← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ابن عمر، ﵄ قال: " المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي فيه، لا شرقية ولا غربية لا نصرانية ولا يهودية لأن النصارى يصلون إلى المشرق واليهود يصلون إلى المغرب" (١). ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ابراهيم ﵇ لأن أكثر الأنبياء منه. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ الذي جُعل في قلب إبراهيم كما جُعل في قلب محمد ﷺ . محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد ﷺ ، ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ إبراهيم، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم يكن إبراهيم نصرانياً ولا يهودياً، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يكاد محاسن (٢) محمد ﷺ يظهر للناس قبل أن يوحى إليه، وقيل هذا مثل للمؤمن، المشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله من الإيمان والقرآن في قلبه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ضوء النار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة (٣). وقيل: نبي من نسل نبي (٤). وقيل: المؤمن كلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (٥).

стр. 1717

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يهدي إلى الإيمان وإلى محمد ﷺ والقرآن. وقيل: الله إلى نبوته من يشاء (١). وقيل: الاستدلال بالآيات (٢). ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ أي: الأمثال التي فيها مصلحة الناس. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيبين كل شيء بما يمكن أن يعلم به. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قيل: هي متصلة بما قبلها، والتقدير: كمشكاة في بيوت. وقيل: مصباح في بيوت. وقيل: زجاجة في بيوت. وقيل: توقد في بيوت. وقيل: هي استئناف، والعامل فيها ﴿يُسَبِّحُ﴾، وقيل: خبر المبتدأ والمبتدأ قوله ﴿رِجَالٌ﴾ أو يرتفع الظرف، وقيل: متصل بقوله ﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فيكون قوله ﴿فِيهَا﴾ تكرار للتأكيد والبيوت المساجد عند بعضهم وعند بعضهم عام في جميع البيوت. ابن عباس، ﵄: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض (٣). وقيل: هي الكعبة، وبيت المقدس، ومسجد رسول الله ﷺ ، ومسجد قُبَاء (٤). السدي: بيوت المدينة (٥). وقوله ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أمر الله. ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: تبنى من قوله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] (٦). وقيل: يُرفع قدرها ويصان (٧).

стр. 1718

وقيل: يطهر من الأنجاس والمعاصي (١). وقيل: يرفع فيها الحوائج إلى الله (٢)، ويحتمل يرفع فيها الأصوات بذكر الله وتلاوة القرآن ويقويه ما بعده وهو قوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ويتلى فيها كتابه. وقيل: هو توحيده لا إله إلا الله (٣). وقيل: يذكر فيها أسماؤه الحسنى (٤). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ قيل: هو تنزيه الله (٥). وقيل: هو الصلاة بالغداة والعشي، ابن عباس، ﵄ كل تسبيح في القرآن فإنه الصلاة (٦). وفي ﴿يُسَبِّحُ﴾ قراءتان (٧)؛ فمن كسر الباء ارتفع به رجال لاغير، ومن فتح الباء فارتفاع رجال من أربعة أوجه: أحدها: أنه يرتفع بفعل مضمر دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبحه رجال، قاله أبو علي، وأنشد: لبيك يزيد ضَارِع لخصومه ... ومتخبط فيما تطيح الطَّوائِح (٨). والثاني: بالمبتدأ وخبره ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. والثالث: بالظرف. والرابع: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم رجال.

стр. 1719

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لاتشغلهم. ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قيل: التجارة في السفر، والبيع في الحضر (١). وقيل: التجارة الشِّري من قوله ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١] أي: شرى، فيكون المعنى: لايلهيهم شِرى ولا بيع أي: رفضوا الدنيا واشتغلوا بذكر الله (٢). وقيل: يبيعون ويشترون وإذا حضرت الصلاة قاموا إليها غير متثاقلين (٣). وقيل: يبيعون ويشترون ويذكرون الله في خلال ذلك (٤)، وذكر الله هاهنا الصلاة. وقيل: ذكر أسمائه (٥). وقيل: الأذان (٦). ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ أي: عن إقامة الصلاة، فحذف الهاء لأن الإضافة تنوب عنه، ومثله: "ليت شِعْري" أي: شِعرَتي، والمرأة لاتنسى أبا عُذرها أي: عُذرتها (٧). ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: عن إيتاء الزكاة الواجبة. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي: تتقلب على جمر جهنم من حال إلى حال. وقيل: تَقَلُّبُ القلوب البلوغ إلى الحناجر، وتَقَلُّبُ الأبصار نظرها إلى حيث يؤتى كتابها وإلى حيث يساق إليه (٨).

стр. 1720

وقيل: تَقَلُّبُ القلوب البلوغ إلى الحناجر، وتَقَلُّبُ الأبصار انقلابها إلى الزرقة (١). وقيل: تقلب القلوب الإيمان بعد الكفر، وتقلب الأبصار معاينة ما كان يزعم أنه يراه كقوله ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] (٢). ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يخافون ليجزيهم الله. وقيل: لام القسم أي ليجزي الله المؤمنين. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يجزيهم على قدر أعمالهم ثم يزيدهم من فضله على الأعمال أضعافاً مضاعفة. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: غير مقدر بالكفاية بل فوقها. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ معناه: تفضلاً، لأن الجزاء يكون بالحساب ويكون التفضل بغير حساب. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لايحاسبه على ما يعطيه في الدنيا (٣). وقيل: يعطيه ما لايأتي عليه الحساب (٤). وقيل: من غير حساب أي: من حيث لا تحتسب (٥). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ابن عيسى: السَّراب: شعاع يتخيل كالماء على الأرض نصف النهار حين يشتد الحر، قال (٦): وسُمِّيَ سراباً لأنه يَنْسرب (٧). وقيل: السَّراب: بخار يرتفع من قعور القيعان فيتكثف فإذا اتصل بها ضوء الشمس أشبه الماء من بعيد فإذا دنا منه الإنسان لم يره كما كان يراه وهو منه بعيد (٨).

стр. 1721

والقيعة: القاع وهو ما انبسط من الأرض، وقيل: جمع قاع كجارة وجِير (١). ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ﴾ العطشان. ﴿مَاءً﴾ والظمأ العطش، وخص الظمآن بالذكر لشدة حاجته إلى الماء (٢). ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ أي: جاء إلى ما توهمه أنه ماء. ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أي: لم يجده كما ظنه، وقيل: جاء إلى الموضع الذي ظن أن فيه الماء. وقيل: لم يجد موضع السراب، وقيل: ﴿شَيْئًا﴾ مصدر أي: لم يجده وجوداً (٣). ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ يريد كذلك الكافر إذا جاء عمله الذي ظن أنه ينفعه لم يجده نافعاً كما ظن. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الكافر، أي: جزاء الله. وقيل: الله محاسباً إياه (٤). وقيل: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ يريد الموت (٥)، ووجد بعد تقدم الجمع حملاً على كل واحد من الكفار. ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أعطاه جزاءه وافياً كاملاً. ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إذا حاسب فحسابه سريع، وقيل: هو تقريب زمان الحساب وهو القيامة (٦)، نزلت في شيبة بن ربيعة (٧) وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين فكفر في الإسلام (٨). ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ أو للتخيير على تقدير شبه أعمال الكفار بأيهما شئت، وتقدير الآية: أو كصاحب ظلمات. ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عظيم اللجة، وقيل: عميق (٩)،

стр. 1722

ولجة البحر المكان الذي يكثر فيه الماء ويستدير. ابن عيسى: البحر الواسع الذي لا يرى ساحله (١). الكلبي: البحر الكثير الموج (٢). ﴿يَغْشَاهُ﴾ يغشى البحر، وقيل: صاحب الظلمات (٣) أي: من فيها يريد يعلوه فيغطيه. ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي: من فوق الموج موج آخر. وقيل: الموج الثاني الريح (٤). وقيل: تقديره: موج من بعده موج أي: موج يتبع بعضه بعضاً (٥). ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ أي: من فوق الموج الثاني سحاب قد غطى النجوم التي يهتدى بها. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي: هذه ظلمات بعضها فوق بعض، ومن جَرَّها فعلى البدل، ومن أضاف فكما تقول: سحاب رحمة وسحاب عذاب (٦) (٧). وقيل: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أي: شدائد قد اجتمعت (٨). ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أي: صاحب الظلمات وهو الذي فيها إذا أخرج يده وهي أقرب الأشياء إليه. ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لا يراها ولا يقرب من رؤيتها.

стр. 1723

الفراء: يراها بعد أن كاد لايراها، وقيل: إذا قال مع الماضي فقد فعل وهو إثبات وإذا قال مع المستقبل فلم يفعل فهو نفي (١). ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فلا هادي له. وقيل: من لم يجعل الله له هداية فما له ما يفلح به على وجه من الوجوه (٢). وقيل: من لم يجعل الله له في الآخرة سبيلاً ودلالة إلى النجاة فلا سبيل ولا نجاة له (٣). وقيل: من لم يرزقه الله هدى من الضلالة ومعرفة بكتابه فما له إيمان ومعرفة (٤)، والمعنى عند الزجاج: أن أعمال الكفار إن شبهت بما لايوجد فهي كالسراب، وإن مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات (٥). ابن عباس، ﵄: الظلمات: أعمال الكافر، والبحر اللجي: قلبه، يغشاه موج: غشاوة على القلب والسمع والبصر (٦). قتادة: الكافر يتقلب في خمس من الظُّلَم؛ كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات (٧). وقيل: معناه: هو في حيرة من كفره كصاحب هذه الظلمات (٨). ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ألم تعلم علماً يقوم مقام الرؤية، وقيل: هذا تنبيه أي: تنبَّه.

стр. 1724

﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أهلها، والتسبيح التمجيد والتنزيه. وقيل: الصلاة (١). ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ باسطات أجنحتها يريد في تلك الحالة فإن الأعجوبة فيها أكثر. ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحد منهم. ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: لكل واحد من الطير وغيرها من البهائم والحشرات تسبيح وصلاة تليق به يسبحون الله ويصلون له لانقف نحن على ذلك. والثاني: تسبيحه وصلاته دلالة على وحدانية الله وحمل غيره (٢) على التسبيح، والمطيعون لهم تسبيحان؛ تسبيح عمل وتسبيح دلالة: وقيل: صوت كل شيء تسبيحه وحركته صلاته (٣)، وفي فاعل ﴿عَلِمَ﴾ وجهان: أحدهما: ضمير ﴿كُلٌّ﴾ والهاء يعود إليه أيضاً أي: ما يليق به. وقيل: الهاء يعود إلى الله (٤). والثاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ هو الله، والضمير يعود إلى ﴿كُلٌّ﴾. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما ومكونهما، ومن ملك في الدنيا أمراً فبتمليكه إياه (٥). ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجع كل مُمَلَّك ومخلوق. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ ينشء، وقيل: يسوق (٦).

стр. 1725

وقيل: يخرجه شيئاً فشيئاً، وبضاعة مزجاة يمكن تخريجه على الأوجه الثلاثة (١). ﴿سَحَابًا﴾ جمع سحابة. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه، والتأليف: جمع الشيء إلى الشيء على استواء بينه وبين قطع السحاب (٢). ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ يركب بعضه بعضاً يجعل بعضه فوق بعض. وقيل: يجعله قطعاً قطعاً (٣)، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: يزجي سحاباً ثم يجعله ركاماً ثم يؤلف بينه، تقول: ركمت المتاع وغيره إذا وضعت بعضه فوق بعض. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر، والودق المصدر أيضاً تقول: ودق السحاب يدق ودقاً. وقيل: الودق: الماء، ومنه استودقت الفرس (٤). وقيل: الودق: البرق (٥). ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ من أثنائه، وقيل: هو واحد، وقيل: هو جمع، وخلل وخلال كجمل وجمال (٦). ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من لابتداء الغاية ومحله نصب على الظرف. ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾ قيل: ﴿مِنْ﴾ (٧) لابتداء الغاية أيضاً، والجبال بدل من السماء بدل البعض من الكل، والضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى السماء.

стр. 1726

﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ من لتبيين أن الجبال من البرد، والمعنى: من السماء من جبال من برد ينحدر عنها البرد على السحاب ثم على الأرض، فيكون المفعول محذوفاً أي: ينزل من جبال السماء برداً، وقيل: الثانية للتبعيض في موضع المفعول به، والثالثة للتبيين كأنه بين من أي شيء تلك الجبال، ومحله رفع كأنه قال: وينزل من السماء جبالاً فيها برد، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالجبال التكثير والتعظيم لا التي هي خلاف السهل، وأنشدوا لابن مقبل (١): إذا مُتّ عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها شاعراً مثلي أطب وأشعرا. وأكثر بيتاً سائراً ضربت به ... بطون جبال الشعر حتى تيسرا (٢). وقيل: السماء السحاب والجبال العظام من السحاب (٣). ابن عيسى: ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لتبيين الجنس (٤). ابن بحر: الجبال ما جبله الله من البرد أي خلقه وكل جسم شديد جَبَل ومنه الجِبِلة (٥). والبَرَد: ماء جامد خلقه الله في السحاب ثم ينزل. وقيل: يصير في الهواء بَرَداً.

стр. 1727

ابن عباس، ﵄ البرد: الثلج (١). ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبَرَد. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يصيب الإنسان وزرعه. ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يصيبه، ويقال: يصيب به من يشاء يعذب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فلا يعذبه به. ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ ضوءه، قتادة: لمعان برقه (٢)، وسنا كل شيء ضوءه، والسَّنَا الممدود المجد، وأصلها من الرفعة، تقول: أسنيت النار أسناً، وسنا البرق يسنوا سناً، وسنا الرجل سنا. وقيل: ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ صوت برقه (٣)، فتكون قوة البرق دليلاً على تكاثف السحاب ونذيراً بقوة المطر ومحذراً من نزول الصواعق. ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ يذهب بعيون الناظرين إليه، والنظر إلى عين الشمس وإلى البرق مُضِرٌّ بالبَصَرِ، وقراءة أبي جعفر شاذة، والباء زيادة (٤). ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما يزيد في أحدهما نقص من الآخر. والثاني: هو أن يأتي بالليل بعد النهار وبالنهار بعد الليل. والثالث: تغيير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس تارة أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة أخرى (٥). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما تقدم من السحاب وما يظهر منه. ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لعظة لذوي العقول. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ أي: كل حيوان يدب من عاقل وبهيمة.

стр. 1728

﴿مِنْ مَاءٍ﴾ يعني النطفة، وهي: الماء الذي يخرج من بين الصلب والترائب. وقيل: يريد به جميع المخلوقات لأن الله سبحانه خلق الماء أولاً ثم قلب الماء ناراً، وخلق منها الجن، وقلبه ريحاً، وخلق الملائكة منها ثم أحاله طيناً وخلق منه آدم (١)، وسأل أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ مم خلق الله الخلق فقال ﵊: "من الماء" (٢). ﴿فَمِنْهُمْ﴾ لما اجتمع العاقل مع غير العاقل جعل الغلبة للعاقل فقال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ بلفظ جمع العقلاء ثم فصل تفصيل العقلاء فقال: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ وإن لم يكن ذلك في العقلاء ليوافق التفصيل الجملة، والمراد بالماشي على بطنه الحية. وقيل: الحوت (٣). قال أبو عبيدة: "لايكون المشي بالبطن" (٤). الزجاج: يقال لكل مستمر ماش حتى يقال: قد مشى هذا الأمر (٥). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير وغير ذلك. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام، والوحوش، والسباع، وفي مصحف أُبيّ (ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك) (٦)، وقال الجمهور في قوله عقيبة ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ذكر ما يمشى على أكثر من أربع.

стр. 1729

وقيل: ما زاد رجله على أكثر من أربع فاعتماده في مشيه على أربع في الجهات الأربع (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما ذكر وبُيّن. ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر على الكمال. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: أحكاماً وفرائض. وقيل: علامات ودلائل (٢). ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي﴾ يرشد. ﴿مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى دين الإسلام، وقيل: طريق الجنة (٣). وقيل: هذه متصلة بالأولى، أي: والله يهدي من يشاء من المخلوق من الماء إلى الإسلام (٤). ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ نزلت في بشر المنافق كان بينه وبين يهودي خصومة واليهودي يدعوه إلى النبي ﷺ وبشر يدعوه إلى كعب بن الأشرف (٥)، ويقول: محمد يحيف علينا (٦). وروى الكلبي أنها نزلت في عثمان وعلي ﵄ تنازعا في أرض، وطعن في هذا القول جماعة من المفسرين (٧).

стр. 1730

وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل (١) من بني أمية كانت بينه وبين علي ﵁ خصومه في ماء وأرض، فامتنع المغيرة أن يحاكم علياً ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه يبغضني فنزلت ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ (٢) أي: وأطعنا الله والرسول. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ يعرض عن الإيمان. ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد قولهم ﴿آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: المخلصين، وقيل: المصدقين (٣)، والضمير يعود إلى المنافقين وقد تقدم في السورة ذكرهم، وقيل: هو كناية عن غير مذكور. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليحكم النبي، وحكم النبي حكم الله. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: فأجاء من فريق منهم الإعراض. ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: القضاء لا عليهم. ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طائعين منقادين، والإذعان: الطاعة والانقياد (٤). ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك ونفاق، وقيل: بغض وعداوة لله ورسوله (٥). ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أم كانوا مخلصين ثم رأوا منك أمراً رابهم وأورثهم تهمة.

стр. 1731

﴿يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أم جوزوا في أنفسهم أن يميل رسول ﷺ في بعض حكمه فخافوك وعدلوا من حكمك أو واحد من هذه الثلاث، وجاء بلفظ الاستفهام لأنه أشد في الذم والتوبيخ. ﴿بَلْ﴾ أضرب ببل عن الحيف، وقيل: أضرب ببل عن أن يكون رسول الله ﷺ يحيف على أحد في حكمه (١). ﴿أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ المنافقون الكافرون، وقيل: معناه: ليس من جهة رسول الله ﷺ ما يرتاب به ولكنهم كافرون ظالمون لأنفسهم حين امتنعوا من الاذعان لله ورسوله (٢). ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: يحكم النبي بينهم بحكم الله الذي أمر به في القرآن أن يقولوا: سمعنا قول النبي وأطعنا أمره. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون الباقون في النعيم المقيم. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يطيع الله في الفرائض ورسوله في السنن. ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ أي: عقابه. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيحترز أن يعصيه، وقيل: ويخش الله في الحال ويتقه في الاستقبال (٣). وقيل: الخشية خوف مع اعتقاد عظم المخشي، والاتقاء الاحتراز من العصيان والتقصير في المأمور. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالثواب الناجون من العقاب.

стр. 1732

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ أي: حلف المنافقون بالله وهو جهد اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودهم لئن أمرنا محمد ﷺ بالخروج إلى الغزو لغزونا. وقيل: الخروج من الديار لخرجنا (١). وقال الكلبي: "أقسم عثمان لئن أمرتني لأخرجن من الأرض المتنازع فيها ولأدفعنها إلى علي ﵁"، وقد سبق (٢). ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ لأنكم تكذبون في القسم وذلك معصية. ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ فيها قولان: أحدهما: طاعة معروفة أفضل وأولى من هذا القسم. والثاني: طاعة معروفة منكم أي: أنها بالقول دون الاعتقاد، وفي ارتفاعه قولان: أحدهما: بالخبر والمبتدأ مقدر أي: هذه طاعة. والثاني: بالابتداء، والخبر مقدر أي: أفضل، وقيل: وليكن منكم طاعة وقول معروف. ابن بحر: معناه: لا تحلفوا على الطاعة فإنها إذا وقعت عرفت (٣). وقيل: أنما وصفها بالمعروف لأنه ﷺ كان يأمرهم بالمعروف لا بالمنكر (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ عالم بما تظهرون وما تظمرون ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا﴾ تعرضوا عن طاعته. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي: على محمد ﷺ تبليغ الرسالة وقد بلغها. ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أي: عليكم امتثال ما يأمركم ومتابعته وطاعته. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ فيما يأمركم وينهاكم. ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق والرشد والجنة.

стр. 1733

﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الإبلاغ، وقيل: البلوغ، وليس عليه مضرة من معصيتكم (١). ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قيل: المراد به المهاجرون، ولهذا قال ﴿مِنْكُمْ﴾، وقيل: هو عام، و (منكم) للتبيين (٢). ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الاستخلاف: طلب قيام اللاحق مقام السابق، واللام لام جواب القسم واليمين مضمر والقول مقدر وفي الأرض قولان: أحدهما: أرض مكة، وكان المهاجرون يسألون الله ذلك. وقيل: جميع الأرض (٣)، روى مقداد (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: " لايبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز وذل ذليل، إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها وإما أن يذلهم فيدينون لها" (٥)، وعن النبي ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً" (٦). ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيه قولان:

стр. 1734

أحدهما: هم بنو إسرائيل استخلفنهم الله أرض الشام بعد إهلاك الجبابرة. والثاني: هو ما كان في زمن داود وسليمان ﵉ وكان الغالب على الأرض المؤمنون. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ يعني الإسلام، وتمكينه إظهاره على الدين كله. وقيل: إعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله (١). وقيل: تمكينه إظهار الإيمان بعد الاخفاء (٢). ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ قيل: خوفهم في الدنيا من الأعداء أمناً فيها (٣). وقيل: بعد خوفهم من عقاب الله (٤) في الدنيا أمناً في الآخرة، والتبديل: تغيير الحال مع بقاء الأصل، والإبدال: جعل الشيء مكان الشيء، وقد يوضع كل واحد مكان الآخر. ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حال أي: عابدين لله غير مشركين به. وقيل: ذلك استئناف أي: هم يعبدونني. ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد الوعد وارتد. وقيل: من كفر بهذه النعمة (٥). ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكافرون. وقيل: المذنبون (٦). وقيل: معنى قوله ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ لا يخافون غيري (٧). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة. ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.

стр. 1735

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بإجابته إلى ما دعاكم إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فإنها من موجبات الرحمة. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فائتين، وقيل: سابقين (١)، تقول: أعجزه جعله عاجز أو وجده عاجزاً أو نسبه إلى العجز، من قرأ بالتاء (٢) جعل ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المفعول الأول و ﴿مُعْجِزِينَ﴾ المفعول الثاني، والتاء خطاب النبي ﷺ وهو الفاعل، ومن قرأ بالياء فـ ﴿الَّذِينَ﴾ في محل رفع بالفعل والمفعول الأول محذوف على تقدير: أنفسهم، و ﴿مُعْجِزِينَ﴾ المفعول الثاني، وهذا قول البصريين وفيه ضعف (٣)، وقال الكوفيون ﴿مُعْجِزِينَ﴾ المفعول الأول و ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الثاني وهو خطأ، ويحتمل أن الياء لمن له التعادل من الخطاب إلى الغيبة. ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ مرجعهم ومنقلبهم، وهو استئناف كلام. ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع يعني النار (٤).

стр. 1736

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في سبب النزول قال ابن عباس، ﵄: "وجَّهَ رسول الله ﷺ غلاماً من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فقال يا رسول الله: " وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فأنزل الله هذه الآية " (١). وعن مقاتل قال: "نزلت في أسماء بنت مرشد (٢) كان لها غلام كبير فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله ﷺ فقالت: " إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ " (٣)، يعني العبيد الإماء. ابن عمر ﵁: هو على الذكور دون الإناث (٤). ابن عباس، ﵄: الإماء، لأن على العبيد أن يستأذنوا في هذه الأوقات وغيرها (٥). والاستئذان: طلب الإذن، والإذن إعلام بجواز فعل. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ أي: الصبيان.

стр. 1737

﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ أي: ثلاث أوقات، ثم فسَّرها فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ وقت مفارقة الفراش والقيام من النوم، ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ وقت القيلولة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ وقت النوم والأوي (١) إلى الفراش. ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: هي ثلاث عورات، ومن نصب فعلى البدل (٢). الزجاج: سميت عورات لأنها أوقات العورات (٣). صاحب النظم (٤): لأنهم يضعون ثيابهم فتبدوا عوراتهم (٥). وقيل: هذه الأوقات أوقات التجرد وظهور العورة فصارت من عورات الزمان فجرى مجرى عورات الأبدان (٦). ﴿لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم. ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ بعد الأوقات الثلاثة، ومعنى ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ سواهن وليس بعد هاهنا لظرف الزمان ولا المكان. ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقيل: هو بمعنى ﴿مِنْ﴾ أي: بعضكم من بعض. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كبيان الأحكام في هذه الآية. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ الأمر والنهي. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ فيما يأمركم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر. ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي: الأحرار، والحُلُم: الاحتلام، والمعنى: إذا بلغوا وأرادوا الدخول عليكم.

стр. 1738

﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات. ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما استأذن الذين بلغوا ودخلوا من قبلهم. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرر الكلام الأول تأكيداً وأضاف إليه سبحانه تخصيصاً، في هذه الآية ستة أقوال: سعيد بن الميسب: منسوخة (١). أبو قلابة (٢): ندب (٣). سفيان (٤): الذين ملكت أيمانكم النساء (٥). ابن عمر ﵄: في الرجال (٦). ابن عباس، ﵄: كان العمل بها واجباً (٧) لأن القوم لم يكن لهم أغلاق ولا ستور، فإن عاد الأمر إلى ذلك كان العمل بها واجباً (٨). وأكثر أهل العلم على أنها محكمة واجبة غير منسوخة (٩).

стр. 1739

﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ العجائز اللاتي قد قعدن عن الحيض والحَبَل، وقيل: عن النكاح، جمع قاعد (١). ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ لايطمعن في أن يتزوجن لكبرهن، ﴿اللَّاتِي﴾ في محل رفع صفة للقواعد ويجوز الجر والوجه الرفع لمكان الفاء. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ إثم. ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ في أن يضعن. ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ جلابيبهن، وقيل: الخُمُر والأردية (٢). ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ غير مبديات. ﴿بِزِينَةٍ﴾ والتبرج منها إظهار محاسنها التي ينبغي أن تُسْتَر كالثغر، والذراع، والنحر، والساق، أي: لايقصدن بوضعها أن يُظْهِرنْ زينتهن. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: التلبس خير لها من التكشف. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما يقال. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يقصد وينوى. ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ في سبب نزوله أقوال:

стр. 1740

قال ابن عباس، ﵄: "لما نزل قوله ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعُمْي، والعُرْج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال وقد نهانا وقد نهانا الله عن أكل الأموال بالباطل، والأعمى لايبصر موضع الطعام الطيب ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ والأعرج لايستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لايستطيع استيفاء الطعام، فأنزل الله هذه الآية" (١)، وعلى هذا القول الآية ناسخة. قال سعيد بن جبير، والضحاك: "كان الناس ينقذرون العرجان، والعميان، والمرضى ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لايخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذراً، فأنزل الله هذه الآية" (٢)، استبعد هذا القول جماعة، وقالوا: لو كان كذلك لقال: ليس عليكم حرج أن تأكلوا معهم، ولم يقل ليس على الأعمى حرج، وأجاب عن هذا الاستبعاد بعض النحاة بأن ﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى في، أي: ليس في الأعمى حرج ولا في الأعرج حرج، والمعنى: في مؤاكلة الأعمى والأعرج. قال مجاهد: "كان قوم من أصحاب رسول الله ﷺ إذا لم يكن عندهم ما يطعمون الأعمى والأعرج والمريض ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية، وكان أهل الزمانة يتحرجون من يطعموا ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكيه ويقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فأنزل الله هذه الآية ترخيصاً للمرضى والزمنى في الأكل معهم من بيوت من سمى في الآية (٣).

стр. 1741

اختلفوا؛ فمنهم من قال: أبيح ذلك بإذن، ومنهم من قال: بغير إذن. سعيد بن المسيب: نزلت في أناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا منها إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى أن لاتكون أنفسهم بذلك طيبة فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول هو المرضى عند أهل التأويل (١). وقال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد: "انتهى الكلام على قوله ﴿حَرَجٌ﴾ والمراد: لاحرج عليهم في القعود عن الجهاد وغير مما رخص لهم فيه كقوله في الأخرى ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾) الآية [الفتح: ١٧] " (٢). ثم قال ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: حرج (٣). ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ أي: في أن تأكلوا. ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، وقال بعضهم: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٤) منسوخة.

стр. 1742

وقال ابن زيد: "هذا شيء قد انقطع، كانوا في أول الأمر ليست على أبوابهم (١) أغلاق وكانت الستور مرخاة فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد، فسوغه الله أن يأكله، ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها فذهب هذا وانقطع وصارت الآية منسوخة بقوله سبحانه ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وبقوله ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] " (٢). وقيل: ليس عليهم حرج إذا دُعوا إلى وليمة أن يأخذوا معهم القائد، فهذا هو الكلام في سبب النزول، والقول الناسخ والمنسوخ (٣). قوله ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ هو الذي فقد حِسَّ البصر لفساد العين ﴿حَرَجٌ﴾ إثم، وحقيقته الضيق، مشتقة من الحرجة وهو موضع الشجر الملتف، وجمعها: حَرَج وحَرَجات وحِرَاج، وحَرَج فلان أثِم، كأنه سلك طريقاً ضيق المخرج، وتَحَرَّج اجتنب الاثم. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ هو الذي خرجت نفسه عن الاعتدال. ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: حرج. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ بيوت أنفسكم.

стр. 1743

وقيل: بيوت أولادكم، ثم نزَّل بيوت الأولاد منزلة بيوت الآباء لقوله ﷺ "أنت ومالك لأبيك" (١)، ولهذا لم يذكر الأولاد في الآية (٢). وقيل: بيوت أزواجكم لاجتماع الكل فيها (٣). وقيل: بيوتكم التي تسكنونها خدمة واتصالاً بأربابها (٤)، ويحتمل أن المعنى: لاحرج عليكم في الأكل من بيوت المذكورين كما لاحرج عليكم في أكلكم من بيوتكم مثل ما تقول: أكلك من دارك أو من دار صديقك واحد، والله أعلم. ﴿أَوْ بُيُوتِ آَبَاءَكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مِفْتَح وهو ما يُفتح به المغلق وكذلك المفتاح. ابن عباس، ﵄: هو وكيل الرجل له أن يتناول من التمر ويشرب من اللبن (٥). قتادة: يعني العبد؛ لأن ماله لك (٦). مجاهد: خزائن بيوتكم إذا ملكتم مفاتيحها (٧).

стр. 1744

ابن جرير: الزَّمْنى ملكوا التصرف في البيوت التي سلمت مفاتيحها إليهم له أن يتناول من ماله بقدر ما قال الله ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، و (مفاتيحه) بيده (١). ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ يريد الأصدقاء، قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... دعها فما النحوي من صديقها (٢). والصديق هو الذي صدقك مودته، وقيل: هو الذي يوافقك في ظاهره وباطنه (٣). وعن ابن عباس، ﵄، : الصديق أكبر من الوالدين ألا ترى أن أهل النار لم يتغيثوا بالآباء والأمهات بل قالوا ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] (٤)، وقال ﷺ "قد جعل الله في الصديق البار عوضاً عن الرحم المذمومة" (٥) فرخص أن يأكل من بيته بغير إذنه. وقيل: هو إذا دعاك إلى وليمة فحسب (٦).

стр. 1745

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ في سبب النزول، قتادة والضحاك نزلت في حي من بني كنانة يقال لهم: بنو ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، والأحوال منتظمة تحرجاً من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل، فأنزل الله هذه الآية (١). عكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين وأشتاتاً متفرقين (٢). عن النقاش (٣): نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعاً مخافة أن يأكل أكثر من صاحبه، فنزلت فيهم (٤). وقيل: نزلت في قوم سفر اشتركوا في زادهم وكان إذا تأخر أحدهم أمسك الباقون عن الأكل حتى يحضر، فنزلت فيهم ترخيصاً (٥). و﴿أَشْتَاتًا﴾ جمع شَتٍ، أي: متفرقين، وشتى جمع شتيت، وشَتَّ الشيء يَشِتُّ شَتَّاً وشَتاتاً، وتَشَتت بمعناه، واشته غيره، وشَتَّان اسم للفعل بني على الفتح، وقيل: نصب على المصدر، وحُكي فيه الكسر أيضاً. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ يعنى: على من فيها من المؤمنين، والمؤمنون كلهم كنفس واحدة. وقيل: على إخوانكم وأقربائكم لأنهم بمنزلة نفس واحدة (٦). وقيل: إذا دخلتم بيوتاً خالية فقولوا: السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين (٧).

стр. 1746

وقيل: إذا دخلتم بيوت الكفار فسلموا على أنفسكم (١). ابن عباس، ﵄، ﵄: إذا دخلتم المساجد فسلموا على من فيها (٢). وقيل: إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أولادكم وعيالكم، ومعنى السلام عليكم: حفظكم الله وسلمكم من الآفات (٣). وقيل معناه: لكم السلامة مني (٤). وقيل: السلام اسم من أسماء الله، والمعنى: الله حفيظ عليكم (٥). ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ تحيون أنفسكم تحية، ويجوز أن يكون نصباً على المصدر من قوله ﴿فَسَلِّمُوا﴾ وإن لم يكن من لفظه كما تقول: قعد القرفصاء. ومعنى ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من أمر الله لأنه أمر به. وقيل: لأن الملائكة يُحَيَّوْن السلام، وقيل: هذا إذا قالوا السلام علينا من ربنا (٦). ﴿مُبَارَكَةً﴾ أي: فليتبركوا بها فإن الله يستجيب دعاء بعضهم لبعض (٧) بالسلامة من الآفات. وقيل: جعلها مباركة لما فيها من الثواب العظيم. وقيل: إذا لزمتموها كثر خيركم. ﴿طَيِّبَةً﴾ تطيب بها نفس المستمع لما فيها من حسن الثناء. وقيل: لما فيها من التواصل (٨). وقيل: ﴿مُبَارَكَةً﴾ تامة بالأجر، ﴿طَيِّبَةً﴾ هنيئة بالمغفرة (٩). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ﴾ أي: كما بيناها هاهنا نبينها في غيره.

стр. 1747

وقيل: كما دلكم. وقيل: كما فَصَّل لكم، ابن بحر: إذا أراد فرض شيء عليكم بينه هذا البيان (١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تعقلوا وتفهموا، وقيل: لتكونوا عقلاء صالحين (٢). ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: المؤمن من آمن بالله ورسوله، وأطاع رسوله في جليل الأمر ودقيقه. ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كالجمعة والعيدين وكل اجتماع فيه خطبة. وقيل: هو الجهاد (٣). وقيل: في مجلس تشاور وتدبير حرب (٤). وقيل: في أمر يجمعهم نفعه وضره (٥). ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم يخرجوا عنه. ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: يستأذنوا رسول الله ﷺ تعظيماً له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: هم الذين جمعوا شرائط الإيمان. ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: لمن علمت أن له عذراً، نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ كان مع رسول الله ﷺ في غزاة تبوك فاستأذنه في الرجوع إلى أهله فقال له رسول الله ﷺ "انطلق فوالله ما أنت بمنافق ولا مرتاب"، حكاه بعض المفسرين (٦). ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن أذنت له ليزول عنهم بالاستغفار ملامة الانصراف.

стр. 1748

قتادة: هذه ناسخة لقوله ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] (١). ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ابن عباس، ﵄: لاتتعرضوا السَّخْطة فإن دعاءه عليكم موجب ليس كدعاء غيره (٢). مجاهد في جماعة: لاتنادوه يامحمد كما ينادي بعضكم بعضاً ولكن عظموه مثله ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] أي: قولوا: يارسول الله ويانبي الله (٣). وقيل: معناه: إذا دعاكم لأمر فعجلوا الإجابة وبادروا إليه، كقوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (٤). ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ التسلل: الخروج من الشيء وكذلك الانسلال، واللِّواذ مصدر لاوذ يلاوذ ملاوذة، وهو الاعتصام بالشيء بالدَّوْر معه حيث دار، أي: يلوذ بعضكم ببعض فينضم إليه استتاراً من رسول الله ﷺ بالرجال والسارية يريد الذين كانوا يفارقون رسول الله ﷺ إذا سمعوا ما يكرهون في الجمعة. الحسن: ﴿لِوَاذًا﴾ فراراً من الجهاد (٥). وقيل: هذا في حفر الخندق، وكان المنافقون ينصرفون بغير إذن رسول الله ﷺ ، ﴿لِوَاذًا﴾ مختفين، حكاه الثعلبي وغيره (٦).

стр. 1749

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: يخالفون أمره، و ﴿عَنْ﴾ زيادة. وقيل: معناه: يعرضون عن أمره (١). وقيل: بعد أمره، كقوله ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤] أي: بعد جوع، والهاء يعود إلى الله، وقيل: إلى النبي ﷺ (٢). والأمر: هو من أمور الدنيا. وقيل: من أمور الآخرة (٣). ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مكروه من عدوهم. وقيل: قتل (٤). وقيل: عقوبة شديدة في الآخرة (٥). ابن جرير: كفر (٦). ابن عيسى: فتنة تُخرج ما في الضمير (٧). ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من الله في الآخرة. وقيل: قتل في الدنيا (٨). ﴿أَلَا إِن لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الخير والشر فاحذروا مخالفته. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ إلى موضع الجزاء. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: يجزيهم على أعمالهم في القيامة ويعاقبهم عليها. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافية فيهما. وروي عن الأعمش (٩)

стр. 1750

عن شقيق بن سلمة (١) قال: "شهدت ابن عباس، ﵄ وليَ الموسم (٢) فقرأ سورة النور على المنبر وفسرها، فلو سمعت الروم لأسلمت" (٣).

стр. 1751

سورة الفُرْقَان

стр. 1752

سورة الفرقان مكية، قال ابن عباس ﵄ وقتادة: إلا ثلاث آيات من قوله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] (١). ﴿ ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وارتفع. الحسن: هو الذي يجيء البركة من قِبَلِه (٢). وقيل: تبارك على الشيء: واضب عليه، وهذه لفظة لاتستعمل إلا لله وحده ولا يستعمل منه إلا الماضي فحسب، وأصله من دوام الشيء وثباته ومنه البِرْكة لدوام الماء فيها وبقائه (٣). وقيل: أصله الزيادة (٤). ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن الفارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ، وقيل: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هاهنا اسم لجميع كتب الله، ولا يحتمل الآية هذا القول إلا أن يجعل ﴿عَبْدِهِ﴾ للجنس كقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أو يجعل القرآن مشتملاً على جميع ما في سائر كتب الله (٥). ﴿لِيَكُونَ﴾ العبد. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ الجن والإنس. ﴿نَذِيرًا﴾ منذراً يُعْلِم الناس خبر البعث والنشور، والمنذر: المخبر بوقوع مكروه.

стр. 1753

وقيل: ليكون الفرقان نذيراً لأهل كل زمان (١). وقيل: ليكون الذي نزل الفرقان وهو الله للخلائق كلها منذراً (٢)، وقد جاء في وصف الله المنذر نحو قوله ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] فيحسن على هذا التأويل أن يكون ﴿الْفُرْقَانَ﴾ جميع كتبه و ﴿عَبْدِهِ﴾ جميع رسله. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زعم النصارى. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال المشركون والثنوية (٣). وقيل: معنى ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لم ينزل أحداً منزلة الولد، لأن ما لا يجوز على الله على الحقيقة لايجوز عليه على التشبيه (٤). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء يجوز وصفه بالخلق. وقيل: اللفظ عام، والمعنى ليس بعام كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].

стр. 1754

﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ على مقتضى الحكمة وتناسب بعضه إلى بعض على اعتدال. وقيل: خلق ما خلق على مقدار يعرفه، ولم يخلق شيئاً على سبيل سهو وغفلة (١). وقيل: بين مدة بقائه. وقيل: كتبه في اللوح المحفوظ (٢). ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ الواو ضمير الكفار، وهم مندرجون في قوله ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. وقيل: لفظ (٣) ﴿نَذِيرًا﴾ ينبئ عنهم لأنهم المنذرون. ﴿آَلِهَةً﴾ أي: الأصنام، وقيل: عيسى والملائكة والأصنام (٤). ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لايقدرون أن يخلقوا ذباباً فضلاً عن غيره. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعنى الأصنام، وقيل: عيسى والملائكة والأصنام، ويحتمل الكفار (٥). ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: المعبودون. ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ إماتة. ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا إحياءً. ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ إحياء بعد الموت، تقول: أنشر الله الموتى فنشروا. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن. ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب مصروف عن وجهه، والإفك أسوء الكذب. ﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه، وأصله الفري وهو: القطع للإصلاح. ابن عباس ﵄ قال: "هذا كلام النضر بن الحارث وأتباعه" (٦). ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ عنو بههم اليهود، أي: هم يُلْقُون أخبار الأمم إليه وهو يكسوها عبارته.

стр. 1755

وقيل: عنوا بهم جبراً ويساراً، وقد سبق في قوله ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (١). المبرد: عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ المؤمنون لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول فأجابهم الله وقال ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: بظلم وزور ظلموا فيما قالوا (٢)، والتزوير: الكذب في الشهادة والحديث. وقيل: المزور من الكتاب ما يزيد فيه وينقص (٣). وقيل: هذا من كلام الكفار، والضمير يعود إلى قوله ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ (٤). ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هذه أحاديثهم التي سطروها. ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أمر بكتبها. وقيل: جمعها، من قولهم: كتبت الشيء أي: جمعته (٥). وقيل: كتبها بيده، فيكون من جملة كذبهم عليه لأنه ﷺ لم يكن يكتب، وسيأتي بيانه في قوله ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٦). ﴿فَهِيَ﴾ أي: الأساطير. ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ تُملَّ عليه. ﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿وَأَصِيلًا﴾ آخره، وقيل: عبارتان عن النهار والليل (٧). ﴿قُلْ﴾ يا محمد. ﴿أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن.
следующие страницы →