← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ابن عيسى: الظل يتبع الشمس في طوله وقصره إذا ارتفعت أو انحطت ولو شاء لجعله ساكناً لوقوف الشمس (١). وقيل: جعلنا الشمس مع الظل دليلاً على وحدانية الله سبحانه، وقيل: دليلاً على أوقات الصلاة (٢). ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: الظل، أي: ضممناه بطلوع الشمس، وقيل: بغروبها (٣). ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قيل: سهلاً هيناً (٤). وقيل: قليلاً قليلاً (٥). وقيل: خفياً (٦).

стр. 1787

وقيل: سريعاً (١)، وكلها قريب لأنه يزول الظل بطلوع الشمس أو بغروبها على القولين جزءً فجزءً، ويحتمل والله أعلم ثم قبضاه أي: الدليل وهو الشمس ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ بالأُفول، ويكون المعنى: ألم تر إلى ربك كيف أتى بالليل ثم لم يجعله دائماً سرمداً، ثم أتى بالشمس وهو النهار فجعله دليلاً على الليل إذ بضدها تتبين الأشياء، ولم يجعل النهار سرمداً بل قبضه وأتى بالليل ثانياً ومثله ما في القصص من الآيات (٢)، وذكر الدليل لأنه مصدر، وقيل: لأنه اسم محض، وقيل: لأنه بمعنى: مفعول، ذكره صاحب النظم، وقال: "المعنى: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، وقيل: ذهب به إلى معنى النور، وقال: هذا شاذ عن القياس كالرميم والقريب والبعيد والكثير، وكلها في القرآن والمراد بها التأنيث" (٣). ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يعني: غطاءً يستر الأشياء كما يستر اللباس. ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قطعاً لأعمالكم وراحة لأبدانكم، والسَّبْتُ: القطع، والسَّبْتُ: الاستراحة. وقيل: سبتاً مسبوتاً، تقول: سُبِتَ المريض وهو مسبوت إذا غشى عليه (٤).

стр. 1788

﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ لما سمى النوم وفاة في قوله ﴿الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] سمى اليقظة نشوراً، مصدر نشر الميت. وقيل: لانتشار الناس للمعاش سماه نشوراً، أي: ذا نشور (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ أثارها سهلة، من جمع فلأنها أربع ومن وحَّدَ فإن الألف واللام فيها للجنس. ﴿بُشْرًا﴾ من البشارة، كقوله ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي: تهب من كل صوب من قوله ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣] وقيل لها نشر أي: رائحة طيبة. وقيل: من نشرت ضد الطي أي ينشر السحاب (٢). ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمام المطر وقدامه لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ من جانب السماء، وقيل: من السحاب (٣). وقيل: من عين السماء (٤). ﴿مَاءً﴾ مطراً. ﴿طَهُورًا﴾ طاهراً وبناء فعول للمبالغة وإن كان اسم الفاعل متعدياً فالفعول متعدٍ وإن كان لازماً فلازمٌ قياساً مطرداً لا ينكسر. وقيل: الطهور اسم لما يتطهر به كالفطور لما يفطر عليه، والسحور ولما يتسحر به، وكل شيء نجس يطهره الماء ولا يطهر الماء إذا نجس شيء (٥). وقيل: يطهر الأرض من الجدب، لأن الجدب ميتة فكأنها في التمثيل نجسة، حكاه القفال (٦).

стр. 1789

﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: أنزلناه لننبت به أرضاً لا نبات فيها فذلك حياتها وموتها. وقيل: لما نبت فيها ما فيه حياة الحيوان جعل ذلك حياة لها (١). ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ أي: ونسقي الماء البهائم والناس (٢)، وقيل: مَكَّنَّاهم من أن يشربوه ويسقوا منه أنعامهم، وأدخل (من) لأن من الحيوان ما يعيش بغير الماء، وقد سبق في قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال (٣) ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ ولم يقل مطلقاً لأنه ليس كل الناس يعيش على المطر، ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ جمع إنسي، وقيل: جمع إنسان فقلب النون ياء وأدغم في الياء (٤)، وماء أصله ماه فقلب الهاء همزة بدليل الجمع مياه. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ التصريف: تصيير الشيء دائراً في الجهات، وأكثر المفسرين على أن الهاء يعود إلى المطر، أي: قسمنا ماء السماء بين العباد فمطرنا قوماً أكثر وقوماً أقل، وعن ابن عباس وقيل: عن ابن مسعود ﵄: ما عام (٥) بأكثر مطراً من عام ولكن الله يصرفه بين خلقه، وقرأ (ولقد صرفناه بينهم) (٦). وقيل: صرفناه في جهات الأرض (٧).

стр. 1790

وقيل: صرفناه بأنواعه وابلاً، وطلاً، وجللاً (١)، وطشاً، ورذاذاً (٢). وقيل: الهاء يعود إلى القرآن، وقيل: يعود إلى جميع ما تقدم (٣). ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ليتفكروا فلا يكونوا غافلين. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ أي: فأَصَرَّ ودام على الكفر والعصيان. وقيل: نسبوا المطر إلى الأنواء فقالوا: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا (٤). ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أي: في كل مِصْر ومدينة نبياً ينذرهم لكنا لم نفعل بل جعلناك النذير للجميع فاشكر وجاهدهم. وقيل: ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً فيخف عنك أعباء النبوة ولكن لم نفعل ليعظم شأنك ويكبر أجرك (٥). ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ في هواهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن، وقيل: بالإسلام (٦)، وقيل: بالسيف (٧). ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطه فتور. الحسن: أقتلهم أو يسلموا (٨). ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلط، وأمر مريج: مختلط، وقيل: مَرَجَ: ترك وأرسل، ومَرَجْتَ دابتك: خَلَّيْتَها، ومنه المرج. ابن عباس ﵄: خلع أحدهما على الآخر (٩).

стр. 1791

مجاهد: أفاض أحدهما في الآخر (١)، والبحران هو الماء العذب الفرات الذي بلغ الغاية في العذوبة والاستلذاذ، والمصدر الفروتة، والماء الأجاج: الملح بلغ النهاية، ويقال: المُرّ، ويقال: الحارُّ من أجيج النار يجتمعان في موضع واحد فلا يبغى أحدهما على الآخر، ولا يفسد أحدهما طعم الآخر وهو قوله ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ من قدرته يلتقيان فلا يختلطان، وقال بعضهم: البحر كل نهر عظيم، والعذب جيحان، وسيحان، ودجلة، والفرات، والنيل، والملح سائر البحار، والبرزخ بينهما البلاد والقفار فلا يختلطان فإذا كان يوم القيامة اختلطا بزوال الحاجز كقوله ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]. وقيل: البرزخ: مُدّة ما بين الدنيا والآخرة فإذا انقضت الدنيا اختلطا (٢). قوله ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: حداً محدوداً. الفراء: حراماً محرماً أن يغلب أحدهما على صاحبه (٣). وقيل: البحران: بحر السماء والأرض (٤). وقيل: بحر فارس وبحر الروم (٥)، والوجه الأول. وقيل: البحرين اسم الملح دون العذب، وثني كالعمرين والقمرين (٦). ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ خلق من النطفة إنساناً، والبشر واحد. وقيل: المراد بنو آدم، والبشر جمع خُلقوا من نطفة آدم، وقيل: المراد آدم، وآدم خلق من الطين، والطين ماء وتراب، وقيل: أصل كل شيء الماء والتراب خلق من الماء، وقد سبق.

стр. 1792

وقيل: خلق الحيوان من الماء والتراب والهواء والنار وليس إذا قال خلق من الماء امتنع أن يكون معه شيء آخر (١). ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ الهاء يعود إلى الماء، وقيل: إلى البشر، قال بعض المفسرين: النسب: ما لا يحل نكاحه، والصهر: ما يحل من القرابة وغير ذلك (٢). وقيل: النسب البنون، والصهر: البنات لأن من قبلهن تكون الأصهار (٣)، والصهر المتزوج بابنة الرجل. وقيل: النسب سبع وهي من قوله (٤) ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ والصهر خمس من قوله ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (٥). وقيل: النسب آدم، والصهر: حواء (٦). ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ قادراً على الكمال. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ يعني: الأصنام. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ نزلت في أبي جهل (٧) فصارت عامَّاً في الكفار (٨)، وفي معناه أقوال: أحدها: معيناً لأعداء الله وللشيطان على معصية الله، فيكون الرب في الآية الله سبحانه. وقيل: أولياء ربه أي: يعين على معاداتهم (٩). وقيل: على معصية ربه (١٠).

стр. 1793

وقيل: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ أي: الصنم يعمل به ما يشاء من كَسْرٍ، وحَرْقٍ، وصَوْغٍ على شكل ثم على شكل غير الأول، من قولهم: بعير ظهير وناقة ظهيرة أي: قوي (١). وقيل: بربه ظهيراً، أي: يتقوى به بزعمه، فيكون (على) بمعنى الباء (٢). وقيل: على الله ظهيراً باطلاً من قوله ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]، وظهر بحاجته إذا تركها ونبذها وراء ظهره (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد. ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين. ﴿وَنَذِيرًا﴾ منذراً للكافرين. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على تبليغ الرسالة، وقيل: على التبشير (٤). ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ رزق وجُعْل. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ الاستثناء منقطع عند الجمهور أي: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل (٥). وقيل: لكن من أنفق في سبيل الله ومجاهدة أعداء الله نفعه (٦). وقيل: الاستثناء متصل، وتقديره: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا اتخاذ المدعو سبيلاً إلى ربه بطاعته فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه (٧). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ فَوِّض أمرك إليه وثِقْ به فإنه حي لا يموت وسينتقم منهم ولو بعد حين. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ نَزِّهْه عما لا يليق به وبأوصافه.

стр. 1794

وقيل: سبح بأن تحمده. وقيل: الباء للحال، أي: سبحه حامداً. وقيل: أحمد منزهاً (١). وقيل: صَلِّ له حامداً (٢). ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ كفى بالله خبيراً بذنوب عباده أي عالماً بها لا يخفى عليه شيء منها. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مضى الكلام فيه وكذلك (٣) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ أي: هو الرحمن، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي﴾ مبتدأ، و ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبره، ويجوز أن يكون وصفاً له، ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٤) خبره، ويجوز أن نقف على ﴿أَيَّامٍ﴾ ويرتفع ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بقوله ﴿اسْتَوَى﴾، ويجوز أن يرتفع بالابتداء ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ خبره، وعلى مذهب الأخفش فيكون الفاء زيادة (٥)، وقوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قيل: الهاء عائد إلى الخلق وذلك أن اليهود وصفوا خلق السموات والأرض على خلاف ما خلق الله، والتقدير: فسئل الرحمن خبيراً به فإنه خالقه ومكونه، وقيل: ﴿خَبِيرًا﴾ مفعول، والتقدير: فسئل خبيراً به، فيجوز أن يكون هو الرحمن كالوجه الأول، ويجوز أن يكون غيره كقوله ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤] فيكون الخطاب للنبي ﵊ والمراد به غيره، وقيل: الباء من صلة السؤال بمعنى عن كقوله ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقال الشاعر:

стр. 1795

فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب (١). و﴿خَبِيرًا﴾ جاز أن يكون لله وجاز لغيره على ما سبق، وقيل: (به) يعود إلى الله، وقيل: إلى الاستواء فيمن جعل الرحمن رفعاً به، وقيل: السؤال بمعنى الطلب كقوله ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١]، والهاء يعود إلى الله و ﴿خَبِيرًا﴾ حال من الهاء أي: اطلب ما تطلب بالله الخبير. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ إذا قال محمد ﷺ للمشركين. ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ فيه أربعة أقوال: أحدها: وهو قول كثير من المفسرين أنهم قالوا لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب ﴿أَنَسْجُدُ﴾ لمسيلمة. والثاني: لا نعرف الرحمن فنسجد له أنسجد ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ يا محمد (٢) من غير علم منا به. والثالث: أنهم كانوا يعرفون هذا الاسم وأنه للمبالغة في الرحمة (٣)، ووجهه أن يُجعل هذا حكاية عن المجوس والصابئين. والرابع: أن هذا الاسم لم يكن معروفاً عند العرب وأنه عبراني في الأصل فلما دُعوا إلى سجدته سألوا عنه مسألة الجاهل بالشيء، ويحتمل تأويلين آخرين: أحدهما: أنهم أنكروا الأوصاف إنكار الفلاسفة لها. والثاني: أنكروا الجمع بين اسمين علمين لمسمى واحد، والله أعلم. ومن قرأ بالتاء فمعناه: أنسجد لما تأمرنا أنت يا محمد (٤)، وفي (ما) وجهان: أحدهما: للمصدر، أي: لأمره ولأمرك. والثاني: بمعنى الذي فيكون تقديره: الذي تأمرنا به.

стр. 1796

﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ أي: زادهم قول ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ نفوراً عن الإيمان إذ كانوا لا يعرفون الرحمن. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قيل: قصوراً (١). وقيل: نجوماً كباراً (٢). وقيل: هي البروج المعروفة (٣)، وهي اثنا عشر برجاً: الحَمَل، والثَّوْر، والجَوْزاء، والسَّرَطان، والأسد، والسُّنْبُلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدي، والدلو، والحوت، وفيها تسير الشمس والقمر والنجوم الخمسة السيارات وهي: كواكب سميت كل عدة منها باسم من هذه الأسماء لضرب من التشبيه بينها وبين ذلك الحيوان وغيرها. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ قيل: في السماء. وقيل: في البروج فيمن جعل البروج النجوم، أي: في جملتها (٤). ﴿سِرَاجًا﴾ أي: الشمس كقوله ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]، ومن قرأ بالجمع أراد بها النجوم أو عبّر عن الشمس بلفظ الجمع (٥). ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئاً بالليل، والهلال بعد ثلاث قمر لابيضاض الأرض به، والأَقْمَر: الأبيض.

стр. 1797

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ الخِلْفَة: مصدر بمعنى الاختلاف أي: مختلفين إلى الخلق تجيء هذا حيناً وهذا حيناً (١). وقيل: خلفة مختلفين في اللون (٢). وقيل: ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف كل واحد منهما صاحبه، وفيه توسعة على العباد في نوافل العبادات والطاعات (٣). وقيل: خلفة النهار يخلف عن نهار والليل يخلف عن ليل (٤). وقيل: خلفة في الزيادة والنقصان يتعاقبان حثيثين إلى أجل مسمى، حكاها القفال (٥). ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ يتعظ ويذكر الله. ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ شكر نعم الله المذكورة في الآية. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ هذه إضافة تفضيل وإن كان الكفار عباده. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الذين يستحقون هذه التسمية كما تقول هذا البار ابني لا هذا العاق. وقيل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الذين يرضاهم ويحمدهم.

стр. 1798

ابن بحر: عباد هاهنا جمع عابد كصاحب صحاب، وتاجر وتجار، وراجل ورجال (١)، أي: الذي يعبدونه حق عبادته الذين أي هم الذين يمشون فيمن جعله خبر المبتدأ، ومن جعل خبر المبتدأ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ جعل الذين يمشون وما بعده وصفاً لعباد الرحمن. ومعنى ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ عند ابن عباس ﵄: حلماء علماء (٢). وقيل: أتقياء أعِفَّاء (٣). وقيل: متواضعين غير متكبرين (٤). وقيل: في لين وسكينة ووقار غير مختال فخور (٥)، والهَوْن مصدر الهين الحقير وهو نصب على الحال أي: هيِّنين ليِّنين. ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ قيل: هم الكفار (٦). وقيل: السفهاء، أي: كلموهم (٧) بما يكرهون من القول (٨). ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أجابوهم بالحسنى وصانوا أنفسهم عن مسافهتهم ومشاتمتهم، ومعنى ﴿سَلَامًا﴾ سداداً، وتقديره: قالوا قولاً سلاماً أي: يسلمون من عقباه. وقيل: سلموا سلاماً (٩).

стр. 1799

وقيل: قالوا سلاماً أي: براءة منكم برئنا من خيركم وشركم لا خير بيننا ولا شر، وهذا قول سيبويه، والآية عنده منسوخة وليس في كتاب سيبويه ذكر الناسخ والمنسوخ إلا هذا، قال: "لأن الآية مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلِّموا على المشركين ولكنه على قوله لا خير بيننا ولا شر" (١). قال المبرد: " أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة لأنه لا معنى لقوله: "ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين"، وإنما كان ينبغي أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين ثم أُمروا بحربهم، وهذا تجني من المبرد كعادته معه في مواضع من الكتاب وإنما معنى كلام سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن سلموا على المشركين بل أمروا أن يتسلموا ويتبرؤوا، ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب والله أعلم، وسلَّمَ المبرد (٢): أن الآية منسوخة (٣). ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ تلك حالهم مع الناس وهذه حالهم في الخلوة، أي: يأتي عليهم الليل وهم في الصلاة ساجدون قائمون. ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، وقيام جمع قائم ويجوز أن يكون مصدراً، وقدم السجود وأخر القيام لروي الآية وليُعلَم أن القيام في الصلاة، والمعنى: يتركون النوم لعبادة الله.

стр. 1800

عن ابن عباس ﵄: من صلى في ليلة ركعتين بعد صلاة العشاء فقد بات لربه ساجداً (١). ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِن عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي: يستعيذون الله من النار، ومعنى (غراماً) لازماً ملحاً، ومنه الغريم لملازمته وإلحاحه. وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم (٢). وقيل: غراماً بلاءً، من قوله ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦] (٣). ابن عباس ﵄: ﴿غَرَامًا﴾ مولعاً (٤). وقيل: ثقلاً عظيماً (٥). وقيل: الغرام أشد العذاب، وهو مصدر غرم غرماً وغراماً (٦). محمد بن كعب: سأل الله الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوه إليه فأغرمهم فأدخلهم النار (٧). ﴿إِنَّهَا﴾ إن جهنم. ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرار. ﴿وَمُقَامًا﴾ موضع إقامة، والمستقر دون المقام لأنه يقع على سكون الشيء عن الحركة، والإقامة بمعنى الثبات الدائم.

стр. 1801

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الإسراف: مجاوزة الحد في التوسع في الدنيا، وقيل: أسرف: أخطأ موضع النفقة، من قول العرب: مررت بكم فسرفتكم، أي: أخطأت موضعكم، والإقتار: التضييق على النفس والعيال والوجوه المندوب إليها (١). ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ القَوام: الاعتدال بين الحالين، وقيل: الإسراف: مجاوزة الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار القصور عما أمر الله به والقوام بين الأمرين والمسرف مذموم، وكذلك المقتر (٢). وروى معاذ ﵁ (٣) أنه لما نزلت هذه الآية سألت رسول الله ﷺ عن النفقة في السرف والإقتار ما هو؟ فقال ﷺ : "من منع من حق فقد قتر، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف " (٤). وقيل: الإسراف الإنفاق في معصية الله، والإقتار: منع حق الله، والقوام الاقتصاد (٥)، وهو مصدر. وقيل: القوام: العدل (٦)، وهما واحد والكسر فيه لغة ونصبه بخبر كان أي وكان الإنفاق قواماً وأجاز الكوفيون أن يكون اسم كان بين ذلك أي وسط ذلك واقتر وقتر لغتان، وفي مستقبله وجهان.

стр. 1802

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ لا يعبدون الصنم ولا يجعلون لله شريكاً. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ أي: حرم الله قتلها، وهو نفس المؤمن والمعاهد إلا بحق يبيح قتلها وهو الشرك، والزنا، وقتل النفس بغير حق، والسعي في الأرض بالفساد. وفي سبب النزول عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك"، قال: قلت ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قال: قلت ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ الآية (١) (٢). ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ عقوبة، تقول (٣) أَثِم الرجل بالكسر أذنب، وآثمه جازاه، قال الشاعر: وهل يُأثِمني الله في أن ذكرتها ... وعللت أصحابي بها ليلة النفر (٤) وقيل: جزاء الآثام، وهو القول الأول (٥). وقيل: ﴿أَثَامًا﴾ إثماً، وعن النبي ﷺ : "الآثام والغي بئران في النار" (٦). قتادة: اسم واد في جهنم (٧).

стр. 1803

وقيل: الآثام واد فيه الزناة (١). ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا يفترون فيها من العذاب طرفة عين. ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ذليلاً، وقيل: ﴿يُضَاعَفْ﴾ يجمع بين العقوبات (٢). وقيل: يُجمع بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٣)، ومن جزم جعله بدلاً من قوله ﴿يُضَاعَفْ﴾ لأن مضاعفة العذاب والخلود فيه لقي الآثام، ومن رفعها فعلى الاستئناف (٤). ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من الزنا والمعاصي، وقيل: من الشرك (٥). ﴿وَآَمَنَ﴾ بمحمد ﷺ . ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد السيئات، وقيل: بعد الإيمان والتوبة (٦)، نزلت في الوحشي (٧)

стр. 1804

قاتل حمزة ﵁ (١)، وفي سبب النزول عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: " أتى وحشي النبي ﷺ فقال: " أتيتك مستجيراً فأجرني حتى أسمع كلام الله" فقال رسول الله ﷺ : "قد كنت أحب أن أراك على غير جوار فأما إذا أتيتني مستجيراً فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله"، قال: "فإني أشركت وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت فهل يقبل الله مني توبة فصمت رسول الله ﷺ حتى أنزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ إلى آخر الآية فتلاها عليه، فقال: " أرى شرطاً فلعلي لا أعمل صالحاً في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فدعاه فتلاها عليه، قال: فلعلي ممن لا يشاء فأنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فقال: نعم الآن لا أرى شرطاً فأسلم" (٢)، وهذه الآية نزلت بالمدينة وهي ناسخة لما في النساء من قوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وقيل: هذه منسوخة بها، وقيل: هذه في المشرك، والصحيح أن هذه هي الناسخة بدليل قوله سبحانه ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] وهذا محكم بالإجماع (٣).

стр. 1805

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أي: يبدل الله بقبائح أعمالهم في الدنيا محاسن أعمالهم بالشرك إيماناً، وبالزنا إحصاناً وبالعصيان طاعة. وقيل: هي في الآخرة إذا غلبت حسناته على سيئاته فيبدل السيئات الحسنات وهو أن يمحو السيئات ويكتب مكانها حسنات (١). وقيل: يبدل عقاب سيئاته إذا تاب منها بثواب حسناته إذا انتقل إليها (٢). وقيل: السيئات عين العقاب والحسنات عين الثواب (٣). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما تقدم قبل التوبة. ﴿رَحِيمًا﴾ لما بعدها. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: من تاب وحقق التوبة بالعمل الصالح بعد التوبة فهو التائب إلى الله حق التوبة، وقيل: معناه: من نزع عن ذنوبه ورجع إلى الحق فإنما رجع إلى الله وإلى ثوابه وإحسانه، وهذا إجمال الوعد من الله للتائب (٤). وقيل: من عزم على التوبة فإنه يتوب إلى الله فليبادر إليها وليوجه بها إلى الله، وقيل: معناه: من تاب فليتب لله لا لغيره (٥)، كما قال الشاعر (٦): فما لله تاب أبو كبير ولكن ... تاب خوف سعيد زبير ويحتمل أن المعنى: من تاب من ذنوبه فإنه يتوب إلى من يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات فلا تهتم بذنوبك إذا تبت عنها إلى الله، ثم قيده بالمصدر فقال ﴿مَتَابًا﴾ تأكيداً أي: يتوب إلى الله حقاً. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الشرك والصنم، وقيل: الكذب (٧).

стр. 1806

وقيل: الغناء (١). الزجاج: أعياد النصارى (٢). وقيل: لعبة كانت في الجاهلية (٣). وقيل: لا يشهدون بالزور أي: بالكذب فحذف الجار (٤). ابن عيسى: من لا يشهد الزور هو الذي لا يشهد به لأنه لو شهد به لكان قد حضره فهو أتم في الفائدة (٥)، وقيل: النَّوْح (٦). وقيل: مجالس يعاب فيها النبي ﷺ ، وأصله تمويه الباطل حتى يوهم أنه حق وقيل: أصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته (٧). ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ اللغو: الفحش وما لا خير فيه من الكلام. ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ يُعْرِضون عنه، من قول العرب: شاة كريمة، إذا كانت عند حلبها تُعرض عن الحالب بوجهها وهو علامة لغزارتها فاستعير للصفح عن الذنب. وقيل: إذا ذكروا الفروج كنوا عنها، وإذا ذكروا النكاح كنوا عنه (٨). وقيل: اللغو ما كان يفعله المشركون من أذية المسلمين (٩). وقيل: مجالس المعاصي كلها (١٠). السدي: الآية منسوخة بآية القتال (١١).

стр. 1807

﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: قُرئ عليهم القرآن، وقيل: إذا وُعظوا (١). ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يقيموا عليها تاركين لها ترك من لا يسمع ولا يبصر بل خروا سجداً وبكياً، وقيل: لم يتغافلوا عنها (٢). وقيل: لم يخروا على المعاصي خرور من لا يبصر ولا يسمع (٣). ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: اجعل لنا أزواج خير وأولاد خير. والثاني: هب لنا من الأزواج أولاداً، يعني: أولاد الصُلب ومن ذريتنا أولاداً يعني أولاد الأولاد والأعقاب، والمعنى: لتقر أعيننا برؤيتنا إياهم على طاعة الله وطاعة رسوله، والذرية: اسم للجمع (٤) كقوم ورهط، ومن جمع فكما يجمع القوم أقواماً، واشتقاقه من الذر ومن الذرو ومن الذرء، و ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ مصدر فلهذا لم يجمع، وفي الشواذ (قرات أعين) (٥)، وقرة عند أكثرهم من القر وهو البرد لأن دمعة السرور باردة وضده سُخنة العين (٦)، (٧). وقيل: من القرار أي: يقر النظر (٨) به فلا ينظر إلى غيره (٩). وقال أبو عمرو: قرة العين النوم، أي: أنامها لأن النوم لا يأتي مع الخوف، حكاه القفال (١٠).

стр. 1808

﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يقتدى بنا في أمر الدين، ووحد لأنه مصدر أمه أماً وإماماً، وقيل: هاهنا جمع آمٍ كرعاء وتجار، وقيل: اجعل كل واحد منا إماماً. وقال بعضهم: معناه: واجعلنا نأم المتقين فنقتدي بهم، أي: اجعل المتقين إمامنا (١)، وزَيَّفَه القفال. وقيل: اجعلنا نقتدي بالمتقين ليقتدي بنا غيرنا (٢). وقيل: إماماً مثالاً (٣). وقيل: رضى، حكاه أقضى القضاة (٤). وقال (٥) القفال وجماعة من المفسرين: في الآية دليل على أن طلب الرئاسة في الدين واجب (٦). ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: الجنة، والغرفة من أسماء الجنة، وقيل: الغرفة العُلية من قوله سبحانه (٧) ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] وهي قصورها، ويقال للسماء السابعة غرفة (٨). وقيل: المراد هو العلو في الدرجات (٩). وقوله ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي بصبرهم والباء السبب أي: بسبب صبرهم، وقيل: بدل صبرهم (١٠).

стр. 1809

﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ ويتلقاهم الملائكة في الجنة بالتحية والسلام، قيل: كرر اللفظين والمعنى واحد تحسيناً للنظم وتأكيداً كقوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]. وقيل: التحية البشارة لهم بالخلود في الجنان، والسلام: السلامة فيها من الآفات (١). وقيل: تلقي بعضهم بعضاً بالتحية والسلام (٢). وقيل: يحييهم الملائكة من عند أنفسهم ويلقونهم بالسلام من ربهم (٣). وقيل: يحيون بالتحف سوى السلام ومع ذلك بالسلام (٤). وقيل: تحية ملكاً وسلاماً سلامة (٥)، ومعنى (يَلْقَون) بالفتح أي: يجدون فيها ويرون، ومعنى (يلقون) يعطون، تقول لقيته كذا أي: أعطيته إياه وليس كما زعم بعضهم أن الباء مقدر (٦). ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها. ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ هذه في مقابلة ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قيل: (ما) للاستفهام، أي: ما يصنع بكم من، عبأت الجيش بالتخفيف والتثقيل، هيأته للقتال (٧).

стр. 1810

وقيل: (ما) للنفي، أي: لا وزن لكم عنده ولا قدر من العبئ وهو الحِمْل الثقيل (١). ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قيل: لولا عبادتكم له من قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢). وقيل: لولا دعاؤكم وتضرعكم (٣). وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته فيكون مضافاً إلى المفعول (٤). وقيل: لولا دعاؤكم الأصنام، فيكون تقديره: ما يعبأ بمغفرته لكم لولا عبادتكم الأصنام (٥). ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ الرسول، وقيل: قصرتم في العبادة (٦)، (٧)، من قولهم: كذب القتال إذا لم يبالغ فيه (٨). ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: يكون جزاء التكذيب، وقيل: العذاب لزاماً (٩). وقيل: هو القتل يوم بدر والأخذ باليد أسراً، قال ابن مسعود ﵁: "خمس مضين؛ الدخان، واللِّزام، والبطشة، وانشقاق القمر، والروم" (١٠). وقيل: هو القتال (١١). ابن عباس ﵄: الموت (١٢)،

стр. 1811

وقيل: جزاء كل عامل ملازم له من خير وشر (١). وقيل: هو العذاب يوم القيامة (٢). وقيل: تأويله حتماً مقضياً مقدر لابد منه (٣). وقيل: قطعاً وفيصلاً لما ينزل بهم (٤).

стр. 1812

سورة الشُّعَرَاء

стр. 1813

سورة الشعراء مائتان وسبع وعشرون آية، مكية (١)، وتسمى: الخاضعة أيضاً (٢). وروى القفال الباخعة (٣). الكلبي: مكية إلا أربع آيات من قوله ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٧] فإنها نزلت بالمدينة (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١)﴾ الكلام فيه كما سبق من أمثاله. ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ تلك إشارة إلى ما في الكتب المتقدمة من ذكر القرآن. وقيل: إلي ما في اللوح المحفوظ، أي: هذه تلك، فيكون تلك خبر مُبتدُا محذوف ويجوز أن يكون إشارة إلى ما تقدم نزوله من القرآن (٥). وقيل: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى هذه، وجازت الإشارة إلى ما ليس بحاضر بعد على التوقع وأن المعنى في النفس (٦). وقيل: يجوز أن يعبر عن المعاني بلفظ الغيبه والحضور (٧).

стр. 1814

وقيل: إشارة إلى ﴿طسم﴾ والمراد به جميع حروف التهجي، أي: تلك حروف آيات الكتاب لا يخرج عنها (١). و﴿الْمُبِينِ﴾ الواضح. وقيل: المبين: يُبين للناس أمور دينهم (٢)، وأبان لازم ومتعدٍ. ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ لعل: كلمة إشفاق وطمع. ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتل نفسك من الحزن والغيظ. وقيل: مُهلك (٣)، ومثله ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ في الكهف [الكهف: ٦]، ومثله في المعنى ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ لتركهم الإيمان، وهو مفعول له. ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً﴾ قيل: بَلِيَّة قاهرة (٤). وقيل: دلالة واضحة به من الآيات التي تكون في القيامة (٥). ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ منقادين مُلجَئين إلى الإيمان. وقيل: لو شاء لأنزل آية ما لَوَى أحدٌ عنقه بمعصية (٦). و(ظلت) بمعنى: تظل، وزيف أبو على في إصلاح الإغفال قول من قال إنه عطف على الجزاء وأن محله جزم لمكان الفاء (٧). وفي خاضعين سبع تأويلات: أحدها: أن الأعناق إذا خضعت فأرباباها خاضعون، محمول على المعنى (٨).

стр. 1815

والثاني: أن التقدير: فظلت أصحاب الأعناق فحذف المضاف (١). والثالث: رؤساؤهم، تقول: فلان عُنق القوم ووجه القوم (٢). والرابع: أعناقهم جماعاتهم، والعنق الجماعة من الناس (٣)، قال: إن العراق وأهلها ... عُنُق اليك فهيت هيتا (٤). والخامس: العُنُق زيادة، والتقدير: فظلوا (٥). والسادس: أن الخضوع من أوصاف العقلاء فلما وصف غيرهم بفعلهم أجري مجراهم (٦). والسابع: المضاف يكتسي من المضاف إليه كسوَته من التعريف والتنكير، والتانيث والتذكير، والشرط والاستفهام، والإعراب وإلبناء، كذلك العقل والتمييز (٧). ابن عباس، ﵄ ﵄: نزلت فينا وفي بني أمية فسيكون لنا عليهم الدولة فتذل أعناقهم بعد صعوبتها (٨). قال بعض المفسرين: ولقد كان كما ذكر، فان الدولة صارت لبني العباس (٩).

стр. 1816

﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ يعني أهل مكة. ﴿ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ آيات من القرآن. ﴿مُحْدَثٍ﴾ يجدد عندهم مما لم يكن قبل ذلك (١). ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾ جددوا إعراضا وأصروا على الكفر. وأفاد دخول (كان) أنهم كانوا في علم الله السابق معرضين. وقيل: معناها ظهر منهم ما كان معلوماً منهم من الإعراض (٢). ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أي: النبي فيما أتاهم به. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ أفاد الفاء أن هذا جزاء تكذيبهم. ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾ هذا تهديد كما تقول: سيبلغك خبر ما فعلت. وخص المكذب بإتيان الخبر لجهله به دون المصدق فإنه يعلم ما أخبر به. قال بعضهم: يأتيهم في القيامة. وقيل: في الدنيا بالقتل والهزيمة (٣). ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ تعجيب أي: لم ينظروا إلى عجائبها ولهاذا عدي بإلى. ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ نوع وصنف. وقيل: الزوج الشيء وشكله. وقيل: أبيض، وأسود، وأحمر، وأصفر، وحلو، وحامض، ومر، ومز. ﴿كَرِيمٌ﴾ كثير المنفعة (٤). وقيل: كريم: ذي قدر عند متناوله (٥). وقيل: كريم يأكله الناس والأنعام (٦). وقيل: نافع محمود وكذلك الكريم من الناس (٧). وقيل: حسن (٨).

стр. 1817

الشعبي: أراد بالنبات الإنسان، كقوله ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، والكريم الذي يدخل الجنة واللئيم الذي يدخل النار (١). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في الآيات. ﴿لَآَيَةً﴾ لدلالة وعلامة وعبرة. وقيل: لدلالة على البعث والنشور (٢). ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ في علمي مع عظم الآيات. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بالنقمة لمن كفر. ﴿الرَّحِيمُ (٩)﴾ وبمن آمن. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ أي: إذ نادى فيكون إذ مفعول به. وقيل: ظرف لقوله ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ [الشعراء: ١٢]، ومعنى ﴿نَادَى﴾ دعا، والنداء: الدعاء برفع الصوت. وقيل: أَمَرَ ربك موسى (٣). قولهُ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ﴾ قيل تقديره: قال أءت. وقيل: أن هي المفسرة، وقيل: نادى ربك أمر أن إءت القوم (٤). ﴿الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ أنفسهم بالكفر، وظلموا بني إسرائيل بالاستعباد وذبح الأولاد. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من الأول. ﴿أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾ أي: إءتهم زاجراً فقد آن لهم أن يتقوا، وهذه لفظة استبطاء وحث وإغراء. وقيل: هو على الحكاية أي: قل لهم ألا تتقون (٥). وقريء في الشواذ بالتاء (٦)، فلما حذف (قل) عاد إلى لفظ الغيبة.

стр. 1818

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾ ولا يصدقوني. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ عطف على ﴿أَخَافُ﴾ أي: يُضيق صدري من تكذبيهم. وقيل: من عجزي عن إبانة حجتي (١). ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي (١٣)﴾ للعقدة التي به، وقيل: هيبة منه (٢). ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)﴾ أي: أرسل جبريل إليه. وقيل: أرسلني إلى هارون لآمره عنك أن يذهب معي (٣). وقيل: (أرسل إلى هارون) معناه: أدعه وليس هذا استعفاء بل طلب من الله وبإذنه، وكان هارون بمصر حين بُعث موسى نبياً بالشام (٤). النقاش: أرسل معي هارون، قال: ومثله ﴿أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي: مع (٥)، وهذا من النقاش سهو، لأنه يقتضي (إليّ) بتشديد الياء وإن لم يكن بد فأرسلني مع هارون فيكون المفعول محذوفاً، لكن النقاش نظر إلى الآية الأخرى (٦) وهي ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] فجعل هَارُون في الآية مفعولاً والآية لا تحتمله (٧) إلا على الوجه الذي ذكر. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قيل: عندي ذنب بقتل القبطي (٨). وقيل: علي دعوى ذنب (٩)، وقيل: علي عقوبة ذنب (١٠).

стр. 1819

﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ قِصَاصاً. وقيل: عدواناً (١)، والمعنى: فاكفني ما أخافه. ﴿قَالَ كَلَّا﴾ لا يقتلونك فأمنه مما كان يخاف (٢)، وأجاب إلى مطلوبه فقال ﴿فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا﴾ مع آيتنا اليد، والعصا فجمع. وقيل: بدلالاتنا (٣). وقيل: أُمدكما بآيتنا فتكون الآيات التسع (٤). ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ يعني موسى وهارون وفرعون وقومه، ومعنى ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون، والاستماع: الإصغاء إلى المسموع، فيكون مجازا في حق الله سبحانه (٥). ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ فذهب موسى إلى مصر وهارون بمصر فأخبره موسى بذلك فانطلقا إلى فرعون فلم يأذن لهما في الدخول عليه سنة. ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ المراد به التثنية لقوله ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]. قيل: الرسول هاهنا بمعنى الرسالة أي: صاحبا رسالة ربك والمصدر لا يثنى ولا يجمع (٦). وقيل: كل واحد منا رسول ربك، كقوله ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] (٧). وقيل: كانت الرسالة واحدة فجاز توحيد الرسول (٨).

стр. 1820

﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ خّلِّ عنهم وأطلقهم ودع آذانهم من قولهم: أرسلت الكلب على الصيد. ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فعرف فرعون موسى فقال: ألم تكن صغيراً فربيناك؟ أليس قد التقطناك من اليَمْ وكَفَّلْنَاك من أرضعك وغذوناك إلى أن صرت رجلاً؟ امتن إليه بإحسانه إليه، ومعنى ﴿فِينَا﴾ في جُملتنا ومنازلنا. ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾ أجمع المفسرون على أنه لبث ثلاثين سنة، ثم خرج من عنده عشر سنين ثم عاد إليه يدعوه إلى الله ثلاثين سنة، ثم بقى بعد الغرق خمسين سنة فمات موسى صلوات الله عليه (١) وكان ابن مائة وعشرين سنة (٢). ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتل القبطي. ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ فيه ثلثة أقوال: أحدها: من الكافرين النعمة. والثاني: من القوم الذين تزعم الآن أنهم كافرون. والثالث: من الكافرين حيث تدعي أن لك إلهاً غيري. وقيل: من الكافرين بالله حين قتلت نفساً بغير حلها، وهذا ضعيف لأن فرعون لم يكن مقراً بالله (٣). ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ فيه أقوال: أحدها: من الجاهلين أنها تأتي على النفس. والثاني: أردت أمراً فضللت عنه. والثالث: من الساهين. والرابع: من: الضالين عن النبوة وأحكام الشريعة، والمعنى: فعلتها خطأ لا عمد.

стр. 1821

و ﴿إِذًا﴾ يحتمل معنىً دقيقاً أي: إن كان كما قلت فقد فعلتُ إذاً وأنا من الضالين، لأن إذًا تقع في الجواب دون الابتداء (١). ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ هربت منكم لما خفت أن تقتلوني. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ نبوة وحكمة وعقلا وزال عني الجهل والضلالة. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾ من جملة أنبيايه ورسله. ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ حملها بعضهم على الإنكار، وبعضهم على الإقرار. الفراء: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل. (٢). هذا لفظة النقاش تمُن عليّ بإحسانك إليَّ خاصة وتنسى إساءتك أن عَبَّدْتَ بني إسرائيل (٣). الحسن: أخذت من بني إسرائيل أموالهم فغذوتني بمال قومي فما مِنَّتُكَ علي في ذلك (٤). وقيل: إن اتخاذك بني إسرائيل عبيداً قد أحبط نعمتك التي تمن بها علي (٥). وقيل: أو تلك نعمة تمنها علي استفهام إنكار (٦). ابن بحر: تلك إشارة إلى تخلية بني إسرائيل في قوله ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: تخليتك إياهم وإرسالهم معي كما أمر الله نعمة لك عندي لأنهم أقربائي وقد اتخذتهم عبيدًا (٧).

стр. 1822

ويحتمل أو تلك نعمة تمنها علي أن عبدتني، فوضع بني إسرائيل موضع الضمير لأنه واحد منهم وتعبيدُه إياه تسببه إلى قذفه في اليم وفراقه من أبويه وأهل بيته ثم اتخاذ أمه ظئراً ينسب إلى فرعون بذلك (١)، ويحتمل أيضاً وتلك نعمة تمنها علي لولا أن عبدت بني إسرائيل (٢). في إعراب ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ قولان: أحدهما: رفع بالبدل من المبتدأ. وقيل: من الخبر. والثاني: نصب، وتقديره: بأن عَبَّدتَ. وعَبَّدتُ، وأَعْبَدْتُ، واسْتَعْبَدْتُ اتخذت عبدًا. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ ما حقيقة ذاته من أي جنس وأي نوع هو؟ فأعرض موسى عن الجواب من هذا الوجه وصار إلى الدلالة على الله بأفعاله وصنائعه. ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ أي: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفي السموات والأرض وما بينهما دليلاً بأن الله سبحانه خالقها ومالكها ومدبرها. وقيل: إن كنتم موقنين بأن السموات لابد لها من رب فالذي أدعوكم إليه ذلك الرب (٣). وقيل: إن أيقنتم أن ما تعاينونه هو كما تعاينونه فأيقنوا أن ربنا رب السموات (٤). ﴿قَالَ﴾ يعني: فرعون. ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه يُعَجِّبُهم.

стр. 1823

﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)﴾ إلى سؤالي وجوابه لم يزد على الأول لأن رب العالمين ورب السموات والأرض وما بينهما واحد. قال ابن عباس، ﵄ ﵄: "كان من حوله خمسمائة رجل على كراسي" (١) ﴿قَالَ﴾ يعني موسى. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ فأوضح كلامه بزيادة بيان أي: خالقكم وخالق أبائكم فضللتم وضلت أباؤكم. وقيل: إنما قال موسى رب آبائكم لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم (٢). ﴿قَالَ﴾ يعني فرعون. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ حيث أسأله عن شيء ويجيبني عن شيء. وقيل: لمجنون حيث يزعم أن في الوجود إلهاً غيري لأن الجواب كان مطابقًا، لأن قوله ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ بمعنى (من)، كقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (٣). وقيل: كان مطابقاً لأن موسى لما قال إن رب العالمين أرسله إليهم سأله فرعون عن ملكه وانبساط قدرته كما يسأل الملوك عن الرسل ما صاحبكك هذا أي: مقدار ملكه وسلطانه فأجابه موسى عما اقتضاه هذا السؤال (٤) ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إن كان لكم عقل فتدبروا في مصنوعات ربي حق التدبر تعرفوا الصانع بعد التدبر ضرورة. ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ أي: إن اتخذت شيئاً سواي إلهاً، ويحتمل اتخذت غير إلهًا لأن اتخذ هاهنا يتعدى إلى مفعولين.

стр. 1824

﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لاحبسنك في السجن، وكان سجنه أشد من القتل لا يَرَي المسجون في سجنه شيئاً ولا يدرك مسموعًا بل يكون فيه وحده يهوي في الأرض. ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ يبين لك صدقي تسجنني (١)! . الألف للاستفهام، والواو لعطف جملة على جملة ويحتمل ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ تصدقني وتؤمن بالله ولم يجبُه عن قوله ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ﴾ بالذي يبين صدقك. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾ أن لك بينه. وقيل: إن كنت من الصادقين أن لك رباً بعثك إليّ رسولاً (٢)، وجواب الشرط مقدر أي: فاحضره. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ نبذها من يده. ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾ حية صفراء كأعظم ما يكون من الحيات. ﴿مُبِينٌ﴾ أنها ثعبان، وقيل: أنها حجة وبرهان (٣). ابن عباس، ﵄: غرزت ذنبها في الأرض ونصبت رأسها نحو الميل إلي السماء ثم انحطت فجعلت رأس فرعون بين نابيها وجعلت تقول: مرني بما شئت. فناداه فرعون أسألك بالذي أرسلك لما أخذتها (٤). وقيل: التجأ إلى موسى (٥). وقيل: قام هارباً (٦). وقيل: لم يلق بعد ذلك موسى إلا بال في ثيابه كما تبول الدواب إذا رأت الأسد (٧). فأخذها موسى فعادت عصًا كما كانت ولامنافاة بين الثعبان وبين الجان.

стр. 1825

قال الزجاج: " خلقها خلق الثعبان وحركتها واهتزازها اهتزاز الجان (١). وقيل: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ تشبيهاً بالشيطان، وسميت الثعبان لانثعابه في الجري، تقول: ثعَبتُ الماء إذا فَجّرته فانثعب كانثعابَ الدم (٢) من الأنف (٣). ويحتمل أن الله سبحانه جعل العصا حية وجاناً إذا رأها موسى وحده وإذا رأها فرعون وقومه جعلها ثعبانا فلفظ القرآن يدل على هذا. و(إذ) في الآيتين للمفاجأة وهو ظرف مكان. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أدخلها في جيبه ثم أخرجها منه. وقيل: حسر عن ذراعه (٤)، والنَّزْع: إخراج الشيء مما اتصل به. ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تغلب ضوء الشمس. وقيل: أضاء لها الوادي (٥). ﴿لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ أي: من نظر إليها رآها بيضاء. ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ قال فرعون لهم. ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني موسى. ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ وما في سورة الأعراف فكلام الملأ حكاية عن فرعون (٦). ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ ويغلب على دياركم. وقيل: يخرج خدمكم وعبيدكم يعني بني إسرائيل لأنه جاء يطلبهم بقوله ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾
следующие страницы →