← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، أي: محقاً، وقيل: بسبب الحق وإثباته. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. ابن عباس ﵄: أميناً (١). الكسائي: شاهداً (٢). ابن جرير: حافظاً (٣). وهو من أسماء الله تعالى، وفي الآية حالٌ عن الكتاب (٤). وقيل: عن النبي ﷺ . وأصله: مؤيمن، قلبت همزته هاء، أي: عال على سائر الكتب وحاكم عليها. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي: في القرآن، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فتحكم بما حرفوه وزعموا أنه (٥) من كتابهم. قيل: هي الناسخة للإعراض في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مائلاً عنه، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ أي: لكل أمة، و ﴿مِنْكُمْ﴾ خطاب لأمة محمد ﷺ ، وسائر الأمم مندرج معهم (٦) كما يغلب الخطاب، وقيل: لكلكم (٧)، والمراد به أمة محمد ﷺ فحسب. والشرعة: الشريعة، وهي الطريقة إلى الماء، وشبه الدين بها لما فيه من الطريق

стр. 177

إلى الحياة في الدين (١). ابن عيسى: أصله الظهور. أبو عبيدة: هي من قولهم: شرعت له شريعة، أي: فتحت له باباً وجعلت له مسلكاً (٢). ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ المنهاج: الطريق الواضح، يقول: نهج الأمر: أي: وضح، وقيل: الشريعة: المنهاج، وكرر: لاختلاف اللفظين. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على دين واحد في جميع الأزمان في الأصل (٣) والفروع من غير نسخ وتبديل. قيل: جواب لو محذوف، أي: لَفَعَلَ، وقيل: لو شاء لأجبركم على الإسلام، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليعاملكم معاملة المختبر تَعَبُّدَ كل أمة بما اقتضته الحكمة في وقته. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ بادروا إلى الطاعات وما أمرتكم به قبل الموت والفوات (٤). وقيل: كيلا يفوتكم حظ السبق والتقدم. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ أي: مرجعكم إليه بالموت والبعث فيظهر المحق من المبطل. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 178

إِلَيْكَ﴾، في سبب النزول عن ابن عباس ﵄: أن جماعة من اليهود منهم كعب ابن أسيد (١) وابن صوريا وشأس بن قيس قال بعضهم لبعض (٢): اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا محمد: إنا أحبار اليهود وأشرافهم، فإن اتبعناك اتبعتنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، نحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم (٣)، ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى النبي ﷺ ذلك، فأنزل الله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ (٤) أن (٥) يردوك فيصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وهو ما دعوه إليه واختلفوا فيه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن حكمك ولم يرضوا به. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ إصابتهم. ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ في الدنيا بالسبي والقتل والجلاء، وقيل: بجميع ذنوبهم في القيامة. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ لخارجون عن أمر الله. يحتمل الاتصال فيكون اليهود، ويحتمل الاستئناف. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ عبدة الأصنام (٦) والمشركين. وقيل: حكم الجاهلية هو العفو (٧) عن الأشراف وأخذ الضعفاء به.

стр. 179

وقيل: حكم الجاهلية تغيير حكم الله. ﴿يَبْغُونَ﴾ يطلبون. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ شرعاً وديناً، حَكَمَ بما هو خيرٌ لكم وإن لم تعرفوا وجهه. وقيل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ أي: لا يُحابي ولا يَحيف. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ أي: من أيقن بالله علم ذلك، وقيل: يوقنون: يؤمنون. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ في سبب النزول قال عطية العوفي: جاء عبادة بن الصامت ﵁ فقال: يا رسول الله إن لي مواليَ من اليهود كثيرٌ عددهم، حاضرٌ نصرهم، وأنا أبرأُ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، وأوالي الله ورسوله، فقال عبد الله بن أُبي: إني رجل أخاف الدوائرَ ولا أبرأُ من ولاية اليهود، فقال رسول الله ﷺ : (يا أبا الحباب (١): ما نحلت (٢) به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه)، قال: قد قبلت، فأنزل الله فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (٣). ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.

стр. 180

عكرمة: نزلت في أبي لبابة (١). ومعنى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تعتمدوا عليهم ولا تطلعوهم على بواطن أموركم الدينية والدنيوية، وقيل: هو في باب الدين خاصة بعضهم أولياء بعض وكلهم أعداء لكم. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أي والاهم في الدين وكان (٢) معهم على المسلمين. ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ في الدين ومعهم في النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ لا يرشدهم. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عبد الله بن أُبيّ وأصحابه (٣). ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في موالاتهم ومعاونتهم على المسلمين. ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ نخاف أن تكون الدولة لليهود. الزجاج: نخاف أن لا يتم أمر النبي ﷺ (٤). والدوائر: جمع دائرة وهي حالة تقع على خلاف الأُوْلَى. ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أجمع المفسرون على أن عسى من الله واجب (٥)،

стр. 181

والمعنى: عسى الله أن يفتح مكة ويظهر الإسلام على سائر الأديان، وقيل: يفتح بلاد المشركين ويظفر المسلمين، وقيل: بالفتح: بالفصل، من قوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ هو السبي والجلاء، وقيل: يأمر النبي ﷺ بإظهار أمر المنافقين. وقيل: إلزام الجزية. ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من النفاق والشرك. ﴿نَادِمِينَ (٥٢)﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الرفع على الاستئناف ويقويه حذف الواو، والنصب على العطف على المعنى (١)، أو أن يجعل ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ بدلاً من اسم الله، والمعنى: يقول المؤمنون بعضهم لبعض عند ذلك. ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أغلظ الأيمان، وجهدٌ: مصدر (٢) وقع موقع الحال. ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ من المسلمين وأعوان على المخالفين. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ التي كانوا يعملونها رياءً وسمعةً لا إيمانا وعقيدة. ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ إذا جاء الفتح والأمر خسروا بفوات الدنيا والدين. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: من يرجع عن الإسلام إلى ما كان

стр. 182

عليه من الكفر. وارتدّ لازم ردّه، كاغتر لازم غرّه (١). ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ فسيأتي قومٌ (٢). ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أي: يحبهم الله بإكرامه إياهم وإدخالهم الجنة، ويحبون الله بإيثارهم طاعته واجتنابهم معصيته. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي (٣): هم للمؤمنين كالوالد لولده والعبد لسيده، من الذِّلِّ بالكسر، وهو سهولة الأخلاق ولين الجانب. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ غلاظ شداد كالسبع على فريسته، من عزَّهُ، أي (٤): غَلَبَه، والعزاز الأرض الصلبة. ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقاتلون الكفار في طلب رضاه. ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ ملامة من يلوم من قريب أو صديق، فيتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥). واختلفوا فيمن (٦) نزلت الآية: علي والحسن البصري في جماعة: نزلت في أبي بكر وأصحابه رضى الله

стр. 183

عنهم (١). السدي: في الأنصار (٢). وروي مرفوعاً أنهم قوم أبي موسى الأشعري ﵁ (٣). وذكر المفسرن أن وفودهم أتت في أيام عمر ﵁، وكان لهم في الإسلام أثر حسن (٤). مجاهد: في أهل اليمن (٥). والأظهر: القول الأول؛ لأن الارتداد وقع في زمانه حين ارتدَّت العرب، والقصّة معروفة (٦).

стр. 184

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ذلك: إشارة إلى ما تقدَّم من الأوصاف. وقيل: إلى الجهاد. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في سبب النزول عن محمد بن مروان عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن قد آمنوا، فقالوا: يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث، وإن قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يؤاكلونا، فشقَّ ذلك علينا، فقال لهم النبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، ثم إن النبي ﷺ خرج إلى (١) المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر إلى سائل (٢) فقال: (هل أعطاك أحد شيئاً)؟ قال: نعم، خاتماً من ذهب، وقيل: من فضة. قال: (من أعطاك)؟ قال: ذلك الغلام، وأومأ بيده إلى علي ﵁، فقال: (على أي حال (٣) أعطاك)؟ قال: كان راكعاً، فكبَّرَ النبي ﷺ ثم قرأ الآيتين (٤).

стр. 185

وقيل: نزلت في عباده بن الصامت (١). والمعنى: ناصركم والذي يلي أمركم. وقيل: محبكم الله ورسوله والذين آمنوا. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ أي: في الصلاة، وهو علي رضى الله عنه (٢). وقيل: هو لجميع المؤمنين، واللفظ ينبئ عن هذا لكونه جمعاً، وقيل: راكعون: خاضعون، وقيل: متنفِّلون، من قولهم: هو يركع: أي: يتنفَّل. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ اتخذه ولياً وتوكل عليه (٣). وقيل: يتولى القيام بطاعته. وقيل: يكون وليّاً لله ورسوله. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ جند الله وجموعه. وقيل: الحزب: الولي. وقيل: الناصر، واشتقاقه من قولهم: تحزب القوم: اجتمعوا، والحَزَابِيَةُ: الحمار المجتمع الخلق، والحَيْزَبُوْنُ: العجوز، لاجتماع الأخبار والأمور عندها (٤). ﴿هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ يقهرون أعداءهم في الدنيا.

стр. 186

وتقديره: ومن يتول الله فهو غالب. ويحتمل أنه لما كان الحزب والمتولي واحداً جاز حذف العائد. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ابن عباس ﵄: كان رفاعة بن زيد وسويد (١) بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم (٢) نَافَقَا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما فأنزل الله هذه الآية (٣). ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ من نصبَ عطفَ على الذين الأول، ومن جر فعلى الثاني (٤). والمعنى: لا تتخذوا هؤلاء الذين يستهزؤن بكم ويسخرون منكم أولياء. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك موالاتهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ بوعده ووعيده. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قال الكلبي: كان منادي رسول الله ﷺ إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، قد صلُّوا لا صلوا، قد ركعوا لاركعوا (٥)، استهزاءً وضُحكة، فأنزل الله الآية (٦).

стр. 187

السدي: نزلت في رجل من النصارى (١) بالمدينة، كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول (٢) الله قال: أُحْرِقَ الكاذبُ، فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام (٣)، فتطاير منها شررٌ في البيت، فأحرقت البيت (٤) واحترق هو وأهله (٥). وقيل: حسدوا رسول الله ﷺ على الأذان (٦). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ إن الهزء واللعب لا يكونان من العقلاء؛ إنما ذلك من الجهَّال. وقيل: لا يعقلون فضل الأذان والصلاة عند الله. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ أي: تنكرون، وقيل: تكرهون، وقيل: تسخطون. تقول: نَقَمَ: أنكر ولم يرضَه، وانتقمَ: كافأه. ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ أي: ولأن أكثركم فاسقون نقمتم إيماننا، وقيل: نقمتم إيماننا وفسقكم لأنكم عرفتم أنكم مبطلون، وقيل: تقديره: وبأن أكثركم فاسقون، فهو عطف على ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، والمعنى: تنكرون

стр. 188

اعتقادنا فسقكم، ومعنى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن أمر الله بإنكاركم (١) نبوة محمد ﷺ . ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. ابن عباس: أن نفراً من اليهود سألوا رسول الله ﷺ عمن يؤمن به من الأنبياء؟ فعدَّ فيهم المسيح، فقالوا: لا نؤمن به، وجحدوا نبوته، وقالوا: والله لا نعلم ديناً شرّاً من دينكم. فأنزل الله تعالى الآية (٢). ومعنى: ﴿أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أخبركم بإنسان شر من ذلك ثمَّ فسَّر بِمَنْ، وقيل: بفعل شر من ذلك، ثم أضمر في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: فعل من لعنه الله، وذلك إشارة إلى الإيمان عند الزجاج، أي بشر من إيماننا ثواباً (٣). ابن بحر: إن كان ما نحن فيه شَرَّاً عندكم، فشر منه ثواباً - أي: عاقبة - من لعنه الله. وقيل: بشر من المؤمنين. وقيل: بشر من الناقم مع أنه فاسق هو: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. والمثوبة: الثواب، وزنها: مَفْعُلة، بالضم، وقيل: أصلها (٤): مفعولة، ومعنى ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعده الله من رحمته. ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ عاقبه.

стр. 189

﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ﴾ خلق منهم، وقيل: صَيَّرَ منهم (١). ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ أي: مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير. ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الطاغوت الذي عبده اليهود العجل، ومن قرأ (عَبَدَ) عطفه على ﴿لَعَنَهُ﴾، وفيه ضمير مَنْ، ومن قرأ (عَبُدَ الطاغوت) فهو اسم وضع للمبالغة يراد به الكثرة (٢)، كَيَقُظ، ونَدُس (٣)، أضيف إلى الطاغوت، وقرئ في الشواذ على وجوه كثيرة (٤)، وليس هذا موضع ذكرها. ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منهم، أي: أسوأ حالاً، وقيل: مكانهم من النار. ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ عن قصد الطريق، واستعمل لفظ التفضيل وليس في المؤمنين شرٌّ: لازدواج الكلام والمظاهرة في الحجاج، وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ وهم آباؤهم (٥): شرٌّ مكاناً من هؤلاء الذين نقموا (٦).

стр. 190

﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ نزلت في المنافقين، وقيل: في اليهود، وقيل: في منافقي اليهود، وهذا أظهر. والباء للحال، أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ أي: بما يضمرونه فيجازيهم عليه، وقيل: كانوا يكتمون (١) من صفة محمد ﷺ ونعته. ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ من اليهود والمنافقين. ﴿يُسَارِعُونَ﴾ يبادرون كأنّهم محقون. ﴿فِي الْإِثْمِ﴾ الجرم والذَّنب. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلم ومجاوزة الحدّ. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ الرشوة في الحكم، وقيل: الربا، وهو مصدر سمي به. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ أي: بئس شيئاً عملوه. ﴿لَوْلَا﴾ هلا. ﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: علماؤهم. ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ أي: عن قولهم ما يأثمون فيه. ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ أي: بئس شيئاً صنعهم. وقيل: إن (ما) فيهما (٢) للكف، كما في (إنما). والصنع والعمل واحد، إلا أن الصنع يتضمن الجودة. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ابن عباس ﵄: كانت اليهود في سَعَةٍ

стр. 191

ونعمة، فلما كذَّبوا محمداً ﷺ كفَّ اللهُ عنهم ما بسط عليهم، فقال فنحاص: يد الله مغلولة، أي: مقبوضة ممسكة عن الرزق، أي: عطاؤه (١). نسبوه إلى البخل، كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. وقيل: نسبوه إلى الفقر كما سبق في آل عمران (٢). وقيل: القائل فنحاص فحسب، لكنهم لما لم ينهوه ورضوا بقوله صاروا كالقائلين لهذا القول. الحسن: معناه يد الله مغلولة عن عذابنا فليس يعذبنا ألا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل (٣). وقيل: معناه: أَيَدُ الله مغلولة؟ على الاستفهام، أي: حين قَتَّرَ علينا (٤). ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم، وقيل: خبر، والمعنى: ضربت عليهم المسكنة، وقيل: أجيبوا به ازدواجاً للكلام، وقيل: غلت أيديهم في النار، وقيل: غلت أيديهم بالبخل، فلا يرى يهودي إلا وهو بخيل. ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ أي: طردهم من رحمته بسبب مقالتهم، وقيل: يجوز أن يكون

стр. 192

قالوه على سبيل الهزء، أي (١): إن (٢) إله محمد الذي أرسله مغلولة يداه، أي: ليس يوسع عليه وعلى أصحابه، وزعم اليهود أن ربهم أبيض الرأس واللحية جالس على كرسي. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. ابن جرير: نعمتاه (٣). وقيل: نعمة الدين والدنيا. وقيل: نعمة الدنيا والعقبى. وقيل: الملك والسلطان. وقيل (٤): أراد المبالغة فثنى، كما تقول: لبيك وسعديك وحنانيك. واليد: الجارحة والنعمة والقوة والملك والسلطان (٥). وتحقيق الإضافة ومجيئها في القرآن موحَّداً، نحو: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩]، ومثنى، نحو: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، و ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ومجموعاً، نحو: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] دليل قاطع على أنها ليست بالجارحة تعالى الله عن ذلك (٦).

стр. 193

﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعنى علماؤهم ورؤساؤهم. ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعنى القرآن. ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ يحملهم الحسد على الكفر بالقرآن، فيزدادوا (١) كفراً وغلوّاً. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يريد بين اليهود، كقوله (٢): ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]. الحسن: بين اليهود النصارى (٣). ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي: كلما أرادوا حرب محمد ﷺ ردَّهم الله (٤). الزجاج: هذا مَثَلٌ، أي: كلما جمعوا على النبي (٥) ﷺ للحرب فَرَّقَ الله جمعهم وأفسد ذات بينهم (٦). قتادة وابن جرير (٧): حكم الله بإذلالهم عقوبة لهم، فلا يُنصرون على كل من يُحارِبون إلى يوم القيامة (٨).

стр. 194

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ في دفع الإسلام وإنكار نبوة محمد ﷺ ، وقيل: بالظلم وركوب المعاصي، وقيل: بسفك الدماء واستحلال الحرام. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ لا يجازيهم خيراً. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ أي: بمحمد ﷺ . ﴿وَاتَّقَوْا﴾ المعاصي. ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لم نعاقبهم عليها. ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾ أي: حكمنا لهم بالدخول فيها. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: عملوا بما فيهما من الأحكام من غير تبديل وتحريف ولم ينكروا صفة محمد ﷺ ونعته، وقيل: أقاموهما نصب أعينهم بالعمل بما فيهما (١). ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: آمنوا بالقرآن المنزل إليهم وإلى غيرهم. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يريد المطر. ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يريد النبات، أي: لَوَسَّعْنَا عليهم الرزق، وكانوا قد أصابهم جَدْبٌ (٢). وقيل: من فوقهم: ثمرة الأشجار، ومن تحتهم: الزرع. وقيل: من فوقهم: ما يأتيهم من كبرائهم، ومن تحت أرجلهم: ما يأتيهم من العامة. وقيل: هو كقولهم: فلان في الخير (٣) من قرنه إلى قدمه.

стр. 195

﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ وهم الذين آمنوا بمحمد ﷺ . والاقتصاد: الاستواء في العمل من غير إفراط وتفريط (١). وقيل: هم الذين آمنوا بعيسى (٢) من اليهود، وقالوا إنه عبد الله ورسوله، ولم يتَّخذوه ربّاً، ولم ينسبوه إلى غير رشده؛ لأنهم تفرَّقوا ثلاث فرق. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ أي: هم كفار. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في سبب النزول عن الحسن قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لما بعثني الله برسالته ضقت به (٣) ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني)، وكان ﷺ يهاب قريشاً واليهود والنصارى فأنزل الله هذه الآية (٤). وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة فقلت: ما شأنك؟ قال: (ألا رجل صالح يحرسني الليلة)، قالت: فبينما نحن في ذلك؛ سمعت صوت السلاح فقال: (من هذا؟ ) قال: سعد وحذيفة: جئنا نحرسك. فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه (٥)، فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قبة أدم وقال: (انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله) (٦).

стр. 196

عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: كان أبو طالب يرسل مع النبي ﷺ رجلاً من بني هاشم يحرسه حتى نزلت هذه الآية فقال: (يا عمَّاه: إنَّ الله قد عَصَمَني من الجنِّ والإنس) (١). محمد بن كعب القرظي: أن أعرابياً همَّ بقتل النبي ﷺ فسقط السيف من يده فجعل يضرب برأسه شجرة حتى انتثر (٢) دماغه فنزلت هذه الآية (٣). ومعنى ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: دم عليه وواظب وبلغ عشيرتك الأقربين وبلغ المشركين وأهل الكتاب وكافة الناس ولا تهبهم وبلغ ما أنزل إليك كله. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: هذا التبليغ، وقصرت في تبليغ بعضه أو بعضهم شفقاً وحذراً من الرد. ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ لأن ترك إبلاغ بعضه محبط لإبلاغ ما بلغت، وقيل: الدعوة بمنزلة الصلاة إذا نقص ركن من أركانها بطل الجميع. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ يحرسك ويحفظك (٤) من أن ينالوك بقتلٍ أو قهر.

стр. 197

وقيل: يعصمك من بين الناس عن الذنوب، وكل نبي معصوم عن الكبائر. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ لا يمكنهم مما يريدون. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: على حجة وحق، وقيل: على شيء من الدين، وقيل: على شيء ينفعكم وينجيكم. ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: تؤمنوا بمحمد ﷺ ، فإنكم قد أمرتم به فيهما (١). ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ القرآن (٢). ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ سبق (٣). ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ أي: إذا فعلت ما أمرت به من التبليغ فلا تحزن عليهم، يقول: أسِيَ يأسى أسىً (٤) فهو آسٍ وأسٍ وأسيان وأسوان (٥). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ سبق تفسير الآية (٦). وقوله ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ رفع عند الكسائي (٧) بالعطف على الذين (٨) وقال: إن

стр. 198

عمل إن ضعيف فجاز العطف عليه بالرفع. الفراء: قال: إذا لم يستبن في اسم إِنَّ الإعراب جاز العطف عليه بالرفع (١). وعن الكسائي أيضاً: أنه عطف على الضمير في ﴿هَادُوا﴾ أي: هادوا هم والصابئون. وهذه الوجوه غير مرضيَّة عند البصريين. ووجهه عند سيبويه: إنه رفع بالابتداء وخبره: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (٢)، وخبر إن: مقدر دل عليه ما بعده، كقول الشاعر (٣): نحنُ بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلفُ أي: نحن بما عندنا راضون (٤). وقيل: خبر إن: ﴿مَنْ آمَنَ﴾، وخبر ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مقدر كقول الشاعر (٥): فمن يكُ أمسى بالمدينة رَحْلَه ... فإني وقيارٌ بها لغريبُ أي: فإني لغريب وقيارٌ كذلك. ودلَّ (٦) اللام على أنه خبر إن.

стр. 199

ويحتمل أن معناه: نعم، ﴿وَالَّذِينَ﴾ رفع بالابتداء. ويحتمل أيضاً إنه (الذين) (١)، أي: إن الأمر والشأن (٢)، وسيأتي هذا في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (٣). ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ﴾ أي: كل حين جاءهم فيه. ﴿رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ تحب وترضى. ﴿أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ محمداً وعيسى صلى الله عليهما وسلم. ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ يحيى وزكريا ﵉، وقيل: فريقاً (٤) كذبوا: اليهود والنصارى، وفريقاً يقتلون: اليهود وحدها، لأن النصارى لم تقتل نبياً. وقوله ﴿يَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلوا، وجاء بلفظ المستقبل لرويِّ الآية (٥). ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يكون شرك في قتلهم الأنبياء وتكذيبهم

стр. 200

إياهم (١)، وقيل معناه: إن تكذيبهم إياهم (٢) وقتلهم لا يجلب إليهم العذاب. ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ أي (٣): عموا عن الدلائل والهدى وصموا عن استماع الحق. الزجاج: أي (٤) لم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا فصاروا كالعُمْيِ والصُّمِّ (٥). ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: تابوا وأقلعوا، وقيل: ثم تاب الله عليهم بإرسال محمد ﷺ . ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: آمن بعضهم وكفر كثير منهم. وكثير: بدل عن الواو، بدل البعض من الكل، وقيل: هم كثير منهم، وقيل: هو على لغة أكلوني البراغيث. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ فيجازيهم على وفق أعمالهم. ويستعمل بعد باب ظننتُ: أن المخفّفة (٦) والمحقّقة، فمن نصب فهي المحققة (٧)، ومن رفع فهي (٨) المحققة خففت، وتقديره: أنه لا تكون (٩). ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ سبق تفسيره (١٠). ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: غير الله. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي: منعها منه.

стр. 201

﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ مرجعه. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ أي: ثالث ثلاثة آلهة (١). ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ وهو الله سبحانه، وإنما كرر الآية لاختلاف أقوالهم؛ ولأن اليعقوبية من النصارى لعنهم الله زعموا أن الله ربما تجلى بعض (٢) الأزمان في شخص، فتجلى يومئذ في شخص عيسى، فظهرت (٣) منه الآيات والمعجزات. والملكانية قالت (٤): إن الله اسم يجمع أباً وابناً وروح القدس، اختلف بالأقانيم والذات واحدة، فأخبر الله أن كلا الفريقين كافران. ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ بالإيمان بمحمد ﷺ . ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ عن كفرهم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ لمن آمن واستغفر. ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ بشر أكرمه الله برسالته وأيده (٥) بمعجزاته. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: من مضى من الرسل كان بهذه الصفة، فلِمَ اتخذتموه إلهاً (٦). ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ صدقت بكلمات ربها. ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: كانا محتاجين إلى الطعام كسائر الحيوان، وقيل: هو كناية عن الحَدَث، أي: من كان بهذه الصفة لا يصلح للربوبية (٧). ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ على كون عيسى ﷺ عبداً مخلوقاً. ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ يصرفون عن التأمل فيها والتدبر.

стр. 202

وأصل الكلمة الصَّرْفُ، أَفَكَهُ: صَرَفَهُ وَقَلبَهُ، والإفك: الكذب، والمؤتفكات من هذا. ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ قيل: هو متصل بما قبله، والمراد به عيسى ﷺ . وما بمعنى من. وقيل: استئناف واعتراض، والمراد به الأصنام. ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائكم الأصنام. ﴿الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ بمجازاتكم. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الغلو: تجاوز (١) الحدّ، وغلو اليهود: قولهم فيه إنه ساحر كذاب وأنه لغير رِشْدة (٢). وغلو النصارى: اتخاذهم إيّاه آلها. وقوله ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ يجوز أن يكون معناه: غير محقين، وقيل: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ إلا الحق؛ فيجوز الغلو فيه، وقيل: تقديره ولا تقولوا غير الحق. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعنى أسلافهم. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني تُبَّاعهم (٣). ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ قيل: هو تبيان للأول، أي: ضلالهم عن قصد السبيل وهو الإسلام وطريق الجنة لا عن شيء آخر، وقيل: الضمير في ﴿وَضَلُّوا﴾ يعود إلى قوله (كثيراً)، وقيل: يريد ضلُّوا من قبل وضلُّوا من بعد. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: لعنهم الله في الزبور والإنجيل وأبعدهم من خيره ورحمته. والأصح: أن المراد باللعن ههنا: المسخ؛ فإن اليهود مسخت قردة في زمان داود لاعتدائهم في (٤) السبت، ومسخت خنازير في زمان عيسى لما كفروا بعد إنزال المائدة.

стр. 203

الكلبي: لما اعتدوا في السبت قال داود ﷺ : اللهم ليلبسوا اللعنة مثل الرداء ومثل مِنْطَقةِ الحَقْوين (١)؛ اللهم اجعلهم آية ومثلاً لخلقك، فأصبحوا قردة (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: اللعن. ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾ أي: بعصيانهم الله ورسوله واعتدائهم ما حرم عليهم من الصيد في السبت. ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لا ينهي هذا ذاك ولا ذاك هذا، والمنكر: صيد الحيتان في السبت. وقيل: أخذ الرشا وأكل الربا. وقيل: هو قولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ هذا ذم لصنيعهم. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ من اليهود والنصارى. الحسن: من اليهود خاصة (٣). ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يوالون المشركين بغضاً لرسول الله ﷺ والمؤمنين، وتوهيناً لأمرهم (٤). ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ أي: بئس شيئاً قدموا ليردوا عليه يوم القيامة؛ سخط الله والخلود في النار. وقيل: بئس شيئاً ذلك؛ لأن كسبهم: السخطة (٥) والخلود في النار.

стр. 204

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ أي: نبيهم. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني: كتابهم (١). ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ خارجون عن دينهم، فليس لهم دين البتة. وقيل: نزلت في منافقي اليهود والنبي محمد ﷺ ؛ ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ القرآن. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، في سبب النزول عن سعيد بن المسيب (٢) وعروة بن الزبير (٣) وغيرهما، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْريّ (٤) وكتب معه (٥) إلى النجاشي؛ فقدم على النجاشي وقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم جعفر سورة مريم؛ فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاهِدِينَ﴾ (٦). وعن سعيد بن جبير: بعث النجاشي إلى رسول الله ﷺ من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم سورة يس فبكوا، فنزلت فيهم الآية (٧). والمعنى: لتعلمنَّ اليهودَ والمشركين (٨) أشدَّ الناس عداوةً للمؤمنين، ولتعلمنَّ النصارى أقربَ الناس مودةً للمؤمنين؛ لأن اليهود قاسية القلوب. وقيل: يريد به اليهود الذين كانوا بالمدينة حين قدمها النبي ﷺ ، وأما النصارى: فالمراد المسلمون منهم؛ لأنهم الذين آمنوا حين (٩) سمعوا القرآن.

стр. 205

الزجاج: أول الآية في جميع النصارى؛ لأنهم أقل (١) مظاهرة للمشركين من اليهود، وآخرها في المؤمنين منهم (٢). ثم ذكر سبب ذلك فقال، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ القَسُّ والقِسِّيس: اسم الكبير الزاهد العالم منهم، وجمع تكسيره: القساسيس من حيث القياس، ومن حيث السماع: القساوسة، بالواو، حكاه الأزهري في «تهذيب اللغة» وأنشد فيه بيتاً (٣). والقسّ في اللغة: نشر الحديث في النميمة. والرهبان: جمع راهب؛ وهو الذي يَرْهَبُ اللهَ؛ أي: يخافه. ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ لا يتعظمون ولا يأنفون من اتباع النبي ﷺ والإيمان به وبما جاء به. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ يعني القرآن. ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ تمتلئ عيونهم دموعاً فتسيل. ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ من القرآن وصفة محمد ﷺ والبشارة به في كتابهم. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ بمحمد ﷺ . ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ أي: اجعلنا من الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وقيل: اكتبنا في اللوح المحفوظ معهم. وقيل: أثبتنا معهم. ثم إن قومهم عنَّفوهم على إيمانهم؛ فأجابوا بقولهم: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. وقيل: كأن سائلاً سألهم، والمعنى: لأي شيء نمتنع عن الإيمان بالله (٤). ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني محمداً والقرآن.

стр. 206

﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا﴾ الجنة. ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ الأنبياء والمؤمنين. ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ المؤمنين، أي: بقولهم ربنا آمنا واعتقادهم ذلك (١). ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعنى: اليهود والمشركين ومن لم يؤمن من النصارى. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في سبب نزول: أن رسول الله ﷺ جلس يوماً، فَذَكَّرَ الناسَ ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرقَّ الناسُ وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي (٢)، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال (٣): (ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ ) قالوا: بلى يا رسول الله؛ وما أردنا إلا الخير، فقال: (إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنَّتي فليس منِّي) ثم

стр. 207

جمع الناس وخطبهم (١) فقال: (ما بال أقوام حرَّموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنه ليس (٢) في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيَّتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجّوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، فإنما أُهْلِكَ مَنْ كانَ قبلكم بالتَّشدُّد، شددوا (٣) على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الدَّيْرات والصوامع)، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله: فكيف نصنع بأيماننا التي (٤) حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله (٥): ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٦). وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: إني إذا أكلت اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليَّ اللحم، فنزلت: ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ (٧). والمعنى: لا تمتنعوا (٨) من أكل اللذيذات من الأطعمة والأشربة، ولا من التمتع في الملابس والنساء والجواري باليمين والنذر.

стр. 208

﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ ولا تجاوزوا الحد الذي حدّ (١) عليكم في تحريم ولا تحليل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾. ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ مستلذّاً وتمتعوا به. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ ولا تجروا ما أحل الله مجرى ما حرمه الله. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ هو ما يبدو من المرء من غير قصد بالقلب وقد سبق في البقرة (٢). ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ بالقلب واللسان. و(ما) يجوز أن يكون للمصدر، أي: بعقدكم، ويجوز أن تكون الموصولة، أي: عاقدتم عليه، ثم حذف وحذف (٣). ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي: فالذي يستر إثمه ويذهب به. ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الزجاج: الأوسط (٤): الأعدل. وقيل: الخيار. ومعنى الأوسط: في القيمة، وقيل: في الشبع؛ وهو الخبز والإدام (٥). وقيل: الخبز واللحم.

стр. 209

ابن عباس ﵄: الأوسط في المقدار: على قدر العسر واليسر (١). وقيل: يطعم كل واحد نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر أو شعير وغيرهما من الحبوب التي يقتات أهل البلد. ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ يريد ثوباً. وقيل: ثوبين إزاراً ورداء. وقيل: عباءة يلتحف بها أو عمامة يشدّ بها رأسه. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يريد إعتاق إنسان، وخص الرقبة بالذكر: لأن المملوك مشبه بالأسير المشدود رقبته؛ وإعتاقه (٢) كإطلاقه. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: واحداً من الثلاثة المذكورة. وقيل: من لم يجد قوته وقوت من يقوته. وقيل: مائتي درهم. ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فكفارته صيام ثلاثة أيام (٣)، وفي مصحف ابن مسعود ﵁: متتابعات (٤). ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يريد إذا حلفتم وحنثتم. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: لا تحلفوا أصلاً.

стр. 210

وقيل: احفظوها عن الحنث وترك الكفارة. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كمثل ذلك كفارة اليمين (١). ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ وقيل: كبيان الأحكام التي مضت من (٢) أول السورة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ في سبب النزول: أن عمر ﵁ قال: اللهم بَيِّنْ لنا في الخمر بياناً شافياً، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فقرئت على عمر ﵁، ثم قال عمر (٣) ﵁: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] وقرئت على عمر فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية، فقرئت على عمر (٤) إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ قال عمر ﵁: انتهينا انتهينا (٥). وقيل: نزلت في حمزة وشارفي علي ﵄ (٦).

стр. 211

وقيل: في سعد بن أبي وقاص (١). وأكثر المفسرين على أنَّ المُحَرِّمَة هذه الآية. والخمر: عصير العنب بعدما اشتد وصار مسكراً. والميسر: القمار كله، وقد سبق في البقرة بيانه (٢). ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ أصنام كانت تُنصب للعبادة. وقيل: كانت تنصب فيصبّ عليها دم القرابين. ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ سبق تفسيره (٣). ﴿رِجْسٌ﴾ قَذَرٌ ونجس، وقيل: حرام. وقيل (٤): رجس: رجز، وفيه بُعْد. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: هو الذي دعا إلى عمله بتزيينه. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ أي (٥): اجتنبوا الشيطان. ابن الأنباري: اجتنبوا ما (٦) ذكرنا، ويحتمل: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرِّجس (٧). ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ بما يجري فيهما من المشاتمة والمغابنة (٨).

стр. 212

﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ حالة السكر والقَمْر (١). ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ استفهام بمعنى الأمر، أي: انتهوا. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ مخالفته. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن ذلك ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ أي: ليس عليه إلا التبليغ، وإلى الله التوفيق والخذلان. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عن البراء بن عازب ﵁ (٢) قال: مات ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهم كانوا يشربون الخمر (٣)، فلما حُرِّمت قال ناس: كيف بأصحابنا؟ ماتوا وهم يشربونها، فنزلت هذه الآية (٤). والمعنى: ليس على المؤمنين الصالحين ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي: شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريمهما ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشرك ﴿وَآمَنُوا﴾ (٥) بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر والميسر بعد التحريم ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمه ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سائر المحرمات ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ إلى الناس وإلى أنفسهم. وقيل: إذا ما اتقوا المحرمات قبل تحريم الخمر، ثم اتقوا الخمر بعد التحريم، ثم اتقوا ما عسى يحرم.

стр. 213

ابن عيسى: الأول: عمل الاتّقاء. والثاني: دوام الاتِّقاء. والثالث: ضمّ الإحسان إلى الاتّقاء (١). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ يعاملكم (٢) معاملة المبتلي المختبر. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يريد حمام مكة والحَرَم وفراخها. ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ من السقوف والكوى (٣) وفروع الأشجار. ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ إذا بَعُد وفات اليد. مجاهد: كانوا بالحديبية فجعلت الوحوش تغشى رحالهم (٤) كثرة (٥). وقيل: هو صيد الحرم (٦) كائناً ما كان من بيض النعام وفراخه وسائر الوحش (٧) حتى الجراد. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ﴾ علم مشاهدة. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ غائباً عنه، وقيل: غائباً عن المؤمنين، فلا يصيده سراً كما لا يصيده جهراً.

стр. 214

﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه يعود إلى الابتلاء؛ لأن التقدير: ليبلونكم الله بتحريم شيء من الصيد. ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ أي: فصاد فله عذاب أليم (١)؛ قيل: في الآخرة، وقيل: في الدنيا بالضرب والتأديب. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يريد صيد الحرم وغيره. وحُرُم: جمع حرام (٢). ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ابن عباس في جماعة: ذاكراً إحرامه (٣). وقيل: يتعمَّد القتل وينسى الإحرام. ﴿فَجَزَاءٌ﴾ أي: فعليه جزاء. ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ يماثل ما قتل (٤) ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة للجزاء. ومن أضاف فمثل زيادة (٥). والنعم: الإبل والبقر والشاة. الزجاج: والظباء أيضاً نعَم (٦).

стр. 215

﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ عدلان مسلمان. ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يساق إلى مكة (١) فيذبح ويفرق على الفقراء والمساكين. والمثل: في الصورة والخلقة. وقيل: في القيمة. وقيل: ما وجد له مثل في الصورة فمثله صورة، وما لم يوجد له مثل في الصورة فمثله في القيمة (٢). والكعبة: اسم لبيت الله الحرام، وسمي كعبة لكونه (٣) مربعاً. وقيل: لنتوئه وتكعّبه. وقيل: كل بيت منفرد فهو كعبة. ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ يُقَوِّمُ العدلان الهدي (٤) بالمكان الذي أصابه فيه؛ فيشتري بالثمن الطعام ويُقسم على مساكين مكة. ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أو ما ساواه من الصَّوم، فيصوم عن كل صاعٍ يوماً. وقيل: عن نصف صاع. وقيل: عن مدّ يوماً. والعدل: بالفتح: ما ساوى شيئاً من غير جنسه، وبالكسر: من جنسه. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ لينال الثقل الشديد على مخالفته أمر الله.
следующие страницы →