنكره (١). ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا﴾ يقربون من الوثوب عليهم بالقتل والضرب. وقيل: يبطشون، يقال: سطا به (٢) وعليه يسطوا سطواً وسطوة إذا حمل عليه وبطش به (٣). ابن عيسى: السطوة: إظهار الحال الهائلة للإخافة (٤). ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ بشر عليكم وأكره من الذي تسمعون أي: إن ساءكم سماع كلام الله وفيه إبطال دينكم وحسبتموه شراً لكم فأنا أنبئكم بشر من ذلكم، ثم فسر وقال ﴿النَّارُ﴾ أي: هي النار. ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النار. وقيل: بأشد من سطوتكم (٥). وقيل: بشر لكم من غيظكم على من تلاه (٦). وقيل: بشر عليكم مما يلحق التالي منكم (٧).

стр. 1607

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: جعل مثل، من قوله ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]. الأخفش: ليس هاهنا مثل وإن المعنى جعل الكفار لله مثلاً وشبيها في عبادة غيره معه (١). وقيل: هو مثل من حيث المعنى لأنه ضرب مثل من يعبد الأصنام بمن يعبد مالا يخلق ذباباً (٢). قوله ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِن الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قيل: الأوثان. وقيل: الشياطين. وقيل: الرؤساء (٣). ﴿لَهُ﴾ لخلق الذباب، وجواب ﴿وَلَوِ﴾ مضمر أي: لعجزوا عنه، وخص الذباب لمهانته وضعفه واستقذاره، وسمي الذباب ذباباً لأنه يُذَبُّ استقذاراً واحتقاراً، وجمعه أذبه وذبان. ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: إن يسلبهم من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها. وقيل: من العسل الذي كانوا يطلون رؤوسها (٤). وقيل: من العطر الذي كانوا يمسحونها به (٥). وقيل: أراد إفساد الذباب ثمار الناس وطعامهم (٦). وقيل: هو الألم الذي يمس الإنسان في عض الذباب أو قرصه (٧). ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ لم يتهيأ لهم تخليصه منه، تقول أنقذه واستنقذه إذا خلصه، والمعنى: كيف يصلح للإلهية مالا يقدر على دفع أذية ذباب ضعيف صغير عن نفسه.

стр. 1608

﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذباب يُطلب ما قد سَلَب. وقيل: الطالب الكافر، والمطلوب إليه الصنم (١). وقيل: معناه التعجب، أي: ما أضعف هذا الطالب وهذا المطلوب (٢). ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ابن عباس، ﵄: نزلت في مالك بن الضيف (٣)، وكعب بن الأشرف (٤)، وجماعة من اليهود قالوا: "خلق الله السماوات وأعيا من خلقها فاستلقى واستراح يوم السبت فوضع إحدى رجليه على الأخرى" (٥). والمعنى: ما عظموه حق تعظيمه (٦). وقيل: ما عرفوه حق معرفته (٧). وقيل: ما وصفوه حق صفته (٨).

стр. 1609

وقيل: ما اعتقدوا في الله ما يجب اعتقاده، أي: الذين جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكاً لله ما قدروا الله حق قدره (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يعى ولا يُغلب. وقيل: متصل بالأول أي: لا يقدر أحد على سلب شيء من مملكته ولا على مغالبته. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ يختار (٢). ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ مثل جبريل، وميكائيل ﵉ وغيرهما فهم رسل الله إلى أنبيائه. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: ومن الناس رسلاً يعني محمداً، وموسى وعيسى ﵈، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين. ﴿إِن اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم. ﴿بَصِيرٌ﴾ بأفعالهم ومن هو خير لهم. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أمر الآخرة، وقيل: ما مضى ومالم يأت (٣). وقيل: ما كان قبل خلق الملائكة والنبيين وما خلفهم بعد فنائهم (٤). وقيل: ما قدموه وما أخروه (٥). ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مرجع جميع الأمور إليه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ الكلبي: كانوا قبل الإسلام يصلون بغير ركوع ولا سجود فأمروا بهما (٦). وقيل: معناه صلوا (٧). وقيل: لا تقصدوا بالركوع والسجود غير الله من صنم أو رياء (٨).

стр. 1610

﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ يريد سائر العبادات والفروض. وقيل: وادعوا ربكم في صلواتكم فإنها موضع رجائكم (١). ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ أراد النوافل وسائر أبواب البر. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ كي تفلحوا وتفوزوا وتبقوا في الجنة. وقيل: لتكونوا على رجاء الفلاح (٢). علي ﵁: إذا فعلتم ذلك ظفرتم بالمراد (٣). ﴿وَجَاهِدُوا﴾ أي: جاهدوا الكفار في نصرة الإسلام. ﴿فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وحق جهاده أن لا تخافوا لومة لائم. وقيل: اعملوا لله حق عمله. وقيل: حتى لا يعبد غيره. وقيل: هي كقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] و ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (٤). ابن المبارك (٥): هو جهاد النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر (٦). ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم لهذا الدين.

стр. 1611

وقيل: اختاركم لجهاد عدوه ونصرة نبيه (١). وقيل: معناه هداكم (٢). ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق أي: لم يضيق عليكم ولم يكلفكم ما يشتد القيام به عليكم بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الصلاة والصوم وغير ذلك، وكذلك الخروج من الأيمان بالكفارات. وقيل: معناه: جعل لكم من كل ذنب مخرجاً بالتوبة ورد المظلمة فليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص فلا عذر لأحد في ترك الاستعداد للقيامة (٣). ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ في نصب الملة أقوال: أحدها: خذوها واتبعوها (٤). وقيل: وسَّع عليكم (٥) كَمِلَّةِ إبراهيم، لأن العرب من ذريته (٦). وقيل: لأن النبي أبو المؤمنين (٧). ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: ﴿هُوَ﴾ أي: الله سماكم المسلمين في التوراة والإنجيل وسائر كتبه (٨). ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن. وقيل: في هذا الزمان (٩).

стр. 1612

الحسن: هو إبراهيم سماكم المسلمين (١) يريد قوله ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون تقدير قوله ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن بيان تسميته إياكم مسلمين، وهو قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بالطاعة والقبول. وقيل: شهيداً عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم (٢). وقيل: شهيداً عليكم يزكيكم (٣). ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم. وقيل: شهداء على من بعدكم بأن قد بلغتم إليهم ما بلغ إليكم الرسول (٤). ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بشرائطها. ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ بفرائضها. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ تمسكوا بدينه وامتنعوا بطاعته عن معصيته واجعلوه عصمة لكم مما تحذرون. وقيل: تمسكوا بقول لا إله إلا الله (٥). ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ مالككم وناصركم ومتولي أموركم وخالقكم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لمن تولاه ونعم المولى لا يمنع الرزق بالعصيان. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ نعم الناصر لمن استنصره بلزوم عبادته.

стр. 1613

سورة المؤمنون

стр. 1614

سورة المؤمنون مائة وثمان عشرة آية (١)، مكية بالإجماع (٢). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد ظهروا بالأمنية والفلاح والظفر بالأمنية. وقيل: فازوا، والفلاح الفوز (٣). وقيل: بقوا، والفلاح البقاء (٤). وقيل: رشدوا، والفلاح الرشد وصلاح أمر الدين والدنيا (٥). وأفاد ﴿قَدْ﴾ تقريب الماضي من الراهن وإثبات الفلاح لهم في الحال. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ في سبب النزول عن محمد بن سيرين (٦) عن أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ ينظر في الصلوات إلى السماء فأنزل الله هذه الآية، فجعل رسول الله ﷺ وجهه حيث يسجد (٧).

стр. 1615

وأكثر المفسرين على أن الخشوع في الصلاة هو: أن ينظر إلى موضع سجوده إذا كان قائماً (١)، ومنهم من قال إلا بمكة فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت. وقيل: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون (٢). وقيل: متواضعون (٣). عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة (٤)؛ فإن النبي ﷺ أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " (٥). والخشوع في اللغة: التذلل والإخبات (٦).
следующие страницы →