стр. 1891
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 36
لباب التفاسير للكرماني (ناقص)
أبو القاسم الكرماني
Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1892
وذكر المفسرون أن سبب غيبته أنه لقي هدهداً من سبأ فقال له: " أين يبلغ ملك صاحبك من ملك صاحبتنا "؟ قال: " فكأنها أعظم ملكًا (١) من صاحبنا؟ ". فقال: نعم، أخرج معي حتى ترى. فقال: لعل سليمان يطلبني. قال إنك ترجع إليه قبل أن يطلبك فخرج معه إلى سبأ (٢).
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ تملك التصرف فيهم وتلي عليهم هي بلقيس بنت شراحِيل. وقيل: بنتُ شَرَاحِبيل بن مالك بن الريان، وأمها يزعم بعضهم أنها (٣) فارعة الجنية (٤).
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أنواع الدنيا.
وقيل: من كل شيء بأرضها (٥). وقيل: من كل شيء احتاجت إليه في ملكها (٦).
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ سرير كبير. وقيل: حسن الصنعة، وكان معمولاً من ذهب وقوائمه من لؤلؤ وجواهر (٧).
وقيل: كان طوله ثمانين ذراعًا، وكان عليه من الفرش ما تليق به (٨).
وقيل: كانت تخدمها ستمائة امرأة أحرار (٩).
стр. 1893
وقيل: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾ أي: ملك (١)، وهذا ضعيف لقوله ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وهو الكرسي.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الحسن: كانوا مجوسًا (٢).
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ التي كانوا عليها.
﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن سبيل التوحيد والحق الذي يجب أن يسلكوه إذ لا سبيل غيره.
﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ إلى الحق.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا! ﴾ أي: فصدّهم أن لا يسجدوا لله.
وقيل: وزين لهم أن لا يسجدوا، فيكون بدلاً من أعمالهم. وقيل: فهم لا يهتدون أن لا يسجدوا لله، فيكون (لا) زيادة وكذلك إذا جعلته متعلقًا بالصد. وقيل: فصدهم لأن لا يسجدوا فحينئذٍ واقع موقعه غير زائد (٣).
وقرأ الكسائي ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا! ﴾ بالتخفيف (٤) وتقديره: ألا يا قوم اسجدوا، فحذف المنادى، كما أنشده سيبويه:
يالعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جاري (٥).
стр. 1894
أراد يا قوم فحذف ألف الوصل والألف بالالتقاء الساكنين فلما حذفا من اللفظ حذفا من الخط، ولا يجوز تعمد الوقف عليه لأنه يؤدي إلى مخالفة المصحف وذلك غير جائز بوجه، ومن قرأ بلفظ الأمر فهو استئناف كلام من الله.
وقيل: متصل بكلام الهدهد. وقيل: هو من كلام سليمان (١).
وقوله ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: القطر من السماء والنبات من الأرض فيكون (في) بمعنى من.
وقيل: الخبء الذي في السموات فحذف الذي فصار حالاً (٢).
والخبء: ما خبأته.
وقيل: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ أي: يعلم غيب السموات والأرض (٣).
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ يعلم ضمائركم وما تظهرونه.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (٢٦)﴾ أعظم شيء خلقه الله. وقيل: العظيم عظيم الشأن (٤). وقيل: العرش المملكة (٥).
ومن قرأ (٦) ألا بالإدغام حَسُنَ وقْفُه على ﴿تُعْلِنُونَ﴾ ثم يستأنف ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فيكون حُكمه حُكم من قرأ ألا بالتخفيف.
стр. 1895
﴿* قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ أي: قال سليمان سنتعرف (١) أصدقت فيما أخبرت به فتكون معذورًا في غيبتك أم كنت من الكاذبين فيما أخبرت به فيحل بك (٢) ما توعدتك، ثم ذكر ما يتعرف به صدق الهدهد فقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ اطرحه إليهم لأنه لا يتهيأ له إيصاله بيده.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنح عن ذلك الموضع فكن قريباً منهم بحيث تسمع ما يجيبون عنه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: فألقه إليهم (٣).
﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ ثم تَولّ عنهم. وقيل: معنى ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أسرع الانصراف (٤). وقيل: ﴿فَانْظُرْ﴾ فانتظر (٥).
قوله ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ قيل: يَرَدّون (٦).
وقيل: يجيبون. وقيل: يرجعون بينهم في الكلام (٧)، فأخذ الكتاب بمنقاره.
وقيل: علقه في عنقه فجاءها حتى وقف على رأسها وحولها جنودها، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها (٨).
وقيل: جاءها فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب ونامت على فراشها مستلقية فألقى الكتاب على نحرها (٩).
стр. 1896
وقيل: كانت في البيت كوة تقع الشمس فيها (١) كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت، فجاء الهدهد فَسَدّ تلك الكوة وسترها بجناحيه (٢)، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها، فأخذت الكتاب وكانت قارئة عربية من قوم تُبّع (٣).
﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ قيل: مختوم (٤)، لقوله ﵊ " كرم الكتاب ختمه " (٥).
وقيل: كتاب مَلِك لأن الملوك كانوا يختمون كتبهم (٦).
وقيل: كريم مضمونه (٧).
وقيل: كريم حيث أتي به طير (٨).
وقيل: كريم حقيق بأن يؤمل الخير من جهته تفرست في سليمان بطاعة الطير له (٩).
﴿إِنَّهُ﴾ إن الكتاب هذا كلام بلقيس.
стр. 1897
﴿مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ عنوان الكتاب. ﴿وَإِنَّهُ﴾ المكتوب.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ (إن) هي المفسرة بمعنى أي: لا تعلوا عليّ لا تمتنعوا عليّ (١).
وقيل: لا تخالفوا عليّ (٢).
وقيل: لا تتكبروا وأطيعوني (٣).
﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ منقادين. وقيل: مستسلمين (٤).
وقيل: مُسلمين مؤمنين داخلين في الإسلام (٥).
الزجاج: قد روي أن عنوان الكتاب من عبدالله سليمان إلى بلقيس بنت شراحيل قال: وإنما كَنَّتِ الناسُ من عبدالله أخذًا بكتاب سليمان.
قال: ومعنى ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ لا تترفعوا علي وإن كنتم ملوكًا. (٦)
ويجوز في ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ الرفع على ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ أن لا تعلوا ويجوز النصب كتاباً بأن لا تعلوا، والأحسن أن تكون (٧) مفسرةً.
﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾ فجمعت أهل مشورتها.
قال قتادة: كانوا ثلثمائه وثلاثة عشر رجلا (٨) فقالت: يا أيها الملأ، وهم الذين يملؤن العين مهابة والقلوب جلالة.
стр. 1898
وقيل: هم المليؤن بما يراد منهم (١).
﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ أشيروا علي في الأمر الذي نزل بي.
والفتوى: الحكم بما هو صواب. فجعلت المشورة فتوى.
﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً﴾ ممضيةً. ﴿أَمْرًا﴾ حتى تحضروني.
وقيل: حتى تشيروا علي بما تستصوبونه (٢).
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ لم يشيروا بشيء بل قالوا نحن أصحاب الحروب والعَدَد والعُدّة.
﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيد﴾ شجاعة ونجدة. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ والرأي رأيك. ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ فإن أمرتنا بالحرب والقتال قاتلنا، وإن أمرتنا بالصلح صالحنا.
﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ إذا دخلوا قرية عنوة خَرَّبوها.
وقيل: استولوا على ساكنيها وأَجْلَوا عنها أهلها (٣).
﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ أخذوا أموالهم، وحَطُّوا أقدارهم ليستقيم أمرهم أذلة بالقتل والأسر وأخذ المال والقهر.
﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن هذا من كلام الله، أي: صَدَّقها الله فقال: وكذلك يا محمد يفعلون، ويكون الضمير من الملوك.
والثاني: أنه من تمام كلامها، أي: وكذلك يفعل سليمان فيكون الضمير يعود إلى سليمان ومن معه.
ابن بحر: وكذلك يفعل جُنْدِي إن قَصَدَتْ سليمان (٤).
стр. 1899
القفال: إن الملوك قيل: كانوا يفعلون كذا وكذلك اليوم (١).
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ أي: رأيي أن أرسل إليهم بهدية فأنظر بما يرجع المرسلون بقبولها أم ردها؛ وإنما فَعَلَت ذلك لأنها عرفت عادة الملوك وحسن موقع الهدايا منهم فإن كان ملكاً قبلها وإن كان نبياً ردها (٢). ابن عباس ﵄: كانت الهدية لبنة من ذهب (٣).
سعيد بن جبير: جواهر (٤).
وقيل: صحائف الذهب في أوعية الديباج (٥).
عكرمة في جماعة: أهدت ثمانين غلامًا وثمانين جارية على زي واحد (٦).
وقيل: بدلت (٧) لباس الغلمان بلباس الجواري وسألت سليمان أن يُمَيِّزَ بين الغلمان والجواري، وبعثت حقه فيها جواهر مثقوبة وغير مثقوبة (٨).
وقد أكثروا القول في هداياها ولا فائدة في ذكرها فتركتها.
وبعثت رسلاً وأمرت عليهم رجلاً يقال له المنذر ولهذا قال ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
الفراء: كان الرسول امرأة (٩).
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ يعني الرسول. وقيل: ما أهدت وأرسلت (١٠).
стр. 1900
﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ أتزيدونني مالاً، خطاب للرسل فيمن جعلهم جماعة، ومن جعل الرسول رجلاً واحدًا أو امرأة قال هذا خطاب للرسول والمرسِل (١) وأتباعه فجمع، وغلب الخطاب على الغيبة وهو القياس أنكروا عليهم إرسالهم بالمال إليه وهو يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام.
﴿فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ﴾ من الملك والنبوة والنعمة.
﴿خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ﴾ أفضل وأكثر.
﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ أي: بما يهدي إليكم. وقيل: بهديتكم هذه (٢).
﴿تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾ إعظاما منكم لها. ﴿ارْجِعْ﴾ أيها الرسول.
﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيس وقومها بما صحبكم من الهدية، ويحتمل أن التقدير: أرجعها من الرَّجع فحذف المفعول.
وقوله ﴿ارْجِعْ﴾ دليل على أن الرسول كان واحداً وكان المتكلم منهم واحداً، وذكر أقضى القضاة (٣) أن المخاطب ها هنا الهدهد أي: ارجع لهم قائلا لهم.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾ وعلى هذا يحتمل أن يكون الفاعل في قوله ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ الهدهد أيضاً قال: قل لهم ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾، والوجه ما سبق.
﴿فلنأتينهم بجنود لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم ولا يمكنهم دفعها عنهم وعن قريتهم.
﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾ قيل: من القرية. وقيل: من المملكة (٤)، وكنى عن القرية لتقدم ذكرها في قوله ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ [النمل: ٣٤].
стр. 1901
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ مهانون مستخف بهم من قولهم: أفعل هذا غير صاغر أي: غير مستخف بك.
﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن هذا قبل الكتاب وإنما جرب صدق الهدهد بمجيء العرش إليه ولولا ذلك كان محالاً أن يكتب كابًا إلى من لا يدري هل هو في الدنيا أم لا، حكاه القفال وَطَوَّلَ (١).
والثاني: أن إحضار عرشها بعد الكتاب وبعد ما خرجت الرسل وقد ردت هديتهم، فعلمت أنه نبي لا يصانع عن الدين بالأموال ولا يُغلب إن قُوتل.
ومعنى ﴿مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين موحدين، أخبره جبريل بمجيئها مؤمنةً.
وقيل: أخبر به الهدهد. وقيل: مستسلمين منقادين، وقيل معنى ﴿مُسْلِمِينَ﴾: ليسلموا، وفي استحضار العرش أقوال:
أحدها: أنه أراد أن (٢) يكون ذلك معجزة دالة لها على صدق نبوته اذ أُتي به مخرجًا (٣) من البيوت والأحراز (٤).
وقيل: قبل أن يسير إليهم محارباً (٥).
ابن عباس ﵄: أراد أن يجرب صدق الهدهد، على ما سبق (٦).
وقيل: أعجبه وصفه فأراد أخذه قبل أن يحرم عليه بإسلامها (٧).
﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وهو النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خُبث ودهاء.
стр. 1902
الحسن: العفريت لا يكون إلا كافرًا ولكن كان مسخراً (١).
قيل: وكان يضع قدمه حيث ينال بصره (٢).
قيل: كان اسمه صخر الجن (٣).
وقيل: كودي (٤).
﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ مجلسك، وكان مجلس قضاء وحكم. وقيل: مجلس وعظ يمتد الى نصف النهار (٥).
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ على جواهره. وقيل: أمين لا أبدله بغيره (٦). وقيل: أمين فيما أقول.
قال سليمان: أريد أعجل من ذلك. وقيل: بل ابتداء.
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فيه أقوال:
الزجاج في جماعة: هو آصف بن برخيا (٧).
وقيل: مَلَكٌ أَيَّد الله سليمان به (٨). وقيل: جبريل (٩). وقيل: سليمان نفسه.
المبرد: الأكثر إنه ضبة أبو القبيلة (١٠).
وقيل: كان رجلاً مستجاب الدعوة اسمه مليخا (١١).
стр. 1903
وقيل: أسطوس. وقيل: هو ذو النون (١).
ابن لهيعة (٢): هو الخضر (٣).
والعلم من الكتاب اسم الله الأعظم وهو يا حي يا قيوم (٤).
وقيل: يا ذا الجلال والإكرام (٥).
وقيل: بالعبرانية (٦) آهيا شراهيا.
وقيل: يا آلهنا وإله الخلق أجمعين إلهًا واحداً لا إله إلا أنت (٧).
الحسن: اسم الله الأعظم الله ثم الرحمن (٨).
واختلفوا في قوله ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ قيل: كتب الله المنزلة (٩).
وقيل: اللوح المحفوظ فيمن أوّله على المَلَك أو جبريل (١٠).
وقيل: الكتاب كتاب سليمان إلى بلقيس، أي: علم ما صار إليه أمر الكتاب المكتوب إليها وهو جبريل لم يعلم إقبال بلقيس إلى سليمان إلا هو (١١).
﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قبل أن يرجع إليك بصرك كأنك تفتح بصرك لتنظر إلى الشيء فتنظر إليه ثم يرتد بصرك (١٢) عن النظر.
وقيل: إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئاً من قوله ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ [المُلْك: ٤] (١٣).
стр. 1904
وقيل: مثل تَبَصُّر الإنسان الهلال ثم ينصرف بصره عنه (١).
وقيل: قبل أن يرجع إليك مطروفك، أي: من تنظر إليه من منتهى بصرك (٢).
وقيل: قبل الموت الذي ينتظر فيه وروده من قولهم: أنا ممتد الطرف إليك أي منتظرك (٣).
الماوردي: قبل أن ينقبض طرفك بالموت يخبره أنه سيأتيه قبل موته (٤)، وهذا تأويل قبيح، بل المعنى في هذا: آتيك به سريعاً، فقد جرت العادة بأن يقول القائل: أفعل هذا في لحظة وفي طرفة عين يريد السرعة، وآتيك في كلا الموضعين يجوز أن يكون المستقبل ويجوز أن يكون اسم الفاعل ولهذا جاز إمالته.
﴿فَلَمَّا رَآَهُ﴾ أي: رأى العرش.
﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ حاصلاً بين يديه. قيل: نبع من الأرض (٥).
وقيل: أتي به من فوق في الهواء (٦).
﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إشارة إلى إحضار العرش في مدة ارتداد الطرف من مسيرة شهرين.
﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إبتدائي بالمنّة به من غير استحقاق له.
﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ليمتحنني فيظهر مني الشكر أو خلافه.
﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ فإنه يستجلب به المزيد في الدنيا والثواب في العقبى.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فضل الله فلم يشكره بالزيادة في الطاعة.
﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره (٧).
стр. 1905
﴿كَرِيمٌ (٤٠)﴾ لا يعجل عقوبة من كفره.
وقال بعض المفسرين: إن سليمان تداخله شيء مما جرى على يدي هذا الذي أوتي علماً من الكتاب إذ صار غيره من أمته أعلم منه وأقدر على بعض الأمور، فقال رياضة لنفسه: إن هذا من فضل ربي عليّ إذ صير في أمتي من يجري على يده مثل هذا الأمر، ففضل ذلك لي وهو إنعام عليّ.
وقيل: لما خطر بباله هذا ووسوس إليه الشيطان ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ أي: مما يملكه يجعله لم يشاء من عباده فقد جعل هذا الفضل لهذا الذي أوتي علماً من الكتاب ليبلوني أأشكره أم أكفره؟ (١).
﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ إجعلوا أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره.
وقيل: نزع ما كان عليه من فصوصه وجواهره (٢).
وقيل: زِيد فيه ونقص (٣)، وقيل: غَيَّر ألوانه (٤).
وقيل: غُيِّر بأن جُعِلَ فيه أشكال السمك، حكاه الماوردي (٥).
وقيل: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ أظهروه لنتكر موضعه عنده (٦).
﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾ قيل: أتهتدي إلى عرشها فتعرف بفطنتها بعد التغيير أم تكون من الجاهلين به (٧).
стр. 1906
وقيل: تهتدي إلى التوحيد وتستدل بعرشها على قدرة الله ونبوتي، أم لا؟ (١).
قال المفسرون: إن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشى إليه أسرار الجن فلا ينفكون في تسخير سليمن وذريته من بعده، فأساءوا القول فيها وقالوا: إن في عقلها شيئاً، وإن رجلها كحافر الحمار فأراد سليمن ﵇ أن يَخْبَرَ عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح (٢).
وقيل: قابلها بتنكير العرش وبناء الصرح في مقابلة تبديل ثياب الغلمان والجواري (٣)، وبعث الحقة التي فيها جواهر تمتحنه يعلم ذلك أم لا (٤).
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ أي: بلقيس.
﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابت أحسن جواب لم تثبت ولم تنكر لاحتمال الأمرين، شبهوا عليها بقولهم ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ فشبَّهت عليهم بقولها (٥)
﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ قيل: هذا من كلام بلقيس أي: أوتينا العلم بصحة نبوتك بالآيات المتقدمة من أمر الهدهد والرسل من قبل هذه المعجزة يعني إحضار العرش. ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ مطيعين لأمرك منقادين لك (٦).
وقيل: هذا من كلام سليمان أي: وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها
стр. 1907
﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ موحدين خاضعين (١).
وقيل: من كلام قوم سليمان (٢).
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في فاعل (صد) ثلاثه أقوال:
أحدها: ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ أي: عبادتها الشمس صدتها عن عبادة الله (٣).
والثاني: فاعله سليمان، والمعنى: صدها عما كانت فحذف الجار ومحل ما نصب. والثالث: فاعله الله أي: وصدها الله عما كانت تعبد (٤).
وقيل: وصدها ما رأت من أمر النبوة (٥).
﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ إستئناف. وقيل: وصدها متصل بقوله ﴿أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ﴾ فيكون الواو للحال وقد مضمرة.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ الصرح القصر. وقيل الصرح: عرصة الدار (٦).
وقيل: كل بلاط اتخذ من قوارير فهو صرح (٧).
стр. 1908
وقيل: هو البناء العريض الرفيع، وكان عمل سليمان صحن من قوارير وتحته الماء والسمك وسائر دواب الماء وكان يُرى من ظاهره ثم جلس سليمان في وسطه على كرسي وكان طريق بلقيس في الوصول إليه (١).
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ نظرت إلى سليمان ورأت الصرح.
﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ (٢) قال المفسرون: ماءً غمراً، وذلك يبعد في الآية لأن كشف السارق لا يغني مع اللُّجَّة لأنها كشفت عن ساقها لتخوض الماء إلى سليمان.
والأَحْسن أن يحمل اللجة على الضحضاح، أو يقال كما جاء في بعض التفاسير أنها لما رأت الصرح قالت: ما وجد ابن داود عذاباً يقتلني به إلا الغرق.
﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ على عادة من يريد الخوض في الماء فإذا هي أحسن ساقٍ لكنها كانت شُعَرَاء.
﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ قال يعني (٣) سليمان لها. ﴿إِنَّهُ﴾ إن الذي تزعمين إنه ماء.
﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ ابن عيسى: الصرح البسيط المنكشف من غير سقف، ومنه صَرَّح بالأمر (٤)، و ﴿مُمَرَّدٌ﴾ المملس (٥).
стр. 1909
﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ من الزُّجَاج.
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ في عبادتي الشمس (١).
وقيل: ظلمت نفسي في ظني أنه قَصَد إغراقي (٢).
﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ طائعة.
﴿! رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ ثم اختلف المفسرون؛ فمنهم من قال: تزوجها سليمان واتُخِذَ له حَمَّام ونورة وهو أول من اتُخِذَ له، فلما تزوجها أحبها حباً شديداً وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون: سلحين وبينون (٣) وغمدان (٤)، وكان سليمان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام.
ومنهم من قال: زَوَّجها من ذي تُبَّع ملك همدان ثم ردها إلى اليمن فسلط زوجها ذا تبع (٥) على اليمن.
ومنهم من قال: آخر عهدي بهما قوله سبحانه ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ! رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لا أخوض فيما لم يذكر الله ولم يُبينه (٦).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ هم عاد الأخرى.
﴿أَخَاهُمْ﴾ في النسب يعرفون منشأه ومولده.
стр. 1910
﴿صَالِحًا﴾ بدل من أخاهم.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ بأن اعبدوا الله وحدوه وأطيعوه (١).
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ أي فاجؤه بالاختصام فآمن فريق وكفر فريق.
و﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ محمول على المعنى كقوله ﴿خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال الفريق الكافر ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧].
﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالعذاب والبلاء.
﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الراحة والدعة ولِمَ تقدموها عليها، وقد سبق في الرعد. (٢)
﴿لَوْلَا﴾ هلا. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ بالتوبة والإيمان.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾ لتكونوا مستعجلين الرحمة.
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ تتابعت علينا الشدائد واتصلت بنا المكاره مذجئتنا تدعي الرسالة. وقيل: تطيرنا بك لافتراق كلمتنا بسببك (٣).
﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الذي تزعمون أنه مني فليس كذلك بل من الله يختبركم به، وهو قوله ﴿قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ تختبرون.
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ علمكم (٤).
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ معناه: تشائمكم محفوظ عند الله فيجازيكم عليه (٥).
стр. 1911
وقيل: معنى ﴿تُفْتَنُونَ﴾ تضلون فتجهلون أن الخير والشر من عند الله، وحقيقة هذه من العرب في اعتقادها السانح والبارح (١) في بعض الطير والوحوش وأنها تدل بصياحها على حدوث آفات وبلاء وعارضات ويسمى ذلك الطيرة ونهى النبي ﷺ عنها لأنها خيالات (٢) لا تأثير لها وأوهام لا حقيقة معها (٣).
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ الرَّهْط: اسم لجماعة من الثلاثه إلى العشرة، فإذا جاوزت قلت أحد عشر رهطًا أي: في كل ناحية رهط، وأصله من الترهيط وهو تعظيم الُّلقَم وشدة الأكل (٤).
стр. 1912
﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر ولا يصلحون لا يكون منهم الا الفساد في جميع أمورهم. وعن سعيد بن المسيب، وعطاء في معنى ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يقطعون الدراهم والدنانير وهم عتاة قوم صالح تحالفوا ليقتلن صالحًا غيلة فأهلكهم الله (١).
﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ تقاسموا يحتمل أن يكون ماضياً، ويحتمل أن يكون أمراً فإن جعلته أمراً جاز.
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ بالنون والتاء (٢) لأن هذه من جملة الألفاظ التي يتلقى بها القسم، وإن جعلته ماضياً قرأت بالنون لا غير ويكون حالاً، وقد مقدره وذلك أنهم تواطؤا على أن يظهروا لقومهم أنهم مسافرون فيستترون أياماً ثم يباتون صالحاً فيقتلونه ومن معه ليلاً سراً فلا يتركون أحداً ممن يجمعهم منزله كيلا ينم عليهم (٣)، ثم ينكرون فيقولون ما كنا في البلد فيصدقهم قومهم لما يكون عندهم من سفرهم وهو قوله ﴿ثم لنقولن لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ لولي دمه وطالب ثأره ما شهدنا مهلك أهله أي: لم نتعرض لأهله فكيف كنا نتعرض له وما حضرنا موضع هلاكه فضلاً عن أن توليناه، والمُهلَك بالضم: الإهلاك ومكان الإهلاك. والمِهْلَك بالكسر: وضع الهلاك. وبالتفح المصدر.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ فيما ذكرنا.
стр. 1913
وقيل: ونحلف وإنا لصادقون في قولنا ما شهدنا مهلك أهله (١).
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ ثم إن ليلة موعودهم دخلوا كهفاً فأرسل الله صخرةً عليهم فدمغتهم.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ بمكرنا. وقيل: دخلوا عليه ليقتلوه فأرسل الله عليهم الملائكة (٢) رموا لكل واحد منهم بحجر حتى قُتلوا وسَلِم صالح من مكرهم وهم لا يشعرون بالملائكة (٣).
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ إن جعلت (كان) التامة فـ ﴿كَيْفَ﴾ حال، وإن جعلت الناقصة فكيف خبره، هذا إذا قرأت ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بالكسر، فإن فتحت ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ فمحله رفع على بدل من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أنا دمرناهم، ويجوز أن يكون نصباً خبراً لكان وكيف لَغْو، والمعنى: أهلكنا التسعة ومن بقي من قوم صالح (٤).
﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ لما عقروا الناقة.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ ساقطة منهدمة من قولهم خوى النجم وأخوى إذا سقط. وقيل: خاوية: خالية، من الخوى وهو خلو البطن وخلاء الدار (٥).
﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: بكفرهم. ﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ فيما فُعِل بثمود.
﴿لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ فيتعظون.
стр. 1914
﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بصالح. ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ أوامر الله أن يتركوها وكانوا أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضرموت، وسمّي حضَرمَوت لأن صالح لما دخلها مات، فتلك البيوت الخاوية بوادي القرى بين المدينة والشام.
﴿وَلُوطًا﴾ عطف على قوله ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [النمل: ٤٥] وأرسلنا لوطاً. وقيل: واذكر لُوطاً. وقيل: وأنجينا لوطاً فلما طال الكلام أعاد (١).
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ مواقعة الرجال إستفهام انكار عليهم.
﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ أن ذلك فاحشة لم يسبقكم به أحد من الخلق، ثم صرح فقال ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ للشهوة.
﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ اللآتي جعلهن الله موضع التلذذ.
وقيل: من دون فروجهن (٢).
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ أي: ليس ذلك لمعنى سوى الجهل بما يجب فإن الطباع الصحيحة لا يتوجه في ذلك إلا إلى النساء وإنما يُعدل عنهن لسوء العادة. ومعنى
﴿تَجْهَلُونَ﴾ تفعلون فعل الجهال.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أي: لوطا ومن على دينه.
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ عن مواقعة الرجال.
وقيل: يتحينون أطهار نسائهم (٣). وقيل: هذا استهزاء (٤).
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ فخلصناه من العذاب الواقع بهم.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)﴾ الباقين في عذاب الله.
стр. 1915
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ الحجارة. وقيل: النار والكبريت (١)، وذلك أن قرى سدوم (٢) قُلبت عليهم ومُطِرَ من شَذَّ عنها حجارة.
وقيل: بل مُطِرَ من في القرى ومن شذ عنها (٣).
﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ! ﴾ قيل: قُل يا لوط الحمد لله على هلاك كفار قومك (٤).
والجمهور على أنه خطاب للنبي ﷺ (٥) أي: قل يا محمد الحمد لله على هلاك الأمم الخالية.
وقيل: قل الحمد لله على ما علمك.
وقيل: الحمد لله على جميع نعمه (٦).
﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي: الأنبياء والرسل.
وقيل: هم الصحابة فإنهم المصطفون من أمة محمد ﷺ (٧).
وقيل: هم أمة محمد ﷺ (٨).
﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ إستفهام إنكار أي: الله خير أم الصنم؟ وهذا على من زعم أن في الصنم خير.
стр. 1916
وقيل: عبادته خير أم الشرك؟ (١).
أَمْ مَنْ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ لمصالح عباده ومعاشهم.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ لأجلكم.
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ مطرًا. وقيل: ماء العيون لأنها من السماء أيضاً (٢).
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ بالمطر.
﴿حَدَائِقَ﴾ بساتين محوطاً عليها.
﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ جمال ومنظر حسن.
﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ قيل: بغير الماء. وقيل: أنتم عجزة عن مثله لا تقدرون عليه (٣)، وتقدير الآية: أما تشركون خيرٌ أمن خلق السموات. وقيل: أمن الذي خلق السموات والأرض. ويحتمل أمن خلق السموات والأرض خير أم ما تشركون، وكذلك ما بعده ذكر أولاً بلفظ الاسم ثم بالوصف.
﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ الموصوف بما تقدم إله آخر لا يقدر على شيء منه.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ عن سنن الصواب.
﴿أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ يستقر عليها الخلق.
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ وسطها وَمسَالكها (٤) ونواحيها.
﴿أَنْهَارًا﴾ جارية. ﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ للأرض. وقيل: فيها (٥).
﴿رَوَاسِيَ﴾ جبالاً تمنعها عن الحركة (٦).
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والأُجاج. وقيل: بحر السماء وبحر الأرض (٧).
وقيل: بحر فارس وبحر الروم (٨)،
стр. 1917
وقد سبق (١).
﴿حَاجِزًا﴾ مانعاً أن يختلطا. ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ على ما سبق.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ أي: هم جهال فلجهلهم يشركون. ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ والكل على اختلاف معتقدهم إذا ضاق بهم أمر فزعوا إلى رب السماء.
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ النازل بالإنسان، أي: بدفع الشدة. وقيل: السوء الجَور (٢). وقيل: من تولاه فلا ينزل به السوء (٣).
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ بدلاً عن الكفار.
وقيل: جعل أولادكم خلفاء منكم (٤). ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ بل هو المنفرد به.
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ عظمته ونعمه فلذلك لا تشكرون (٥).
﴿أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يرشدكم. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ للطرق التي تسلكونها لتجاراتكم وجهاد أعدائكم. والبر: اليبس. والبحر: الماء.
وقيل: البر: بادية الأعراب، والبحر: القرى والأمصار (٦). وقيل: يهديكم يخلصكم (٧).
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قدام المطر، وقد سبق.
стр. 1918
﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ تعالى عن إشراككم (١) به ما هو مخلوقه. ﴿أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ بنشئ الخلق. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر.
﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات والحب.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ هكذا تقدير الآية أي: من قدر على الابتكار قدر على الإعادة، والمعنى: هذا بدأ الخلق بإقراركم ثم إقراركم بذلك حجة عليكم.
﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على إشراككم بعد إقراركم بتفرده بخلق هذه الأشياء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ في دعواكم.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الغيب ما يكون في المستقبل. وقيل: الغيب الساعة (٢).
وقيل: هو ما استأثر الله بعلمه مما هو غائب (٣).
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ متى يُنْشَرون ويُحْيَون، وذلك عائد إلى من في السموات والارض.
وقيل: عائد الى الكفار و ﴿مَنْ﴾ في الآية موصول وما بعده صلته. وقيل: نكره وما
بعده صفته أي: لا يعلم احد الغيب إلا الله (٤)، و ﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى متى. وقيل: أصله أي أن.
стр. 1919
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ﴾ قيل: ﴿فِي﴾ بمعنى الباء أي: بحدوث الآخرة. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من حدوثها، وقيل: بل أدرك علمهم في الآخرة (١)، ﴿بَلِ﴾ كلمة وضعت للإعراض عن الأول والإثبات للثاني، ويأتي حرف ابتدأ يدل على ترك ما قبله والأخذ في غيره كما في الآية، وكذلك ﴿بل هم في شك مِنْهَا﴾ أي: لم يحصلوا بالخوض إلا على الشك فيها.
﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾ أي: عن علمها (٢).
﴿عَمُونَ (٦٦)﴾ ذاهبون عن الرشد فيها. وقيل: عمون عن العقاب والثواب، وقرئ " بل أدارك " (٣)، وأصله تدارك، والعلم هاهنا بمعنى الحكم والقول أي: تتابع منهم القول والحكم في الآخرة وكثر منهم الخوض فيها، فنفاها بعضهم وشك فيها بعضهم وأنكرها بعضهم استبعاداً.
وقيل: هي متصلة بالآية الأولى والمعنى: ما يشعرون متى ما يُبعثون إلا بتتابع الظنون في علم الآخرة فهم تارة يقولون إنها تكون وتارة إنها لا تكون (٤).
وقيل: ﴿بَلِ﴾ في الآية بمعنى أم، فيكون استفهاماً بمعنى النفي أي: لم يتتابع علمهم ولم يعلموه (٥).
стр. 1920
وقيل: الماضي هاهنا في تقدير المستقبل كقوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: يتدارك علمهم في الآخرة بل هم في شكٍ منها في الدنيا (١).
ومن قرأ (أدرك) فهو بمعنى المستقبل أي: يدرك علمهم في الآخرة إذا عاينوها فلا ينفعهم.
وقيل: ﴿بَلِ﴾ بمعنى أم كالوجه الأول أي: لم يدرك (٢).
وقيل: تقديره بل أدرك، والاستفهام مقدر من غير أن يحمل ﴿بَلِ﴾ على معنى أم (٣).
قال الفراء: " هذا على وجه الاستهزاء به كما تقول لمن يدعي علم شيء فهو جاهل به نعم قد عرفته حق المعرفة إستهزاءً به " (٤).
ومعنى أدرك الشيء: تم بلوغه، ومعنى تدارك: حصل شيئاً بعد شيء، والعمي هو الذي أصيب بصيرته.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَمْنًا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ أي: إذا صرنا تراباً وصار آباؤنا كذلك نخرج من قبورنا أحياءً هذا لا يكون! ، والعامل في (إذا) فعل مضمر دل عليه ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾ أي: أنبعث إذا كنا تراباً؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبله، ﴿وَآَبَاؤُنَا﴾ عطف على المضمر في ﴿كُنَّا﴾ وقام المفعول مقام الضمير المنفصل. وقيل: رفع بالابتداء أي: وأباؤنا كذلك.
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الأزمنة المتقدمة.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ مكتوب كتب وأتى عليه السنون والدهور فلم يُر شيء خرج إلى الوجود ولا حقيقة لمعناه.
стр. 1921
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ جولوا في بلاد من تقدمكم من الأمم، وتعرّفوا أحوال من كذبوا الرسل وكذبوا بالبعث تجدوا ديارهم خاوية، وأبدانهم بائدة فأحذروا ولا تكذبوا فيحل بكم مثل ما حل بهم.
وقيل: معناه عَيَّنَ الرسل لهم وقت العذاب (١) فكان كما عينوا، فَصِدْقُهم فيما عينوا وقته دليل على الصدق فيما لم يعينوا (٢).
وقيل: معنى ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية: اقرؤا القرآن فإن أحوالهم مذكورة فيه يغنكم عن التطواف في الأرض والبلاد (٣).
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك.
﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ لا يضيق صدركم بمكرمهم فإني أكفيكهم والله يعصمك من الناس. وقيل: ولا تحزن على من مات منهم على الكفر (٤).
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: وعد العذاب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١)﴾ إن العذاب نازل، وخرج الكلام مخرج الجمع لرجوع ذلك إلى النبي ﷺ وأتباعه الذين كانوا يُحَذِّرُون الكفار كتحذيره.
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾ أي: عسى أن يكون بعض العذاب قد دنا منكم.
وقيل: جاء بعدكم (٥).
وقيل: قرب منكم (٦).
стр. 1922
وقيل: دنا لكم (١)، وكل ما دخله العدد فهو سريع النفد.
وقيل: تبعكم (٢)، من القتل، والأسر، والسبي، والسنين، والجدب، والبعض مدخر ليوم البعث والنشور.
وفي لام ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أقوال:
أحدها: أن ردفه وردف له لغتان.
والثاني: أن اللام زيادة كقوله ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقيل: محمول على المعنى أي: دنا لكم، وعند النحاة وجهان - وقد سبقت أمثاله - أحدهما: أن الفعل محمول على المصدر أي: الردافة لكم، فيكون تقديره: ردافة بعض ما تستعجلون لكم.
والثاني: أن اللام مفعول له، والمفعول به محذوف، وتقديره: ردف الخلق لكم أي: لأجلكم بعض الذي تستعجلون، ورأيت في بعض التفاسير أن في قوله ﴿رَدِفَ﴾ ضميراً يعود إلى الوعد، ثم قال ﴿لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهذه لطيفة فيحسن الوقف على ردف تقديره (٣): ردفكم الوعد (٤).
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بترك المعاجلة (٥) بالعذاب على المعاصي.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ له فيستعجلون.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تضمره وتستره.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾ وما يظهرون من القول، فليس تأخير العذاب عنهم لخفاء حالهم (٦) ولكن له وقت مقدر.
стр. 1923
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هو ما أخفاه عن خلقه وغيبه عنهم. وقيل: ما غاب عنهم من عذاب السماء والارض (١).
الحسن: الغائبة القيامة (٢).
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ في اللوح المحفوظ. وقيل: في القضاء المحتوم (٣).
وقيل: الغائبة أعمال العباد، وهي مثبتة ليجازى عليها (٤).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الدين، وذهب المفسرون إلى أن المراد به ذكر عيسى وأمه وعزير وذكر محمد ﷺ فإنهم اختلفوا فيهم والله بيَّن أمرهم ودينهم في القرآن بيانا شافيا فيهم (٥).
﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن.
﴿لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ لمن آمن به.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بين بني إسرائيل في الدنيا.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ فيما حَرَّفوه من الكتاب وبدَلَّوه.
وقيل: يحكم في القيامة فيجازي المحق بحقه والمبطل بباطله (٦).
وقيل: يقضي بالقتال وقد أَمَر به (٧).
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يغالب. ﴿الْعَلِيمُ (٧٨)﴾ فيما أَمَر ونَهى.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يا محمد وقاتلهم.
стр. 1924
﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ فثق بالظفر من الله والغلبة على الأعداء، وقيل: معناه أديت ما أُمِرت فلا عليك أن لا يقبلوا (١).
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: هم لا ينتفعون بما يسمعون ولا يعملون به فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقول وكما لا يكون في وسعك وطاقتك إسماع الموتى فكذلك إسماع هؤلاء.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ أي: هم لإعراضهم عن الإصغاء إلى القرآن كالصم، والأصم إذا ولَّى لا يَفْهم بالسماع (٢) ولا بالرمز والإشارة.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ أي: هم كالعمي وما في وسعك إدخال الهدى في قلوب من عمي عن الحق فلم ينظر إليه (٣) بعين قلبه.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ لا يقبله إلا من آمن بآيتنا وترك العناد. وقيل: لا تسمع إلا من يطلب الحق بالنظر في آياتنا (٤).
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وجب السخط والغضب.
وقيل: إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥).
وقيل: إذا حق القول عليهم أنهم لا يؤمنون (٦).
وقيل: إذا قرب كون الساعة (٧).
وقيل: القول الواقع قوله يوم ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].
стр. 1925
وقيل: هو قوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣].
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ عَلَماً من أعلام الساعة وشرطاً من أشراطها. ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ من الكلام.
وقيل: تفعل من الكَلْم يقويه قراءة من قرأ (تَكْلِمُهُم) (١).
﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ لأن الناس.
﴿كَانُوا بِآَيَاتِنَا﴾ بمحمد والقرآن. وقيل: بكتبنا. وقيل: بأدلتنا (٢).
﴿لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ لا يؤمنون إيمان عالم مستدل، ومن جعله من الكلام جاز أن يكون ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ مفعول الكلام أي: تخاطبهم بهذا.
وقيل: تخاطبهم فتقول للمؤمن هذا مؤمن وللكافر هذا كافر (٣).
ومن كسر ﴿أَنَّ﴾ (٤) فعلى الاستئناف، أو على إضمار القول، أو ينزل الكلام منزلة القول لأن كل كلام قول وليس كل قول كلاماً.
стр. 1926
واختلف المفسرون في شكل دابة الأرض وفي موضع خروجها؛ فروي عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ " دابة الأرض طولها ستون ذراعاً لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تَسِمُ المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه مؤمن، وتَسِمُ الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه كافر، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلوا وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر " (١).
ابن عباس ﵄: تخرج من بين أودية تهامة (٢).
ابن مسعود ﵄: تخرج من بين الصفا والمروة (٣).
وسئل علي بن طالب ﵁ عن الدابة فقال: " والله ما لها ذَنَب وإن لها للحية " (٤)، كأنه أشار إلى أنها من الإنس.
غيره: هي دابة من دواب الأرض (٥).
ابن عباس ﵄: إن لها زغب (٦) وريش وأربع قوائم (٧).
стр. 1927
وروي عن ابن الزبير ﵄ (١): إنها دابة رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، ووأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة (٢)، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين إثنا عشر ذراعاً، تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في مسجد المؤمن بعصا موسى نكته بيضاء فيبيض وجهه، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان نكته سوداء فيسود وجهه، وهذا حين يغلق باب التوبة ثم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل (٣).
وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها خلق الطير فتخبر (٤) من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يؤمنون (٥).
وقيل: على صورة فرس. قيل: تخرج من أجياد (٦).
وقيل: من بحر سدوم، حكاه الماوردي (٧).
стр. 1928
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أي: نجمع من كل أمة من الأمم زمرة. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) للتبيين. ﴿بِآَيَاتِنَا﴾ بالعذاب والدلائل.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ يُحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا، وقد سبق هذا كقوله
﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩].
وقيل: يحشر الكل (١)، وخص المكذبون بالذكر لأنه سبحانه أراد (٢) وصف حالهم (٣). والحشر: جمع على عنف. وقيل: كل أمة أهل دين. وقيل: أهل كل زمان.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: جاءو إلى المحشر قال الله لهم (٤).
﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ في معناه قولان:
أحدهما: أنه نفي للعلم، وتقديره: أكذبتم بآياتي ولم تعرفوها حق معرفتها أم ماذا كنتم تعملون (٥) حين لم تتفكروا فيها (٦)، فهو تبكيت وتقريع.
والثاني: إثبات للعلم، وألف الاستفهام موخر في التقدير أي: كذبتم بآياتي أو لم تحيطوا بها علماً، فيكون كقوله ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالاستفهام واقع على الانقلاب لا على الموت، ويقويه ما بعده ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، حكاه القفال (٧).
стр. 1929
وقيل: الآيات هاهنا آيات الساعة. وقيل: القرآن والأدلة، على ما سبق (١).
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حل العذاب بهم. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بسبب كفرهم. ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ باحتجاج ولا اعتذار ولا استنصار.
وقيل: لا ينطقون بحجة.
ابن بحر: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ لزمتهم حجة الله (٢).
﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فلم يجد جوابه.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنوم والقرار والإمساك عن كد الاكتساب.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضئياً للتصرف والمعاش. وقيل: يبصرهم إلى معاشهم (٣).
وقيل: يبصر فيه كقولهم: ليلٌ بائم، ويومٌ صائم، وسرٌ كاتم (٤).
﴿إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ينفخ فيه إسرافيل وهو قرن.
وقيل: جمع صورة كصوفة وصوف أي: ينفخ الأرواح في الأجساد (٥).
وقيل: هو مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد لخروجهم فيه كخروج الجيش إذا انذروا بنفخ البوق فاجتمعوا لوقت واحد، والجمهور على الأول وهو المعتقد (٦).
﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ هي النفخة الأولى فيكون معنى (فزع): مات.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هم الشهداء.
стр. 1930
وقيل: هي النفخة الثانية فيكون (فزع) بمعنى: خاف (١).
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الملائكة، والأنبياء، والشهداء.
وقيل: هم المؤمنون لقوله ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
وقيل: ﴿فَزَعٍ﴾ بمعنى: أجاب وأسرع إلى النداء، وإنما عطف الماضي على المستقبل لأن اليوم محمول على معنى إذا، تقول: إذا زرتني زرتك، وإذا زرتني أزورك (٢).
والعامل في اليوم اذكر عند المبرد، فيكون مفعولاً به، ويكون ﴿فَزَعٍ﴾ بمعنى المستقبل كقوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
وقيل: تقديره: يوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات قامت القيامة (٣).
وقيل: ذلك يوم ينفخ فيكون إشارة إلى ما تقدم من خروج الدابة.
وقيل: العامل من جاء بالحسنة (٤).
﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ صاغرين وقيل راغمين (٥).
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ بحاسة بصرك.
﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ واقفة ممسكة عن الحركة جمود الماء (٦)، ﴿تَحْسَبُهَا﴾ حال من المخاطب، أو من الجبال.