← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني ويرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المُعَطَّل السلمي، ثم الذكواني (١) قد عَرَّسَ من وراء الجيش (٢) فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فَخَمَّرْتُ وجهي بجلبابي ووالله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئت على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، وقد هلك من هلك فيّ، وكان الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي بن سلول (٣)،

стр. 1682

فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمتها شهراً والناس يُفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وكان يزيد في وجعي أن لا أرى من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله فيسلم فيقول: كيف تِيكم فذلك يُحزنني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قِبَل المصانع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريباً من بيوتنا، وأَمْرُنا أمر العرب الأولى في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رُهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ﵁ (١)، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد (٢) المطلب (٣)

стр. 1683

فأَقْبَلْتُ أنا وابنة أبي رُهم قِبَلَ بيتي حين فرغنا من شأننا فَعَثَرَتْ أم مسطح في مِرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها "بئس ما قلت أتسبين رجلاً قد شهد بدراً". فقالت (١): أي هنتاه أولم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ ثم قال: كيف تيكم. فقلت: تأذن لي أن آتي أبوي، قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله ﷺ ، فجئت أبوي فقلت يا أُمه: ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا أكثرن عليها حسداً. قالت: فقلت سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وأسامة بن زيد (٢)

стр. 1684

حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله؛ فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه لهم من الود، فقال: يارسول الله هم أهلك وما نعلم فيهم إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تَصْدُقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة (١) فقال: يا بريرة هل رأيت شيئاً يريبك من عائشة؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها ويأتي الداجن فيأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول (٢) فقال وهو على المنبر: " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري (٣)

стр. 1685

فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة (١) وهو سيد الخزرج وكان رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت لعمر الله والله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لتقلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفظهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك لايرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حتى جلس ثم قال: أما بعد ياعائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منها قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله فيما قال. قال: والله ماأدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .

стр. 1686

فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بذنب والله يعلم أني بريئة لتصدقونني، والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا ما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرؤني ببرائتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولكنني كنت أرجوا أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ منزله ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه وأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء (١) عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أُنْزِل عليه، قالت: فلما سُرِّيَ عن رسول الله ﷺ سُري عنه وهو يضحك، وكان أول كلمة تلكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة أما والله فقد برأك الله. فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي.

стр. 1687

قالت: فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات العشر، فلما أنزل الله تعالى هذه الآيات في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ -وكان ينفق على مسطح (١) لقرابته وفقره- والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] قال أبو بكر ﵁: والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً " رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) كلاهما عن أبي الربيع الزهراني (٤)،

стр. 1688

(١). قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الإفك: الكذب لأنه مصروف عن جهته، والإفك: الصرف (٢). ﴿عُصْبَةٌ﴾ العصبة: الجماعة يتعصبون أي: يتشددون، والعُصْبَة، والرَّهْط، والنَّفَر: العَشرة وما دونها، قاله أبو علي (٣). ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: هم جماعة من المسلمين. ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ أي: الإفك. وقيل: القذف. وقيل: المجيء بالإفك. وقيل: ما نالكم من الغم (٤). ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ عند الله وعند المؤمنين. ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله أثابكم عليه وأنزل براءتكم من ذلك في ثماني عشرة آية. قيل: الخطاب لعائشة ﵂ وصفوان (٥). وقيل: للنبي ﷺ وأبي بكر وعائشة ومن اغتم لهذا الحديث (٦). الحسن: الخطاب للقاذفين، أي: لا تحسبوا هذا التأديب شراً لكم بل هو خير لكم فإنه يدعوكم إلى التوبة ويمنعكم من المعاودة إلى مثله (٧).

стр. 1689

وقيل: إنما قال ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله بَيَّنَ بسببها حكم القذف فهو خير (١). ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ معنى ﴿لِكُلِّ﴾ على كل امرئ جزاء إثمه بقدر ما خاض فيه لأن بعضهم ضحك، وبعضهم سكت، وبعضهم تكلم فيه. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ بدأ به. الزجاج: تولى الإثم فيه وكُبْرَه بالضم معْظمه (٢). وقيل: هما لغتان (٣). ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ عبد الله بن أبيّ بن سلول، (٤). ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ جهنم في الآخرة. وقيل: هو حسان بن ثابت (٥) عُذِّبَ في الدنيا بأن ذهب بصره وشُلَّتْ يداه، وذكر أنه دخل على عائشة ﵂ بعد ما كف بصره وأنشد: حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبة ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافلِ (٦).

стр. 1690

فقالت عائشة: لكنك لست كذلك (١). وقيل: هو مسطح، والعذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا (٢). قال الضحاك: جلد النبي ﷺ حسان بن ثابت (٣)، ومسطح بن أثاثة، وامرأة من قريش (٤) حين نزلت براءتها (٥). ﴿لَوْلَا﴾ هلا وهي للتحريض. ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي: بأمثالهم من المؤمنين، والمؤمنون كلهم كنفس واحدة. وقيل: معناه: هلا ظنوا بهما ما يُظَنُّ بالرَّجل لو خلا بأمه وبالمرأة لو خلت بابنها، لأن أزواج النبي أمهات المؤمنين (٦). ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ متصل بقوله ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ والكل متصل بـ ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا قالوا، والمعنى: هلا جاءوا لو كانوا صادقين بأربعة شهداء. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الأربعة. ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه. ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: في أمر الله وفي أمر الآخرة بأن لم يعاقبكم وأمهلكم للتوبة. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ أسرعتم إليه لقذفكم.

стр. 1691

﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: تتلقونه وتسرعون إلى الإفاضة فيه. وقيل: يروي بعضكم عن بعض (١)، وروي عن عائشة ﵂ (تَلِقُونَه) (٢). الزجاج: ولق يَلِق إذا أسرع في الكذب (٣). ابن الأنباري: ولَق الحديث إذا أنشأه (٤). ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من الفرية أن تتجرؤون على النطق به في أهل النبي ﷺ . ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ يعني: تظنون عقوبته هينة. ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْرِ والعقوبة. وقيل: تحسبون ذلك أمراً خفيفاً يسيراً وذلك عند الله ذنب عظيم فيه أذى رسول الله ﷺ ورمي البريء (٥). ﴿وَلَوْلَا﴾ أي: هلا. ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: لا يحل لنا أن نخوض في هذا الحديث. ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وهلا قلتم عند ذلك سبحانك أي: العجب ممن يقول ذلك، هذا كذب عظيم يبهت من سمعه، والبهتان: الكذب يواجه به المؤمن فيتحير منه. وقيل: معنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هاهنا تعاليت عن أن يقال في رسولك هذا البهتان العظيم (٦).

стр. 1692

﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا﴾ كي لاتعودوا وكراهة أن تعودوا. ﴿لِمِثْلِهِ﴾ أي: مثل هذا الحديث من القذف والخوض فيه والجلوس مع القاذف واستماع حديثه. ﴿أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جزاءه مضمر أي: فاتعظوا ولا تعودوا. ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ﴾ الدلالات الواضحات، وقيل: الفرائض والأحكام (١). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم. ﴿حَكِيمٌ﴾ بتدبيركم. ﴿إِن الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يريدون. ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ والفاحشة: ما قَبُحَ جداً، والمراد بها هاهنا الزنا: والشيوع: الانتشار والتفرق، وقيل: الفاحشة مصدر كالعافية. ﴿فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ هم الذين بدأو بالإفك وأتوا به، والعذاب الأليم في الدنيا الجلد والقتل والقتال من قوله ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وعذاب الآخرة جهنم والنار (٢). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ إنهم لكاذبون. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لأنه غيب. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لَعَجَّل لهم العذاب، وقيل: جوابه جواب الثاني. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ بإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. وقيل: خطواته وساوسه (٣). وقيل: هي النذور بالمعاصي وسلوك سبل الشيطان واقتفاء آثاره (٤).

стр. 1693

﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالمعصية. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الذي لايعرفه الشرع ولا العقل. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما تطهر من دنس ذنوبه أبداً. وقيل: ما أسلم (١). وقيل: ما اهتدى (٢). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ يحمله على ما يصير به زاكياً. وقيل: يثني عليه (٣). ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالتكم. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم وأعمالكم. ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ لا يحلف (٤). ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ يعني أبا بكر ﵁. ﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ أي: أن لا يؤتوا (٥). ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: مسطحاً وكان ابن خالته حلف ألا ينفق عليه، كما سبق. الحسن، ومجاهد: نزلت الآية في يتيم كان في حجر أبي بكر، ﵁ حلف ألا ينفق عليه (٦). وقوله ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ هو يفتعل من الألية وهو القسم، وقرأ أبو جعفر (٧)

стр. 1694

(ولا يَتَأَلَّ) (١)، ولا مضمر كما ذكرت، وقيل: هو من قوله ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] فلا يحتاج إلى إضمار، والوجه هو الأول لأن أبا بكر لما سمع قوله سبحانه ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: " بلى يارب إني لأحب أن يغفر الله لي والله لا أنزعها عنه أبداً " وكَفَّر عن يمينه. وقوله ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ العفو: الستر، والصفح الإعراض. وقيل: العفو عن الأفعال، والصَّفْح عن الأقوال (٢). ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ عما قذفن. وقيل: الغفلات القليلات الفطنة للفجور (٣). ﴿الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن هذا خاص في عائشة، ﵂ وفي سائر أزواج النبي ﷺ (٤). وقيل: عام في المحصنات المؤمنات والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب (٥). وقوله ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ يريد إن لم يتوبوا، وروي عن ابن عباس، ﵄ أنه قال: "لا توبة لقاذف أزواج النبي ﷺ " (٦).

стр. 1695

وقيل: عنى به عبد الله بن أبي، وكان منافقاً (١). ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يعذبون يوم تشهد عليهم. ﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ بالقذف بالزنا. ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وسائر الأعضاء بسائر المعاصي عملوها بها وقيل: ينكرون فتشهد جوارحهم، وشهادة الأعضاء (٢) بأن يصيرها الله كاللِّسَان في إمكان النطق بها. وقيل: يبنيها بنية أخرى محتملة للكلام (٣). وقيل: يتكلم بكلام يحله الله فيها (٤). وقيل: يكون هناك علامة تقوم مقام النطق بالشهادة (٥)، والوجه هو الأول. ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي: الجزاء المستحق، ويحتمل أن يكون الحق وصفاً لله نصب على المدح، لأنه قرئ بالرفع، ولأنه في مصحف أبيّ (يوفيهم الله الحق دينهم) (٦). ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ لأن في القيامة تزول الشكوك ويحصل العلم الضروري. ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، وكل إناء يرشح بما فيه (٧).

стр. 1696

ابن زيد في جماعة: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذلك الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ورسول الله ﷺ طيب وأزواجه الطيبات الطاهرات (١). وقيل: الكلمة الخبيثة تلصق بالخبيث، والطيبة بالطيب (٢). وقيل: هذه الآية كالتي قبلها ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] على ما سبق (٣). وقيل: معناه: من قذف عائشة ﵂ فامرأته أولى بالقذف، فإن عائشة ﵂ كانت طيبة ورسول الله ﷺ طيب طاهر (٤). ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ يعني عائشة ﵂. وقيل: عائشة وصفوان، وكان حصوراً لا يأتي النساء فوقع أولئك موقع التثنية وله نظائر (٥). وقيل: أولئك إشارة إلى الطيبين، وتقديره: مما يقولون فيهم (٦).

стр. 1697

﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ روي أن ابن عباس، ﵄ دخل على عائشة ﵄ في مرضها الذي ماتت فيه فبكت، وقالت: " أخاف ما أقدم عليه". فقال ابن عباس، ﵄: " لا تخافي، فوالذي أنزل الكتاب على محمد ﷺ لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم". فقالت: " رحمك الله أهذا شيء أنبأك به رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا، بل هو شيء نبأنيه كتاب الله. قالت: فاتل علي. فتلا ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فخرج من عندها فصيح عليها فقال: مالها؟ قالوا: غشي عليها فرحاً مما تلوت (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بيوتاً لستم تملكونها ولا تسكنونها. ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ في سبب النزول عن عدي بن ثابت (٢)

стр. 1698

قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت يارسول الله: إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل عليَّ، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحالة فكيف أصنع، فنزلت هذه الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ فلما نزلت هذه الآية قال أبوبكر ﵁ يارسول الله: أرأيت الخانات والمساكن في طريق الشام ليس فيها ساكن فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (١). وفي قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أقوال: ابن عباس، ﵄ معناه: حتى تستأذنوا، وروي عنه أنه كان يقرأ (حتى تستأذنوا)، وما روي عنه أو عن سعيد بن جبير (٢) أنه قال: أخطأ الكاتب فمحظور والقول به عظيم (٣)، والاستئناس إستفعال بمعنى العلم من قوله ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ﴾ [النساء: ٦] أي: علمتم. وقيل: بمعنى: الإبصار، من قوله ﴿آَنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل: ٧] (٤). الزجاج: معناه في اللغة: تستأذنوا، والاستئذان استعلام ويقويه قوله ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٥). مجاهد: هو التنحنح والتنخم (٦). وقيل: حتى تجدوا الأُنْس وتثقوا به ممن تدخلون عليه، وتسلموا على أهلها (٧).

стр. 1699

وروي عن ابن عباس، ﵄ أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره: حتى تسلموا وتستأذنوا، أي: حتى تقولوا: السلام عليكم أأدخل (١). وقد جاء مرفوعا أنه عَلَّم الرَّجل الاستئذان فقال له: "قل السلام عليكم أأدخل عليكم" (٢) والأكثر (٣) على أن السلام مسنون بعد الإذن على ظاهر الآية، ولأن السلام تحية اللقاء واللقاء بعد الإذن والسلام ندب والاستئذان حتم. وقيل: إن وقعت العين على العين قبل الأذن فالأولى تقديم السلام على الاستئذان وإلا قدم الاسئذان على السلام، ولا يستأذن الرجل في دخوله منزله لقوله ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ والأفضل أن يعلم قبل دخوله بتنحنح أو غيره (٤). ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من أن تدخلوا بغير إذن. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ما يجب عليكم من طاعته. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا﴾ أي في البيوت. ﴿أَحَدًا﴾ يأذن لكم. ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾ انصرفوا. ﴿فَارْجِعُوا﴾ ولا تلحوا ولا يسوؤكم ذلك فإن للناس حاجات. ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي: الانصراف أنفع لدينك ودنياكم وأقرب إلى التزكية.

стр. 1700

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ يعنى: الخانات والمنازل التي ينزلها السفر. ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ استمتاع يقيكم الحر والبرد. وقيل: هي: الخرَبات التي يُؤى إليها (١) للغائط والبول (٢). ابن زيد: بيوت التجار التي فيها أمتعة الناس (٣). ابن الحنفية (٤): بيوت مكة (٥). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ يريد إذا دخلتم بيوت غيركم فاتقوا الله فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أي: يُنْقِصوا من نظرهم، والغَضُّ والإِغْضَاضَ أن يداني بين جفنية من غير ملاقاة، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وهو ترك النظر إلى ما لا يحل وليس على أحد أن يغض بصره كله. وقيل: في بعض الأوقات أمروا بالغض (٦). ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ من أن يراها أحد وهو من العانة إلى أعلى الرُّكْبة.

стр. 1701

أبو العالية (١): كل موضع في القرآن ذكر فيه الفرج فالمراد به الزنا إلا في هذا الموضع فإن المراد به الستر (٢). وقيل: يحفظونها من الزنا (٣)، وسميت فروجاً لأنها منافذ الأجواف ومسالك الجارحات. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الغض والحفظ. ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ أنفع لدينهم ودنياهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ لايخفى عليه فعلهم. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فلا يحل لهن أن ينظرن من الرَّجُل إلى ما ليس بعورة إلا لغرض دون طريقة الشهوة. ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عن النظر إليها، وقيل: عن الزنا (٤). ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ الْجُودِيِّ﴾ يريد بالزينة مواضع الزينة. ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ الْجُودِيِّ﴾ ابن مسعود ﵁: الثياب (٥). ابن عباس، ﵄: الكحل والخاتم (٦). الحسن في جماعة: الوجه والكفان (٧). ابن جرير: الوجه، والكحل، والخاتم، والخِضاب، والثياب، والسِّوار (٨).

стр. 1702

ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله وعلى ما يزين به الإنسان من فضل لباس، وحلى فنهاهن عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم، واستثنى مالا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف إذا كان على غير التلذذ والشهوة، وأما رجلها فالقدمان ليستا بعورة، وفيها اختلاف (١).

стр. 1703

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ جمع خِمِار، أُمِرْن بإلقاء الخُمر على الجيوب لكي يستر عنقها وموضع العقد منها. وقيل: كان قمصهن مفروجة الجيب كالدراعة تبدوا منها صدورهن فأمرن بسترها (١). ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: مواضعها موضع الدُّمْلُج (٢) والخِلْخَال (٣). ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ جمع بعل فإنه المقصود بالزينة، ولعن النبي ﷺ السَّلْتَاء (٤) وهي التي لا تخضب، والمَرْهَاء (٥) وهي التي لا تكتحل (٦).

стр. 1704

﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ ولم يذكر الأعمام والأخوال لمكان أبنائهم. ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات فإن اليهودية والنصرانية والمجوسية في حكم الأجانب من الرجال. وقيل: أراد بهن الحرائر كقوله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فيدخل فيها المؤمنة والكافرة (١). ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي: الإماء. وقيل: الإماء والعبيد (٢). ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ الإربة والأَرَب: الحاجة، واختلفوا فيهم: ابن زيد: هو الصغير لأنه لا إرب له في النساء لصغره (٣).

стр. 1705

الشعبي (١): العنين (٢). ابن جبير: الأَبْلَه المعتوه الذي لا إرب له في النساء لجهالته (٣). وقيل: الصِّغار من العبيد الذين لم يبلغوا مبلغ الشهوة (٤). وقيل: الشيخ الهَرِم لذهاب أَرَبِه (٥). عكرمة: المخنث الذي لايقوم زُبُه (٦). ابن عباس، ﵄: الذي يتبعك لينال من طعامك فهو مصروف الشهوة لذله ولا يهمه إلا بطنه (٧). قتادة: الأحمق الذي يُغَارُ عليه الرجال (٨). وقيل: المجبوب (٩). وقيل: الخصي الذي لارغبة له في النساء (١٠). ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لعدم تمييزهم، ومعنى ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لم يقوموا على إتيان النساء.

стр. 1706

وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها (١)، ووقع الطفل موقع الجمع، وقيل: كان في الأصل مصدراً فلهذا لم يُجمع، والطفل اسم للمولود إلى أن يراهق. ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قتادة: كانت المرأة تضرب برجلها إذا مشت لِيُسْمع قعقعة خلخالها فنهين عن ذلك (٢). ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ من النظر إلى ما لا يحل. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لتفوزوا بالخيرات. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ الخطاب للأولياء في تزويج الأيامى من النساء إذا طُلِبن وذلك فرض وإذا لم يطلبن لم يجب، وخطاب الموالى في تزويج العبد والإماء أي: زوجوا من لازوج لها من الأحرار والحرائر والعبيد والإماء، تقول: رجل أيم وامرأة أيم وأيمة إذا كانت مطلقة أو متوفى عنها الزوج أو بكراً لم تتزوج والفعل آمت تأيم آيمة وإياماً وأيوماً، وجمعه الأيامى ووزنها عند الكوفيين فَعَالى كيتامى جمع على المعنى لأن الأيم كاليتيم، وعند البصريين أَيّم فعيل جمع على فَعالى تشبهاً بأسير وأسارى وربما قالوا جمع على أيائم ثم قدم وأخر فصارت أيامى ثم قلبت فصارت أيامى (٣).

стр. 1707

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا وعد من الله بالإغناء، وكان رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: " أطلبوا الغنى في هذه الآية" (١)، وكان عمر ﵁ يقول: "التمسوا الغنى في الباءة " (٢). وقيل: يغنهم الله بقناعة الصالحين (٣)، وقيل: يغنهم الله باجتماع الرزقين (٤). وقيل: لاتمنعوا من تزويج العبيد والإماء لفقرهم فإن الله يغنيهم من فضله (٥).

стр. 1708

وقيل: هو يرجع إلى الأيامى الأحرار لأن العبد لا يوصف بالفقر ولا بالغنى لأن ماله لمالكه (١). قال أبو على: " إن يكونوا فقراء من الجماع يغنهم الله من فضله" (٢). وقيل: يغنهم من الحرام (٣). ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يوسع على من يشاء. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقه. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: أسباب النكاح من النفقة، والمهر، فحذف المضاف، ومعنى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وليكف والعفة، والاستعفاف والكف الامتناع. قوله ﴿نِكَاحًا﴾ أي: أسبابه كما ذكرت. وقيل: ﴿نِكَاحًا﴾ ما يتزوج به من المهر والنفقة، وسمي ذلك نكاحاً كما سمي ما يتلحف (٤) به لحافاً وما يرتدي به رداءً (٥). ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يوسع عليهم ويعطيهم مالاً يتزجون به. وقيل: يغنيهم بقلة الرغبة (٦). ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى (٧)

стр. 1709

يقال له صَبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً (١) فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب (٢). الكتاب الكتابة، وهو: أن يقول الرجل لعبده (٣) أو أمته: كاتبتك على أن تعطيني كذا ديناراً في نجوم معلومة على إنك إن أديت ذلك حر، وكانوا يكتبون ذلك لشرط التأجيل فسمي كتاباً. قوله ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر ندب لا وجوب. ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ابن عباس، ﵄: القدرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه (٤). الحسن: الصدق والأمانة والوفاء (٥). مجاهد: المال (٦). وقيل: الصلاح وإقامة الصلاة. ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ ابن عباس، ﵄ في جماعة: أمر صاحب المملوك المكاتب أن يضع له من مال الكتابة شيئاً ربع المال أو دونه (٧). مجاهد في جماعة: هذا خطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين حقوقهم من بيت المال (٨). وقيل: خطاب لأهل الأموال أن يعطوهم من الصدقات المفروضة في أموالهم سهمهم وهو قوله ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] (٩).

стр. 1710

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول كانت له ست جوار؛ معاذة، ومُسيكة، واُميمة، وعَمْرة، وأروى، وقتيلة، فجاءت إحداهن ذات يوم بدينار وجاءت أخرى بِبُرْد فقال لهما: ارجعا فازنيا. فقالتا: والله لانفعل قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا، فأتتا رسول الله ﷺ وشكتا فأنزل الله هذه الآية، والبغاء الزنا للنساء خاصة (١). ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعففاً، وهذا شرط في الظاهر وليس بمشترط وكذلك ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] لأنه إن لم يعلم خيراً صحت الكتابة، وقال ابن عيسى: "جاءت بصيغة الشرط لتفحيش الإكراه على ذلك" (٢). وقيل: لأنها نزلت على سبب فوقع النهى على تلك الصفة (٣). وقيل: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ متصل بقوله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أي: من أراد أن يلزم الحصانة فليتزوج (٤). وقيل: إنما جاء النهي في الآية عن الإكراه لا عن البغاء لأن حد الزنا نزل بعد هذا (٥). ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن على الزنا.

стр. 1711

﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لهن، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود ﵁ ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وقيل: لمن تاب عن ذلك بعد نزول الآية (٢). ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ﴾ يعني القرآن. ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ بالدليل والبرهان، وبالفرائض والأحكام. ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: وأنزلنا بإنزال القرآن قصص من تقدمكم وذكر أحوالهم لتتجنبوا ما سخِط به عليهم، وتقبلوا على ما رضي به منهم. ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ وزجراً عن المعاصي. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ فإنهم ينتفعون بها. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ذو نور السماوات والأرض، فحذف المضاف كما تقول: رجل عدل أي: ذو عدل. ابن عباس، ﵄ معناه: هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون (٣). الحسن: مصدر وقع موقع الفعل أي: نَوَّرَ السماوات والأرض، وقد قرئ به أي: نَوّرهما بالشمس والقمر والنجوم (٤). وقيل: نوّر السماوات بالملائكة ونّور الأرض بالأنبياء (٥) أبي بن كعب ﵁: معناه ضياء السماوات والأرض (٦).

стр. 1712

مجاهد: مدبر السماوات والأرض (١). وقيل: معناه: الأنوار كلها منه (٢). وقيل: معناه: المنزه من كل عيب، مصدر من قولهم امرأة نوار ونسوة نور حكاه الثعلبي (٣)، والمعنى صحيح واللفظ في حق الله بشع، ويحتمل والله أعلم معنى آخر وهو أن النور ما يُرى وقد يُرى به فجاز وصف الله تعالى به لأنه يرى ويرى بسببه مخلوقاته لأنه خلقها وأوجدها. وقيل: معناه: الله مدلول السماوات والأرض لأنها كلها تدل على وجوده وعلى وحدانيته وقدرته (٤). ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ اختلف المفسرون في هذا الضمير؛ فقيل: يعود إلى الله (٥). وقيل: إلى القرآن (٦). وقيل: إلى محمد ﷺ (٧). وقيل: إلى المؤمن (٨)، ويحتمل أنهم اختلفوا في النور؛ فقال بعضهم المراد به القرآن، وقال بعضهم المراد به النبي ﷺ ، وقال بعضهم المراد به الإيمان به لأن الهاء يعود إلى الله لاغير وأضاف كل واحد من هذه إليه رفعة لذلك الشيء وتعظيماً، والله أعلم. قوله ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ في المشكاة أقوال:

стр. 1713

أحدها: أنها الكُوُّة لامنفذ لها فيكون أجمع لضوء السراج من البراز، ويكون المصباح القنديل (١). والثاني: أنها الأنبوبة في وسط القنديل، فيكون المصباح الفتيلة المشعلة (٢). والثالث: أنها الحديدة التي علق عنها القنديل، فيكون المصباح القنديل (٣). والرابع: أنها القنديل (٤)، والمصباح السراج وهو الضوء (٥)، والزجاجة معروفة، ويجوز فيها الفتح والكسر (٦). ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قيل: المراد به الزهرة (٧). وقيل: أحد الخمسة السيارة، وقيل: أي كوكب كان بعد أن يكون موصوفاً بالدُّرِّي (٨). قرئ بالكسر والهمز فِعّيل من درأ إذا دفع أي: ضوؤه يتجاوزه ويتعداه، وقيل: من قولهم: ملح درانيّ فيمن رواه بالدال غير معجمة أي: أبيض (٩).

стр. 1714

وقرئ بالضم مهموز أو غير مهموز وهو غريب في العربية ليس له نظير إلا مرِّيق وهو العصفر والعُلِية لأنها من علا يعلوا وكذلك السُريّة عند بعظهم، حكاها أبو علي (١)، ومن ترك الهمزة جاز أن يكون كالأول وجاز أن يكون منسوباً إلى الدر لتلألؤ الدر من بين الحبوب. ﴿يُوقَدُ﴾ يشعل أي: المصباح وكذلك فيمن قرأ يوقَد بالفتح، ومن قرأ تُوَقد بالتأنيث أي الزجاجة، والتقدير: مصباح الزجاجة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مكانه ثم أنث حملاً على المضاف إليه (٢). ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ أي: من زيت زيتونة شجرة مباركة فـ (زيتونة) بدل من ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ ووصفها بالمباركة لكثرتها بالشام. وقيل: لكثرة أوراقها وأغصانها كالرُّمَان (٣). وقيل: لكثرة ما فيها من المنفعة (٤).

стр. 1715

﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ليست من المشرق ولا من المغرب بل في الوسط منهما وهو الشام. وقيل: ليست بشرقية ولاتقع الشمس عليها إلا غدوة، ولا غربية لاتقع الشمس عليها إلا عشية بل بينهما تقع الشمس عليها طول النهار فزيتها أجود ما يكون (١). وقيل: يصيبها الشمس والظل (٢). ابن عباس، ﵄: شجرة وسط الأشجار ليست من جانب الشرق ولا من جانب الغرب (٣). الحسن: ليست هي من أشجار الأرض لأنها لو كانت منها لكانت شرقية أو غربية لكنها من شجر الجنة، وروي عنه أيضاً مثل ضربه الله (٤). وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي: ضوء زيتها كضوء النار وإن لم تمسسه نار. وقيل: معناه: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبيَّن له (٥). وقيل: يكاد العلم يفيض من لسان العالم قبل أن يتكلم به (٦). وقيل: يكاد أعلام النبوة تشهد لرسول الله ﷺ قبل أن يدعوا إليها (٧).

стр. 1716

﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ابن عمر، ﵄ قال: " المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي فيه، لا شرقية ولا غربية لا نصرانية ولا يهودية لأن النصارى يصلون إلى المشرق واليهود يصلون إلى المغرب" (١). ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ابراهيم ﵇ لأن أكثر الأنبياء منه. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ الذي جُعل في قلب إبراهيم كما جُعل في قلب محمد ﷺ . محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد ﷺ ، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ إبراهيم، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم يكن إبراهيم نصرانياً ولا يهودياً، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يكاد محاسن (٢) محمد ﷺ يظهر للناس قبل أن يوحى إليه، وقيل هذا مثل للمؤمن، المشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة (٣). وقيل: نبي من نسل نبي (٤). وقيل: المؤمن كلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (٥).

стр. 1717

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يهدي إلى الإيمان وإلى محمد ﷺ والقرآن. وقيل: الله إلى نبوته من يشاء (١). وقيل: الاستدلال بالآيات (٢). ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ أي: الأمثال التي فيها مصلحة الناس. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيبين كل شيء بما يمكن أن يعلم به. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قيل: هي متصلة بما قبلها، والتقدير: كمشكاة في بيوت. وقيل: مصباح في بيوت. وقيل: زجاجة في بيوت. وقيل: توقد في بيوت. وقيل: هي استئناف، والعامل فيها ﴿يُسَبِّحُ﴾، وقيل: خبر المبتدأ والمبتدأ قوله ﴿رِجَالٌ﴾ أو يرتفع الظرف، وقيل: متصل بقوله ﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فيكون قوله ﴿فِيهَا﴾ تكرار للتأكيد والبيوت المساجد عند بعضهم وعند بعضهم عام في جميع البيوت. ابن عباس، ﵄: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض (٣). وقيل: هي الكعبة، وبيت المقدس، ومسجد رسول الله ﷺ ، ومسجد قُبَاء (٤). السدي: بيوت المدينة (٥). وقوله ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أمر الله. ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: تبنى من قوله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] (٦). وقيل: يُرفع قدرها ويصان (٧).

стр. 1718

وقيل: يطهر من الأنجاس والمعاصي (١). وقيل: يرفع فيها الحوائج إلى الله (٢)، ويحتمل يرفع فيها الأصوات بذكر الله وتلاوة القرآن ويقويه ما بعده وهو قوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ويتلى فيها كتابه. وقيل: هو توحيده لا إله إلا الله (٣). وقيل: يذكر فيها أسماؤه الحسنى (٤). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ قيل: هو تنزيه الله (٥). وقيل: هو الصلاة بالغداة والعشي، ابن عباس، ﵄ كل تسبيح في القرآن فإنه الصلاة (٦). وفي ﴿يُسَبِّحُ﴾ قراءتان (٧)؛ فمن كسر الباء ارتفع به رجال لاغير، ومن فتح الباء فارتفاع رجال من أربعة أوجه: أحدها: أنه يرتفع بفعل مضمر دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبحه رجال، قاله أبو علي، وأنشد: لبيك يزيد ضَارِع لخصومه ... ومتخبط فيما تطيح الطَّوائِح (٨). والثاني: بالمبتدأ وخبره ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. والثالث: بالظرف. والرابع: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم رجال.

стр. 1719

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لاتشغلهم. ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قيل: التجارة في السفر، والبيع في الحضر (١). وقيل: التجارة الشِّري من قوله ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١] أي: شرى، فيكون المعنى: لايلهيهم شِرى ولا بيع أي: رفضوا الدنيا واشتغلوا بذكر الله (٢). وقيل: يبيعون ويشترون وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها غير متثاقلين (٣). وقيل: يبيعون ويشترون ويذكرون الله في خلال ذلك (٤)، وذكر الله هاهنا الصلاة. وقيل: ذكر أسمائه (٥). وقيل: الأذان (٦). ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ أي: عن إقامة الصلاة، فحذف الهاء لأن الإضافة تنوب عنه، ومثله: "ليت شِعْري" أي: شِعرَتي، والمرأة لاتنسى أبا عُذرها أي: عُذرتها (٧). ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: عن إيتاء الزكاة الواجبة. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي: تتقلب على جمر جهنم من حال إلى حال. وقيل: تَقَلُّبُ القلوب البلوغ إلى الحناجر، وتَقَلُّبُ الأبصار نظرها إلى حيث يؤتى كتابها وإلى حيث يساق إليه (٨).

стр. 1720

وقيل: تَقَلُّبُ القلوب البلوغ إلى الحناجر، وتَقَلُّبُ الأبصار انقلابها إلى الزرقة (١). وقيل: تقلب القلوب الإيمان بعد الكفر، وتقلب الأبصار معاينة ما كان يزعم أنه يراه كقوله ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] (٢). ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يخافون ليجزيهم الله. وقيل: لام القسم أي ليجزي الله المؤمنين. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يجزيهم على قدر أعمالهم ثم يزيدهم من فضله على الأعمال أضعافاً مضاعفة. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: غير مقدر بالكفاية بل فوقها. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ معناه: تفضلاً، لأن الجزاء يكون بالحساب ويكون التفضل بغير حساب. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لايحاسبه على ما يعطيه في الدنيا (٣). وقيل: يعطيه ما لايأتي عليه الحساب (٤). وقيل: من غير حساب أي: من حيث لا تحتسب (٥). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ابن عيسى: السَّراب: شعاع يتخيل كالماء على الأرض نصف النهار حين يشتد الحر، قال (٦): وسُمِّيَ سراباً لأنه يَنْسرب (٧). وقيل: السَّراب: بخار يرتفع من قعور القيعان فيتكثف فإذا اتصل بها ضوء الشمس أشبه الماء من بعيد فإذا دنا منه الإنسان لم يره كما كان يراه وهو منه بعيد (٨).
следующие страницы →