← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وقيل: اختاركم لجهاد عدوه ونصرة نبيه (١). وقيل: معناه هداكم (٢). ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق أي: لم يضيق عليكم ولم يكلفكم ما يشتد القيام به عليكم بل رخص لكم في جميع ما كلفكم من الصلاة والصوم وغير ذلك، وكذلك الخروج من الأيمان بالكفارات. وقيل: معناه: جعل لكم من كل ذنب مخرجاً بالتوبة ورد المظلمة فليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص فلا عذر لأحد في ترك الاستعداد للقيامة (٣). ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ في نصب الملة أقوال: أحدها: خذوها واتبعوها (٤). وقيل: وسَّع عليكم (٥) كَمِلَّةِ إبراهيم، لأن العرب من ذريته (٦). وقيل: لأن النبي أبو المؤمنين (٧). ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: ﴿هُوَ﴾ أي: الله سماكم المسلمين في التوراة والإنجيل وسائر كتبه (٨). ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن. وقيل: في هذا الزمان (٩).

стр. 1612

الحسن: هو إبراهيم سماكم المسلمين (١) يريد قوله ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون تقدير قوله ﴿وَفِي هَذَا﴾ أي: في القرآن بيان تسميته إياكم مسلمين، وهو قوله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بالطاعة والقبول. وقيل: شهيداً عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم (٢). وقيل: شهيداً عليكم يزكيكم (٣). ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم. وقيل: شهداء على من بعدكم بأن قد بلغتم إليهم ما بلغ إليكم الرسول (٤). ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بشرائطها. ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ بفرائضها. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ تمسكوا بدينه وامتنعوا بطاعته عن معصيته واجعلوه عصمة لكم مما تحذرون. وقيل: تمسكوا بقول لا إله إلا الله (٥). ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ مالككم وناصركم ومتولي أموركم وخالقكم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لمن تولاه ونعم المولى لا يمنع الرزق بالعصيان. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ نعم الناصر لمن استنصره بلزوم عبادته.

стр. 1613

سورة المؤمنون

стр. 1614

سورة المؤمنون مائة وثمان عشرة آية (١)، مكية بالإجماع (٢). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد ظهروا بالأمنية والفلاح والظفر بالأمنية. وقيل: فازوا، والفلاح الفوز (٣). وقيل: بقوا، والفلاح البقاء (٤). وقيل: رشدوا، والفلاح الرشد وصلاح أمر الدين والدنيا (٥). وأفاد ﴿قَدْ﴾ تقريب الماضي من الراهن وإثبات الفلاح لهم في الحال. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ في سبب النزول عن محمد بن سيرين (٦) عن أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ ينظر في الصلوات إلى السماء فأنزل الله هذه الآية، فجعل رسول الله ﷺ وجهه حيث يسجد (٧).

стр. 1615

وأكثر المفسرين على أن الخشوع في الصلاة هو: أن ينظر إلى موضع سجوده إذا كان قائماً (١)، ومنهم من قال إلا بمكة فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت. وقيل: ﴿خَاشِعُونَ﴾ خائفون (٢). وقيل: متواضعون (٣). عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة (٤)؛ فإن النبي ﷺ أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " (٥). والخشوع في اللغة: التذلل والإخبات (٦).

стр. 1616

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ابن عباس، ﵄: اللغو: الباطل (١). الحسن: جميع المعاصي (٢). السدي: الكذب (٣). وقيل: الشتم (٤). وقيل: مجالس المبتدعين (٥). الكلبي: الحَلِف (٦)، واللغو: ما حقه أن يطرح ويلغى (٧). ﴿مُعْرِضُونَ﴾ الإعراض عن الشيء أن يكون في عرض غير عرضه أي: ناحيته وجانبه (٨). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الزكاة في الشرع: أداء الصدقة الواجبة في المال بالحول، وهو المراد في الآية. وقيل: صدقة الفطر (٩).

стр. 1617

وقيل: هي الصدقة، لأن هذه السورة نزلت قبل فرض الزكاة (١)، واستعمل (٢) لفظ الفعل لعمومه في جميع الأفعال وكل ما يحدث. قال أمية (٣): المطعمون الطعام في السنة ... الأزمة والفاعلون للزكواة (٤). ودخل اللام لتقدم المفعول ولأن اسم الفاعل (٥) لا يبلغ قوته في العمل قوة الفعل، تقول: هذا ضارب لزيد، ولا يجوز ضرب لزيد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً واللام لام العلة، فالمعنى: يفعلون ما يفعلون للزكاة أي: ليصيروا عند الله أزكياء. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ لا يبذلونها في المحرم. الحسن: ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ لثيابهم (٦)،

стр. 1618

ودخل اللام لتقدم المفعول وضعف اسم الفاعل كما سبق. ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ أراد ألا على نسائهم وإمائهم، و (ما) بمعنى من، و﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى من أي: يحفظونها إلا من الأزواج والإماء. وقيل: ضد الحفظ الاسترسال والتخلية وذلك يقتضى على (١). المبرد: في الحفظ معنى الامتناع، والتقدير عنده: امتنعت إلا على أزواجهم (٢). وذهب الزجاج إلى أن المعنى: يلامون في إطلاق ما حُظِرَ عليهم إلا على أزواجهم (٣). والعبد والأمة يسميان ملك اليمين دون العقار والدار. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الحافظين فروجهم. ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ لا يلامون على استرسالها على الأزواج والإماء. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: طلب سواها. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: من طلب من غير الأزواج والإماء قضاء شهوته فهو متجاوز ما حُد له من الحلال إلى الحرام، ومن استمنى بيده فهو من العادين (٤)، وسئل ابن عباس، ﵄ عن ذلك: " فقال هو ناكح يده " (٥).

стр. 1619

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ الأمانة: ما أتمنوا فيه من أمر الدين والدنيا؛ من الصوم، والصلاة، والزكاة (١)، والاغتسال من الحدث والجنابة، وكذلك أمانة بعضهم لبعض من الودائع والبضائع، وكذلك ما عُوهدوا عليه في الدين والدنيا وما عَقَدَ بعضهم لبعض من العقود والعهود التي يجب الوفاء بها، وأصل المراعاة قيام الراعي بإصلاح ما يتولاه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يريد الصلوات الخمس أي: يحافظون أوقاتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها. وأعاد ذكر الصلاة وقد بدأ بها تأكيداً لحفظ الصلاة، ولأن الخشوع فيها (٢) غير المحافظة عليها. وقيل: يريد التطوع (٣). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ أي: الذين اجتمعت فيهم (٤) هذه الخصال هم الوارثون، ثم بين ما يرثون فقال ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ في الوراثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى العاقبة وإن لم يكن لمن تقدمه. والثاني: أنهم يرثون من الكفار منازلهم حيث فَوَّتَها الكفار على أنفسهم بكفرهم لأن الله خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. والثالث: الوراثة أقوى سبب يقع في ملك الشيء لا يتعقبه رد ولا فسخ ولا إقالة ولا نقض. والفردوس: البستان يجمع محاسن النبات والأشجار، والعرب تسمى البستان الذي فيه الكَرْم فردوساً، وكَرْم مُفَرْدَس: معروش، وقيل: أصله رومي فَعُرِّب (٥).

стр. 1620

الحسن في جماعة: هي اسم الجنة (١). وقيل: أفضل الجنان وأوسطها (٢)، وعن أبي هريرة ﵁: " إن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وإذا سألتم الله فسألوه الفردوس فإنها أعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة " (٣). ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ في الإنسان هاهنا قولان: أحدهما: أنه آدم ﵇ (٤)، والسلالة: كل لطيف استخرج من كثيف. وقيل: السلالة ما يخرج بين الإصبعين من الشيء إذا عصر (٥). ابن عيسى: السلالة صفوة الشيء التي تخرج منه كأنها تسل منه (٦)، والمعنى: خلقنا آدم من تربة سلت ونزعت من طين أي: من هاهنا وهاهنا، وأجمعوا على أن الله خلق آدم ﵇ من تراب، واختلفوا في حواء؛ والجمهور على أنها خُلقت من ضِلَعٍ من أضلاعه (٧). وقيل: خلقت من بقية طين آدم (٨).

стр. 1621

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: نسله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لأن آدم لم يصير نطفة، والمعنى: خلقنا نسله من نطفة، ومثله قوله ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. والثاني: أن الإنسان عام في بني آدم، والسلالة على هذا القول النطفة، والطين آدم لأنه خلق منه، وتقديره: خلقنا بني آدم من نطفة آدم؛ فإن ابن عباس، ﵄ في جماعة ذهبوا إلى أن السلالة هاهنا ماء الفحل الذي هو آدم (١). ﴿نُطْفَةً﴾ أي: قَدَّرْنا ذلك الماء نطفة، فذكر الكناية عن السلالة حملاً على المعنى لأنها الماء. وقيل: يعود إلى الإنسان على تقدير ذكر بدء الخلق، وبنو آدم كلهم من نطفة إلا عيسى ﵇ فإنه خلق من الروح (٢). وقيل: من التراب كآدم (٣). عطاء الخراساني: بلغني أنه يذر على النطفة من التربة التي يدفن فيها (٤). الحسن: أي: وخلقنا آدم من الطين ونسله من النطفة (٥). المبرد: النطفة: الماء الصافي يبقى في الشيء وإن كثر كدجلة وأشباهها، ونطفة الرجل مشبهة بذلك الماء (٦). قوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ صيرناه وقدرناه.

стр. 1622

﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ القرار: مصدر قَرَّ يقر قراراً، ثم يسمى الموضع الذي يقر فيه قراراً والمراد به الرحم. ﴿مَكِينٍ﴾ حصين منيع أي: مكن لاستقراره فيه إلى التمام. ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أي: صيرناها وقدرناها بدلالة تعديه إلى مفعولين والخلق يتعدى إلى مفعول واحد، والمعنى: أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء، والعلقة: القطعة من الدم. ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أحلنا العلقة مضغة وهي القطعة من اللحم بقدر ما يُمْضَغ. ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ أحلناها وصيرناها عظاما. ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أنبتنا عليها اللحم فصار لها كاللباس. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ الهاء يعود إلى الإنسان. وقيل: إلى المذكور أي: أنشأنا ذلك (١). ﴿خَلْقًا آَخَرَ﴾ عن ابن عباس، ﵄ في جماعة: أنه نفخ الروح (٢). قتادة، والضحاك: إنشاؤه خلقاً بعد الولادة في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسن (٣). مجاهد: أنه حين استوى شبابه (٤). الحسن: جعله ذكراً أو أنثى (٥). ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: المقدرين. أي: أعلمهم وأصنعهم، والعرب تسمي (٦) كل صانع خالقاً.

стр. 1623

وقيل: خَلْقُه حقيقة، وخَلْقُ غيره مجاز وتمثيل وباطل من قوله ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] الحُسْن متعلق بالخلق (١). وروي أن عمر ﵁ كان حاضراً فلما سمع الآية قال: " فتبارك الله أحسن الخالقين " فوافق قراءته وحي جبريل فقال النبي ﷺ " هكذا أنزلت " (٢)، ويقال: كان قائل هذا الكلام معاذ بن جبل (٣)، (٤).

стр. 1624

وروي عن ابن عباس، ﵄ قال " كان عبد الله بن أبي السَّرْح (١) يكتب هذه الآية لرسول الله ﷺ فلما انتهى إلى قوله ﴿خَلْقًا آَخَرَ﴾ عجب من تفصيل خلق الإنسان فقال: " تبارك الله أحسن الخالقين ". فقال النبي ﷺ : "أكتب هكذا أنزلت " فشك عند ذلك وقال: إن كان محمد صادقاً فيما يقول إنه يوحى إليه فقد أوحي إلي كما أوحي إليه، وإن قال من ذات نفسه فقد قلت مثل ما قال وكفر بالله ". وقيل: هذه الحكاية غير صحيحة لأن ارتداده بالمدينة وهذه السورة مكية (٢). ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد الخلق. وقيل: بعد ما ذكرنا من أمركم (٣). ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ إي: صائرون إليه فنزل منزلة الكائن إذ لابد من كونه. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ تحيون بعد الممات للجزاء والحساب.

стр. 1625

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ أجمع المفسرون على أن المراد بها السماوات (١)، جمع طريقة، وهي من قول العرب: طارقت النعل أي: جعلت بعضها فوق بعض. وقيل: لأنها طرق الملائكة يسيرون فيها ويقفون عليها (٢). وقيل: لأن لكل واحدة منها طريقة (٣) أي: حال وهيئة وصيغة غير صيغة الأخرى (٤). ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ أي: كنا حافظين لما خلقنا. وقيل: وما كنا عمن تحتها من الخلق غافلين (٥). وقيل: وما كنا عن خلق السماوات غافلين فيقع فيها التفاوت والفطور (٦). وقيل: وما كنا عن الخلق غافلين فحفظناها عن السقوط عليهم (٧). الحسن: لم نغفل عن إنزال ما يحييهم (٨) عليهم من المطر (٩). وقيل: لم يحجبنا السماوات عمن تحتها (١٠). وقيل: ما كنا عن أرزاقهم غافلين، ويحتمل عن شكرهم وكفرهم (١١). والغُفُول: ذهاب المعنى عن النفس ومثله السهو (١٢).

стр. 1626

﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من جانب السماء. وقيل: من السحاب. وقيل: من عين السماء (١). ﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿بِقَدَرٍ﴾ قدر ما يكفيهم لشربهم وزرعهم. وقيل: بقدر معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " ليست سنة بأمطر من سنة (٢)، ولكن الله يصرفه حيث يشاء " (٣). وقيل: ﴿بِقَدَرٍ﴾ بوزن، والجار والمجرور صفة للماء (٤). وقيل: هذا الماء غير مطر وإنما أنهار أربعة تخرج من الجنة: سيحان نهر الهند (٥)، وجيحان نهر البلخ (٦)، ودجلة، والفرات نهرا عِراق، وزاد بعض المفسرين خامساً وهو نيل مصر (٧). وقيل: جميع مياه الأرض من المطر، وهو قوله ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: جعلناه ثابتاً في الأرض لينفع به عباده في شربهم ومعاشهم (٨). ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ أي: كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه فيصبح ماؤكم غوراً.

стр. 1627

﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ فخلقنا بالماء. ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ خُصا بالذكر لكثرتهما بالحجاز النخيل بمكة، والعنب بالطائف. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنات. ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ سوى النخيل والأعناب، وقال بعض المفسرين: التمر والعنب ليسا من الفواكه ولهذا أفرد الفواكه بالذكر. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ قيل: من النخيل والأعناب (١). وقيل: من الجنات أي: من ثمارها وزروعها (٢). وقيل: من الفواكه على تقدير: ليتفكهوا بها فيأكلوا منها لأن الواو يمنع من أن يكون الضمير من الفواكه إلا بإضمار كما ذكرت (٣). ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ أي: وأنشأنا شجرة وهي شجرة الزيتون، وخص بالذكر لبركته وكثرة الانتفاع به من الاستصباح به والاصطباغ. ﴿تَخْرُجُ﴾ تنبت، والطور: الجبل. عكرمة: هو الجبل بالسريانية (٤)، والسيناء: الحَسَن بالحبشية. الكلبي: كل جبل ذي شجر سيناء (٥). الضحاك: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ الجبل الحَسَن بالنبطية (٦). ابن عباس، ﵄ في جماعة: السيناء: المبارك (٧). وقيل: سيناء حجارة. وقيل: سيناء اسم المكان (٨).

стр. 1628

والجمهور على أنه جبل موسى ﵇ بين مصر وإيلية (١). ابن جرير: سيناء اسم علم أضيف إليه الطور فتعرف به (٢). وقيل: سَيْنَاء فيعال من السَنَا وهو الارتفاع (٣). وقيل: الطور أيضاً من الارتفاع ومن قولهم: عدا طوره إذا جاوز الحد (٤). ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من فتح (٥) فالباء للتعدي أي: تُخرج الدهن، وسمي الزيتون دهناً بما يؤول إليه، ومن ضم فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون زيادة، كقولهم: نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج. والثاني: أن يكون للحال والمفعول محذوف، أي: تُنبت الزيتون ومعه الدهن، تقول: خرج بثيابه أي: معه ثيابه يريد يشرب الماء ويُخرج الدهن. والثالث: أن يكون أنبت لازماً، ومنه قول الشاعر: رأيت بني الحاجات حول بيوتهم ... قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل (٦). والزيتون معروف، والزيت دهنه. والدهن: عصارة اللوز والزيتون، وغيرهما. والدَّهن بالفتح مسح الشيء بالدهن.

стр. 1629

وقيل: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ بالمطر اللين حكاه أقضى القضاة، وهو غريب (١). ﴿وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ﴾ إدام لهم، والصِّبغ المائع من الإدام يغمس فيه الخبز (٢)، والقياس أن يكون الصبغ غير الدهن لأن المعطوف غير المعطوف عليه. الفراء: الصبغ الزيت بعينه (٣). ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ جمع نَعَم وهو الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم، وقد سبق (٤). ﴿لَعِبْرَةً﴾ اتعاظاً. ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ يعني اللبن، وسقى وأسقى لغتان، وقرئ بالتاء فيكون الفعل للأنعام (٥). ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من العلف والكلأ والحشيش، فإن اللبن منه يكون. وقيل: قوله (﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ كقوله ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] (٦). ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ في ظهورها، وركوبها، وأوبارها، وأصوافها، وأشعارها. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعنى لحومها. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ يعني الإبل تركبون عليها في البر، وعلى الفلك في البحر. ﴿تُحْمَلُونَ﴾ تقول حملته حُملاناً أركبته، وقد سبق.

стр. 1630

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحِّدُوه وأطيعوه. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ معبود. ﴿غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون أن يهلككم في الدنيا بعذاب الاستئصال ثم في الآخرة بعذاب النار. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أشرافهم لعوامهم. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ آدمي. ﴿مِثْلُكُمْ﴾ يأكل ويشرب. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يسودكم ويرأسكم. وقيل: يتكلف أن يكون أفضل منكم فتطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه (١). ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ملائكة. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ فيه أقوال: أحدها: ما سمعنا آدمياً بعثه الله رسولاً. والثاني: ما سمعنا بما يأمرنا به من التوحيد. والثالث: ما سمعنا سب آلهتنا وإنكار عبادتها كما يسبه هذا وينكر عبادته. وقوله ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قيل: هو الأب الأدنى لأنه هو الأقرب فصار هو الأول (٢). وقيل: هو الأب الأبعد لأنه أول أب (٣). ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ما هو إلا رجل به جنون سوداء تغلب على دماغه فينقص من عقله ورأيه ولجنونه يأتي بمثل هذا. وقيل: لجنونه طمع فيما طمع (٤).

стр. 1631

﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ فانتظروا حتى يموت فتنجوا منه ولا تقتلوه (١) أو يفيق من جنونه فيدع هذا أو يستبين جنونه فَيُعذر. ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: فلما أيس من إيمانههم قال يارب انتقم لي فأهلِكهم بسبب تكذيبهم إياي. ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بحفظنا (٢). ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أمرنا. وقيل: وحينا تعليمنا إياك صنعتها (٣). ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ وطلع الصبح. وقيل: وحمي الوطيس، وقد سبق في هود (٤). ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ادخل في السفينة، و (اسلك) متعد كقوله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] من كل نوع من الحيوان ذكراً وأنثى. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ نساؤك وأولادك. وقيل: من آمن معك (٥). ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: سبق القول من الله بهلاكه وهو ابنه وإحدى زوجتيه. وقيل: سبق القول بأنه لا يؤمن (٦). وقيل: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ من الإهلاك فيكون سبق القول بخلاصه (٧). ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: لا تسألني إنجاءهم فإني أغرقهم.

стр. 1632

﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ أي: إذا علوت أنت ومن معك مستوياً. وقيل: إذا استقر الفلك على وجه الماء (١). ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ من أذى الكفار. وقيل: الحمد لله على أن أهلككم ولم يهلكنا (٢). ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ أي: إنزالاً. وقيل: مكاناً، ومن فتح جعله مكاناً مباركاً بالسلامة والنجاة قالها عند الركوب في السفينة (٣). وقيل: قالها عند النزول عنها والخروج منها (٤). ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعل بنوح وقومه. ﴿لَآَيَاتٍ﴾ لعبر ومواعظ. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ممتحنين عبادنا بالغرق والإهلاك. وقيل: باتخاذ السفن، وكانت أول سفينة صنعت (٥). و﴿وَإِنْ﴾ هي المحققة من المحققة، واللام للفرق. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا﴾ خلقنا وأظهرنا. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد قوم نوح. ﴿قَرْنًا﴾ قوماً. ﴿آَخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ أي: إليهم، وأفاد ﴿فِيهِمْ﴾ أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو فيما بينهم. ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ أي: من قومهم، وفي الرسول والقوم:

стр. 1633

قولان: ابن جرير: الرسول صالح ﵇ والقوم ثمود (١)، غيره: الرسول هود ﵇ والقوم عاد (٢). ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ذكر بالواو لأنه ليس بجواب للنبي متصل بكلامه، وفي قصة نوح ﵇ بالفاء لأنه جواب لقوله ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ﴾ واقع عقبيه، وقدم ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ كراهة الإحالة بين المعطوف والمعطوف عليه في الصلة وذلك ممتنع مع الصلة، وأخر في الأخرى حيث لم يطل الصلة. ومعنى ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ﴾ أنكروا البعث والنشور. ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة المال والأولاد فتنعموا فيها، والترفه النعمة. وقيل: التحفة (٣). ﴿مَا هَذَا﴾ أي: النبي. ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ فمن أين يدعي رسالة الله من بينكم وليس هو بأولى بها من غيره. ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ عقولكم ومغبونون رأيكم.

стр. 1634

﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ أي: إذا صرتم تراباً وعظاماً لا لحم عليها ولا جلد. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبعوثون للسؤال والحساب والثواب والعقاب، وكرر ﴿أَنَّكُمْ﴾ لما طال الكلام دون الخبر، وتقديره: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً. وقيل: (﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ في تقدير المصدر. ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ خبره تقدم عليه، وتقديره: أنكم إخراجكم إذا متم، والجملة خبر أن وهذا رأي أبي علي (١). ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ابن عباس، ﵄: بعيد بعيد لما توعدون (٢). وقيل: بُعداً بُعداً، والمحققون على أنه من الأسماء التي سميت الأفعال بها وأنها (٣) وقعت في الخبر كسرعان وشتان، وتقديره: بعد إخراجكم لوعدكم. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أي: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ودنت منا، والحياة التي تدعي بعد الموت باطلة وهي كناية عن الحياة. وقيل: هي كناية عن النهاية، أي: ما نهايتنا ومدة بقائنا إلا حياتنا الدنيا ولا بعث بعدها ولا حياة (٤). وقيل: هي كناية عن الأحوال أي: ما أحوالنا إلا حياتنا التي نحن فيها ثم نموت وقد انقضى الأمر وانقطع النظام (٥). ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت الآباء ويحيا الأولاد ثم يموتون. وقيل: يموت قوم فيولد قوم (٦).

стр. 1635

وقيل: فيها تقديم وتأخير، وتقديره: إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا ونموت (١). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت. ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى﴾ اختلق. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في دعواه الرسالة والبعث بعد الموت. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين فيما يدعيه ولا نؤمن به. ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وانتقم لي منهم، دعا الرسول عليهم فأجابه الله بقوله ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ أي: عن قليل من الزمان، و(ما) صلة. ﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ إذا عاينوا ما يحل بهم ثم لا ينفعهم ندمهم. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل صيحة هائلة تصدعت قلوبهم فماتوا بها؛ وذلك أن قوم صالح أهلكوا بالصيحة. وقيل: هي عبارة عن أيّ عذاب كان (٢). ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: لا دافع لها. وقيل: بما استحقوه بفعلهم (٣)، ويحتمل معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالوعد الصدق. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ ابن عباس، ﵄: بالياً (٤). وقيل: موتى صرعى كالغثاء وهو: ما يحمله السيل مما قد بَلِي وتغير من القصب والورق وغير ذلك (٥). وقيل: هي كقول العرب لمن ذهب وهلك: سال به السيل، لأن ما حمله السيل يسمى غثاءً (٦).

стр. 1636

وقيل: هو كقوله ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] (١). ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ بعد قوم صالح. ﴿قُرُونًا آَخَرِينَ﴾ بعد أَعْصَار. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ قيل: أجل الموت (٢). وقيل: أجل العذاب (٣). ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أي: تواترت الرسل بعدهم إلى زمن موسى، وفي ﴿تَتْرَى﴾ قولان: أحدهما: يتلوا بعضهم بعضاً وبين كل اثنين فترة. والثاني: متتابعة لا فتور فيها، وأصله من الوتْر أي واحداً بعد واحد. وقيل: من الوَتَر واتصاله (٤)، وأصله وتَرَى قلبت الواو تاء كتخمة وتراث فمن نون جعل ألفه للإلحاق كأرطي ومعزي، أو بدلاً من التنوين فيمن لم يملها ومن لم ينون قال الألف للتأنيث (٥)، (٦). ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ بالإهلاك. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ عبراً.

стр. 1637

﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أبعدهم الله، ونَكَّر لأن التقدير: ومن لا يؤمن كمن لم يؤمنوا. ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ التسع. وقيل: بالتوراة (١). ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة ظاهرة. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن قبول الإيمان تعظماً وترفعاً. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ قاهرين متكبرين. ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني بني إسرائيل. ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي: هم لنا كالخَوَلِ والعبيد يخدمومننا طائعين خاضعين. الحسن: كانت بنو إسرائيل يعبدون فرعون وفرعون كان يعبد الصنم (٢). وقيل: يعبد العجل (٣). ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أي: موسى وهارون. ﴿فَكَانُوا﴾ قوم فرعون. ﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق في بحر قلزم. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل. ﴿يَهْتَدُونَ﴾ به إلى الحلال والحرام. ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يعني عيسى ﵇. ﴿وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ تدل على قدرته على ما يشاء لأنه خلق من غير مادة نطفة، ووحد لأن الأعجوبة فيهما واحدة. وقيل: وجعلنا قصة ابن مريم (٤). ﴿وَآَوَيْنَاهُمَا﴾ أي: جعلنا مأواهما أي منزلهما.

стр. 1638

﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ قتادة: هي بيت المقدس (١)، وسميت ربوة لأنها أقرب الأرض من السماء بثمانية عشر ميلاً. سعيد بن المسيب: هي دمشق (٢). وقيل: غوطة دمشق (٣). ابن زيد: هي مصر قال: ولولا أن قراها على رباً لغرقت تلك القرى (٤). أبو هريرة ﵁: فلسطين (٥). ابن عباس، ﵄: هي أرض مستوية فيها ماء (٦). ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ مستوية بسيطة يمكن الاستقرار عليها. وقيل: فيها منازل يستقرون فيها (٧). وقيل: القرار مستقر الماء (٨). ﴿وَمَعِينٍ﴾ ماء ظاهر، من قولك عانت الركية إذا خرج ماؤها. وقيل: مَعِين من المعن أي: منتفع به (٩). وقيل: من عنته إذا نظرت إليه، وهذا لا يصح لأنه لم يأت بمعنى النظر وإنما جاء بمعنى أصبته بعيني ومنه: إنك سيد معيون (١٠). ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ فيه ثلاثة أقوال:

стр. 1639

أحدها: أنه خطاب لعيسى ﵇ بلفظ التعظيم لاتصال الآية بذكره، وكان يأكل من غَزْل أمه وهو أَحَلُّ الأشياء وأطيب الطيبات. والثاني: أنه خطاب لمحمد ﷺ وكان يأكل من الغنائم، وذكر بلفظ الجمع لأن تقديره: اقتد بما اقتدى به الأنبياء قبلك. والثالث: أنه خطاب لجميع الأنبياء الذين تقدم ذكرهم بإضمار القول أي: وقلنا لهم كلوا من الطيبات (١). ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ يوافق رضاي. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم على أعمالكم. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ عطف على موضع ما أي: بما تعملون وبأن هذه، هذا قول الزجاج (٢)، غيره: ولأن هذه أمتكم، وكذلك من خفف ومن كسر فهو استئناف (٣). وفي المعنى قولان: أحدهما: وأن الدين أيها الرسل دين واحد وهو الإسلام، ومثله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ وأن الإله إله واحد وهو الله سبحانه، وقيل: وأنا ربكم شرعتها لكم (٤).

стр. 1640

والثاني: وأن هذه الجماعة واحدة كلهم عباد الله والله خالقهم ومربيهم، ونصب ﴿أُمَّةً﴾ على الحال والمعنى: أنها مادامت متوحدة فهي مرضية فإذا تفرقت فلا. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ فخافون في شق العصا وتفريق كلمتكم. ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ تقطع بمعنى قطع أي: أمر دينهم. وقيل: فرقوا ما أمروا به أن يكون ديناً واحداً، والمعنى: جعلوا دينهم أدياناً (١). و﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور أي كتباً مختلفة آمنوا ببعض وكفروا ببعض (٢). وقيل: فرقاً مختلفة واحدها زبور، وقرئ في الغريب زُبَراً بفتح الباء جمع زَبرة أي: فرقاً (٣). ... ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ من الكتاب والدين. وقيل: بالمال والأولاد (٤). ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون معجبون والمحق واحد. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ دعوهم. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ في جهالتهم وضلالتهم الساترة وجه الصواب، وأصله الستر. وقيل: فيما غمرهم من دنياهم (٥). ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قيل: الموت (٦).

стр. 1641

وقيل: العذاب (١). وقيل: القتل يوم بدر (٢). وقيل: الآية منسوخة، وقيل: محكمة لأنها مؤقتة وجارية مجرى التهديد (٣). ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ جزاء على حسن صنيعهم. ﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على ما توهموا. ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ أن ذلك امتحان واستدراج، وفي (إنما) قولان: أحدهما: أن (ما) اسم أن و ﴿نُسَارِعُ﴾ خبره، والتقدير: نسارع لهم بذلك في الخيرات. والثاني: أن (ما) كافة وبه يعود إلى الفرح و ﴿نُسَارِعُ﴾ حال من الضمير من اسم الله تعالى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ من خوف عذاب الله. ﴿مُشْفِقُونَ﴾ حذرون، والخشية الخوف مع تعظيم المخشي منه (٤)، والشَّفِقُ الحذر من المكروه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قيل: بالكتب. وقيل: بالدلائل (٥). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أي الأصنام. وقيل: لا يراؤون (٦).

стр. 1642

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا﴾ يعطون ما أعطوا من الصدقة. وقيل: من الزكاة (١). ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خائفة أن لايقبل منهم لتقصيرهم. ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ الجمهور على أن التقدير: لأنهم، وقيل: هو مفعول الوجل، أي: وجلة الرجوع إلى الله، والمعنى أي: يعملون على وجل، والواو للحال. ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون إلى الطاعات ويعملونها عجلين. وقيل: يستكثرون منها، وهذا خبر إن (٢). ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي: لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات. وقيل: اللام بمعنى إلى، أي: إلى الخيرات سابقون (٣). وقيل: هم للسعادة سابقون إلى الجنة (٤). ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لا نحملها فوق طاقتها، والوُسْعُ: ما في القدرة، وهو مصدر وسِع. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ يريد كتب السفرة. وقيل: اللوح المحفوظ، والمعنى: يفهم من جهته بقراءة ذلك بالحق من غير زيادة ولا نقصان (٥). ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عقاب أو نقصان ثواب. وقيل: بتكليف ما لا يسعه (٦). ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ قلوب الكفار. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ غطاء. ﴿مِنْ هَذَا﴾ قيل: من هذا الذي وصف به المؤمنون. وقيل: من كتاب الحفظة (٧). وقيل: من القرآن (٨).

стр. 1643

وقيل: من الحق (١). ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: لهم أعمال خبيثة دون الشرك. وقيل: دون الحق (٢). وقيل: دون أعمال أهل الإيمان (٣). وقيل معنى ﴿دُونِ ذَلِكَ﴾: سوى ذلك (٤). وقال الحسن في جماعة: لهم أعمال من دون ماهم عليه لابد أن يعملوها (٥). وقيل: الضمير في قوله ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ يعود إلى المؤمنين (٦). وقوله ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ من هذا أي: مغمورة بالإشفاق مع هذه الأفعال الحسنة. ﴿وَلَهُمْ﴾ أي: للمؤمنين. ﴿أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ ذلك يريد بالأول الفرائض، وبالثاني النوافل. ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ وعليها مقيمون. ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعميهم ورؤساؤهم. ﴿بِالْعَذَابِ﴾ عذاب الدنيا وهو: القحط سبع سنين. وقيل: القتل يوم بدر (٧). وقيل: عذاب الآخرة (٨). ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يصرخون صراخ الثور ويتضرعون إلى الله ليقبل توبتهم (٩)،

стр. 1644

فقال: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تتضرعوا وهذا يأس لهم من النجاة لا نهي. ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: إنكم من عذاب الله لا تمنعون. وقيل: لا تنصرون بقبول التوبة أي لا ينصركم أحد منا (١). ﴿قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي﴾ أي: القرآن. ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ تعرضون مدبرين عن الإيمان بها وسماعها والعمل بما فيها. والنُّكُوص: رجوع القهقرى وهو أقبح مشية لأنه لا يرى ما وراءه (٢). وقيل: يستأخرون (٣). ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ متكبرين على المسلمين. ﴿بِهِ﴾ ابن عباس، ﵄: في جماعة ﴿بِهِ﴾ بالبيت (٤) أو بالحرام (٥)، أي: هم يقولون (٦) لا يظهر علينا أحد فهي كناية من غير مذكور. وقيل: بمحمد ﷺ (٧). وقيل: بالقرآن، أي: يتكبرون عن الإيمان به (٨). الزجاج: يجوز أن يكون الهاء كناية عن الكتاب المتلو، والهاء متصل بقوله ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ وقيل: متصل بما بعده (٩).

стр. 1645

﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ هو فاعل من السَّمَر وهو: التحدث ليلاً، وأصله من السَّمَر وهو ظل القمر (١). وقيل: السَّمَرُ القمر، وكانوا يجتمعون عند الكعبة ويتحدثون عندها بالليل ويسيئون القول في محمد ﷺ (٢). والسامر صفة القوم كالحي الحاضر والباقر والجامل (٣). وقيل: اكتفى بذكر الواحد عن الجمع (٤). وقيل: سامر من صفة البيت فيكون نصباً على الحال من الهاء (به) يعني: مسموراً فيه (٥). وقيل: السامر الليل كقوله الساهرة، وهو قول المبرد (٦). وقيل: السامر المجلس بالليل، والندى بالنهار (٧). ﴿تَهْجُرُونَ﴾ أي: القرآن والدين. وقيل: تهجرون من الهُجْر وهو: القبيح من الكلام (٨). وقرئ " تُهجِرون " بضم التاء (٩)،

стр. 1646

تقولون الهجرة لاغير وهو وصفهم النبي صلى الله عليه بالقبيح، والطعن فيه والتكلم بالشرك (١). وقيل: تهذون كالمريض إذا هذى (٢). ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أي: أفلم يتدبروا ولم يتفكروا في القرآن فيعرفوا أنه من الله فهذا نفي لتدبرهم. وقيل: القول هاهنا كلام النبي ﷺ قد فهموا قوله ودعوته (٣)، ويحتمل أن التدبر هاهنا هو الفهم، فيكون المعنى: أفلم يفهموا القرآن أي: قد فهموه لأنه بلغة يعرفونها. ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ليس محمد ﵊ بدعاً من الرسل فقد جاء آبائهم رسل من قبله. وقيل معناه: أم جاءهم أمان من العذاب (٤). عكرمة عن ابن عباس، ﵄: أن (أم) في معنى بل أي: جاءهم مالم يأت آبائهم الأولين (٥) كقوله ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فيمن جعل ﴿مَا﴾ نفياً وتقديره: أولم يأتهم مالم يأت آبائهم، والمعنى: قد جاءهم رسول وكتاب مفهوم.

стр. 1647

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق أي: عرفوه بهذه الأوصاف. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ بغياً وحسداً. ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأنه طمع في اتباعنا إياه وذلك طمع في غير مطمع. وقيل: لينفروا عنه الناس (١). ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: الأمر على خلاف ما توهموا به فإنه جاءهم بالقرآن والإسلام. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: كرهوا اتباعه والتصديق به. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ هو الله سبحانه. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ مرادهم ومشتهاهم. ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ لأنهم يدعون آلهة شتى، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، وقد سبق (٢). وقيل ﴿الْحَقُّ﴾ ضد الهوى ومحال الجمع بينهما (٣). وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ التنزيل (٤). وقيل: لفسدت أحوال السماوات والأرض ومن فيهن (٥). وقوله ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ خص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع. وقيل: فساد الملائكة بأن يُعْبَدوا من دون الله، وفساد الإنس بأن يَعْبُدوا غير الله، وفساد الجن بأن يُطَاعوا فيطغوا (٦). ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ في الذكر قولان: ابن عباس، ﵄ الذكر الحق (٧) وهو القرآن (٨).

стр. 1648

غيره: ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ بشرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلسانهم (١). ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: معرضون (٢) عن القرآن والشرف. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ يرجع إلى قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠]. ﴿خَرْجًا﴾ أجراً وجُعلاً على أداء الرسالة، وقرئ " خراجاً " (٣) وهو ما تخرجه الرعية من أموالهم إلى الأمراء. ابن عيسى: ما يخرج من الغلة على سبيل الوظيفة (٤). ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ رزق ربك في الدنيا. وقيل: ثواب ربك في العقبى (٥). ﴿خَيْرٌ﴾ لأنه أبقى وأدوم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خير المعطين. ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دين الإسلام. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ﴾ أي: الصراط المذكور وهو: الصراط المستقيم.

стр. 1649

﴿لَنَاكِبُونَ﴾ عادلون عنه مائلون على غيره. وقيل: طريق الجنة (١). وقيل: الصراط الذي يكون في الآخرة (٢). ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ نأخذهم يمنة ويسرة إلى النار، تقول نَكَبَ عن الطريق ونكب بمعناه (٣). ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قحط وجوع. ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ لأقاموا وثبتوا على كفرهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين. وقيل: إن أخرجناهم من النار إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، كقوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ... [الأنعام: ٢٨]، في سبب النزول عن ابن عباس، ﵄ قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله وسلم فقال يامحمد: " أنشدك الله والرحم لقد أكلنا العِلْهِزْ يعنى: الوبر بالدم (٤) فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٥) أي: بالقحط والجوع. وقيل: بالقتل يوم بدر، وقد سبق اشتقاق الاستكانة والتضرع. ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي: أنزلنا عليهم عذاباً.

стр. 1650

الزجاج: العذاب الأول القحط، والثاني القتل (١). وقيل: العذاب الأول هموم الدنيا وابتلاؤها وغمها، والثاني عذاب الآخرة (٢). ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير متحيرين (٣). ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ خلق. ﴿لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون شكراً قليلاً. و﴿مَا﴾ صلة، وقيل: معناه: قليل من يشكر. ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: منه المبدأ وإليه المعاد. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ مجيء أحدهما عقيب الآخر. وقيل: اختلافهما بالظلمة والنور (٤). وقيل معناه: وله ملك اختلافهما وله التدبير فيهما (٥). ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتعرفوا قدرتانا على البعث. ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: آباؤهم، ثم بين ما قالوا فقال: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ استبطؤا أمر البعث. ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هذا الذي يعدنا من البعث فقد وعدنا نحن وآباؤنا فما صدق وعدهم ولا شاهدنا ذلك.
следующие страницы →