← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

سورة الفُرْقَان

стр. 1752

سورة الفرقان مكية، قال ابن عباس ﵄ وقتادة: إلا ثلاث آيات من قوله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] (١). ﴿ ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وارتفع. الحسن: هو الذي يجيء البركة من قِبَلِه (٢). وقيل: تبارك على الشيء: واضب عليه، وهذه لفظة لاتستعمل إلا لله وحده ولا يستعمل منه إلا الماضي فحسب، وأصله من دوام الشيء وثباته ومنه البِرْكة لدوام الماء فيها وبقائه (٣). وقيل: أصله الزيادة (٤). ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن الفارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ، وقيل: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هاهنا اسم لجميع كتب الله، ولا يحتمل الآية هذا القول إلا أن يجعل ﴿عَبْدِهِ﴾ للجنس كقوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أو يجعل القرآن مشتملاً على جميع ما في سائر كتب الله (٥). ﴿لِيَكُونَ﴾ العبد. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ الجن والإنس. ﴿نَذِيرًا﴾ منذراً يُعْلِم الناس خبر البعث والنشور، والمنذر: المخبر بوقوع مكروه.

стр. 1753

وقيل: ليكون الفرقان نذيراً لأهل كل زمان (١). وقيل: ليكون الذي نزل الفرقان وهو الله للخلائق كلها منذراً (٢)، وقد جاء في وصف الله المنذر نحو قوله ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] فيحسن على هذا التأويل أن يكون ﴿الْفُرْقَانَ﴾ جميع كتبه و ﴿عَبْدِهِ﴾ جميع رسله. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زعم النصارى. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال المشركون والثنوية (٣). وقيل: معنى ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لم ينزل أحداً منزلة الولد، لأن ما لا يجوز على الله على الحقيقة لايجوز عليه على التشبيه (٤). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء يجوز وصفه بالخلق. وقيل: اللفظ عام، والمعنى ليس بعام كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].

стр. 1754

﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ على مقتضى الحكمة وتناسب بعضه إلى بعض على اعتدال. وقيل: خلق ما خلق على مقدار يعرفه، ولم يخلق شيئاً على سبيل سهو وغفلة (١). وقيل: بين مدة بقائه. وقيل: كتبه في اللوح المحفوظ (٢). ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ الواو ضمير الكفار، وهم مندرجون في قوله ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. وقيل: لفظ (٣) ﴿نَذِيرًا﴾ ينبئ عنهم لأنهم المنذرون. ﴿آَلِهَةً﴾ أي: الأصنام، وقيل: عيسى والملائكة والأصنام (٤). ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لايقدرون أن يخلقوا ذباباً فضلاً عن غيره. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعنى الأصنام، وقيل: عيسى والملائكة والأصنام، ويحتمل الكفار (٥). ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: المعبودون. ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ إماتة. ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا إحياءً. ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ إحياء بعد الموت، تقول: أنشر الله الموتى فنشروا. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن. ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب مصروف عن وجهه، والإفك أسوء الكذب. ﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه، وأصله الفري وهو: القطع للإصلاح. ابن عباس ﵄ قال: "هذا كلام النضر بن الحارث وأتباعه" (٦). ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ عنو بههم اليهود، أي: هم يُلْقُون أخبار الأمم إليه وهو يكسوها عبارته.

стр. 1755

وقيل: عنوا بهم جبراً ويساراً، وقد سبق في قوله ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (١). المبرد: عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ المؤمنون لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول فأجابهم الله وقال ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أي: بظلم وزور ظلموا فيما قالوا (٢)، والتزوير: الكذب في الشهادة والحديث. وقيل: المزور من الكتاب ما يزيد فيه وينقص (٣). وقيل: هذا من كلام الكفار، والضمير يعود إلى قوله ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ (٤). ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هذه أحاديثهم التي سطروها. ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ أمر بكتبها. وقيل: جمعها، من قولهم: كتبت الشيء أي: جمعته (٥). وقيل: كتبها بيده، فيكون من جملة كذبهم عليه لأنه ﷺ لم يكن يكتب، وسيأتي بيانه في قوله ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٦). ﴿فَهِيَ﴾ أي: الأساطير. ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ تُملَّ عليه. ﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار. ﴿وَأَصِيلًا﴾ آخره، وقيل: عبارتان عن النهار والليل (٧). ﴿قُلْ﴾ يا محمد. ﴿أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن.

стр. 1756

﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ السِّر: إخفاء المعنى في القلب، أي: ينزله على ما يقتضيه علمه بباطن الأمور. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ عن جهل العباد فلا يعجل. ﴿رَحِيمًا﴾ لمن آمن. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي: لِمَ يأكل كما نأكل، ولم يمشي في الأسواق كما نمشي فهلا امتاز عنا بترك الأكل والمشي في الأسواق، وهذا خطأ منهم (١) لأن الامتياز والتفاضل يوجدان مع بقاء صفة الجنسية وذلك إذا فُضّل بالرسالة. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أي: هلَاّ ولهذا نُصب الجواب، والمعنى: هلَاّ كان معه مَلَكٌ يدل على صدقه ويكون معيناً له في الإنذار، وهذا أيضاً خطأ لأن ذلك يؤدي إلى استصغار كل واحد منهما حيث لم يقم بنفسه في أداء الرسالة، ولأن الجنس إلى الجنس أَمْيَل وبه آنس. وقيل: ﴿مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يرجع إلى رأيه. ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ مال. قال الحسن: "والله ما زواها عن نبيه إلا اختياراً ولا بسطها لغيره إلا اغتراراً" (٢)، وحسن عطف ﴿يُلْقَى﴾ و ﴿تَكُونُ﴾ وهما مضارعان على ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو ماضٍ دخول المضارع بينهما فيكون معه. ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان. ﴿يَأْكُلُ الْجُودِيِّ﴾ من ثمرها. وقيل: يختص بأكلها حتى يتبين في مأكله أيضاً، وهذا أيضاً خطأ حيث لا منافاة بين الفقر والرسالة، وقُرئ (نأكل) بالنون أي: يأكل هو ويؤكلنا، ويحتمل أنهم قالوا (نأكل) بالنون استهزاء (٣).

стр. 1757

﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: كفار قريش، وقيل: عبدالله بن الزبعرى (١). ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾ ما تطيعون. ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سُحر فجُنَّ، وقيل: مسحورٌ له سحر. وقيل: يُسْحَر بالطعام والشراب أي: يُغْذي (٢). وقيل: مخدوع (٣)، ويحتمل أصيب سَحَرُه بعلة، كما تقول: رأسته رجلته أي: ضربت رأسه ورجله، وحكى الماوردي مسحوراً يسحركم فيما يقوله، وهذا يقتضي ساحراً لا مسحوراً (٤). ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: وصفوك بغير وصفك. ﴿فَضَلُّوا﴾ الهدي. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى الرشاد، وقيل: ﴿فَضَلُّوا﴾ أي: أخطأوا في التشبيه حيث ناقضوا فمرة يقولون هو بليغ فصيح يتقول القرآن من نفسه ويفتريه، ومرة يقولون مجنون، ومرة ساحر، ومرة مسحور فلا يستطيعون سبيلاً إلى حجة وبرهان على ما يقولون (٥). ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قولهم ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ وقيل: إلى الكنز والجنة (٦)، ووحد كقوله بين ذلك، وعن ابن عباس ﵄: خيراً من أن تمشي في الأسواق لطلب المعاش (٧). ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني: في الدنيا.

стр. 1758

﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ من جَزْم جعله عطفاً على محل جزاء الشرط فتكون القصور في الدنيا، ومن رفع فهو وعد من الله لنبيه في الآخرة وهي قصور الجنان (١). وقيل: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بمعنى: قد شاء وهو فاعله فتكون الجنات والقصور في الجنة، والقَصْرُ: كل بيتٍ رفيع، وقيل: القَصْر: المسكن العالي ذو المجالس الرفيعة والشُرُفات المشيدة (٢). وفي سبب النزول عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية أنزلها رضوانُ لما قالوا ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ ... الآيات، وكان معه سفط من نور يتلألأ فقال: يقول لك ربك هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع مالك عندي من غير نقصان مثل جناح بعوضة، فقال ﷺ : "يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إليّ وأن أكون عبداً شكوراً صابراً" فقال: رضوان أصبت أصاب الله بك (٣).

стр. 1759

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أي: منعهم عن الإيمان بك تكذيبهم بالقيامة لا فقرك ومشيك في السوق، ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ هيئنا، والعتيد: الشيء الحاضر، وقيل: أصله أعددنا قلب الدال تاء، وهذا بعيد لإطراد كل واحد منهما في المصدر وغيره (١). ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ البعث والنشور والثواب والعقاب. ﴿سَعِيرًا﴾ ناراً موقدة، فعيل بمعنى مفعول، تقول: سَعَرْتُ النار وأسْعَرْتُها فتسعرت واستعرت، وقيل: ﴿سَعِيرًا﴾ اسم لجهنم وانصرافه يدفع هذا القول. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ يعني: النار أو جهنم، ووصف النار بالرؤية كما وصفها بالكلام في قوله ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وكما وصف السموات والأرض بالكلام حيث قال ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال بعضهم: النار اسم لحيوان ناري يتكلم ويرى ويسمع ويغيظ ويزفر، وقال بعضهم: هذه عبارة عن المقابلة والمحاذاة كما تقول: داري ترى دارك، وداري تنظر إلى دارك. وقيل: هذا مقلوب، أي: إذا رأوها، وقيل: المضاف محذوف، وتقديره: إذا رأتهم خُزّان جهنم وزبانيتها (٢). وقيل: هذا على المبالغة أي: كأنها تراهم رؤية الغضبان يزفر غيظاً (٣). وقيل: إذا ظهرت لهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قيل: مسيرة خمسمائة عام، (٤) وقيل: مسيرة عام (٥).

стр. 1760

﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ أي: صوت تغيّظ، وهو الهمهمة فإن التغيظ لا يسمع. وقيل: سمعوا لها زفيراً ورأوا لها تغيظاً، كقوله: ياليت زوجك قد غدا متقلداً سيفاً رمحاً (١). وقيل: سمعوا غليان الغيظ، وقيل: سمعوا صوت لهبها واشتعالها (٢)، وجاء في الحديث "إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر تَرعد فرائضه حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثوا على ركبته ويقول: يارب لا أسألك اليوم إلا نفسي" (٣)، والغيظ: حالة للنفس عند شدة الغضب، تقول: غاظه واغتظه وغيظه، فتغيظ، والزفير: صوت يُسمع من جوف المتغيظ كصوت الحمار إذا هم بالنهيق. ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من النار. ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ في مكان ضِيق كضيف الزُج في الرمح. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين بالسلاسل والأغلال مع الشياطين في النار. وقيل: قرنت أيديهم وأعناقهم بالأغلال وأرجلهم بالسَّلاسِل (٤)، والقَرْن: جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل. ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ﴾ أي: حينذ، وقيل: في ذلك المكان (٥).

стр. 1761

﴿ثُبُورًا﴾ أي: يقولون ثَبِرْنا ثُبُوراً، وقيل: هو دعاؤهم بالندم ياثبوراه ياويلتاه (١)، والثَّبْرُ: الإهلاك، والثبور: الهلاك كأنهم قالوا ياهلاكاه (٢). وقيل: يا انصرافاه عن طاعة الله، تقول: ما ثبرك عن هذا الأمر أي: ما صرفك، حكاه علي ابن عيسى (٣). ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ أي: تجيبهم الملائكة لا تقولوا ذلك مرة واحدة بل مراراً كثيرة لا يأتي عليها الإحصاء ولا ينتهي خلودكم فيها. ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ في ذلك قولان: أحدهما: أنه إشارة إلى قوله ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يأكل منها﴾ كما قلنا في قوله ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾. والثاني: إشارة إلى ما فيه الكفار من الشدائد التي تقدمت، وإنما قال ذلك خيراً ولا خير فيما تقدم للكفار توبيخاً، ومثله ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وسيأتي ذكره إن شاء الله (٤)، وهذا كما تقول لمن ترك فساداً وأقبل على صلاح: أليس هذا خيراً مما أنت فيه! ولا تقول مبتدأً: الفساد خير أم الصلاح. وقوله ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: دخولها. وقيل: وعدها المتقون فحذف الضمير وهو المفعول الثاني ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ ثواباً. ﴿وَمَصِيرًا﴾ مرجعاً.

стр. 1762

﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من النعيم. ﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ سأله المؤمنون في الدنيا بقولهم ﴿رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وقيل: سأل لهم الملائكة بقولهم ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [غافر: ٨]. وقيل: ﴿مَسْئُولًا﴾ مطلوباً (١). وقيل: ﴿مَسْئُولًا﴾ واجباً، لأن الكريم إذا سُئل يرى الإجابة واجبة (٢). ابن عباس ﵄: وعدهم بالجزاء فسألوه الوفاء، وكل واجب مسؤول وإن لم يُسئل (٣). ابن عيسى: متى سألوا شيئاً فهو لهم بوعد الله إياهم لقوله لهم ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وأما المعاصي فتُصرف عن شهواتهم (٤). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ هو حشر البعث عند الجمهور، وقال مجاهد: "هو حشر الموت" (٥). ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: الأصنام، وقيل: عزيراً والمسيح والملائكة (٦). ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ يعني: من عبدوهم. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أخطأوا الطريق، وهذا استفهام توبيخ للعابدين كقوله لعيسى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهاً لك عن أن يُعبد معك غيرك، وفيه قولان:

стр. 1763

أحدهما: أن هذا كلام الأصنام يُنطقهم الله كما ينطق الأعضاء فيقولون ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ما كان لنا كلام فكيف أمرناهم بطاعتنا. والثاني: أنه كلام عزير والمسيح والملائكة. ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ ما كان يجب لنا إذ عبدنا هؤلاء نتولاهم على ذلك. وقيل: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أن نتولى غيرك ليعبدنا. وقيل: ما كان لنا أن نتولى المشركين ولو عبدونا (١). وقيل: ما كان لنا أن نتخذ من يعبدنا من دونك، أي: يَدَعَ (٢) عبادتك إلى عبادتنا (٣). وقيل: هذا كلام العابدين والمعبودين ماكان ينبغي لنا أن نعبد غيرك فكيف ندعوا إلى عبادتنا (٤). أبو عبيدة: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أي: ما يكون لنا (٥). وقيل: ما كان يُصلح، وقرأ أبو جعفر في جماعة (أن نُتَّخَذَ) بضم النون (٦) وهذه القراءة رائقة في الظاهر وهو عند أكثر النحاة خطأ لأن من تدخل المفعول الأول نحو: ما أعطيت من أحد درهماً، ولا يجوز: ما أعطيت أحداً من درهم، وإذا أقيم الضمير في (نتخذ) مقام المفعول الأول ورفعته صار من داخلاً على المفعول الثاني وهذا غير جائز، وأجازه الفراء على القلب (٧). ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ﴾ بالأولاد والأموال وطول العُمر والسلامة من العذاب.

стр. 1764

﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا التذكر، وقيل: تركوا كتاب الله وتركوا التدبر فيه، وتركوا ما دعاهم إليه الرسول (١). وقيل: بطرتهم نعمتك فنسوا بها ذكرك، والتمتع: دوام اللذة بالشيء (٢). ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ هالكين، وقيل: فاسدين (٣)، من قولهم: أمر باير فاسد، وبارت البضاعة: كسدت، ومنه قوله ﷺ : "نعوذ بالله من بوار الأيِّم " (٤). وقيل: لا خير فيهم (٥)، من قولهم: أرض بور، وهي المتعطلة التي لا نبات فيها ولا خير، وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع. وقيل: بور جمع باير كحايل وحول (٦). ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ الجمهور على أنه خطاب للعابدين، والمعنى: كذبوكم فيما تدعون من قولكم ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨] بقولهم ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٧). وقيل: ﴿كَذَّبُوكُمْ﴾ نسبوكم إلى الكذب بسبب ما تقولون أنهم دعوكم إلى عبادتهم.

стр. 1765

وذهب بعضهم إلى أن هذا خطاب للنبي ﷺ والمؤمنين إلى الكفار كذبوكم بما تقولون من التوحيد ونبوة محمد ﷺ وسائر الأنبياء ﵈ (١). ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: المعبودون. ﴿صَرْفًا﴾ دفعاً للعذاب عنكم. ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ ينصرونكم، من قرأ بالتاء (٢) فهو خطاب للعابدين أي: فلا يستطيعون أنتم انصرافاً إلى غير ما ادعوا ولا نصراً من آلهتكم حين كذبوكم. وقيل: صرفاً حيلة (٣). وقيل: دية (٤)، وعلى القول الثاني فما يستطيع هؤلاء الكفار لك يا محمد صرفاً عن الحق الذي أنت عليه ولا نصراً لأنفسهم من البلاء الذي استوجبوه بتكذيبهم إياك. ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ بالكفر، وقيل: أيّ ظلم كان (٥)، والخطاب عام. ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وهو الخلود في النار. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: وما أرسلنا أحداً. ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾ فيها أقوال: أحدها: إلا هم، و (إن) زيادة، وقيل: إلا قيل أنهم، وقيل: إلا من أنهم، وهذا غير جائز عند البصريين لأنه لا يجوز حذف الموصول وإقامة الصلة مقامه، ويحتمل: إلا رسلاً إنهم ليأكلون الطعام، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه (٦).

стр. 1766

﴿ليأكلون الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي: لِطَلَبِ المعاش هذا تسلية للنبي ﷺ على قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] أي: كل الرسل هذه حالتهم. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ كل الناس مبتلى بعضهم ببعض الفقير بالغني، والمريض بالصحيح، والفتنة: البلية، والفتنة الاختبار. ابن عيسى: الفتنة: شدة في التعبد يظهر بها ما في العبد من خير أو شر (١). وقيل: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ أي: الأنبياء لبعض الأمم ﴿فِتْنَةً﴾ محنة (٢). ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ قيل: تقديره: أتصبرون أم لا تصبرون (٣). وقيل: استفهام بمعنى الأمر، أي: اصبروا (٤). وقيل: أتصبرون على هذا فيكون لكم الجنة (٥). ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عالماً بما يكون منكم، وقيل: نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ حين قالت قريش: انظروا إلى أصحاب رسول الله هم موالينا وعبيدنا (٦). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يطمعون في الثواب على الأعمال، والرَّجَاء: ترقب الخير، ورجا، ورَجِيَ، وارتجى بمعنى، ورجَيْتُ غيري في كذا. وقيل: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون لقاء الله لأنهم لا يؤمنون بالبعث، يعني: أهل مكة (٧). ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبرونا بصدق ما يقوله محمد.

стр. 1767

﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ أو يظهر لنا ربنا فيقول إنه رسولي فاتبعوه. وقيل: سألوا الملائكة رسلاً بدلاً من محمد (١). ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تعظموا عن الإيمان حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة ورؤية الرب. وقيل: معناه: اجترؤوا على الله اجتراءً كثيراً في طلب الرؤية (٢). ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أفرطوا في الفساد، وقيل: العتو الخروج إلى أفحش الظلم، وفيه لغتان: العتو والعتي (٣). ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهو يوم الموت، وقيل: يوم البعث (٤)، أي: لا يرونهم بشيء يسرهم بل ينعون إليهم أنفسهم ويخبرونهم بعذاب أليم، ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بفعل مقدر أي: اذكر، أوبفعل مضمر دل عليه ﴿لَا بُشْرَى﴾ وهو يحزنون ولا ينتصب بـ ﴿يَرَوْنَ﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا يعمل فيه ﴿بُشْرَى﴾ لأن ما بُني مع لا لا يعمل فيما قبله ولأن المصدر لا يعمل فيما قبله. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ويقول الملائكة لهم: جُعل البشرى عليكم حراماً محرماً، والمحجور تأكيد. وقيل: كان في أول الدهر إذا أراد الرجل حرمان غيره شيئاً يسأله أو يطمع فيه يقول ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيعلم السائل أنه لا يريد أن يعطيه (٥).

стр. 1768

وذهب جماعة من القراء إلى أن الوقف يحسن على قوله ﴿حِجْرًا﴾، ثم قال الله ... ﴿مَحْجُورًا﴾ عليهم أن يعاذوا أو أن يجازوا (١)، (٢). وقيل: هذا من قول الكفار إذا سمعوا ﴿لَا بُشْرَى﴾ قالوا ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (٣)، وأصله الضيق عند بعضهم ومنه الحجرة لضيقها، وكل حرام ضيق، وقيل: أصله المنع، وكل حرام ممنوع، والحِجْر: العقل يمنع صاحبه من الجهل (٤). ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ عمدنا وقصدنا، وأصل قَدِمَ: رجع من سفره، وقدم إلى هذا الأمر عَجِلَ إليه عجلة الوُرَّاد من السَّفر، وقال النحاة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ كقولهم: قام يشتمني، وليس ثم قيام وإنما المعنى: قصد (٥). وقيل: هو قدوم الملائكة. وقيل: قدم أمرنا. وقيل: هو كقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] (٦). وقوله ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ يعني: الكفار. ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: خيراً تقربوا به إلى الله. ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ أي: أحبطناه لكفرهم، وفي الهباء أقوال: علي ﵁: أنه رهج الغبار (٧).

стр. 1769

ابن عباس ﵁: الماء المهراق (١). قتادة: ما ذرته الريح من يابس الورق (٢). وقيل: الرماد (٣). وقيل: هو ما يُرى في شعاع الشمس إذا طلعت في الكوة (٤)، والفعل منه هبا التراب يهبوا، وأهبيته إهباءً. ﴿مَنْثُورًا﴾ المنثور: المنبث (٥). ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ المستقر: المصدر والمكان، والمَقِيل: القيلولة ومكان القيلولة أيضاً، والآية تحتملهما، والمقيل: المَنْزِل أيضاً، والعرب تقول: قِلنا بمكان كذا أي: نزلنا، وجاء في التفاسير يقع الفراغ من الحساب قبل نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وهو الاستكنان نصف النهار، ولا نوم في الجنة ولا في النار ولكن خوطبوا بما هم يعرفونه، وإنما قال ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ولا خير ولا حُسْنَ في مقيل الكفار ومنزلهم لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. وقيل: معناه: أنهم في غاية الخير، وجاء بلفظ أفعل للمبالغة فحسب وليس المراد به المشاركة كما جاء الله أكبر، ولهذا أمثال. وقيل: خير مستقراً وأحسن مقيلاً من مستقرهم ومقيلهم في الدنيا (٦).

стр. 1770

وقيل: من مستقر الكفار ومنازلهم في الدنيا، ويحتمل خير مستقراً وأحسن مقيلاً ممن في مستقره ومقيله خير (١). وقيل: كلاهما خير وحَسَن لأن حكمة الله اقتضت ذلك، فعلى هذا يكون للتفضيل، وقيل: (أحسن) بمعنى أنفع (٢). وقيل: المستقر في الجنة، والمقيل دونها (٣). ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي: تتشقق، فحذف التاء عند بعضهم تخفيفاً وأدغم عند بعضهم (٤)، والسماء تنشقق يوم القيامة (٥) لقوله ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وهي تتشقق سماءً سماءً. قوله ﴿بِالْغَمَامِ﴾ قيل: هو الغمام الذي نراه في السماء (٦) يعني: السحاب، فيكون الباء للحال أي: متغيمة (٧). وقيل: مع الغمام، وقيل: على الغمام، وقال بعضهم: الغمام هاهنا هو الذي ذُكر في سورة البقرة ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] فهذا فوق السماء السابعة فيكون الباء بمعنى عن أي: تتشقق السماء عن الغمام لنزول الرب سبحانه والملائكة (٨)، وعن ابن عمر ﵄: يهبط الله حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور، والظلمة، والماء، فيصوت الله في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب (٩).

стр. 1771

ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه غمام زعموا في الجنة (١). الحسن: الغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة في ذلك الغمام بنسخ أعمال بني آدم ليحاسبوا في الأرض، والله أعلم وهو المسائل لهم لا يسألهم غيره (٢). وقيل: هو غمام أبيض مثل غمام بني إسرائيل (٣). ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ إذا انشقت السماء نزل منها الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، لأنها إذا انشقت فنيت ولابد للملائكة من مكان يتمكنون عليه ويقيمون فيه ولهذا ينزلهم الله إلى مكان سواها. وقرأ ابن كثير (٤) (وننزل) بنونين (الملائكة) نصب، وقرأ غيره ﴿وَنُزِّلَ﴾ لقوله ﴿تَنْزِيلًا﴾ وفي المصحف بنون واحدة (٥). ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يعني الثابت الخالص، وقيل: معنى ﴿الْحَقُّ﴾ المستحق لا ملك في ذلك اليوم غيره. ﴿وَكَانَ يَوْمًا﴾ أي: كان ذلك اليوم يوماً. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ شديداً، تقول: عَسُرَ عليه بالضم فهو عسير، وعَسِرَ بالكسر فهو عَسِر.

стр. 1772

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط (١) وأبيّ بن خلف وكانا متحابين وكان عقبة لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً ودعا إليه أشراف قومه، وكان يُكْثِر مجالسة النبي ﷺ ، فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاماً ودعا الناس ودعا رسول الله ﷺ إلى طعامه، فلما قربوا الطعام قال ﵊: "ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فأكل رسول الله ﷺ من طعامه وكان أبيّ غائباً، فلما أُخبر بقصته قال: صبأت يا عقبة. قال: لا، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له واستحييت أن يخرج من بيتي ولم يأكل فشهدت له فطعم، فقال أبي: ما أنا بالذي أرضى منك أبداً إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ عنقه ففعل عقبة ذلك، وأخذ رحم دابة فألقاها بين كتفيه، فقال ﷺ : "لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف"، فقُتل عقبة يوم بدر صبراً، وأما أبيّ فقتله النبي ﷺ يوم أحد في المبارزة، فأنزل الله فيهما هذه الآية (٢).

стр. 1773

قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه النبي ﷺ عاد بزاقه في وجهه وانشعب شعبتين فأحرق خديه وكان أثر ذلك في وجهه حتى مات (١). وروى الشعبي (٢) أمية بن خلف (٣) مكان أبي بن خلف فالظالم عقبة وفلان أبي بن خلف، والمعنى: يعض يديه، وقيل: على أنامله يوم القيامة ندماً على ما كان منه (٤). ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ محمد ﷺ . ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى النجاة، وقيل: إلى طاعة الله ورسوله (٥). وقيل: ﴿سَبِيلًا﴾ وسيلةً عند الرسول فيكون وُصْلَةً إليه (٦)، والمعنى: ليتني أجبته إلى ما دعاني إليه. ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ يا حسرتا ويا أسفا. ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يتمنى أن لا يكون بينه وبين أبيّ خُلَّة. ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾ ردني وأبعدني. ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ عن الإيمان، وقيل: عن النبي ﷺ . وقيل: عن القرآن (٧). ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ وقال بعض المفسرين: الظالم عام، وفلان كناية عن الشيطان لقوله بعده ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٨).

стр. 1774

وقيل: الظالم عام وفلان كناية عن كل من أضل غيره عن الإسلام، وذهبت الرافضة إلى أن هذا تغيير من الكاتب ولم يكن في القرآن الظالم وفلان بالكناية بل كانا اسمين صريحين من الصحابة يعنون الصديق والفاروق ﵄ ولعن مبغضيهما وخذلهم (١)، وإنما كنى عن عقبة وأبيّ فيمن ذهب إلى ذلك والله لا يستحيي من الحق ليصير اللفظ عاماً لكل ظالم اتخذ خليلاً مضلاً، و ﴿خَذُولًا﴾ مبالغة من الخذلان أي: من عادته ترك من يواليه. ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ يومئذ وقيل: في الدنيا (٢). ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ هجروه وأعرضوا عنه، وقيل: من الهُجْر أي: قالوا فيه القبيح (٣). وقيل: نسبوه إلى الهُجْر وأن محمد يهذي (٤)، وروي عن النبي ﷺ "من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يارب عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه" (٥). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: اصبر على عداوتهم إياك وأنذرهم وتأس بمن كان قبلك من الأنبياء فقد جعلنا لكل نبي عدواً فصبروا.

стр. 1775

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ فهو يكفيك معرة من يعاديك، ويهديك إلى الرشاد وينصرك على أعدائك نصراً عزيزاً (١)، وقيل (٢): ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ للمؤمنين إلى الدين، وكفى به ناصراً على أعدائهم (٣). وقيل: ليس فوق كفاية الله وهدايته ونصرته كفاية ولا نصرة ولا هداية (٤). ابن عيسى: أي: كما جعلنا النبي يعادي المجرم مدحاً له وتعظيماً جعلنا المجرم يعادي النبي ذماً له وتحقيراً (٥)، والباء في ﴿بِرَبِّكَ﴾ داخل على الفاعل، و ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ حال، وقيل: تمييز (٦). قيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: أعدى قريش لرسول الله ﷺ بنو أمية وبنو المغيرة فعزى الله نبيه بذلك (٧). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾ هلا. ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ دفعة واحدة كالتوراة والزبور والإنجيل. ابن عباس ﵄: قاله كفار قريش. وقيل: قالته اليهود (٨). ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه متفرقاً لنثبته في قلبك، وكان النبي ﷺ أُمِّياً ولو أتاه مرة واحدة لشق عليه حفظه وجاز عليه السهو والنسيان فَفُرِّق ليكون أوعى له وأعلق بحفظه، وكان موسى يكتب فيقرأ.

стр. 1776

وقيل: لنثبت به فؤادك باتصال الوحي في كل وقت (١)، وقال جماعة من المفسرين ﴿كَذَلِكَ﴾ متصل بالكلام الأول على تقدير جملة واحدة، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كسائر كتب الله فأُجيبوا بقوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه متفرقاً لنثبت به، ويحتمل ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ لنثبت به، وقيل: اللام لام القسم، والتقدير: والله لنثبتن، فلما حذف النون كسر اللام وهذا مذهب أبي حاتم (٢) وقد سبق، وقيل: فُرِّقَ لأن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً وذانك لا يجتمعان لأن أحدهما يوجب العمل بشيء والآخر يوجب ترك العمل به، ولأن في القرآن أجوبة لهم والجواب لا يتقدم السؤال. ومعنى ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ جعلنا بين إنزاله فُرَجاً شيئاً بعد شيء زماناً ليس بالكثير، من قولهم: ثغر مرتل أي: مفلج الأسنان. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ على هذا القول لا تعجل في قراءته بل تثبت فيها، ويأتي في موضعه إن شاء الله. وقيل: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ فصلناه تفصيلاً، وقيل: بيناه تبييناً (٣). وقيل: فسرناه تفسيراً (٤). ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: لا يضربون لك مثلاً إلا جئناك بما ترد به الذي جاءوا به من الأمثال وأحسن مما جاءوا به من الأمثال بياناً وتفصيلاً، وقيل: لا يأتونك بمثلٍ مثل ما قالوا في عيسى كيف خُلق من غير أب فقال ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩].

стр. 1777

وقيل: ولا يأتونك بشبهة في إبطال أمرك إلا جئناك بالحق الذي يدحض شبهة أهل الجهل ويبطل كلام أهل الزيغ وأحسن تفسيراً من مثلهم، وحذف من مثلهم لدلالة الحال عليه (١)، وأراد بالمَثَل ما قالوا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وقد ذكرنا الحكمة. قال: الحسن: تقدير ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ لكيلا يأتوك بمثل إلا أجبنا عنك وجئناك بالحق وأحسن تفسيراً (٢). ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ هذه متصلة بقوله ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وروي في حديث مرفوع أن النبي ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طبقات؛ فبعضهم يكونون رُكباناً على الدواب، وبعضهم يمشون على أقدامهم، وبعضهم يمشون على وجوههم، فقيل له: يا رسول الله فكيف يمشون على وجوههم؟ فقال ﷺ : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" (٣). وقيل: يُجرون ويسحبون (٤). وقيل: هو من قول العرب: مَرَّ فلان على وجهه، إذا لم يدر أين ذهب، فيكون كقوله

стр. 1778

﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] لا يتجه لجهة واحدة (١)، وقوله ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: من المؤمنين في الدنيا، ويحتمل شر مكاناً ممن في مكانه شر؛ إذ ليس في مكان المؤمنين شر، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عن الصواب في الدنيا. ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: كما آتينا محمداً ﷺ القرآن آتينا موسى التوراة. ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾ أي: وأرسلنا معه. ﴿أَخَاهُ هَارُونَ﴾ عطف بيان أو بدل. ﴿وَزِيرًا﴾ فعيل بمعنى مفاعل كنديم وأكيل، وقد سبق، قال: وكان أخي ركني وكان مؤازري ... ففارقني ركني ومات وزيري (٢). أي: مؤازري ومعيني. ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ يعني: قبطاً قوم فرعون. ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: فذهبا إلى القوم فلم يؤمنوا بهما، ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ فأهلكناهم أشد الإهلاك، وأصله كسر الشيء على وجهٍ لا يَقْبَلُ بعده إصلاحاً، والدمار: الاستئصال بالهلاك، والدُّمور: الدخول بالمكروه. ابن عيسى: التدمير الإهلاك بأمر عجيب (٣). ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي: أهلكنا قوم نوح، وقيل: هو عطف على (دمرناهم)، وقيل: نصب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ كما تقول زيداً ضربته. ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يعني: نوحاً وإدريس وآدم، وقيل: جمع لأن من كذب رسولاً فقد كذب الرسل (٤). وقيل: الرسل: نوح، والملائكة الذين كانوا يأتونه بالوحي (٥).

стр. 1779

وقيل: أخبرهم نوح بمجيء الرسل فأنكروا بعث الرسل أصلاً (١). ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم بالماء. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً﴾ عبرة. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ هيئنا. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ للكافرين. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ هو النار. ﴿وَعَادًا﴾ وأهلكنا عاداً وهم قوم هود. ﴿وَثَمُودَ﴾ أصحاب صالح. ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ اختلفوا في أصحاب الرَّس، والرَّس: البئر أول ما تحفر قبل أن تُطوى، ورَسَّ المكان: حفره، وكل محفور رس، وجاء في القصص أنهم قوم شعيب أهل مدين. وهب بن منبة: كانوا أهل بئر قعوداً عليها وأصحاب مواش يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم شعيباً يدعوهم إلى الإسلام فكفرا به فبينا هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر فانخسفت بهم فهلكوا. (٢) قتادة: الرَّس: بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فأهلكوا (٣). وقيل: هم بقية ثمود، والرَّس هي التي في قوله ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥] (٤).

стр. 1780

سعيد بن جبير: كان لأهل الرس نبي يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له: دمخ (١)، مَصْعَدُه في السماء ميل، وكان عليه من الطير ما شاء الله ثم ظهرت طير كأعظم ما يكون من الطير فيها من كل طير لون وسَمَّوْها عَنْقَاء لطول عُنُقِها، وكانت تَنْقَضُّ على الطير تأكلها فجاعت يوماً فأعوزته الطير فانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغرب لأنها أغربت بما أخذته فذهبت به، ثم إنها انقضت على جارية ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين فطارت بها، فشكوا إلى نبيهم فقال: " اللهم خذها واقطع نسلها"، فأصابتها صاعقة فاحترقت ولم يُر لها أثر فضربتها العرب مثلاً في أشعارها، ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكهم الله (٢). قال أبو عبيدة: الرَّس: المَعْدَن (٣). وقيل: الرَّس ما بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت (٤). ابن عباس ﵄: بئر بأذربيجان (٥). وقيل: بئر قُتل فيها صاحب يس بأنطاكية، وصاحب يس حبيب النجار (٦). وقيل: قوم بعث الله إليهم أنبياء فقتلوهم ورسوا عظامهم في بئر لهم، فمساهم الله أصحاب الرَّس (٧).

стр. 1781

وقيل: هم قوم كذبوا نبياً أتاهم فحبسوه في بئر ووضعوا على رأس البئر صخرة عظيمة لا يقدر على حملها إلا جماعة من الناس، وقد كان آمن به من بين الجميع عبداً أسود، وكان العبد يأتي الجبل ويحتطب على ظهره ويبيع الحزمة ويشتري بثمنها طعاماً ثم يأتي به البئر فيلقي إليه الطعام من خروق الصخرة فكان على ذلك سنين ثم إن الله تعالى أهلك القوم وأرسل ملكاً فرفع الحجر وأخرج النبي من البئر، وقيل: بل الأسود عالج الصخرة فقواه الله لرفعها فرفعها وألقى حبلاً إليه واستخرجه من البئر، فأوحى الله إلى ذلك النبي أنه يكون رفيقه في الجنة، وعن النبي ﷺ أنه قال": إن أول الناس دخولاً في الجنة لعبد أسود يريد هذا العبد" (١). وقيل: قوم ألقوا نبيهم في البئر وأرسلوا عليه التراب فرسوه بالتراب أي: دَسُّوه (٢). وقيل: قوم أُرسل إليهم نبي فأكلوه (٣). محمد بن مروان (٤): كان قوم نسائهم ساحقات (٥). وقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد، حكاه القفال (٦).

стр. 1782

وقيل: هو اسم أعجمي (١)، وقد أطنب الثعلبي في قصة أصاب الرس وهذا كاف والله أعلم بهم (٢). ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ وأهلكنا أمماً بين هذه الأمم كثيراً لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم الرسل فكذبوهم فأهلكوا، والقرون: أهل كل عصر، وقيل: أهل القرون (٣)، والقرون الأزمنة والأول أولى. ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: لم نهلك أمة إلا بعد بلاغ واحتجاج وضرب أمثال بوصف الأشباه من الأمم التي كانت قبلهم فأهلكوا بتكذيب الأنبياء، ﴿وَكُلًّا﴾ منصوباً بفعل مقدر أي: أنذرنا كلاً، وقيل: تقديره: وضربنا كلَّ الأمثال (٤). (له) لمحمد ﷺ . ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ بعد أن ضربنا الأمثال وأعذرنا إليهم، والتتبير: التقطيع، ومنه التبر لدقاق الذهب (٥). ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مروا بها وهي قريات قوم لوط، وسدوم اسم أعظمها جعلها الله أعاليها أسافلها وأمطرهم حجارة عند الجمهور. مجاهد: أمطرت كبريتاً وناراً (٦). و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ البلاء، ومطر يستعمل في الخير، وأمطر في الشر. قال الأخفش: هما لغتان (٧)، والضمير في ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ لأهل مكة.

стр. 1783

﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ أما شاهدوا ذلك بأبصارهم فكيف لم يتعظوا ولم ينزجروا عن كفرهم بك. ﴿بل كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أي: حملهم على الكفر والمعاصي إنكارهم البعث، ومعنى ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يأملون الثواب، وقيل: لا يخافون العقاب (١). وقيل: لا يظنون (٢). ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: إذا أبصرك مشركوا قريش ما يتخذونك إلا هزواً، وهو الذي يهزأ منه كالسُّخْرة لما يسخر منه، والضُّحْكة لما يضحك منه. ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: هذا الذي يزعم أنه بعثه الله إلينا رسولاً، قالوه إنكاراً واستصغاراً لقدره، وقيل: نزلت في أبي جهل (٣). ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا﴾ يصرفنا بسحره وطلاوة كلامه عن الآلهة و (أن) هي المخففة من المثقلة، واللام لام الفرق، والمعنى: قارب إضلالنا بصرفه إيانا عن دين معبودينا. ﴿لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ لتم له كيده، وجواب (لولا) محذوف دل عليه أول الكلام، وقيل: كاد من الكيد، وهو عمل في خُفية. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أجابهم الله وقال إنما يظهر المحق من المبطل عند رؤية العذاب يوم القيامة من أضل سبيلاً أنت أم هم (٤)، ووصف (٥) السبيل بالضلال مجازاً والمراد سالكوها.

стр. 1784

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ استفهام تعجيب، وذلك أن المشرك إذا رأى شيئاً أعجبه من حجر أو شجر اتخذه معبوداً فكأنه يتخذه إلهاً بهواه، نزلت في الحارث بن قيس (١) كان إذا هوى شيئاً عبده (٢). وقيل: اتخذ هواه آلهة فلا يهوى شيئاً إلا ركبه ولا يشهي شيئاً إلا أتاه والمعنى يتخذ ما يهواه آلهة والهوى ميل القلب إلى الشيء (٣). ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ حفيظاً يمنعه عن ذلك، وقيل: كفيلاً بهداه مع اتباعه الهوى (٤). وقيل: نصيراً (٥). وقيل: مسيطراً (٦)، وليس هذا نهياً عن دعائه إياهم بل إعلام أنه قد قضى ما عليه من الإنذار والإعذار. ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: أم تتوهم أن أكثر هؤلاء يعملون عمل من يسمع، أو يعملون عمل من يعقل شيئاً فأنت بهذا مشغول القلب لإصرارهم على كفرهم فلا تهتم بشأنهم، وإنما قال ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ لأن فيهم من آمن. ﴿إِنْ هُمْ﴾ ما هم. ﴿إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ في ركوبها رؤوسها غير مفكر في عاقبة.

стр. 1785

﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ لأنها إن لم تعتقد صحة التوحيد فلا تعتقد بطلانه، وقيل: البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها وهؤلاء لا يهتدون لمنافعهم ولا يطيعون ربهم (١). وقيل: البهيمة تعرف ربها وتذكره، والكافر لا يعرف ربه ولا يذكره (٢)، (٣). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قيل: ألم تعلم، ومفعولاه مقدران، أي: أما علمت ربك ماداً الظل (٤)، وقيل: ألم تعلم أن الله هو مد الظل. وقيل: ألم تنظر إلى صنع ربك (٥). وقيل: ألم تر إلى الظل كيف مده الله (٦). وقيل: ألم تر إلى مد الله الظل (٧)، ومعنى ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ بسطه، وفي ﴿الظِّلَّ﴾ هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس مثل ظل الجنة ظل ظل ممدود لا شمس فيه ولا ظلمة، وهذا قول الجمهور. والثاني: هو الليل لأنه ظل الأرض ويعم الدنيا كلها. والثالث: ظلال الأشياء كلها من قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية [النحل: ٤٨]. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ثابتاً دائماً من السكنى لا من السَّكن (٨)، فإن الظل ساكن غير متحرك. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ﴾ على الظل. ﴿دَلِيلًا﴾ ولولا الشمس ما عرف الظل. وقيل: دليلاً تتبعه حتى تأتي عليه.

стр. 1786

ابن عيسى: الظل يتبع الشمس في طوله وقصره إذا ارتفعت أو انحطت ولو شاء لجعله ساكناً لوقوف الشمس (١). وقيل: جعلنا الشمس مع الظل دليلاً على وحدانية الله سبحانه، وقيل: دليلاً على أوقات الصلاة (٢). ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: الظل، أي: ضممناه بطلوع الشمس، وقيل: بغروبها (٣). ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قيل: سهلاً هيناً (٤). وقيل: قليلاً قليلاً (٥). وقيل: خفياً (٦).

стр. 1787

وقيل: سريعاً (١)، وكلها قريب لأنه يزول الظل بطلوع الشمس أو بغروبها على القولين جزءً فجزءً، ويحتمل والله أعلم ثم قبضاه أي: الدليل وهو الشمس ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ بالأُفول، ويكون المعنى: ألم تر إلى ربك كيف أتى بالليل ثم لم يجعله دائماً سرمداً، ثم أتى بالشمس وهو النهار فجعله دليلاً على الليل إذ بضدها تتبين الأشياء، ولم يجعل النهار سرمداً بل قبضه وأتى بالليل ثانياً ومثله ما في القصص من الآيات (٢)، وذكر الدليل لأنه مصدر، وقيل: لأنه اسم محض، وقيل: لأنه بمعنى: مفعول، ذكره صاحب النظم، وقال: "المعنى: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، وقيل: ذهب به إلى معنى النور، وقال: هذا شاذ عن القياس كالرميم والقريب والبعيد والكثير، وكلها في القرآن والمراد بها التأنيث" (٣). ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يعني: غطاءً يستر الأشياء كما يستر اللباس. ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قطعاً لأعمالكم وراحة لأبدانكم، والسَّبْتُ: القطع، والسَّبْتُ: الاستراحة. وقيل: سبتاً مسبوتاً، تقول: سُبِتَ المريض وهو مسبوت إذا غشى عليه (٤).

стр. 1788

﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لما سمى النوم وفاة في قوله ﴿الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] سمى اليقظة نشوراً، مصدر نشر الميت. وقيل: لانتشار الناس للمعاش سماه نشوراً، أي: ذا نشور (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ أثارها سهلة، من جمع فلأنها أربع ومن وحَّدَ فإن الألف واللام فيها للجنس. ﴿بُشْرًا﴾ من البشارة، كقوله ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي: تهب من كل صوب من قوله ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣] وقيل لها نشر أي: رائحة طيبة. وقيل: من نشرت ضد الطي أي ينشر السحاب (٢). ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمام المطر وقدامه لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ من جانب السماء، وقيل: من السحاب (٣). وقيل: من عين السماء (٤). ﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿طَهُورًا﴾ طاهراً وبناء فعول للمبالغة وإن كان اسم الفاعل متعدياً فالفعول متعدٍ وإن كان لازماً فلازمٌ قياساً مطرداً لا ينكسر. وقيل: الطهور اسم لما يتطهر به كالفطور لما يفطر عليه، والسحور ولما يتسحر به، وكل شيء نجس يطهره الماء ولا يطهر الماء إذا نجس شيء (٥). وقيل: يطهر الأرض من الجدب، لأن الجدب ميتة فكأنها في التمثيل نجسة، حكاه القفال (٦).

стр. 1789

﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: أنزلناه لننبت به أرضاً لا نبات فيها فذلك حياتها وموتها. وقيل: لما نبت فيها ما فيه حياة الحيوان جعل ذلك حياة لها (١). ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي: ونسقي الماء البهائم والناس (٢)، وقيل: مَكَّنَّاهم من أن يشربوه ويسقوا منه أنعامهم، وأدخل (من) لأن من الحيوان ما يعيش بغير الماء، وقد سبق في قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال (٣) ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ ولم يقل مطلقاً لأنه ليس كل الناس يعيش على المطر، ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ جمع إنسي، وقيل: جمع إنسان فقلب النون ياء وأدغم في الياء (٤)، وماء أصله ماه فقلب الهاء همزة بدليل الجمع مياه. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ التصريف: تصيير الشيء دائراً في الجهات، وأكثر المفسرين على أن الهاء يعود إلى المطر، أي: قسمنا ماء السماء بين العباد فمطرنا قوماً أكثر وقوماً أقل، وعن ابن عباس وقيل: عن ابن مسعود ﵄: ما عام (٥) بأكثر مطراً من عام ولكن الله يصرفه بين خلقه، وقرأ (ولقد صرفناه بينهم) (٦). وقيل: صرفناه في جهات الأرض (٧).

стр. 1790

وقيل: صرفناه بأنواعه وابلاً، وطلاً، وجللاً (١)، وطشاً، ورذاذاً (٢). وقيل: الهاء يعود إلى القرآن، وقيل: يعود إلى جميع ما تقدم (٣). ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ليتفكروا فلا يكونوا غافلين. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ أي: فأَصَرَّ ودام على الكفر والعصيان. وقيل: نسبوا المطر إلى الأنواء فقالوا: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا (٤). ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أي: في كل مِصْر ومدينة نبياً ينذرهم لكنا لم نفعل بل جعلناك النذير للجميع فاشكر وجاهدهم. وقيل: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً فيخف عنك أعباء النبوة ولكن لم نفعل ليعظم شأنك ويكبر أجرك (٥). ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ في هواهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن، وقيل: بالإسلام (٦)، وقيل: بالسيف (٧). ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطه فتور. الحسن: أقتلهم أو يسلموا (٨). ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلط، وأمر مريج: مختلط، وقيل: مَرَجَ: ترك وأرسل، ومَرَجْتَ دابتك: خَلَّيْتَها، ومنه المرج. ابن عباس ﵄: خلع أحدهما على الآخر (٩).
следующие страницы →