← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

و ﴿إِذًا﴾ يحتمل معنىً دقيقاً أي: إن كان كما قلت فقد فعلتُ إذاً وأنا من الضالين، لأن إذًا تقع في الجواب دون الابتداء (١). ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ هربت منكم لما خفت أن تقتلوني. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ نبوة وحكمة وعقلا وزال عني الجهل والضلالة. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾ من جملة أنبيايه ورسله. ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ حملها بعضهم على الإنكار، وبعضهم على الإقرار. الفراء: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل. (٢). هذا لفظة النقاش تمُن عليّ بإحسانك إليَّ خاصة وتنسى إساءتك أن عَبَّدْتَ بني إسرائيل (٣). الحسن: أخذت من بني إسرائيل أموالهم فغذوتني بمال قومي فما مِنَّتُكَ علي في ذلك (٤). وقيل: إن اتخاذك بني إسرائيل عبيداً قد أحبط نعمتك التي تمن بها علي (٥). وقيل: أو تلك نعمة تمنها علي استفهام إنكار (٦). ابن بحر: تلك إشارة إلى تخلية بني إسرائيل في قوله ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ أي: تخليتك إياهم وإرسالهم معي كما أمر الله نعمة لك عندي لأنهم أقربائي وقد اتخذتهم عبيدًا (٧).

стр. 1822

ويحتمل أو تلك نعمة تمنها علي أن عبدتني، فوضع بني إسرائيل موضع الضمير لأنه واحد منهم وتعبيدُه إياه تسببه إلى قذفه في اليم وفراقه من أبويه وأهل بيته ثم اتخاذ أمه ظئراً ينسب إلى فرعون بذلك (١)، ويحتمل أيضاً وتلك نعمة تمنها علي لولا أن عبدت بني إسرائيل (٢). في إعراب ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ قولان: أحدهما: رفع بالبدل من المبتدأ. وقيل: من الخبر. والثاني: نصب، وتقديره: بأن عَبَّدتَ. وعَبَّدتُ، وأَعْبَدْتُ، واسْتَعْبَدْتُ اتخذت عبدًا. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ ما حقيقة ذاته من أي جنس وأي نوع هو؟ فأعرض موسى عن الجواب من هذا الوجه وصار إلى الدلالة على الله بأفعاله وصنائعه. ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ أي: إن كنتم تعرفون الأشياء بالدليل فكفي السموات والأرض وما بينهما دليلاً بأن الله سبحانه خالقها ومالكها ومدبرها. وقيل: إن كنتم موقنين بأن السموات لابد لها من رب فالذي أدعوكم إليه ذلك الرب (٣). وقيل: إن أيقنتم أن ما تعاينونه هو كما تعاينونه فأيقنوا أن ربنا رب السموات (٤). ﴿قَالَ﴾ يعني: فرعون. ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه يُعَجِّبُهم.

стр. 1823

﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)﴾ إلى سؤالي وجوابه لم يزد على الأول لأن رب العالمين ورب السموات والأرض وما بينهما واحد. قال ابن عباس، ﵄ ﵄: "كان من حوله خمسمائة رجل على كراسي" (١) ﴿قَالَ﴾ يعني موسى. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ فأوضح كلامه بزيادة بيان أي: خالقكم وخالق أبائكم فضللتم وضلت أباؤكم. وقيل: إنما قال موسى رب آبائكم لأن فرعون كان يدعي الربوبية على أهل عصره دون من تقدمهم (٢). ﴿قَالَ﴾ يعني فرعون. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ حيث أسأله عن شيء ويجيبني عن شيء. وقيل: لمجنون حيث يزعم أن في الوجود إلهاً غيري لأن الجواب كان مطابقًا، لأن قوله ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ بمعنى (من)، كقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (٣). وقيل: كان مطابقاً لأن موسى لما قال إن رب العالمين أرسله إليهم سأله فرعون عن ملكه وانبساط قدرته كما يسأل الملوك عن الرسل ما صاحبكك هذا أي: مقدار ملكه وسلطانه فأجابه موسى عما اقتضاه هذا السؤال (٤) ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إن كان لكم عقل فتدبروا في مصنوعات ربي حق التدبر تعرفوا الصانع بعد التدبر ضرورة. ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ أي: إن اتخذت شيئاً سواي إلهاً، ويحتمل اتخذت غير إلهًا لأن اتخذ هاهنا يتعدى إلى مفعولين.

стр. 1824

﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لاحبسنك في السجن، وكان سجنه أشد من القتل لا يَرَي المسجون في سجنه شيئاً ولا يدرك مسموعًا بل يكون فيه وحده يهوي في الأرض. ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ يبين لك صدقي تسجنني (١)! . الألف للاستفهام، والواو لعطف جملة على جملة ويحتمل ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ تصدقني وتؤمن بالله ولم يجبُه عن قوله ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ﴾ بالذي يبين صدقك. ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾ أن لك بينه. وقيل: إن كنت من الصادقين أن لك رباً بعثك إليّ رسولاً (٢)، وجواب الشرط مقدر أي: فاحضره. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ نبذها من يده. ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾ حية صفراء كأعظم ما يكون من الحيات. ﴿مُبِينٌ﴾ أنها ثعبان، وقيل: أنها حجة وبرهان (٣). ابن عباس، ﵄: غرزت ذنبها في الأرض ونصبت رأسها نحو الميل إلي السماء ثم انحطت فجعلت رأس فرعون بين نابيها وجعلت تقول: مرني بما شئت. فناداه فرعون أسألك بالذي أرسلك لما أخذتها (٤). وقيل: التجأ إلى موسى (٥). وقيل: قام هارباً (٦). وقيل: لم يلق بعد ذلك موسى إلا بال في ثيابه كما تبول الدواب إذا رأت الأسد (٧). فأخذها موسى فعادت عصًا كما كانت ولامنافاة بين الثعبان وبين الجان.

стр. 1825

قال الزجاج: " خلقها خلق الثعبان وحركتها واهتزازها اهتزاز الجان (١). وقيل: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ تشبيهاً بالشيطان، وسميت الثعبان لانثعابه في الجري، تقول: ثعَبتُ الماء إذا فَجّرته فانثعب كانثعابَ الدم (٢) من الأنف (٣). ويحتمل أن الله سبحانه جعل العصا حية وجاناً إذا رأها موسى وحده وإذا رأها فرعون وقومه جعلها ثعبانا فلفظ القرآن يدل على هذا. و(إذ) في الآيتين للمفاجأة وهو ظرف مكان. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: أدخلها في جيبه ثم أخرجها منه. وقيل: حسر عن ذراعه (٤)، والنَّزْع: إخراج الشيء مما اتصل به. ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تغلب ضوء الشمس. وقيل: أضاء لها الوادي (٥). ﴿لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ أي: من نظر إليها رآها بيضاء. ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ قال فرعون لهم. ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني موسى. ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ وما في سورة الأعراف فكلام الملأ حكاية عن فرعون (٦). ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ ويغلب على دياركم. وقيل: يخرج خدمكم وعبيدكم يعني بني إسرائيل لأنه جاء يطلبهم بقوله ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾

стр. 1826

[الشعراء: ١٧] (١). وقيل: يوقع العداوة بينكم بأن يستميل بعضكم فيقع الخصام والمحاربة فيصير سبباً لخروجكم من دياركم (٢). ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ تشيرون في قتله أو حبسه، وعَبَّرَ عن المشورة بالأمر لأنها تقع بلفظه (٣)، ولا يحسن إجراؤه على الظاهر لأن التابع لا يأمر المتبوع. وفي هذه المشورة قولان: أحدهما: إنما شاورهم ليستعطفهم لضعفه في تلك الحالة. والثاني: لأنه أذهله ما شاهد فحار عقله فلجأ إلى رأيهم ولم يعرف أنه قد تناقض كلامه حيث قال مرة ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، ومرة ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]. ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أَخِّر أمرهما في حبس أوقتل. وقيل معنى ﴿أَرْجِهْ﴾: احبسه وأخاه ولا تقتلهما قبل أن يظهر كذبهما فيفتتن الناس به (٤). وقيل: منعوه عن قتلهما مخافة عذاب يقع بهم لمَاَّ شاهدوا ذلك الأمر العظيم (٥). وقيل: صرفهم الله عن قتلهما (٦). والهمز وتركه في ﴿أَرْجِهْ﴾ لغتان (٧).

стр. 1827

﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ من يجمع السحرة من مدائن مملكتك وأمصارها. ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ أي: فعل ما أشار به عليه القوم، ويحتمل إن في الآيات تقديمًا وتأخيرًا وأن تقدير النظم: أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحَّار عليم فأرسل فرعون في المدائن حاشرين فجمع السحرة. ﴿لِمِيقَاتِ﴾ أي: لميعاد. ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ يوم زينة لهم. وقيل: كان يوم النيروز (١). وقيل: معنى ﴿لِمِيقَاتِ﴾: لأجل التوقيت الذي وقع الاتفاق عليه، ومعنى ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ أي: يعلم حضور الناس أجمعين فيه. ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)﴾ قال بعض أصحاب فرعون لبعض: اجتمعوا نشهد ما يجري بين موسى وهارون وبين السحرة. ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ كي نتبع السحرة. ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ ولا نشك أن الغلبة لهم فنكون (٢) على دينهم. وقيل: نتبع السحرة فنقتل موسى وهارون (٣). وقيل: نتبع السحرة أي: موسى وهارون وأشياعهم. ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ على وجه الاستهزاء، حكاه القفال (٤). ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ لثواباً، والأجر الجزاء بالخير والجزاء بالشر عقاب وليس بأجر. ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)﴾ لموسى وهرون.

стр. 1828

﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ قال فرعون: نعم لكم أجر عندي وتكونون مع ذلك من المقربين في المرْتبة والجاه. وقيل: أول من يدخل علي وآخر من يخرج (١). ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾ من السحر ذكر هذا على وجه التهديد لا على إباحة السحر، أي: فسوف ترون (٢) عاقبة ذلك. ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ﴾ جمع حبل وأصله من قولهم ما حَبَلَكَ عني أي حبسك. ﴿وَعِصِيَّهُمْ﴾ جمع عصا، وكانوا سبعين ألف ساحر مع كل واحد حبل وعصا. وقيل: كانت الحبال اثنين وسبعين وكذلك العصي (٣). ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: نقسم بعزته ومنعته وقوته. ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ لأنا قد أتينا بغاية ما يؤتى به من جهة السحر، وكان ذلك قَسَمًا منهم غير مبرورة. ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبتلع وتأخذ بسرعة ومثله تلقف خفيف. ﴿مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ معمولهم الذي أفكوه أي: قلبوه عن وجهه. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ لما تبين لهم الحق سجدوا لله، وسُمُّو سحرةً بالاسم المتقدم للتعريف وإن زال عنهم اسم الساحر بالإيمان (٤)، وعبر عن سرعة سجودهم بألقى. وقيل: فاعل (ألقي) الحق الذي عرفوه. ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ بدل من (ألقي). وقيل تقديره: وقد قالوا، فيكون حالاً، والمعني: آمنا بالذي قالا إنا رسول رب العالمين.

стр. 1829

﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ ذكر المفسرون أن فرعون لما سمع منهم آمنا برب العالمين قال: إياي عنيتم؟ قالوا: رب موسى وهرون. ﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ﴾ صدقتموه. ﴿قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ﴾ في التصديق. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ له معنيان: أحدهما: أنه عَلَّمَكم شيئًا وكتمكم شيئًا ليغلب به من يغالبه. والثاني: لكبيركم وقد تواطأتم على أمرٍ ومكرٍ. ثم توعدهم بقوله ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: عن قريب تعلمون ما ينزل بكم من العقاب على إيمانكم بموسى قبل إذني، ثم صرح فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى ليكون زمانةً من جانبي البدن، ويحتمل: من أجل خلاف ظهر منكم. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ أعلقنكم من جذوع النخل حتى تموتوا عليها. قيل (١): أصل التصليب من الصُلب وهو إخراج الدسم، والصليب الدسم كأنه يُعلق ويُترك حتى يصير صليباً (٢). ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا إنما هي ساعة نصبر لعذابك ثم نصير إلى ثواب الله (٣)، وهو قوله ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾ وقيل معناه: إن الجميع منا ومنك ينقلب إلى الله فهو لك بالمرصاد يجازيك جزاء مثلك (٤).

стр. 1830

﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ المتقدمة. ﴿أَنْ كُنَّا﴾ لأجل كنا. ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ من السحرة (١). وقيل: أول المؤمنين في ذلك المشهد. وقيل: أول المؤمنين من آل فرعون وفي ذلك الزمان (٢). ووحد أول لأن التقدير أول فريق. وقيل: لأن "من" مُقَدَّرة معه، أي: أول من غيره، وأفعل إذا كان معه ملفوظاً أومقدراً لا يثني ولا يجمع. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ هذا بعد سنين من أمر السحرة وإيمانهم (٣)، والمعنى: سَرْ بهم ليلا، وأضافهم إلى نفسه لإيمانهم. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعونكم ليردوكم ويحاربوكم إن لم تنصرفوا، وفي ضِمْنِه بشارة أي: فلا يضركم ابتاعهم إياكم. وذكر ابن جريج في الآية قال: " أوحى الله إلي موسى أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت ثم اذبحوا أولاد الضأن فاضربوا بدمائها على أبوابكم فإنى سآمُر الملائكة فلا يدخلون بيتًا على بابه دم، وسآمُرُهُم بقتل الأبكار من آل فرعون ثم اخبزوا خبزًا فطيرًا فإنه أسرع لكم ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر (٤)، فيأتيك أمري ففعل ذلك. فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا وتمكنوا من أنفسنا وأموالنا فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف مَلِك مُسَوِّر ومع كل مَلِك ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم" (٥).

стр. 1831

﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)﴾ أي: حين أُخْبِرَ بسراهم بعث شُرَطاً يحشرون الناس من المدائن لاتباعهم مع فرعون، والوجه ما ذكرتُ، قيل إن في الآيات تقديماً وتأخيراً (١)، وأن هذه الآية متصلة بقوله ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]، والآية تتصل بهذه نظماً قوله ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ كانَّه لما قال ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ بَيَّنَ فقال ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾ الشِّرذِمة: جماعة. وقيل: البقية من الشيء والقليل من الناس (٢). الضحاك: الشرذمة السَّفلة من الناس (٣). قوله ﴿قَلِيلُونَ﴾ حُمِلَ على الأسباط أي: كل سبطٍ قليل. وقيل: هو كقولهم: كحي واحد بنا (٤). وقيل: جمُع لموافقه الآيات وكانوا ست مائة وسبعين ألفا وإنما استقلهم لكثرة من معه. وقيل: لكثرة من قتل منهم (٥). ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ لقتلهم أبكارنا ولهربهم وخروجهم من الخدمة. وقيل: لأنهم استعادوا حُلِيّاً وذهبوا به (٦). والغيظ المبالغة في الأذى والأخبار مما يُغْضِب. ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ﴾ لمجتمع كقوله ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]. ﴿حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ وحذرون قيل: لغتان الحجة حَذِرُون في الحال وحاذرون في المآل.

стр. 1832

الزجاج في جماعة: حاذرون مؤدون أي: ذوو أدوات وسلاح وحذرون عالمون بالحرب (١). ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ أي: البساتين والأنهار. ﴿وَكُنُوزٍ﴾ وأموال كثير. وقيل: دفائن (٢). الضحاك: وكنوزٍ أنهار (٣). ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ مجالسَ حسانٍ. وقيل: المنابر التي يخطب عليها الخطباء عن ابن عباس، ﵄ (٤). وقيل: مجالس الأمراء يحف بها الأتباع (٥). وقيل: مرابط الخيل، حكاه الماوردي (٦). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: حالهم كما ذكرت. وقيل: تَرَكُوا ذلك كما أخبر الله عنهم. وقيل: هكذا أخرجناهم (٧). ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الإرث إنتقال مُلْك بوفاة. الحسن: لما عبروا النهر رجعوا وأخذوا ديارهم وأموالهم (٨).

стр. 1833

غيره: ذهبوا إلى الشام وملكوا مِصر زمن سليمان بن داود (١). ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ داخلين في وقت الشروق، كقولهم: أصبح دخل في وقت الصباح، وأمسى دخل في وقت المساء (٢). وقيل: مشرقين قاصدين نحو المشرق، كقولهم: أغاروا نجد (٣). وقيل: مشرقين في ضوء (٤)، لأن بني إسرائيل كانوا في نور وضياء وأصاب فرعون وآله ضباب وظلمه تحيروا فيها حتى جاوز بنو إسرائيل البحر، فيكون قوله ﴿مُشْرِقِينَ﴾ حالاً من المفعولين وعلى الوجهين الأولين حال من الفاعلين، وإنما تأخروا إلى حين الإشراق لاشتغالهم بدفن أبكارهم. وقيل: أخذتهم ظلمة، كما سبق. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ تقابلا وصار أحدهما بمرائ من الآخر يعني بني إسرائيل وآل فرعون. ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ ملحقون قد قرب منا عدونا وقدامنا البحر. ﴿قَالَ كَلَّا﴾ يعني موسى كلا لن يدركوكم لأن الله وعدكم النصر عليهم والخلاص منهم ولا خُلْفَ لوعده. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ ناصري ومعيني. ﴿سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ يهديني عن قريب. وقيل: سَيُعَرِّفُني طريق النجاة (٥). وقيل: سيكفيني (٦). ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ يعني: بحر القلزم (٧).

стр. 1834

وقيل: نهر النيل (١) ﴿فَانْفَلَقَ﴾ أي: فضرب فانفلق فانشق فصار اثني عشر فرقاً على عدد الأسباط. ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي: مفروق من الماء (٢)، والفِرْق: الاسم: والفَرْق: بالفتح المصدر كالطِحن والطَحنِ، وَالقِطفِ والقَطف. ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ كالجبل المنيف لأن الماء اجتمع لما انفرق فاستطال وارتفع في السماء كالجبل وصار بين كل فرقين مسلك لسبط منهم وظهر فيها كوىً ينظر منها بعضُهم إلى بعض فغرق فرعون وقومه ونجا موسى وقومه، وهو قوله ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (٦٤)﴾ أي: جمعنا. وقيل: قربنا (٣)، والزُّلفة: القُربة، أي: قربنا آل فرعون من الغرق. وقيل: قربناهم من آجالهم (٤). الحسن: ﴿أَزْلَفْنَا﴾ عجّلنا فرعون وآله ليقربوا من البحر فيروا موسى وقومه قد عبروا فيطمعوا في حالهم فيدخلوا البحر ويغرقوا، وكان جبريل ﵇ على فرسٍ فريش أي وديق يُقدُمهُم فتبعها أفراس القوم (٥). وقيل: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (٦٤)﴾ من قوم موسى قربناهم منهم (٦). ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٦٦)﴾ أهلكناهم في الماء. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعلنا بموسى وفرعون. ﴿لَآَيَةً﴾ لدلالة قاطعةً لمن تأمل.

стр. 1835

﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾ لم يؤمن من أهل مصر غير آسية، وخَرْبيل وهو المؤمن من آل فرعون، ومريم وهي التي دلت على عظام يوسف؛ وذلك أن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا. فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبره؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز. فأرسل إليها. فقال: دُليني على قبر يوسف. قالت: لا والله حتى تُعطينى حكمى. قال لها: وما حُكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة فثقل عليه. فقيل له: أعطها حكمها، فدلتهم عليه فاحتفروه واستخرجُوا عظامه فلما أقلوها أضاء لهم (١). ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ لا يمتنع عليه ما أراده. ﴿الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ بمن تاب. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أقرأ على مشركي العرب. ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ قصته، والنبأ الخبر العظيم. ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ وقوم إبراهيم، ويحتمل: وقوم الأب (٢). ﴿تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾ أيّ شيء تعبدون. ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ تماثيل. ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ فندُوم على عبادتها، كما تقول: أصبح زيدًا أميرًا، وأمسى عبدالله فقيراً (٣) تريد به الدوام.

стр. 1836

وقيل: كانوا يعبدون تلك الأصنام بالنهار دون الليل فلذلك قالوا ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ (١). ﴿قَالَ﴾ يعني إبراهيم. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يسمعونكم تدعون فحذف تدعون لأن ما بعده يدل عليه. والثاني: يسمعون دعاءكم فحذف المضاف. وقيل: يسمعونكم بمعنى يُجيبونكم (٢). ﴿إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ ليقربكم إليها. ﴿يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ من عصاهم منكم. ﴿قَالُوا بَلْ﴾ إضراب عن أن يَسْمَع أو يَنْفَع أو يضر. ﴿وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ اقتدينا بآبائنا في عبادتهم إياها لا أنها تنفع أو تضر (٣). ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ الأسبقون زماناً. ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قيل: الأصنام. وقيل: الأصنام وعابدوها ليصح العداوة. وقيل: يضرونني يوم القيامة فعل الأعداء (٤). وقيل: فإني عدو لهم عدواً لأن فعولاً صيغت للمبالغة والكثرة فقام مقام الجمع (٥). وقيل: كل واحد عدو (٦). وقيل: هو في الأصل مصدر. وقيل: لأن تقديره: فإني عدو لهم (٧). قوله ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ قال بعض النحاة: الاستثناء منقطع، والتقدير: لكن رب العالمين ليس بعدوي (٨).

стр. 1837

وقال بعضهم: الاستثناء صحيح لأنه قد كان في آبائهم الأقدمين من قد عبد الله لأن هذه نسبة ترتفع إلى آدم ﵇ (١). وقال بعضهم: إن ما تعبدون عدو لي إلا الله الذي تعبدون معه غيره فإنه ليس بعدوي (٢). وقيل: لأنهم وإن أنكروا العبادة المعروفة لم ينكروا أنه خالقهم ورازقهم فكانوا بهذا عابدين فصح الاستثناء. وقيل: من كان جاحداً لله عابداً له من حيث أن أثر العبودية فيه ظاهر فالاستثناء صحيح. وقيل: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى دون كقوله ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ أي: الذين خلقني ولم أك شئياً فهو يهديني إلى الرشاد إذا عبدته ولم أشرك به شيئًا، ودخل الفاء لأن المبتدأ موصول بالفعل، وإن جعلت ﴿الَّذِي﴾ في محل نصب على الصفة فالفاء لعطف جملة على جملة ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ واللذان بعده رفع بالعطف على المبتدأ والخبر محذوف لأن الأول يدل عليه وهو قوله ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ كقولك: زيد قائم وعمر وبكر وخالد، وإن جعلت الكل في محل نصب على صفة رب العالمين لم يحتج إلى خبرٍ وجاز تكرارُ الذي وهو لشيء واحد كما جاء: إلى الملِكِ القّرْم وابن الهمام ... وليث الكتببة في المزدحم (٣).

стр. 1838

ودخل هو في هذه الكلمات للتخصيص، كما تقول: زيد هو الضارب عمرًا إذا كان هناك من يدعي أن غير زيد ضربه. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ أسند المرض إلى نفسه لما فيه من الكراهة (١). ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾ أي: في الآخرة، وأدخل ﴿ثُمَّ﴾ لأن بينهما تراخيًا. ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ يريد بخطيئتي ذنبي وهو ثلاث كلمات: أحدها: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. والثاني قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]. والثالث قوله: سارة أختي. قيل: والرابع قوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] (٢). وذهب بعص المفسرين إلى أن هذه ليست بخطيئة ولا ذنب بل لكل واحدة منها وجه يصير إبراهيم ﵇ مثاباً بها مأجوراً، فيكون ﴿أَطْمَعُ﴾ بمعنى اليقين أي: أتيقن ولا يجري على الظاهر لأنه شك. وقيل: خطيئتي خطيئة أمتي كما قيل في قوله ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فيكون الطمع على أصله للشك. وقيل: تعبد إبراهيم بأن يدعو بهذا الدعاء كما تعبد بقوله ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] ومعلوم قطعًا أنه لا يجُزى لكنه دعا الله بهذه الأدعية إظهارًا للعبودية ليقتدي به غيره (٣). ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ نبوة. وقيل: زدني علمًا إلي علم (٤)،

стр. 1839

وحكمةٍ إلى حكمة، والحُكم: الحِكْمَة. وقيل: قرآنا وهو عن مجاهد، وفيه ضعف (١). ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ بالأنبياء، وسموا صالحين لأن صلاحهم لا يشوبه شيء من الفساد. وقيل: هبْ لي حكمًا في الدنيا وألحقني بالصالحين في الأخرى (٢). ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (٨٤)﴾ أكثر المفسرين على أنه الثناء الحسن، وسمي لساناً لأنه به يكون (٣). وقيل: هو أن يؤمن به أهل كل ملةٍ ويصدقه (٤). وقيل: أراد أن لا تنقطع النبوة من نسله (٥). وقيل: أراد أن يجعل من ولده من يقوم بالحق في آخر الزمان فاستجاب الله دعاءه وجعله شجرة الأنبياء وبعث محمد ﷺ في آخر الزمان من ذريته (٦). ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ أي: ممن يدخلها، وجاء بلفظ الوراثة في القرآن في غير موضع لأن المؤمنين يرثون منازل الكفار. وقيل: لأن الوراثة أقوي سبب يقع به الملك. وقيل: لأنها تقع من غير كسبٍ (٧).

стр. 1840

﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ أي: الكافرين كفر جهالة وذهاب عن الصواب لا كفر عناد (١)، وكان هذا الدعاء (٢) منه في حياة أبيه يتوقع منه الإيمان فلما مات على الكفر تبرأ منه، وجاز هذا الدعاء قبل أن يعلم استحالة ذلك بموته على كفره، وقد ذكر الله عذره في القرآن في قوله ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية [التوبة: ١١٤]. ومعنى ﴿كَانَ﴾ في الآية قيل: صار (٣). وقيل: معناه كان قديم الضلال (٤). وقيل: هو، كقوله ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] (٥). ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾ لا تفضحني. قيل: بسبب والدي. وقيل: هو التعيير بالذنب. وقيل: لا تهلكني (٦). ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ أي: لا ينفع مال ولا بنون كما ينفع في الدنيا يفدي ماله ويذب عنه بنوه. وقيل: المراد بالبنين جميع الأعوان (٧). ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ أي: لا ينفع إلا موافاة ذلك الموقف بقلب سليم فيكون الاستثناء منقطعًا.

стр. 1841

وقيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا إلا من أتى الله بقلب سليم فإنه ينفعه ماله الذي أنفقه في طاعة الله، وينفعه بنوه لأنهم يشفعون فيه (١). وقيل: ينفعونه بسروره بهم. ومعنى ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ أي: سليم من الشك. وقيل: سلم من الشرك (٢). وقيل: سلم من المعاصي، لأن القلب إذا سَلِمَ سَلِمَت الجوارح (٣). ابن عباس، ﵄: سلامة القلب شهادة أن لا إله إلا الله (٤). وقيل: سليم مخلص ناصح (٥). وقيل: سليم مسلم مؤمن (٦). وقيل: سليم سلم من حب الدنيا (٧). وقيل: سليم لديغ من خيفة الله (٨). وقيل: سليم صحيح ضد مريض (٩). ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ أدنيت لهم ليدخلوها. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ أُظهرت لهم. يجوز أن يكون هذا على وجه الوعيد، ويجوز أن يقاد بها بالسلاسل كما جاء في الأخبار. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ استفهام توبيخ أي: يقال لهم أين الأصنام التي كنتم تزعمون إنها تشفع لكم وتقربكم إلى الله زلفى؟ . ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ فتدفع عنكم.

стр. 1842

﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ لأنفسهم فهي في النار معكم. ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ فَقُذِفُوا فيها. وقيل: جُمِعُوا فيها (١). وقيل: دُهْوِرُوا (٢). وأصله من كَبَّ، فيكون للمبالغة (٣). وقيل: طُرِحَ بعضهم على بعض منكوسين على رؤسهم (٤). وقيل: ﴿هُمْ﴾ كناية عن الأصنام. ﴿وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ الكفار (٥). وقيل: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ الشياطين (٦). وقيل: كفرة الجن (٧). ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ من الجن والإنس. ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾ أي: قالت الكفرة وهم في النار تخاصم التابعون والمتبوعون؛ يقول التابعون للمتبوعين: غَرَرْتمونا كذبتمونا. ويقول المتبُوعين: بل ضللتم باختياركم. ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ نعد لكم. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ فنعبدكم. هذا من كلام التابعين وأكدوا قولهم بالقسم.

стр. 1843

﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ أي: كبراؤنا الذين دعونا إلى الضلال وأمروانا به. وقيل: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ الشياطين (١). وقيل: إبليس وابن آدم القاتل (٢). ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ شافع من الأباعد. ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ من الأقارب ينفعنا ويشفع لنا. والحميم: القريب من قولهم: حَمّ الشيء إذا قرب. وقيل: الحميم: الشفيق (٣). وقيل: حميم الرجل من يختصه، من قولهم: دُعي فلان في الحامة لا في العامة أي: في الخاصة (٤). ابن عيسى: الحميم من يغضب لحميمه (٥)، ومنه الحُميّ، والماء الحميم. وعن النبي ﷺ أنه قال: " إن الرجل ليقول في الجنة رب ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي فمالنا من شافعين ولا صديق حميم " (٦).

стр. 1844

وعنه صلوات الله وسلامه عليه " ما أجتمع ملأ، على ذكر الله فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم وإن أهل الإيمان شفعاء بعضهم لبعض وهم عند الله شافعون مشفعون " (١). ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ تمنوا حين لم ينفعهم ذلك. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: الذي ذكرت. ﴿لَآَيَةً﴾ لعظة. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ القوم اسم الرجال دون النساء ثم تدخل النساء معهم. ﴿الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ أي: كذبوا نوحًا ولم يصدقوه في أنه رسول وكذبوا المرسلين قبله لما ذَكَر لهم أخبارهم. الحسن: من كذب واحدًا منهم فقد كذب كلهم (٢). ويحتمل أنهم أنكروا بعث الرسل أصلاً فقد كذبوا كل الرسل فلذلك جمع وكذلك الكلام في جميع ما في هذه السورة. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في النسب. ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ الله فتتركوا عبادة الأصنام. ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾ عليكم غير خائن لكم، وقيل: أمين لله ءأتمنني لرسالته (٣). وقيل: صادق فيما بلغتكم. وقيل: أمين عندكم عرفتموني بالأمانة والصدق قبل اليوم فلم أكن لأصدق فيما بيني وبينكم من الأمر وأكذب على الله (٤). ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ فيما أمركم به فاني لا أخونكم ولا أريد بكم سوءً.

стр. 1845

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على ما أدعوكم إليه. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ أجرًا مالاً وثوابًا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي. ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ فذلك أريده. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ كرر لأن الأول متصل بقوله ﴿أَمِينٌ﴾، والثاني بقوله ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] فهما سببان. ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ الأقلون مالاً وجاهًا. ابن عباس، ﵄: الحَاكَةُ (١). عكرمة: الحَاكَة والأسَاكِفَة (٢). وقيل: الحجَّامون. وقيل: أهل الضعة والخساسة (٣). وقيل: المتكبرون. وقيل: يسألون ولا يقنعون، حكاها الماوردي (٤). ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾ أي: لا أطلب علم ما عملوه إنما علي أن ادعوهم. وقيل: قالوا إن الذين آمنوا بك ليس في قلوبهم ما يُظهرونه فقال ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥). ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ أي: إلي ظاهرهم والله يحاسبهم على ما في قلوبهم. وقيل: " كان " زيادة، وتقديره: ما علمي بعلمهم مؤتنفاً أي: ليس علي من ذلك ضرر. وقيل: معناه: لعل لهم عند الله منزلةً بحسن أعمالهم وإن لم يكونوا من أشرافكم (٦).

стр. 1846

وقيل: معناه لم أكن أعلم إن الله يهديهم إلى الإيمان من بينكم (١). ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ أي: بمبعدهم من عندي. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ عما تقول. ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾ المشتومين. وقيل: المقتولين (٢). وقيل: من المضروبين بالحجارة (٣). ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ أي: احكم بيننا. ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ من عذاب عملهم. وقيل: من عملهم لأنه سبب العذاب (٤). ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)﴾ المملوء، تقول: شحنها عليهم خيلاً ورجالاً أي: ملأها، والجند شحنة البلد أي: الذي ملأ كفاية. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ بعد إنجاء نوح ومن آمن معه. ﴿الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ من قومه فأهلكناهم بالماء. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ عادٌ قبيلة ولهذا أنث وهو في الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾ سبق.

стр. 1847

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ بكل مرتفع من المكان. وقيل: الرِّيع: السبيل سلك أم لم يسلك، وأصله في اللغة الزيادة (١). مجاهد: الرِّيع فجٌ بين جبلين (٢). ﴿آَيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾ مجاهد: بنياناً (٣). غيره: علامة يجتمعون إليها للعبث بمن يمر في الطريق (٤) وقيل: هو برج الحَمَام (٥). وقيل: جعل تفاخرهم بالأبنية عبثًا لا محصول له (٦). وقيل: المفعول محذوف وتقديره: أتبنون بكل ريعٍ أبنيةً عظيمةً و ﴿آَيَةً﴾ نصب على المفعول له. ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ جمع مصنعه وهي البناء على الماء. وقيل: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ أبنية وكل بناء مصنعة (٧). وقيل: قصورًا مشيدة وأبنية محكمة (٨). وقيل: مصانع حصونا (٩).

стр. 1848

﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ أي: كأن هذه الأبنية تخلدكم في الدنيا. ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ إذا انتقمتم انتقمتم انتقام الجبارين بلا رأفة ولا أبقاء. والبطش: العسف قتلاً بالسيف وضربًا بالسوط. وقيل: جبارين قَتَّالين (١). وأصل الجَبَّار الممتنع مشتق من جَبَّار النخل وهو الذي قد ارتفع من أن يناله يد (٢). الحسن: إذا بطشتم بالمؤمنين بطشتم على غير الثبت واليقين (٣). وقيل: البطش: القتل على الغضب (٤). ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك هذه الأشياء. ﴿وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾ فيما أدعوكم إليه. ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢)﴾ أعطاكم ما تعلمون (٥) والإمداد: إتباع الثاني بما قبله شيئاً بعد شيء على انتظام، ثم فسر (٦) فقال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾ في الدنيا. وقيل: في الأخرى (٧).

стр. 1849

﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾ أي: لا نقبل كلامك (١) ودعوتك، وعظت أم سكت. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين الذين ادعوا النبوة ولم يكونوا أنبياء. وقرئ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بضمتين (٢) أي: ما هذا إلا عادة الأولين نحيى ثم نموت ولا بعث ولا نشور. وقيل: إن هذا الذي نحن فيه من اتخاذ إلأ بنية في الريع والمصانع إلا عادة الأولين (٣). ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾ على ما نحن عليه من الأقوال والأفعال. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بريح صرصر عاتية. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (١٤٦)﴾ أي: في الدنيا آمنين لا تخافون عذاباً ولا موتاً بل تخلدون.

стр. 1850

﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾ وكانوا يسكنون الحِجْر، وهي ذات نخل وزرع ومياه (١). ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ اختلفوا فيه؛ فقيل: الهضيم: الَّلاصق بعضه ببعض، والطلع مادام في كفراه فهو هضيم (٢) وإذا خرج فليس بهضيم (٣). وقيل: الهضيم: الرطب اللين (٤). وقيل: المذنِبُ من الرطب (٥). وقيل: هضيم أي: نضيج مدرك (٦). وقيل: هضيم ما ليس فيه نواة (٧)، وقيل: الهضيم: المتهشم المتفتت (٨). وقيل: هو الذي يركب بعضه بعضًا (٩). وقيل: الهضيم انحماض الطلع وتقارب قشرته من الجانبين (١٠). وقيل: لطيف في جسمه، ومنه هضم الطعام إذا لطف واستحال إلى مشاكلة البدن (١١). ابن عباس، ﵄: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أينع وبلغ (١٢). وقيل: العُذُق المتدلية، حكاه القفال.

стр. 1851

وقيل: هضيم: هاضم (١). ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ فرهين وفارهين (٢)، فالفَارِهُ: الحاذق لأنهم كانوا ينقرون الجبال ويتخذون فيها بيوتًا يسكنونها، ووصفهم بالحذق في تلك الصنعة، ومعني فَرِهَ: أَشِرَ. وقيل: فرح (٣). ابن عباس، ﵄: بطر (٤). الضحاك: كَيِّس (٥). ابن زيد: قوي (٦). أبو عمرو: فَرِهَ يَفْرَه فراهة إذا نَعِمَ باله فهو فاره، وفره (٧)، (٨).

стр. 1852

الخليل (١): فره: أشره، وفاره: حاذق (٢). وقيل: فرهين: محيرين (٣). وقيل: معجبين (٤). وقيل: آمنين (٥). ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١)﴾ الكافرين. ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ وكانوا تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون. ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ أنت مثلنا، وكل دابة تأكل فهي مُسَحَّرة، والسحر الغذو، والمسحر: المغذو (٦). وقيل: لك سَحَر وهو الرئة أي: مثلنا (٧). وقيل المسُحَر: المخدوع (٨). الزجاج أي: سُحِر مرة بعد أخرى حتى اختل عقله (٩). ابن عباس، ﵄: من المخلوقين (١٠).

стр. 1853

المبرد: المسحر: السُّوقَة الذي ليس بملك (١). قتادة: من الساحرين (٢)، وفيه نظر (٣). ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ في دعواك. ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ الآية فيها أنها خرجت من صخرة وهي حامل فلم يؤمنوا. فشدد عليهم فقال: ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ حظ ونصيب من الله. ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ لا تزاحموها في الشرب ولا تزاحمكم فيه. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ بعقر وإهلاك. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾ عقرها قُذار بن سالف. ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧)﴾ على عقرها حين رأو العذاب. والعَقْرُ: ضرب الساق بالسيف وما يجري مجراه (٤). وقيل: العقر الجرح (٥). وقيل: أتاهم صالح بالمعجزات فآمنوا به فلما مات اتردوا ثم أحياه الله فبعثه ثانياً إليهم فكذبوه فأتاهم بالناقة (٦).

стр. 1854

﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ أي أتواقعون الذكورة من الناس. وقيل: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من الغرباء (١). ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ له وجهان: أحدهما: وتذرون النساء اللواتي جعلهن الله لكم أزواجًا (٢). الثاني: وتذرون فروج أزواجكم وكانوا يأتون أدبار النساء أيضاً (٣). قال الزجاج " ويسمى هذا الفعل التحميض " (٤). ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ ظالمون غاية الظلم. ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ عن دعواك النبوة والإنكار علينا.

стр. 1855

﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ المنفيين من بلدنا. ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ اللواط (١). ﴿مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ المبغضين، والقالي: التارك للشيء بغضًا له (٢). ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ أي: من عذاب عملهم. وقيل: أخرجني من بينهم حتى لا أراهم (٣). وقيل: نجني من مقاساة مخالطتهم (٤). ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾ بناته ومن آمن معه. ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ هي امرأة لوط غبرت فلم تخرج مع لوط. وقيل: غبرت فلم تهلك مع قومها ثم أصابها الحجر بعد ما خرجت من القرية (٥). ابن عيسى: الغابر الباقي في قلة كالتراب يبقى غباره (٦). ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (١٧٢)﴾ أهلكناهم. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهب: كبريتا ونارًا (٧). ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ الكافرين.

стр. 1856

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ الخليل: الأيكة: غيضة تنبت ناعم الشجر كالسدر والأراك (١). الزجاج: الأيكة: الشجر الملتف وكان أصحاب الأيكة أصحاب شجر ملتفة، وشجرهم الدُّوْم (٢)، وهو المُقل (٣). وقريء " ليكة " وهي اسم علم لتلك المدينة والبقعة (٤). ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ابن عباس، ﵄: أصحاب الأيكة أصحاب مدين (٥). غيره: أصحاب الأيكة غير أهل مدين فأرسل الله شعيبًا إلى أمتين، ولهذا لم يقل أخوهم لأنه لم يكن من نسبهم وكان من نسب أهل مدين فقال لهم أخوهم شعيب (٦).

стр. 1857

وقيل: أصحاب الأيكة كالبادية وأصحاب مدين كالحاضرة (١). ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) * أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾ حقوق الناس، تقول خسر حقه وأخسره. ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾ أي: العدل والوفاء. والقِسْطَاس: إقوام الموازين وهو الشاهين. وقيل: القَبّان (٢). وقيل: المعيار (٣). وقيل: الميزان (٤). وقيل: هو رومي (٥). وقيل: هو عربي، وأصله من القسط (٦).

стр. 1858

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ حقوقهم، وذكر بأعم الألفاظ. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ العُثِيّ: إسراع الفساد (١). ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ أي: وخلق الجِبِلة، والجِبِلة: الخلق، من جَبَلَة الله أي: خلقه. وقيل: الجِبِلَّة: الخَلْق المتجسد الغليظ مأخوذ من الجبل (٢). وقيل: معنى ذكر الجِبِلة انذارهم ما أوقع الله بهم من العقوبات أي: خلقكم وخلق الأولين وقد رأيتم وقائعه بهم (٣). الضحاك عن ابن عباس، ﵄: الجبلة عشرة آلاف، حكاه النقاش (٤).

стр. 1859

﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: قطعة من السماء (١). وقيل: جانبًا منها (٢). وقيل: الكِسْفَةُ: القطعة من السحاب (٣). وقيل: عذابًا من جانب السماء (٤). ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ في دعواك. ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾ أي: إن كنتم تستحقون عذاب الاستئصال فيأتيكم وإلا فلا. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ سلط الله عليهم الحَرَّ سبعة أيام ولياليها حتى غلت أنهارهم ثم رُفع لهم جبل تحته ماء بارد فاستظلوا به فسقط عليهم. الزجاج: الظُّلَّة: سحاب أظلتهم (٥) واجتمعوا تحتها يستجيرون بها من شدة الحر فأطبقت عليهم فكان من أعظم يوم في الدنيا (٦). ابن عباس، ﵄: من حدثك ما عذاب يوم الظلة فكذبه (٧)، لعله أراد لم ينج منهم أحد فيخبر به.

стр. 1860

﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ الهاء يعود إلى القرآن كناية عن غير مذكور لأن القرآن كله كسورة واحدة. وقيل: يعود إلى قوله ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ [الشعراء: ٥] وهو القرآن (١). ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ يعني جبريل وهو الأمين على الوحي، وسمي روحًا لأن الملائكة روحانيون خلقوا من الريح. وقيل: لأن فيما يأتي به رُوحًا وحياةً للدين. وقيل: لأنه خلقه من روحه التي نفخ في آدم. وقيل: لأن الحياة أغلب عليه. وقيل: روح اسم علم له لا صفة (٢). ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: عليك وخص القلب بالذكر لأنه محل الوحي والتثبت (٣). ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ تعلم الخلق موضع المخافة. ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ بلغة قريش وجُرْهُم (٤). ﴿مُبِينٍ (١٩٥)﴾ واضح المعنى.
следующие страницы →