← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقيل: في سعد بن أبي وقاص (١). وأكثر المفسرين على أنَّ المُحَرِّمَة هذه الآية. والخمر: عصير العنب بعدما اشتد وصار مسكراً. والميسر: القمار كله، وقد سبق في البقرة بيانه (٢). ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ أصنام كانت تُنصب للعبادة. وقيل: كانت تنصب فيصبّ عليها دم القرابين. ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ سبق تفسيره (٣). ﴿رِجْسٌ﴾ قَذَرٌ ونجس، وقيل: حرام. وقيل (٤): رجس: رجز، وفيه بُعْد. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: هو الذي دعا إلى عمله بتزيينه. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ أي (٥): اجتنبوا الشيطان. ابن الأنباري: اجتنبوا ما (٦) ذكرنا، ويحتمل: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرِّجس (٧). ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ بما يجري فيهما من المشاتمة والمغابنة (٨).

стр. 212

﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ حالة السكر والقَمْر (١). ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ استفهام بمعنى الأمر، أي: انتهوا. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ مخالفته. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن ذلك ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ أي: ليس عليه إلا التبليغ، وإلى الله التوفيق والخذلان. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عن البراء بن عازب ﵁ (٢) قال: مات ناس من أصحاب رسول الله ﷺ وهم كانوا يشربون الخمر (٣)، فلما حُرِّمت قال ناس: كيف بأصحابنا؟ ماتوا وهم يشربونها، فنزلت هذه الآية (٤). والمعنى: ليس على المؤمنين الصالحين ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ أي: شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريمهما ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشرك ﴿وَآمَنُوا﴾ (٥) بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمر والميسر بعد التحريم ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمه ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ سائر المحرمات ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ إلى الناس وإلى أنفسهم. وقيل: إذا ما اتقوا المحرمات قبل تحريم الخمر، ثم اتقوا الخمر بعد التحريم، ثم اتقوا ما عسى يحرم.

стр. 213

ابن عيسى: الأول: عمل الاتّقاء. والثاني: دوام الاتِّقاء. والثالث: ضمّ الإحسان إلى الاتّقاء (١). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ يعاملكم (٢) معاملة المبتلي المختبر. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يريد حمام مكة والحَرَم وفراخها. ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ من السقوف والكوى (٣) وفروع الأشجار. ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ إذا بَعُد وفات اليد. مجاهد: كانوا بالحديبية فجعلت الوحوش تغشى رحالهم (٤) كثرة (٥). وقيل: هو صيد الحرم (٦) كائناً ما كان من بيض النعام وفراخه وسائر الوحش (٧) حتى الجراد. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ﴾ علم مشاهدة. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ غائباً عنه، وقيل: غائباً عن المؤمنين، فلا يصيده سراً كما لا يصيده جهراً.

стр. 214

﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه يعود إلى الابتلاء؛ لأن التقدير: ليبلونكم الله بتحريم شيء من الصيد. ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ أي: فصاد فله عذاب أليم (١)؛ قيل: في الآخرة، وقيل: في الدنيا بالضرب والتأديب. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يريد صيد الحرم وغيره. وحُرُم: جمع حرام (٢). ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ابن عباس في جماعة: ذاكراً إحرامه (٣). وقيل: يتعمَّد القتل وينسى الإحرام. ﴿فَجَزَاءٌ﴾ أي: فعليه جزاء. ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ يماثل ما قتل (٤) ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة للجزاء. ومن أضاف فمثل زيادة (٥). والنعم: الإبل والبقر والشاة. الزجاج: والظباء أيضاً نعَم (٦).

стр. 215

﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ عدلان مسلمان. ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يساق إلى مكة (١) فيذبح ويفرق على الفقراء والمساكين. والمثل: في الصورة والخلقة. وقيل: في القيمة. وقيل: ما وجد له مثل في الصورة فمثله صورة، وما لم يوجد له مثل في الصورة فمثله في القيمة (٢). والكعبة: اسم لبيت الله الحرام، وسمي كعبة لكونه (٣) مربعاً. وقيل: لنتوئه وتكعّبه. وقيل: كل بيت منفرد فهو كعبة. ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ يُقَوِّمُ العدلان الهدي (٤) بالمكان الذي أصابه فيه؛ فيشتري بالثمن الطعام ويُقسم على مساكين مكة. ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أو ما ساواه من الصَّوم، فيصوم عن كل صاعٍ يوماً. وقيل: عن نصف صاع. وقيل: عن مدّ يوماً. والعدل: بالفتح: ما ساوى شيئاً من غير جنسه، وبالكسر: من جنسه. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ لينال الثقل الشديد على مخالفته أمر الله.

стр. 216

والوبيل: الثقيل، وسُمِّيت خشبةُ القَصَّار وبيلاً من هذا (١). ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: عما مضى من قتل الصيد في الحرم والإحرام قبل التحريم. ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي (٢): إلى القتل بعد التَّحريم. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: فعليه الكفارة والإثم، وقيل: عليه الكفارة فحسب، وهي الانتقام، وقيل: عليه الإثم فحسب. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ لمن (٣) جاوز أمره. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أي: صيد الماء. والصيد: المصدر، والصيد: المَصِيْدُ. ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما نضب عنه الماء (٤)، وقيل: طعامه: كل ما فيه. ابن عباس ﵄: صيد البحري: الطري، وطعامه: المملوح (٥). وقيل: طعامه: أكله، وقيل: طعامه: مما (٦) سقي من ماء البحر. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ منفعة لكم. ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المسافرين، وقيل: المسافرين في البحر. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: في إحرامكم.

стр. 217

والصيد: الفعل ههنا، وجاز تناول ما صاده غيره (١)، وقيل: هو المصيد أيضاً. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾. ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ أي: خلق، ونصب ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ بدل منها ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: مصلحة وبقاء لأبدانهم، فيكون الناس أهل مكة والبادية، وقيل: مصلحة لأديان الناس (٢). ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ سبق تفسيره (٣). ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يعلم مصالح ما في السماوات وما في الأرض. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ علم مصالحهم فيما فعل. والقيام: الثبات والاستقرار. ومن قرأ (قِيَماً) فهو مصدر، كالشبع (٤). والشهر الحرام والهدي والقلائد: عطف على الكعبة، والمفعول الثاني محذوف، وهو ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ إنما قدم ذكر العقوبة تخويفاً وتحريضاً على التوبة والانقلاع (٥) عن الذنوب.

стр. 218

﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: لم نأمره إلا بتبليغ ما حمل (١). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ فلا يخفى عليه نفاق ولا وفاق. ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ الحسن: الحلال والحرام (٢). ابن جرير: الكافر والمؤمن (٣). وقيل: أهل الطاعة وأهل المعصية. أي: لا يستويان (٤) في المنزلة والمكان. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي: أعجبتك كثرتهم فإنها إلى نقص وزوال. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ في سبب نزولها قولان: قال ابن عباس رضى الله عنهما: كانوا يسألون النبي ﷺ عن أشياء لا يعنيهم علمها، إعناتا واستهزاءً وامتحاناً وأن رسول الله ﷺ كان يخطب ذات يوم غضبان من كثرة ما كانوا يسألونه، فقال في أثناء كلامه: (لا تسألونني (٥) عن شيء إلا أجبتكم عنه (٦) ما دمت في مقامي هذا) فقام رجل يقال له عبد الله من بني سهم (٧) فسأله عن أبيه، وكان يتنازع فيه، فقال: (حذافة بن قيس) وكان يدعى بغيره، وقام آخر يطعن في نسبه، فقال من أبي؟ فقال: (جثامة) وكان يعرف بغيره.

стр. 219

ويروى: فقال أين أنا؟ فقال: (في النار). ويروى: فقال أين أبي؟ فقال: (في النار)، فرجع إلى أمه وحدثها بما جرى، فقالت: صدق، وكانت في الجاهلية مناكحات نسخها الإسلام (١). وذهب جماعة إلى أنه لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] سأل سراقة بن مالك فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فسأله مرَّات (٢)، حتى قال في الرابعة: (لا، ولو قلت نعم لوجب)، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣). وفي بعض الروايات: فاشتد غضب رسول الله ﷺ فجثا عمر ﵁ على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك فاعف عنا عفا الله عنك، فسكن غضبه وقال ﷺ : (لقد صورت لي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط، فلم أرَ كاليوم في (٤) الخير والشر) (٥). والمعنى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ كالسائل عن أبيه ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ إن يخبركم النبي

стр. 220

﴿تَسُؤْكُمْ﴾ تغمكم ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ يخبركم. وقيل معناه: إن لم تبتدئوا بالسؤال عن التحريم والتحليل وتوقعتم بيانه حين (١) ينزل القرآن كان أصلح لكم. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير (٢)، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها، أي: تجاوز عن الذنب الواقع بسببها، وقيل: خفف بها عنكم فلم يتعبكم فيها، وقيل: هو واقع موقعه، وتقديره: عفا الله عما سألتم فلا تسألوا (٣) بعدها. ابن عيسى: يجوز أن تعود الهاء في ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ إلى (أشياء) فيكون حقّه التقديم، ويجوز أن تعود إلى المسألة؛ فهو في موقعه (٤). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾. وأشياء: جمع شيء، قال الخليل: اسم موضوع لجمع (٥) شيء وليس جارياً عليه. قال: ولم يصرف لأنه على وزن فعلاء، وأصله شيئاء، فقدم الهمزة الأولى استثقالاً للجمع بين الهمزتين فصار أشياء، ووزنها لفعاء (٦). قال الأخفش (٧): وزنها أفعلاء، كهين وأهوناء، فحذف إحدى اليائين.

стр. 221

وقال الكسائي: وزنها أفعال لكنهالا تنصرف تشبيهاً بحمراء. وهذا ضعيف يبطله أسماء وأنباء، وقول الأخفش يضعفه التصغير، حيث يقول: أُشيَّاء، وعلى قياس قوله يجب أن يصغر شييئات، كصُديقات في تصغير أصدقاء. وقول الخليل قول سيبويه (١) وجميع البصريين. ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قيل: سأل مثلها، فحذف المضاف، وقيل: سأل عنها، وحذف الجار، وقيل: سألها وسأل عنها بمعنىً. قيل: هو سؤالهم المائدة، وقيل: يعني ثموداً حين سألوا صالحاً الناقة. ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ أي: بسببها، حيث لم يأتمروا بما سألوا. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ هذه أسماء وضعها عمرو بن لحي (٢) على أنواع من النعم يأتي ذكرها إن شاءالله. وذكر المفسرون أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن جون الخزاعي (٣): (يا أكثم: رأيت عمرو بن لحي بن قَمَعَةَ بن خِنْدَف يجرّ قُصْبَهُ (٤) في النار يؤذي بريحها أهل النار، فما رأيت من رجل أشبه بك منه، ولا أشبه

стр. 222

به منك)، فقال أكثم: أيضرني شبهه؟ قال: (لا، لأنك مؤمن وهو كافر، وإنه كان أول من غيَّر دين إسماعيل ونصب الأوثان وسيَّب السَّائبة) (١). واختلف المفسرون في البحيرة، فقال أبو عبيدة: هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطُن، فإن كان آخرها ذكراً شقُّوا أُذن الناقة وخلّوْا سبيلها فلا تُركب ولا تُحلب (٢). قتادة: هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن؛ نظر في الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه، وإن كانت أنثى شقُّوا أُذن الأنثى وقالوا هذه بحيرة فلم تُركب ولم تُحلب (٣). وقيل: هي الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إناثاً بُحِرَتْ (٤). وقال محمد بن إسحاق (٥) قولاً يجمع بيان البحيرة والسائبة، قال: السائبة: الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر؛ سيّبت فلم يُركب ظهرها ولم يُجزّ وبرها، ولم يَشرب لبنها إلا ضيف، وما نتجت بعد ذلك من أنثى، شقّ أذنها وخلّي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تُركب ولم تُحلب كما فُعِلَ بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة (٦).

стр. 223

واشتقاقها من: بحرت، أي: شققت، ومنه البحر. أبو عبيدة: السائبة: الناقة يسيّبها الرجل في مرضه أو عند قدومه من سفره (١). وقيل: هو البعير يُنْجَحُ (٢) عليه الحاجة فيسيّب. وقيل: هو ما كانوا يسيبونه من المال والعبيد والإماء وغيرها للأصنام وخدّامها. واشتقاقه من: سيّبت الشيء: أهملته وخلّيته، والسائبة: المسيبة. والوصيلة: من الشاة خاصة، فإنها إذا ولدت (٣) أربعة أبطن ثم ولدت الخامس ذكراً أو أنثى قيل: وصلت أخاها. ابن عباس ﵄: كانوا يحكمون بذلك في البطن السابع (٤). ابن إسحاق: إذا أتْأمَت الشاة عشرةً، إناثاً متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر (٥). والحام: قال أبو عبيدة: إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين قيل: حمى ظهره، فلا يُنتفع بظهره (٦). وقيل: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن. وقيل: إذا ركب ولد ولده.

стр. 224

والمعنى: ما أمر الله بشيء من ذلك. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في نسبتهم هذا التحريم إليه. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ الحلال من الحرام، وقيل: أكثرهم لا يعقلون؛ لأنهم التابعون والمفترون هم المتبوعون (١). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي قالوا: إن آباءنا كانوا عقلاء ذوي بصائر، فنحن ندين بما دانوا به. فقال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ أي: في الناس علماء وسفهاء، فما (٢) يؤمنكم أن يكون آباؤكم الذين غيروا دين الله سفهاء، أفتتبعونهم على جهالة. فدلت الآية على وجوب النظر والتدبر وبطلان التقليد. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: احفظوها، وهي نصبت على الإغراء. الدمياطي: أي: ليعظ بعضكم بعضاً وليعلمه ما يقربه من الله ويبعده من الشيطان. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ من الكفار وأهل الكتاب. ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ آمنتم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فإنه من شرط الاهتداء. وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها (٣) غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمّهم الله (٤) بالعقاب) (٥). وقيل: هو إذا أمر بالمعروف (٦) فلم يُطع. ابن جرير: هو في آخر الزمان إذا لم ينفع الأمر بالمعروف. وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ يجوز أن يكون رفعاً على الاستئناف، ويجوز أن يكون جزماً بالجواب، ويجوز أن يكون نهياً. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رجوعكم ﴿جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ لا يأخذ أحداً بذنب غيره.

стр. 225

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ أجمع المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في ثلاثة نفر من التّجار خرجوا من المدينة إلى الشام، وهم: تميم بن أوس الدَّاري (١)، من لخم، وعدي بن بَديّ (٢)، منهم من روى: بُدَيّ على التصغير، ومنهم من روى: بُدَّى، مثل: عُزَّى، ومنهم من روى: بَدَّاء على وزن فعلاء (٣)، وكانا نصرانيَّيْن يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، ومعهما (٤) بديل ابن أبي مارية الرومي (٥)، وكان مسلماً مولى لبنى سهم، فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب صحيفة فيها جميع ما معه، وطرح في جوالقه (٦)، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي الذميّين، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله إذا رجعا (٧) إليهم، ومات بديل. وقيل: كان خروجهم إلى النجاشي في السفينة، فمات بديل في السفينة وطرح في البحر، فقبضا تركته ففتَّشاه وأخذا منه إناء كان من فضة منقوشاً بالذهب (٨)، فيه ثلاثمائة مثقال مموهاً بالذهب، ثم قضيا حاجتهما من البلد، وانصرفا، فقدما المدينة فدفعا (٩) المتاع إلى أهل الميت،

стр. 226

فسألوا عنه (١) وقالوا لهما: هل باع شيئاً من متاعه الذي كان معه؟ قالا: لا، قالوا (٢): فهل طال مرضه فباع شيئاً من متاعه؟ قالوا (٣): لا، إنما مرض من (٤) حين قدم البلد فلم يلبث أن مات، ولم يطل مرضه، ففتشوا متاعه وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه (٥) من متاعه وفيه الإناء، فأتاهم بنو سهم موالي الميت، فقالوا لهما: ألستم زعمتم أن صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه ولا طال مرضه فأنفق على نفسه بعض ماله، قالا (٦): بلى، قالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها ذكر إناء قيمته ثلاثمائة مثقال، ولم تدفعوا إلينا، قالا: لا ندري، إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فذكروا ذلك، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، فصلى رسول الله ﷺ العصر ودعا بهما فاستحلفهما بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا (٧) شيئاً مما دفع إليهما، فحلفا على ذلك، فخلّى رسول الله ﷺ سبيلهما، ثم إنهما أظهرا الإناء، فبلغ بني سهم فأتوهما فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه، قالا: بلى، قالوا لهما: ما بال هذا الإناء معكما وهو مما خرج صاحبنا به وقد حلفتما عليه (٨)، قالا: إنا كنا ابتعناه منه (٩) ولم يكن لنا عليه بينة، فكرهنا أن نُقِرَّ به لكم فتأخذوه منا (١٠) وتسألونا عليه البينة فلا نقدر عليه، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ فقام عمرو بن العاص والمطلب ابن أبي وداعة السهميان، وقيل: عبدالله بن عمرو بن العاص دون عمرو، وقيل (١١): وسِنّ عبدالله احتمل ذلك؛ لأنه ولد لعمرو ولعمرو اثنتا عشرة سنة، فحلفا (١٢) أن المال كان أكثر مما أتيتمونا به، وإن شهادتنا أصدق (١٣) من شهادتهما، فدفع الإناء إلى أولياء الميت. ثم أن تميماً أسلم وكان يقول: صدق الله وبلغ رسوله، وأنا والله اختنت بالإناء وأنا أستغفر الله.

стр. 227

وروي عن ابن عباس ﵄ أيضاً: أنه يروى عن تميم أنه قال: فلما أسلمت تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت خمس مائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فنزلت هذه الآية، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت خمس مائة الدرهم من عدي بن بدي (١). ومعنى الآية: أن من أحس بالموت فعليه أن يستشهد عدلين من المسلمين، فإن كان في سفر لا يجد مسلمَيْن؛ فله أن يُشْهِدَ كتابيَّين، فإن لم يثق الورثة بقولهما حَلَفا يمين دينهما بعد العصر أنهما صادقان فيما يشهدان به، فإن ادَّعى الورثة بعد ذلك أنهما كذبا بما قد ظهر من أمارات الكذب، اختير منهم رجلان معروفان بالصدق والسَّداد وحَلَفَا بأوكد الأيمان أن الشاهدَين كاذبان، وأن الورثة في دعواهم عليهما (٢) صادقون، ثم يمضي الحكم على ذلك. واعتمدت في إعراب الآية ما ذكره أبو علي في «الحجة»، والزجاج في «المعاني» (٣). قوله: ﴿شَهَادَةُ﴾ رفع بالابتداء. الزجاج: فيما فرض عليكم شهادة بينكم. والمراد بالشهادة: الإشهاد والاستشهاد، إذ الغرض (٤) منها الوصيَّة.

стр. 228

﴿بَيْنِكُمْ﴾ ظرف أضيف إليه، كما رفع في قوله: (تقطع بَيْنُكُم) (١)، وقال (٢): فصادف بينُ عينيه الجَبُوبَا قوله: ﴿إِذَا﴾ (٣) ظرف للشهادة، وتقديره: شهادة بينكم حين حضر أحدكم الموت، أي: أسبابه كما سبق. الزجاج: الشهادة في وقت الوصية هي للموت (٤)؛ ليس أن الموت حاضره. ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ بدل من إذا. وقيل: نصب بالموت، وقيل: بِحَضَرَ. ﴿اثْنَانِ﴾ خبر المبتدأ، أي: شهادة بينكم شهادة اثنين، فحذف المضاف. وقيل: ذوا شهادة بينكم اثنان، وعلى قول الزجاج ارتفعا بالمصدر وهما فاعلان (٥). ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفة للاثنين، وكذلك ﴿مِنْكُمْ﴾، والمراد: من دينكم، وقيل: من قبيلتكم. ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ عطف على قوله اثنان ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ صفة لهما، ومعناه: من غير دينكم، وقيل: من غير قبيلتكم، و ﴿أَوْ﴾ للتفضيل (٦).

стр. 229

﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم فيها (١). ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: قاربتم الأجل، وهذا اعتراض بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صفة لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وأفاد الاعتراض أن شهادة من هو من (٢) غيركم إنما يسمع في حال السفر والضرورة. وحذف جواب ﴿إِنْ﴾ لأن قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ دل عليه. والمراد بالصلاة: العصر. وقيل: الظهر. وقيل: عام في الصلوات. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ارتاب الورثة حُبِسا على القسم. ﴿لَا نَشْتَرِي﴾ لا نؤثر ﴿بِهِ﴾ بتحريف شهادتنا، وقيل: كناية عن الله . وقيل: كناية عن الإقسام، وأُقْسِمُ يُتَلَقَّى به القسم (٣) ﴿ثَمَنًا﴾ ذا ثمن، وقد سبق ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: المشهود له ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي: إنا إن كتمنا ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ (٤).

стр. 230

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: عثر أهل الميت على أن الشاهدين استحقا إثماً: عقوبة بتحريفهما ﴿فَآخَرَانِ﴾ جزاء الشرط ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ أي: استحق الإيصاء أو الإثم (١) ﴿عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ بالميت. ابن عباس ﵄: بالشهادة (٢). وقيل: باليمين. وهما رفع بالابتداء، والتقدير (٣): فالأوليان آخران يقومان مقامهما. وقيل: هما الأوليان فيكون الآخران مبتدأ. وقيل: بدل من الضمير الذي (٤) في ﴿يَقُومَانِ﴾. وقيل: أسند إليه ﴿اسْتَحَقَّ﴾ وتقديره: إثم الأوليان. وأجاز الأخفش أن يكون صفة لقوله ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ لأن الوصف قربه من المعرفة. ومن قرأ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ فهو جر على الوصف. أبو علي: سموا أولين من حيث كانوا الأولين في الذكر في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وكذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ومن قرأ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بالفتح فالأوليان الفاعل، وتقديره: استحق (٥) الأوليان اليمين.

стр. 231

وقيل: الأحلاف (١). ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: الأوليان ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: أصدق وأولى بأن تقبل ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾: ما تجاوزنا الحق فيها ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ الواضعين الباطل موضع الحق ﴿ذَلِكَ﴾ أي: تحليف الشاهد في جمع (٢) من الناس. وقيل: ذلك الحكم وذلك الفعل ﴿أَدْنَى﴾ أقرب ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ كما حملوها من غير تحريف وخيانة فيها (٣) ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: إذا عملوا برد اليمين على المدعين بعد أيمانهم احترزوا (٤) الكذب والخيانة، إما لله، وإما مخافة الافتضاح ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لا الفضيحة ﴿وَاسْمَعُوا﴾ واقبلوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ الذين يشهدون الزور. للصحابة والتابعين (٥) والفقهاء في هذه الآية خمسة أقوال (٦): منها: أن شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا (٧) كانت وصية. وقال قوم: كان هذا (٨) هكذا ثم نُسخ، ولا يجوز شهادة كافر بحال. وقال قوم: الآية كلها في المسلمين إذا شهدوا (٩). وقيل: ليس هذه الشهادة (١٠) التي تؤدى، وإنما الشهادة هاهنا: بمعنى الحضور. والقول الخامس: الشهادة هاهنا (١١): بمعنى اليمين (١٢). ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ أي: اذكروا. وقيل: احذروا. وقيل: اتقوا. وقوله الرسل أي: الرسل في (١٣) الأمم. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ما الذي أجابتكم أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان. وهذا السؤال توبيخ لمن أنكرهم، وقيل: سؤال استشهاد.

стр. 232

﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لا يجوز إجراؤه على الظاهر؛ لأن القيامة لا يُكْذَبُ فيها، ولأن الأنبياء لا يَكْذِبُون. وتقديره عند ابن عباس ﵄: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منَّا (١). الحسن: ذهلوا عن الجواب، ثم لما ثاب عقلهم قالوا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ (٢). وقيل: لا علم لنا إلا ما علمتنا. وقيل: لا علم لنا بما غيبوا عنا من أفعالهم وأضمروا من اعتقاداتهم. وقيل: لا علم لنا بما فعلوا بعدنا. وقيل: لا علم لنا أنت لا تعلمه، فأنت تعلم ما أجابونا به. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ ذكر بلفظ المبالغة لكثرة المعلومات. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ هذه الآية سبق تفسيرها (٣). وقوله: ﴿تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: تحييهم، أو تخرجهم أحياء من القبور. ومعنى: ﴿كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ أي: اليهود حين همّوا بقتلك.

стр. 233

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي: اذكر ذلك أيضاً، فإني أنعمت عليك بهم إذ نصروك. وقيل: أنعمت عليهم بالإيمان. والحواريون: سبق ذكرهم (١). ومعنى: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ هاهنا: ألهمت (٢). وقيل: أمرت. وقيل: أوحيت إليهم بالوحي إليك. ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾. ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾. قيل: يطيعك، واستطاع: بمعنى أطاع (٣). وقيل: هل يستجيب؟ وقيل: هل يفعل ذلك فلا يرى دونه مانعاً؟ وقيل: هل (٤) ينزل؟ ويستطيع صلة. وقيل: هل يقدر ربك؟ وكان ذلك في ابتداء أمرهم قبل معرفتهم صفات الله، فأنكر عليهم فقال (٥): ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.

стр. 234

ومن قرأ بالتاء والنصب فالتقدير: هل تستطيع سؤال ربك (١). وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانوا أعلم من أن يقولوا هل يستطيع ربك (٢). و﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ متصل بالسؤال لأنه في تقدير الملفوظ (٣). وقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة: الخوان الذي عليه الطعام (٤)، واشتقاقها من قول العرب ماده يميده: إذا أعطاه، وامتاد فلان فلاناً: إذا طلب عطاءه، فيكون فَاعِلَة بمعنى مَفْعولة، أي: مميدة، كعيشة راضية وماء دافق. وقيل: فاعلة: لأنها إذا أُطْعِمَ الناس عليها فكأنها أعطتهم الطعام، وقيل: مِنْ: ماد يميد: إذا تحرك (٥)، كأنها تميد بما عليها. ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: قال عيسى، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ أي: لا يجوز اقتراح المعجزات بعد ظهور الآيات، وقيل معناه: لا تسألوا ذلك على طريق الشك والتعنت. ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ قيل: للحاجة الداعية إلى الأكل. وقيل: تبركاً به، وهذا أظهر.

стр. 235

﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ تزداد (١) يقيناً، كقول إبراهيم ﵊: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وقيل: لتطمئن قلوبنا بأن الله قد بعثك إلينا نبياً. ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (٢) في أنك نبيّ. وقيل: لتطمئن قلوبنا بأن الله اختارنا لك أعواناً (٣)، ونعلم أن قد صدقتنا في أننا أعوان لك. وقيل: لتطمئن قلوبنا أن الله قد أجاب مسألتنا ونعلم أن قد صدقتنا في أن الله يجيب دعوتنا. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾ أنها نزلت من عند الله. وقيل: نشهد لله بالتوحيد ولك بالنبوة. وقيل: من الشاهدين إذا استشهدتنا. ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أي: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا. ابن عباس ﵄: يأكل منه آخر الناس كما أكل أولهم (٤). وقيل: عيداً لنا جميعاً (٥). وقيل: (عيداً) أي: عائدة من الله علينا وحجة وبرهاناً. وقيل: عظة لأولنا وآخرنا.

стр. 236

﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ على قدرتك وتوحيدك، ويحتمل: وآية منك لصحة نبوتي. ﴿وَارْزُقْنَا﴾ المائدة، وقيل: الشكر على ذلك، ويحتمل: أدم رزقك لنا، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ خير من يرزق. ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أي (١): أجابه إلى ما سأله الحواريون، فأنزلها عليهم يوم الأحد. أبيّ بن كعب: نزلت مائدةً منكوسةً تطير بها الملائكة بين السماء والأرض (٢). سلمان: نزلت سُفْرَةً حمراءَ بين غمامتين، غمامةٍ من فوقها، وغمامةٍ من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي مُنْقَضَّة حتى سقطت من بين أيديهم فبكى عيسى ﵊، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مُثْلَةً وعقوبة (٣). وكان عليها خبز ولحم. وقيل: عليها سبعة أرغفة وسبع أحوات. وقيل: عليها سمكة فيها طعم كل طعام. وقيل: رغيفان وحوتان. وقيل: عليها كل طعام إلا اللحم.

стр. 237

وقيل (١): عليها خبز أرز وسمك مشوي (٢) ليس عليها قشور ولا لها شوكة، تسيل من الدسم، قد نضد حولها (٣) البقول ما خلا الكراث، وعند رأسها خلّ، وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة، على كل واحد زيتون وحب رمان، وكانت تأتيهم أربعين يوماً غبّاً، وكل فقير أكل منها صار غنياً مدة عيشه، وكل مريض أكل (٤) برأ فلم يمرض (٥) حتى مات، ثم أوحى الله إلى عيسى ﵊ أن اجعل مائدتي في الفقراء واليتامى والزمنى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس لذلك، فمسخ منهم ثلاثة وثمانون رجلاً خنازير فأصبحوا يأكلون العذرات (٦). وروي عن عمار بن ياسر ﵁: أن الله أمرهم أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ففعلوا ذلك فمُسخوا قِردة وخنازير (٧). وعن الحسن: أن الله تعالى لما قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ اشترط (٨) بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ الآية، فلما سمع القوم الشرط (٩) خافوا واستعفوا فلم تنزل (١٠). وعن مجاهد أنه قال: لم تنزل مائدة، وإنما هذا مثل ضربه لمقترحي المعجزات (١١). والقول الأول الصواب، لقوله سبحانه: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وهذا إخبار لا يحتمل الخلف، وليس في الآية ما يدل على الاستعفاء. وقوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾. قيل: عالمي زمانهم وأمتهم. وقيل: عام، وهو أن جعلوا قردة وخنازير ولم يجعل بغيرهم تلك (١٢). وعن عبدالله بن عمرو ﵄: أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون (١٣). ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أكثر المفسرين وجمهورهم على أن هذا السؤال يكون في القيامة ولم يقع بعد، وسياق الآية وسباقها يدلان عليه (١٤).

стр. 238

ووضع لفظ الماضي موضع المستقبل، كقوله: (أتى أمر الله) لأن لفظ الماضي أدلّ على الوقوع من لفظ (١) المستقبل، وإذ: بمعنى إذا، كما قال (٢): ثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدنٍ في العلاليِّ العُلا ابن عيسى (٣): لأنه لتحقق أمره وظهور برهانه بمنزلة ما قد وقع وشوهد. ومعنى سؤال عيسى ﵊: توبيخ لمن قال عليه ذلك. وقيل: إخبار له بأن قومه غيَّروا بعده القول فيه. وذهب السدّي وقطرب وابن جرير: إلى أنه خاطبه به حين رفعه إلى السماء، قالوا (٤): والدليل على ذلك لفظ ﴿وَإِذْ﴾ وأن قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إنما قال ذلك والكفار بهذا القول أحياء، أي: إن وفقتهم (٥) للإيمان لم يمتنع عليك (٦). ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهاً لك عن أن يكون لك في الإلهية شريك. ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: لا يليق بي قول لا أستحقه، ومعنى ﴿بِحَقٍّ﴾ (٧): بمستحق، وقيل تقديره: بحقٍّ (٨) إن كنت قلته فقد علمته، ومعنى ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: لا أحتاج إلى الاعتذار عن هذا المقال؛ لأنك تعلم أنّي لم

стр. 239

أقله، ولو قلته علمته، وتقديره: إن أكن قلته؛ لأن الشرط لا يصحّ مع لفظ الماضي، ومن ذهب إلى أن (كان) مستثنى من هذا الباب فقوله غير مرضيّ عند النُّحاة. وقيل: ﴿إِنْ﴾ بمعنى: ما، وفيه بعد. ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ما أخفيه وأغيِّبه وأضمره (١)، إذ لا تخفى عليك خافية. ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ما تخفيه وتغيبه عن الناس. و﴿نَفْسِي﴾ غيبي، و ﴿نَفْسِكَ﴾ غيبك (٢). وقيل: ذكر النفس ازدواجاً للكلام، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، و ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقد سبق. وقيل: النفس هاهنا: ما يذكر للتأكيد كالعين. وقيل تقديره: تعلم ما في نفسي (٣) ولا أعلم ما في نفسي فأضافها إلى الله ملكاً وخلقاً، وهذا مزيف (٤). ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ ذكر بلفظ المبالغة لجمع الغيوب (٥). ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أي: بأن أقوله.

стр. 240

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أن هي المفسرة بمعنى: أي، وجاز أن يكون بدلاً من الهاء، وجاز أن يكون بدلاً من ما. ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ خالقي وخالقكم. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: مشاهداً أحوالهم من كفر وإيمان. وقيل: شهيداً عليهم، أي: شاهداً عليهم (١). ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مدة حياتي ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قيل: من الوفاء (٢). وقيل: من الوفاة التي هي النوم. وقيل: الموت، وقد سبق ما فيه في قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]. ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: حافظاً لهم وعالماً بأحوالهم، وأصله المراقبة، وهي المراعاة، والرقبة منه لأنها في مثل (٣) موضع الرقيب من علو المكان. ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ قيل: مشاهد لما حضر وغاب. وقيل: شهيد على من عصى وأطاع. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ قال المفسرون: معناه إن تعذبهم فأنت مالكهم (٤) وليس لأحد عليك اعتراض. وقيل: ذكر ذلك على وجه الاستعطاف. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ على قول السدي وصاحبيه (٥) ظاهر، أي: إن (٦) توفقهم

стр. 241

للإيمان، وعلى قول الجمهور مشكل. قال المبرد: أراد وإن تغفر لهم ما قالوا (١) عليَّ خاصة. الزجاج: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: لمن أقلع منهم وآمن. وقيل: جائز أن يكون الله لم يُعْلِمْ عيسى أنه لا يغفر الشرك، وهذا مزيف. وتقدير الآية: إن تعذبهم فإنما تعذب عبادك، وإن تغفر لهم فإنما تغفر لعبادك. لا بد من هذا التقدير ليصح المعنى الذي ذهبوا إليه. ويحتمل معنىً دقيقاً: وهو أن قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ شرط جزاءه ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، فصار قوله: ﴿عِبَادُكَ﴾ معلقاً بالتعذيب، ثم ذكر المغفرة، والمراد بها ضد التعذيب، فصار كأنه قال (٢): إن (٣) تعذبهم فإنهم عبادك، وإن لم تعذبهم (٤)، أي: هم عبادك في جميع الأحوال، فناب قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عن قوله: وإن لم تعذبهم، وليس المراد بها طلب المغفرة للكفار، ولهذا لم يختم الآية بما يليق بالغفران من الغفور والرحيم، بل ختمها بما يليق بالتعذيب ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٥). ومثله قوله: إن دخلتَ الدار فأنت حر وإن لم تدخل، عتق في الحال؛ لأن هذا كلام من شرط ثم أنجز. ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.

стр. 242

السدي: هذا فصل من كلام عيسى ﵊، أي: يقول عيسى يوم القيامة: قال الله هذا يوم ينفع (١). وقال (٢) غيره - وهو الظاهر - إنه من قول الله. ومَن (٣) نصب ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ جعل ﴿هَذَا﴾ مفعولاً و ﴿يَوْمُ﴾ ظرف لقال (٤)، أي: يقول الله هذا يوم ينفع. وذهب الكوفيون إلى أن ﴿يَوْمُ﴾ مبني على الفتح، وعند البصريين: إنما يبنى على الفتح (٥) مع الماضي، ولكل احتجاج (٦). ابن عيسى: صدقهم: إيمانهم. وقيل: ما عاهدوا الله عليه، والمعنى (٧): صدقهم في الدنيا ينفعهم يوم القيامة. وقيل: صدقهم في القيامة يريد به شهادتهم على أنفسهم بما صنعوا، وللأنبياء بما شاهدوا. ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﵃﴾ بقبول حسناتهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما آتاهم من الكرامة والنعيم ﴿ذَلِكَ﴾ أي: نيل الجنة والخلاص من النار ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾. ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ أحدثها بعد أن لم تكن، ويفنيها إذا أراد ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإحداث والإفناء والمنع والإعطاء (٨) ﴿قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ قادر على الكمال، والله المحمود على كل حال.

стр. 243

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الأنعام مكية. قال عطاء: مكية إلا ثلاث آيات، من قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقيل: مكية إلا آيتين، إحداهما: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]، والثانية: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (١) [الأنعام: ١٤١]. وروى زرّ بن حبيش عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة ليلاً شيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد، ومن قرأ سورة الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوماً وليلة) (٢).

стр. 244

وزاد بعضهم: (وخرَّ ساجداً ثم دعا الكتاب فكتبوها من ليلتهم) (١)، والله أعلم بالصواب (٢). ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء وشكر، وهو خبر بمعنى أمر (٣)، أي: قولوا: الحمد لله ليقع تعليم المعنى واللفظ معاً. وروى وهب: إن أوَّل التَّوراة فاتحة الأنعام وآخرها (٤) آخر سورة هود. وقيل: آخرها آخر سورة بني إسرائيل (٥). ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ كونهما، وجمع السموات لأنها سبع، وقدم (٦) لأنها أشرفهما وأعلاهما. وقيل: لأنها خلقت قبل الأرض. ووحد الأرض لاتصال بعضها ببعض. وقيل: هي واحدة.

стр. 245

﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي: خلقهما، والفرق بينهما: أن خلق معناه أحدث فحسب، وجعل: يتضمن التكرير. وقيل: جعل هاهنا: صلة، والتقدير: خلق السموات والأرض والظلمات والنور. وقيل: حال، والتقدير: خلق السموات والأرض وقد جعل الظلمات والنور، لأنهما قبل السموات والأرض (١). وجمعها: لأن الظلمة تحدث عن أشياء وإن اتحد جنسها، والنور متحد، وهو ما يُرى ويُرى به (٢). وقدمها: لأنها خلقت قبل النور، وليست الظلمة إلا عدم النور، وهما: الليل والنهار. وقيل: الكفر والإيمان. وقيل: الجنة والنار (٣). وقيل الأجساد والأرواح. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان يعدلون بربهم الأوثان. تقول: عدلت هذا بهذا، أي: ساويته (٤). والباء في ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ صلة للعدول لا للكفر، ويحتمل: كفروا بربهم يعدلون عنه، فيكون الباء صلة للكفر و (عنه) صلة للعدول (٥) وهي محذوفة. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ أي: ابتدأ خلقكم منه. يعني آدم ﷺ وهو الأصل. وقيل: خلق آباءكم فحذف المضاف.

стр. 246

﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أصل القضاء: إحكام الصنعة والفراغ منها، ويأتي بمعنى: حكم وأمر وفعل وصنع وأعلم وأومى، والكل قريب. والأجل: الوقت المعين. واختلف المفسرون في الأجلين (١): قال ابن عباس ﵄: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ هو النوم، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ الموت (٢). وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ مدة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ القيامة. وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ للحياة، وهو وقتها، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ للممات (٣)، وهو وقته (٤). وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ من مولده إلى مماته، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من الممات إلى البعث. وقيل: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ لمن مضى، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ لمن بقي أو يأتي. وقيل: الأجل المسمى: عمر الإنسان، و ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ يقطع الأجل المسمى وهو الآفات، فتحول بينه وبين الوقت المسمى، واستدل بقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] ومعنى مسمى عنده: مثبت معلوم لا يعلمه غيره. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ تشكون، وقيل: تختلفون. ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾. الجمهور: على أن (هو) كناية عن الله سبحانه، و ﴿اللَّهُ﴾ خبره. وذكر أبو على: أن (هو) كناية عن الأمر والشأن، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ (٥). والمشكل في الآية الظرف: فقيل: إنه متصل بـ (الله) على تقدير: وهو الإله في السموات وفي (٦) الأرض، أي: المعبود، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. وقيل: إن هذا في اسم الله لا يصح، لأنه حذف منه الهمزة وعوض عنها الألف واللام عوضاً لازماً كما سبق، وأجرى مجرى الأعلام.

стр. 247

والأعلام لا تعمل فيما بعدها؛ لكنه يدل على أوصاف (١): كالقدرة، والإرادة والتدبير، فكأنَّه قال: هو المدبِّر القادر في السموات وفي الأرض. وروي عن محمد بن جرير أنه قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فجعله متصلاً بالأول، ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ﴾ أي: يعلم في الأرض، ولعله (٢) اعتبر ما في الملك من قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] والمراد: عرشه وصنعه، فإن الله منزَّه عن الظَّرف والمكان (٣). وقال أبو على: (هو): كناية عن الأمر والشأن، (والله) مبتدأ و (يعلم) خبره، والظرف متصل بالخبر، أي: الله يعلم في السموات وفي (٤) الأرض. وقيل: ظرف للمصدر، وهو خطأ؛ لأن صلة المصدر لا يتقدم على المصدر. وقيل: ظرف لقوله: ﴿تَكْسِبُونَ (٣)﴾. وأهل السموات: الملائكة. وأهل الأرض: الإنس والجن. ويحتمل أن يكون الظرف حالاً من المصدر تقدم على ذي الحال وعلى العامل وهذا على أرباب الصنعة غير خاف. والسر: إخفاء الشيء في النفس، والجهر: إظهار المعنى الذي في النفس. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ المراد بالآية هاهنا: المعجزة. وقيل: القرآن. وقيل: انشقاق القمر. و﴿مِنْ﴾ الأولى زيادة، والثانية للتبعيض، و (كان) زيادة (٥).

стр. 248

وقيل: أعرضوا كما (١) علم منهم، والمعنى: تركوا النظر فيها. وحقيقة الإعراض: الانصراف بالوجه عن الشيء، وقد سبق. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. قيل: هو القرآن (٢). وقيل: الإسلام. وقيل: محمد ﷺ . والمعنى: نسبوا محمداً ﷺ إلى الكذب بسبب ردهم الحق. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾ يريد العذاب في الآخرة. ابن عباس ﵄: في الدنيا، بقتلهم بالسيف يوم بدر (٣). ابن بحر: سيعلمون ما يؤول إليه عاقبة أمرهم واستهزائهم في الدارين (٤) والعذاب فيهما. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ألم يبصروا كم أهلكنا. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن: الزمان، والقرن: أهل الزمان (٥)، والقرن من الزمان: ثمانون سنة، وقيل: سبعون سنة، والمراد به: أهل ذلك الزمان.

стр. 249

الزجاج: القرن: أهل كل مدة فيها نبي أو كان طبقة من أهل العلم قلت السنون أم كثرت (١). واشتقاقه من: قرنت. ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يريد: أعطيناهم من نعيم الدنيا والأمر والنهي بين أهلها ما لم نعطكم. ابن عيسى: التمكين إعطاء ما يصح به الفعل كائناً ما كان، ومعنى مكنته الشيء: أزلت الحائل بينهما (٢)، ومكنت له الشيء بمعناه، وجاءت الآية بهما، ووزن مكان عند الخليل: مَفْعَل. قال: ولكثرته في الكلام أجرى الميم مجرى الفاء، كقولهم: تمسكن وتمدرع، وفيه ضعف لشذوذه، والأصح أن يكون من: المكن. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ الإرسال: الإنزال، والسماء: المطر. وحكوا عن العرب: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم (٣). والمدرار: الدائم، وهو من: در يدر دروراً مأخوذ من الحلب، والمعنى: عاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المتصل المدرار. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: لم يغن ذلك عنهم شيئاً. ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ خلقنا وأحدثنا. والإنشاء: إحداث من غير سبب. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ وخلقنا آخرين بدلاً منهم (٤). ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾. في سبب النزول قال الكلبي: إن مشركي قريش قالوا: يا محمد (٥)، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون إنه من عند الله وإنك رسوله فأنزلت هذه الآية (٦).

стр. 250

والمعنى لو أجبناهم إلى ما سألوا وأنزلنا كتاباً مكتوباً في كاغد. ابن عباس ﵄: طلبوا كتاباً معلقاً من السماء إلى الأرض (١). ابن عيسى: التشديد لطول المكث بين السماء والأرض (٢). قوله (٣): ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: عاينوه ومسوه (٤). وخص اللمس لأنه يتقدمه الإبصار ولا يقع معه التزوير، وأسند إلى اليد توكيداً له (٥)، فإنه قد يستعمل للفحص كقوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨]. قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ ما هذا (٦). ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ ظاهر، سُحِرَتْ أعيننا، أي: لو أجبناهم إلى ما سألوا لم يؤمنوا. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلا، ومعناه التحضيض على الفعل، أي: أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي (٧). فقال الله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لعوجلت (٨) عقوبتهم. وقيل: لقامت القيامة؛ لأن الملك يرى في القيامة وحالة الموت، ولأن الآية المقترحة إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها عاقبتهم في الحال من غير إهمال. ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ لا يؤخرون طرفة عين. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: المطلوب أو الرسول ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: ميّزناه آدمياً ذكراً، فإن الملائكة ليسوا بإناث. الزجاج: لو أرسلناه ملكاً لم نرسله إلا في صورة إنسان؛ لأن الملائكة روحانيون لا يمكن النظر إليهم ولا المكالمة معهم، ولأنهم عظام الأجسام، لا يدرك بصر الإنسان منهم إلا اليسير من جملتهم (٩)، ولهذا كانوا يأتون الأنبياء على صورة الآدميين كدحية وأضياف إبراهيم ولوط وخصمي داود ﵈، ورؤيتهم على هيئتهم معجزة فلا تكون إلا لنبي (١٠).
следующие страницы →