← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

واختلف المفسرون في شكل دابة الأرض وفي موضع خروجها؛ فروي عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ " دابة الأرض طولها ستون ذراعاً لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تَسِمُ المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه مؤمن، وتَسِمُ الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه كافر، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلوا وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر " (١). ابن عباس ﵄: تخرج من بين أودية تهامة (٢). ابن مسعود ﵄: تخرج من بين الصفا والمروة (٣). وسئل علي بن طالب ﵁ عن الدابة فقال: " والله ما لها ذَنَب وإن لها للحية " (٤)، كأنه أشار إلى أنها من الإنس. غيره: هي دابة من دواب الأرض (٥). ابن عباس ﵄: إن لها زغب (٦) وريش وأربع قوائم (٧).

стр. 1927

وروي عن ابن الزبير ﵄ (١): إنها دابة رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، ووأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة (٢)، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين إثنا عشر ذراعاً، تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت في مسجد المؤمن بعصا موسى نكته بيضاء فيبيض وجهه، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان نكته سوداء فيسود وجهه، وهذا حين يغلق باب التوبة ثم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل (٣). وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها خلق الطير فتخبر (٤) من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يؤمنون (٥). وقيل: على صورة فرس. قيل: تخرج من أجياد (٦). وقيل: من بحر سدوم، حكاه الماوردي (٧).

стр. 1928

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أي: نجمع من كل أمة من الأمم زمرة. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ (من) للتبيين. ﴿بِآَيَاتِنَا﴾ بالعذاب والدلائل. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ يُحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا، وقد سبق هذا كقوله ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]. وقيل: يحشر الكل (١)، وخص المكذبون بالذكر لأنه سبحانه أراد (٢) وصف حالهم (٣). والحشر: جمع على عنف. وقيل: كل أمة أهل دين. وقيل: أهل كل زمان. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: جاءو إلى المحشر قال الله لهم (٤). ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنه نفي للعلم، وتقديره: أكذبتم بآياتي ولم تعرفوها حق معرفتها أم ماذا كنتم تعملون (٥) حين لم تتفكروا فيها (٦)، فهو تبكيت وتقريع. والثاني: إثبات للعلم، وألف الاستفهام موخر في التقدير أي: كذبتم بآياتي أو لم تحيطوا بها علماً، فيكون كقوله ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالاستفهام واقع على الانقلاب لا على الموت، ويقويه ما بعده ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، حكاه القفال (٧).

стр. 1929

وقيل: الآيات هاهنا آيات الساعة. وقيل: القرآن والأدلة، على ما سبق (١). ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ حل العذاب بهم. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بسبب كفرهم. ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ باحتجاج ولا اعتذار ولا استنصار. وقيل: لا ينطقون بحجة. ابن بحر: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ لزمتهم حجة الله (٢). ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فلم يجد جوابه. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنوم والقرار والإمساك عن كد الاكتساب. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضئياً للتصرف والمعاش. وقيل: يبصرهم إلى معاشهم (٣). وقيل: يبصر فيه كقولهم: ليلٌ بائم، ويومٌ صائم، وسرٌ كاتم (٤). ﴿إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ينفخ فيه إسرافيل وهو قرن. وقيل: جمع صورة كصوفة وصوف أي: ينفخ الأرواح في الأجساد (٥). وقيل: هو مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد لخروجهم فيه كخروج الجيش إذا انذروا بنفخ البوق فاجتمعوا لوقت واحد، والجمهور على الأول وهو المعتقد (٦). ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ هي النفخة الأولى فيكون معنى (فزع): مات. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هم الشهداء.

стр. 1930

وقيل: هي النفخة الثانية فيكون (فزع) بمعنى: خاف (١). ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الملائكة، والأنبياء، والشهداء. وقيل: هم المؤمنون لقوله ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]. وقيل: ﴿فَزَعٍ﴾ بمعنى: أجاب وأسرع إلى النداء، وإنما عطف الماضي على المستقبل لأن اليوم محمول على معنى إذا، تقول: إذا زرتني زرتك، وإذا زرتني أزورك (٢). والعامل في اليوم اذكر عند المبرد، فيكون مفعولاً به، ويكون ﴿فَزَعٍ﴾ بمعنى المستقبل كقوله ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]. وقيل: تقديره: يوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات قامت القيامة (٣). وقيل: ذلك يوم ينفخ فيكون إشارة إلى ما تقدم من خروج الدابة. وقيل: العامل من جاء بالحسنة (٤). ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ صاغرين وقيل راغمين (٥). ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ بحاسة بصرك. ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ واقفة ممسكة عن الحركة جمود الماء (٦)، ﴿تَحْسَبُهَا﴾ حال من المخاطب، أو من الجبال.

стр. 1931

﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ في السرعة. وقيل: تسير سيراً وسطاً (١)، من قول الأعشى (٢): كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لاريث ولا عجل (٣). وقيل: تجتمع وتسير بكثرتها فهي جامدة في رأي العين وتسير سير السحاب كالجيش إذا بعد ما بين طرفيه (٤). وقيل: يحسبه الرائي لحيرته من هول ذلك اليوم واقفه وهي سائرة (٥). وقيل: تحسبها جامدة في الدنيا وهي تمر في الآخرة مر السحاب (٦). ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: صنع الله ذلك صنعه فهو نصب على المصدر ودل على صنع ما قبله. ومعنى ﴿أَتْقَنَ﴾ أحكم خلقه وهو مشتق من قول العرب: تقنوا أرضهم إذا أرسلوا فيها الماء الخاثر لتجود (٧)، والتَّقن: رسابة الماء في الغدير وهو الذي يجئ به الماء من الخُثُورة (٨).

стр. 1932

﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ بالطاعة (١). ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ بالواحد عشر، وبالواحد سبعمائة من قوله ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وقيل: خير منها الجنة، والجمهور على أن الحسنة هاهنا: لا إله إلا الله (٢)، ويكون تقدير قوله ﴿مِنْهَا﴾ من جهتها وسببها. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " فله خير " (٣). وقيل: على هذا الوجه يمكن حمله على التفضيل أيضاً أي: فله خير من القول والذكر لا من المذكور والمقول. ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (٨٩)﴾ أي: من فزع يوم القيامة، ومن نون جعل الفزع للجنس (٤)، وجاز لأن المصدر للعموم. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ بالشرك. ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أي: يدخل النار فيكبت فيها على وجهه، ويقال لهم ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ وقيل: هو خطاب من الله للكفار في الدنيا أي: إذا فعل بكم ما ذكر من إدخال النار والكب على الوجوه فيها هل أكون ظالماً لكم (٥).

стр. 1933

﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قل للعرب يا محمد إنما أمرني الله أن أعبد رب هذه البلدة أي: مالكها وهي مكة التي تفتخر بها العرب ويسمون بسببها سكان حرم الله. ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ جعله حرماً آمناً يأمن فيها السباع والوحوش فلا يعدوا الكلب فيها على الغزال، ولا ينفر منه الغزال ويكف الناس عن أهلها وعن من لاذ بها. وقيل: حرَّمها عَظَّم حرمتها من أن يسفك بها دم أو يظلم بها أحد أو يصطاد صيدها أو يختلي خلاها، فاعبدوه أنتم ففيه عزكم وشرفكم (١). ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ ولرب هذه البلدة كل شيء مع هذه البلدة فإنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين كلهم. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ وأمرني ربي أن أكون مسلمًا على دين إبراهيم منقاداً لأمره. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ﴾ وأمرني أن أتلوا القرآن لأعرف الحلال من الحرام وما ينبغي لي أن أعبد غير الله به (٢). ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ فمن سلك طريقي فأصاب الحق والهدى. ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأنه إياها (٣) ينفع وإياها يورد الجنان. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن طريقي. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ أي: فليس علي إلا الإنذار وليس على إكراهه ولا إليَّ أنزل العذاب به. ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ! ﴾ الذي وقفنا لمرضاته. ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ﴾ يوم بدر وانشقاق القمر. وقيل: خروج الدابة ولو بعد حين (٤). وقيل: آياته في القيامة (٥).

стр. 1934

﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ فيتحقق عندكم ما كنتم كذبتم به. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ يعني الكفار فيكون تأخير العذاب عنهم لغفلته عن أعمالهم، ومن قرأ بالتاء فلموافقة ما قبله من الخطاب (١).

стр. 1935

سورة القَصَص

стр. 1936

سورة القصص مكية ابن عباس ﵄: مكية إلا آية نزلت بالجُحْفَة قبل الهجرة وهي ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] (١). مقاتل: مكية إلا قوله ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] فإنها نزلت بالمدينة (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ نقرأ عليك يقرأه جبريل بأمرنا. وقيل: نقص عليك (٣). ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ بعض أخبارهما. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق الذي لا يجوز فيه الكذب. وقيل: بأخبار صحيحة (٤). ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ لينتفعوا به. وقيل: يجوز أن يكون ﴿لِقَوْمٍ﴾ من صلة ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق لهؤلاء أي ليكون لهم حقاً وصدقاً يؤمنون به (٥).

стр. 1937

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ علا في زمانه في أرض مصر. وقيل: العرب تسمى مصر الأرض، وبعض نواحيها الصعيد أي: صار فيها عالياً رفيع القدر غالباً لمن تحت يده (١). ابن عباس ﵄: معنى ﴿عَلَا﴾: استكبر (٢). السدي: تجبر (٣). قتاده: بغى (٤). مقاتل: تعظم (٥). الزجاج: طغى وغلب (٦). وقيل: عظم أمره بكثرة من أطاعه (٧). ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا﴾ وصَيَّرَ أهل مصر. ﴿شِيَعًا﴾ فِرَقاً؛ يُكْرِم طائفةً ويذل أخرى (٨)، ويستحيي طائفة ويذبح أخرى، فيكون القبط أحدى الشيعة وهم شيعة الكرامة، ويجوز أن يكون ذلك على بني إسرائيل قد كان يكرم قوماً منهم ويذل الآخرين، ويجوز أن يكون قوله ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم بنو إسرائيل. ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ فيكون ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾: ﴿يُذَبِّحُ﴾، ... ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾: حالاً، و ﴿يُذَبِّحُ﴾ و ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾ تفسير لقوله ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾. ومعنى ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾: يترك البنات أحياء (٩) للخدمة.

стр. 1938

وقيل: كان يقتل سنة ويستحيي سنة، فَوُلدَ هارون في سنة الاستحياء للولد وموسى (١) في سنة الذبح (٢). وقيل: معنى ﴿وَيَسْتَحْيِي﴾: يفتش حياء المرأة باستخراج الولد الذكر منها، وهو بعيد (٣). ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ في الأرض بالكفر والقتل واستعباد الأحرار. ﴿وَنُرِيدُ﴾ إنما ذكر بلفظ المستقبل عطفاً على ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ وما بعده، وهي حال أي: حال فرعون كذا وحالنا كذا. ﴿أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: نتفضل (٤) على من استضعفهم فرعون وهم بنو إسرائيل. الماوردى: هم يوسف وولده، قال: " وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ " (٥). ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ أنبياء، وكان بين موسى وعيسى ألف نبي من بني إسرائيل. وقيل: قادة في الخير (٦) ودعاة في الدين (٧). وقيل: ولاة الأمر (٨). ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ لمصر وأموالها بعد فرعون وأهله كما قال في الأخرى ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ الآيات [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نجعلهم مقتدرين في مصر والشام (٩) وما ملكته بنو إسرائيل من البلاد. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾ من بين إسرائيل.

стр. 1939

﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ من سلبهم ملكهم واستيلائهم على بلادهم على ما كانت كهنتهم ومنجموهم يخبرونهم به حتى دعاهم ذلك إلى قتل أبنائهم. الزجاج: عجباً من حمق فرعون في قتله بني إسرائيل؛ إن كان الكاهن صادقاً فما ينفعه القتل، وإن كان كاذبًا فما معنى القتل (١). قرئ (٢) (ونري) فرعون عطفاً على (نَمُنّ)، وقرئ (ويري) (٣) بالياء (٤)، وفرعون (٥) بالرفع فهو نصب أيضا بالعطف، ويحتمل الاستئناف، وإنما رأوا ذلك حين إداركهم أمارات الغرق وأسبابه وتحققوا أنهم قد غُلِبوا وأن بني إسرائيل قد ملكوا ملكهم وليس يحتاج إلى تطاول المدة في هذه الرؤية. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ النقاش: اسمها يُوخايذ من ولد لاوي بن يعقوب (٦). قيل: وحي إلهام (٧). وقيل: وحي رؤيا (٨). وقيل: أتاها ملك كما أتى مريم حيث قال ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾

стр. 1940

[آل عمران: ٤٢] (١). قيل: كان الوحي قبل الولادة (٢). وقيل: بعدها، وهو الأظهر (٣). ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ اسقيه اللبن. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أن يُفْطَنَ به (٤) ويسمع الجيران صوته. وقيل: خفت عليه القتل من جهة فرعون (٥). وقيل: أوحي الله إليها أن أرضعيه كل يوم مرة وكل ليلة مرة، فإذا بلغ أشهراً وخِفْتِ عليه أن يَطْلُبَ أكثر ويبكي فَيُفْطَن به لبكائه (٦). ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ النيل، فلما ولدته جعلته في بستان وكانت تأتيه مرة بالنهار ومرة بالليل فترضعه ويكفيه ذلك، فأرضعته ثمانية أشهر (٧). وقيل: أربعة أشهر (٨). وقيل: ثلاثة أشهر (٩)، فألقته في النيل. ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة والهلاك. ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ لفراقه (١٠). ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ بوجه لطيف.

стр. 1941

﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ أي: يبلغ مبلغ النبوة فيكون من المرسلين، وفي هذه الآية أمران، ونهيان، وخبران، وبشارتان (١). ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: فأرضعته وألقته في اليم بعد ما خافت عليه على الصفة التي أمرت بها في قوله ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩]، فجاءت إلى النجار وأمرت أن يجعل لها تابوتاً طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك، فجاء إلى الموكل بذبح البنين، فاعتقل لسانه فرجع، ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النَّجْر. وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت نمّ إلى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق وأيقن أنه المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون، واسمه خَربيل (٢). ومعنى (التقطه): وجده من غير طلب، تقول لقيت فلاناً إلتقاطاً إذا وردت عليه من غير قصد إليه، وقال الشاعر (٣): ومنهل وردته التقاطا ... لما ألق إذ وردته فُرَّاطا. إلا الحمام الورق والغطاطا ... . . . . . . . . . . . . . . . . (٤)

стр. 1942

﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ لمخالفة دينهم (١). ﴿وَحَزَنًا﴾ لزوال ملكهم، والحُزْن والحَزَن لغتان كالبُخْل والبَخَل. وقيل: بالضم اسم، وبالفتح مصدر. أجمع المفسرون على أن اللام هاهنا لام العقابة والصيرورة لا لام العلة، وانشدوا: له مَلَكٌ ينادي كل يوم (٢) ... لِدُوا للموت وابنوا للخراب (٣). ﴿إِن فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ آثمين بكفرهم أي: فجعل الله لهم موسى عدواً وحزناً لذلك. المبرد: أي: مخطئين على أنفسهم بالتقاطه (٤). وذُكِرَ في التفسير أنه التقتطه جواري فرعون (٥). وقيل: التقطه بنت لفرعون برصاء فبرئت في الحال (٦). وقيل: البرصاء كانت امرأة فرعون فبرئت (٧). وقيل: كانوا خاطئين بقتل أولاد بني إسرائيل. وهب: ذبح فرعون في طلب موسى سبعين ألف وليد، حكاه الثعلبي وغيره (٨). النقاش: جميع ما قتل فرعون من بني إسرائيل ستة عشر طفلاً (٩)، والله أعلم بذلك.

стр. 1943

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ أي: قالت لفرعون هذا الصبي قرة عين لي ولك. ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطبته بلفظ الجمع. وقيل: تقديره قل للشُّرَط لا تقتلوه. ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في بعض أمورنا وخدمتنا. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ إن كان نجيباً عاقلاً، وروي عن ابن عباس ﵁ الوقف على قوله ﴿وَلَكَ لَا﴾ وهو من حيث المعنى لأن مآلها كان إلى الإيمان والجنة ومال أمره إلى الغرق والنار، ومن حيث الاعراب فاسد غير صحيح، لأنه لا يمكن الابتداء بما بعده ولم تكن امرأته تتجاسر على مواجهته بهذا الكلام كيف وهي تستميل قلبه على استبقائه بقولها ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (١). وروي عن نافع (٢) الوقف على قوله ﴿لِي﴾ والابتداء بقوله ﴿وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ أي: ولك أن لا تقتلوه، أو ولك أن تقول لا تقتلوه (٣)، والوجه الوصل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن فرعون قال: أما أنا فلا حاجة لي فيه، ولو قال يومئيذ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها " (٤).

стр. 1944

قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قيل: هو من كلام امرأة فرعون أي: نتخذه ولداً وبنو إسرائيل لايشعرون (١). وقيل: والناس لا يشعرون أنه لغيرنا (٢). والجمهور على أنه استئناف كلام من الله سبحانه أي: لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه (٣). وقيل: لا يشعرون أنه المطلوب للذبح (٤). ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (أصبح) أي: صار وحصل. وقيل: رمته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً (٥)، والوجه هو الأول. وفي قوله ﴿فَارِغًا﴾ أقوال: أحدها: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، وهو قول ابن عباس ﵄ (٦). الأخفش: فارغاً لا حزن فيه ثقة بوعد الله (٧). ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ابن بحر: فَراغُ القلب خوفه من قوله ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، ويسمى الجبان يراعة أي: لا قلب له (٨). وقيل: نافراً (٩). وقيل: والِهَاً (١٠). وقيل: فارغاً للحزن على موسى والاغتمام له (١١).

стр. 1945

الحسن: فارغاً من ذكر الوحي والعهد أي: أنساها عظيم البلاء ذلك (١). ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ وذلك أنها سمعت فرعون قد أخذ التابوت فلم تشك أنه يقتله فكادت تقول: "وا إبناه" شفقة عليه. وقيل: لما سمعت أن فرعون اتخذه ولداً كرهت وكادت تقول: هو ابني (٢)، لما حُملت لإرضاعه وحضانته كادت (٣) تقول هو ابني (٤). وقيل: تبدي بالوحي (٥). وقيل: بالبكاء (٦). وفي الباء قولان: أحدهما: زيادة، والتقدير: تبديه. والثاني: أن المفعول مقدر أي: تبدي القول به بسبب موسى. ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ قويناه بالصبر واليقين. وقيل: بالإيمان والعصمة (٧). وقيل: ربطنا على قلبها بأن نذكرها (٨) ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾. وجواب لولا محذوف أي: لأبدَتْه. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ أي: فعلنا لتكون من المؤمنين غير شاكة في وعد الله فإن ذلك كفر. وقيل: من المصدقين (٩). ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ اتبعي أثره واستعلمي خبره. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أي: قصته. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أبصرته.

стр. 1946

وقيل: صارت بصيرة بموضعه، لأن بصر لا يتعدى (١). ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عن مكان جنب صفة موصوف محذوف (٢). وقيل: عن جانب لأنها كانت تمشي على الشط (٣). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ أنها تقصه (٤). وقيل: لا يشعرون أنها أخته (٥). ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ معناه من أن يرضع إلا من أمه. والمراضع: جمع مرضع بالفتح أي: الرضاع. وقيل: مرضع بالكسر. وقيل: مرضعة، فيكون المضاف محذوفاً أي: لبن المراضع من قبل إتيان الأخت (٦). وقيل: من قبل أن تأتيه أمه. وقيل: من قبل في القضاء السابق (٧). وقيل: حرمنا على المراضع أن يرضعنه وذلك بأن لا يقبل إرضاعهن، حكاه القفال (٨). ﴿فَقَالَتْ﴾ أي: أخت موسى. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ هل لكم حاجة أن أدلكم: أُرشدكم. ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ يكفلون موسى. ﴿لَكُمْ﴾ من أجلكم وسببكم. ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ لا يقصرون في تربيته وإرضاعه في وقت حاجته إلى اللبن (٩).

стр. 1947

وذكر في بعض التفاسير أن هامان لما سمعها تقول ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قال خذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام فألهمها الله فقالت: إنما ذكرت النصيحة لفرعون لا لغيره. فقال: صدقت. فسألها فرعون أن تأتي بمن تكفل موسى (١) فأتت بأم موسى، فلما أرضعته أمسك عن البكاء وارتضع منها. وذكر في بعض التفاسير: أن فرعون قال لها: ما باله لم يقبل لبن غيرك وقبل لبنك؟ قالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا ارتضع منى (٢). فسكت فرعون. ثم قالت لامرأة فرعون: إن طابت نفسك أن تُعطينيه فأذهب به إلى بيتي لآلوُه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة منزلي وأولادي فرضيت امرأة فرعون فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، وهو قوله ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بولدها. ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقه. ﴿وَلِتَعْلَمَ أَن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ لتتيقن أن وعد الله كائن (٣). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أكثر الكفار. ﴿لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ أن وعده حق. وقيل: لا يعلمون ما يراد بهم (٤). ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: بلغ موسى قوة الشباب، وتمام العقل والتمييز. ابن عباس ﵄: بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة (٥). وقيل: عشرين سنة. وقيل: خمسة عشر سنة (٦). الحسن: أربعين سنة (٧).

стр. 1948

السُدّي: ثلاثين سنة (١). عكرمة: خمساً وعشرين سنة (٢). ابن جبير: ثماني عشرة سنة (٣)، وقيل: الحُلُم (٤). ﴿وَاسْتَوَى﴾ ابن عباس ﵄: أربعين سنة (٥). وقيل: بلغ قامته مبلغاً لا يزيد عليه واستوى قَدُّه (٦). وقيل: ﴿وَاسْتَوَى﴾ كَمُلَ عقله (٧). وقيل: خرجت لحيته (٨). و﴿أَشُدَّهُ﴾ قيل (٩): جمع شدة كنعمة وأنعُم. وقيل: جمع شدٍّ كَوَدٍّ وأود. وقيل. واحد كأنك، وقد سبق (١٠). ﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوة وفقهاً. وقيل: عقلاً (١١). ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقهاً وفهما. مجاهد: قرآناً (١٢)، وهذا بعيد.

стр. 1949

وقيل: علماً بشرائع دينه (١). ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾ أي: كما فعلنا بموسى وأمه نفعل بالمؤمنين. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ دخل موسى مصر. وقيل: قرية على فرسخين من مصر يقال لها جائين (٢). وقيل: اسمها عين الشمس (٣). النقاش: الاسكندرية (٤). وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل مصر (٥). وقيل: بل كان فرعون أخرجه لما أخذ بلحيته فلم يدخل عليه حتى كبر (٦). وقيل: كان فرعون ركب وموسى غائب، فلما عاد ركب خلفه ودخل المدينة فاتفق له ذلك (٧). ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قيل: متنكراً راجلاً (٨).

стр. 1950

وقيل: في غير الوقت الذي كان يدخل المدينة معتاداً، ولهذا قال: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ ولم يقل على غفلة أي: دخل في غير الوقت الذي كانوا يتوقعونه (١). وقيل: وقت القيلولة (٢). وقيل: بين المغرب والعشاء (٣). ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط. وقيل: أحدهما مؤمن (٤) والآخر كافر (٥). وقوله ﴿هَذَا﴾ على الحكاية. المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب (٦)، قال جرير (٧): هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إليَّ قطينا (٨). ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي سأله أن يغيثه، وكان القبطي خباز فرعون يحمل الحطب على الإسرائيلي. وقيل: يحمل الخبز على ظهره (٩). وقيل: كانا يقتتلان في الدِّين (١٠).

стр. 1951

﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ أي غضب موسى على القبطي لكفره وعتوه (١). ﴿فَوَكَزَهُ﴾ ضربه بجميع كفه (٢). وقيل: دفع صدره بيده (٣). وقيل: عقد بيمينه عقد ثلاث وتسعين فضربه (٤). وقيل: ضربه بعصاه (٥)، والوَكْز (٦)، واللَّهْز (٧)، والنَّهْز (٨)، والرَّهْز (٩) بمعنى. ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله. وقيل: أماته (١٠)، والقاضية: الموت (١١)، وقيل: كل شيء فرغت منه فقد قضيته (١٢). وفاعل (قضى): موسى، ويحتمل أن يكون هو الله أي: قضي الله عليه الموت، ويحتمل فقضى الوكز عليه. ﴿قَالَ﴾ يعني موسى. ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما حصل من غير قصده. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ لأنه حمله على ذلك حين أغراه.

стр. 1952

وقيل: معنى قوله ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ كقولك: هذا من فعل الفاسقين لا الصالحين، وكان لم يؤمر بالقتل والقتال (١). وقيل معناه: زَيَّنَ الشيطان لي طاعة الغضب وترك الرفق (٢). ﴿إِنَّهُ﴾ إن الشيطان. ﴿عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ ظاهر العداوة. ﴿قَالَ رَبِّ) يا رب. ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتله من غير أمر منك. ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي. ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ أجاب الله دعاءه. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوب العباد. ﴿الرَّحِيمُ (١٦)﴾ بهم. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بما غفرت ذنبي. وقيل: بما خَلّصْتني (٣). وقيل: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: النبوة والحكمة (٤). ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ معيناً، وقوةً، وظهراً. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ للكافرين (٥). قيل: هذا يدل على أن الذي من شيعته كان كافراً (٦). وقوله ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ يدل على أنه كان مسلماً، والله أعلم بذلك. وقوله ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ابن جرير: قسم أي: بإنعامك علي لا أكون ظهيراً، قال: " ولم يستثن فابتلي بما نم عليه الإسرائيلي في اليوم الثاني" (٧).

стр. 1953

وقيل: هو خبر بمعنى الدعاء (١) أي: فلا تجعلني ظهيراً للمجرمين (٢). وقيل: لن بمعنى: لا، وهو دعاء، والظاهر أنه خبر، أي: بسبب إنعامك علي لا أكون بعد اليوم معيناً لكافر (٣). الكسائي في جماعة من أهل اللغة: قالوا معناه لا أكون بالمغفرة والرحمة معيناً للمجرمين فأقول لهم رحمك الله او غفر الله لك، حكاه القفال (٤). ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ على نفسه من قتل القبطي أن يؤخذ به. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يتوقع وقوع مكروه به. وقيل: يترقب الأخبار هل وقفوا على ما كان منه (٥). وقيل: خائفاً من الله يترقب المغفرة (٦). وقيل: خائفاً من قومه ينتظر أن يسلمه قومه، حكاه الماوردي (٧). ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هذه للمفاجاه أي: فاجأه المستغيث الأمْسِي يسأله أن يُصرخه، والاستصراخ: الاستغاثة، مشتق من الصراخ، تقول: أتى الصارخ الأمير فأصرخه، أي: أغاثة. والمعنى: يسأله النصرة على قبطي آخر يقاتله. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ أي: للإسرائيلي (٨).

стр. 1954

﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾ أي: غوي في تدبيرك، غير رشيد في أمرك، تقاتل مع عجزك (١) وقلة أنصارك. وقيل: الغوي: الخائب بما يطلبه. وقيل: خاطب موسى بهذا القبطي فلم يفهم الإسرائيلي (٢). ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: لموسى والإسرائيلي أي: أراد أن يثب على القبطي ليمنعه عن قتال الإسرائيلي (٣) توهم الإسرائيلي أن موسى قصده، وكان قد سبق منه إليه إنك لغوى مبين. ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ يعني: القبطي المقتول. ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ قتالاً يقتل الناس على الغضب. عكرمة: الجَبَّار: الذي قتل مرتين (٤). ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر (٥). ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾ في كظم الغيظ وترك القتل، وكان حديث القتل فشا في المدينة وخفي القاتل، ففطن القبطي بذلك، فذهب إلى فرعون فأخبره أن قاتِله موسى. الحسن: هو من قول القبطي لأنه كان اشتهر أن إسرائيليا قتل قبطياً (٦). والجمهور على القول الأول. وقيل: خاف الإسرائيلي أن يقتل موسى القبطي فيؤخذ الإسرائيلي به (٧). وقيل: الإسرائيلي كان السامري (٨).

стр. 1955

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ أي: فتآمر فرعون وقومه حينئذ في أمر موسى وقصدوا طلبه وقتله، فجاء رجل وهو " خربيل " مؤمن آل فرعون، وهو النجار. وقيل: شمعون (١). ﴿يَسْعَى﴾ على رجليه سريعاً. وقيل: يعدوا، وكان ابن عم فرعون (٢). ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ يتشاورون في قتلك افتعل من الأمر. وقيل: يهمون بقتلك. الزجاج: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك (٣). وقيل: يدبرون الأمر في قتلك (٤). ﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة. ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾ أي: ناصح لك من الناصحين، لأنه لا يتقدم الصلة على الموصوف. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ أي: فخرج موسى من المدينة بعد إنذار الرجل إياه. ﴿خَائِفًا﴾ على نفسه من آل فرعون. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر هل يلحقه طلب فيؤخذ. وقيل: معنى ﴿يَتَرَقَّبُ﴾: يلتفت (٥). وقيل: يترقب أن يضل السبيل (٦). ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ خلصني واجعلني بحيث أفوتهم ولا يلحقونني، مشتق من النجوة وهو: المكان الذي لا يناله كل أحد. ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ قصد بوجهه، والتَّوجه: الإقبال على الشيء. ﴿تِلْقَاءَ﴾ مقابلة، وهو مصدر من لقيت جعل ظرفاً كبين فإنه مصدر جُعل ظرفاً.

стр. 1956

﴿مَدْيَنَ﴾ أي: نحو ماء مدين، ومدين هو ابن إبراهيم سمي الماء به. ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ إشتبهت عليه الطرق فلم يدر أيها يؤديه إلى المقصد ففوض أمره إلى الله وقال ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصد طريق مدين، وكانت هناك ثلاث طرق أخذ موسى في أوسطها وأخذ من كان في طلبه الآخَرَيْن، وقالوا: إن المريب لا يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلك إلا بنيات الطرق (١)، وبقي في الطريق ثماني ليال حافياً ما له طعام إلا ورق الأشجار. وقيل: لم يقصد مدين ولكنه أخذ طريقاً (٢) إلى حيث يأمن فيه فاتفق ذهابه إلى مدين لأمر قدره الله (٣). وقيل: أتاه جبريل بالعصا وأمره بالمسير إلى مدين (٤). وقوله ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ وقوله ﴿وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ من إخبار الله لا من قصده. ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ ماء مدين (٥) آبار كان يشرب منها أهلها ويسقون أنعامهم ومواشيهم (٦). ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جمعاً. ابن عباس ﵄: الأمة أربعون (٧). ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم (٨). ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ﴾ دون الجماعة أي: أسفل منهم، أشار بذلك إلى تنحيهما عن الجماعة.

стр. 1957

﴿تَذُودَانِ﴾ تمنعان مواشيهما عن الماء، وهي تنازع إليه. وقيل: تحبسان غنمهما عن الشَّذ (١). وقيل: تذودان غنم الناس عن غنمهما كي لا يختلطا (٢). ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ ما شأنكما لا تسقيان غنمكما؟ . وقيل: ما شأنكما واقفتين، استنكاراً لخروجهما من غير محرم (٣). ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ ينصرف، والصَّدَر: الانصراف عن الماء، ومن قرأ (٤) " يصدر " بالضم فالمفعول مقدر أي يُصدر الرعاء مواشيهم (٥). والرِّعَاء: جمع راع، والرعاء: للمواشي. والرعاة: الولاة. قيل: لا نسقي تصوناً عن الاختلاط بالرجال (٦). وقيل: لضعفنا عن المزاحمة (٧). ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾ أي: ضعيف لا يمكنه الخروج قالتا ذلك عذراً لخروجهما من غير محرم. وقيل: تعريضاً لموسى أن يُعينهما على السقي (٨).

стр. 1958

﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي: سقى موسى مواشيهما لأجلهما، وذلك أنه أتي بئراً عليها صخرة لا يحملها إلا عشرة فحملها ورماها، وسألهم أن يعطوه دلواً فناولوه دلواً لاينزحها الأعشرة. وقيل: إلا أربعون رجلاً، فنزحها وحده وسقى أغنامهما (١). وعن عمر ﵁ قال: " لم يستق إلا ذنوباً واحدة حتى رويت الغنم " (٢). وقيل: زاحم القوم على الماء حتى أخرجهم عنه ثم سقى لهما (٣). ﴿ثُمَّ تَوَلَّى﴾ جعل ظهره يلي ما كان يليه وجهه. ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ عن الشمس، قيل: ظل شجرة وكانت هناك سمرة (٤). وقيل: صار إلى القبلة. وقيل: إلى ظل جدار لا سقف عليه (٥). ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: تنزل، ويحتمل: إلى ما أنزلت إليَّ قبل، أي: إلى مثله. ﴿فَقِيرٌ (٢٤)﴾ محتاج، ابن عباس: من خير شِبْعة من طعام (٦). ابن جبير: شُبْعَةُ يومين (٧)، تقول افتقر إليه وافتقر له كالوحي. قال الحسن: " سأل الله الزيادة في العلم والحكمة " (٨)، والجمهور على القول الأول (٩).

стр. 1959

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أي: رجعتا وأخبرتا أباهما (١) بما رأتا من موسى. وقيل: لما أسرعتا في الإياب ذلك اليوم (٢) بخلاف سائر الأيام سألهما أبوهما عن السبب، فأخبرتاه بما كان من موسى ﵇، فأرسل إحدى ابنتيه، فجاءته ماشيةً مستحييةً مستترةً بكم درعها (٣). وعن عمر ﵁: سترت وجهها بيديها (٤). الحسن: فوالله ما كانت ولَاّجة ولا خَرَّاجة ولكنها كانت من الخفرات (٥) اللاتي لا يحسن (٦) المشي بين أيدي الرجال والكلام معهم (٧). وجاء في التفسير أنها الصغرى واسمها صفورا، وهي التي تزوجها موسى (٨). وروي عن بعض القراء الوقف على ﴿تَمْشِي﴾ والابتداء بقوله ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (٩). ﴿قَالَتْ إِن أَبِي يَدْعُوكَ﴾ لأن الحياء في الكلام أكثر منه في المشي ﴿قَالَتْ إِن أَبِي يَدْعُوكَ﴾ الجمهور على أنه شعيب. وذهب بعض المفسرين إلى أنه ابن أخي شعيب واسمه يثرون.

стр. 1960

وقيل: يثرين (١)، وكان شعيب مات قبل ذلك بعد ما كف بصره، وجاء في التفسير ودفن بين المقام والزمزم (٢). ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي: ليكافئك على سقيك إيانا، والأجر جزاء العمل. فأجابها موسى. قتادة عن مطرف (٣):

стр. 1961

" قال أما والله لو كان عند نبي الله موسى شيء ما اتبع مذقتها ولكنه حمله على ذلك الجهد فتبعها موسى فهبت الريح وألزقت (١) ثوبها بجسدها، فكره موسى أن يرى ذلك منها. فقال لها: امشي ورآئي ودليني على الطريق إن أخطأت، فإنا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء " (٢). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ أي: جاء موسى صاحب مدين (٣). ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ ذكر أحواله مع فرعون. ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾ يريد فرعون وآله، فإنه لا يد له على مدين. ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ صفوراء. ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لرعي الغنم، تقول: استأجره اخذه بالأجرة (٤). ابن عيسى: الاستئجار: العقد على أمر بالمعاوضة (٥). ﴿إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ فقد جربنا قوته برفعه الحجر ونزحه الدلو، وجربت أمانته حيث منعني عن المشي قدامه. وقيل: القوي في بدنه الأمين في عفافه (٦). ابن عباس ﵄: القوي فيما يلي الأمين فيما استودع (٧). ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: تأجرني نفسك مدة ثماني حجج، والمعنى: تكون أجيراً لي. تقول: أجرت الغلام فهو مأجور، وآجرته فهو مؤجر، وواجرته (٨) فهو مؤاجر على فاعلته، كله بمعنى واحد.

стр. 1962

وقيل: معناه أن تثيبني (١) من تزويجي إياك رعي ماشيتي ثماني حجج (٢)، من قولك: آجرك الله أي: أثابك (٣). وقيل: ﴿أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أن تكون أجيراً لي من غير إضمار (٤). والحِجة: السنة، والحجج جمعها. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أي: أتممت العقد عشراً. ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تفضلاً منك. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في هذه المدة فأكلفك ما يصعب عليك. وقيل: أن أشق عليك بأن آخذك بإتمام عشر سنين (٥). ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ في حسن العشرة والوفاء بالعهد، وهذا شرط للأب وليس بصداق. وقيل: صداق، والأول أظهر لقوله ﴿تَأْجُرَنِي﴾ ولم يقل تأجرها (٦). ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ذلك الشرط وعلينا الوفاء به. ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ الثماني، أو العشر.

стр. 1963

﴿قَضَيْتُ﴾ وفيتك إياه وفرغت من العمل فيه. ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا يُعتدى علي فأطلب بأكثر. المبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في إتمهما ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء (١). وقيل في قوله ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ما ذكرته من الأجلين فهو أمر بيني وبينك إفعل منه ما أحببت لا شرط فيه، قاله القفال (٢). قال الأب: نعم. قال موسى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من النكاح، والأجر، والأجل. ﴿وَكِيلٌ (٢٨) * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ حفيظ وشاهد، وعن النبي عليه الصلات والسلام أن موسى ﵇ قضى أتم الأجلين وأوفاهما (٣). يعني العشرة. ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قطعه وانتهى إلى آخره، والأجل: غاية الوقت (٤) قال له أبو زوجته: لك من الشاء ما جاء به قالب لون أي ما جاء (٥) على خلاف شية أمها. وقيل: جعل له كل بلقاء (٦) تولد في تلك السنة فأوحى إلى موسى أن ألق عصاك في الماء فما شرب ولدن كلهن على ما شرط لموسى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ بامرأته وأولاد الغنم وكانت قطيعة إلى مصر. ﴿آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ اصبروا. ﴿إِنِّي آَنَسْتُ﴾ ابصرت. ﴿نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: بخبر الطريق، وكان قد ضل الطريق.

стр. 1964

وقيل: بخير النار هل هي بخبر نأنس به أم بشر نحذره (١). ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ قطعة حطب كبير في طرفه نار، وفي الجيم من الجذوة (٢) ثلاث لغات (٣). وقيل: بأصل شجرة فيها نار، وكان أصلد زنده (٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ لتستدفئون بها (٥). ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ أي: نودي يا موسى (٦). ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أيمن موسى وهو صفة للشاطئ. ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ ﴿فِي﴾ متصل بـ ﴿نُودِيَ﴾، وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة ﴿شَاطِئِ﴾. ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ من عند الشجرة، وكانت شجرة عُنَّاب (٧). وقيل: سمرة (٨). وقيل: عُلِّيق (٩)، وهي شجرة العوسج (١٠).

стр. 1965

﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ونودي أن الق عصاك فألقاها (١) فقلبها الله ثعباناً. ﴿فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية. وقيل: شبهها بالجن، وقد سبق الكلام في هذه الآيات (٢). ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يريد موسى. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى﴾ أي: ناديناه يا موسى. ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (٣١)﴾ الذين لا يخافون. ابن بحر: أي إنك من المرسلين كقوله (٣) ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] (٤). ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ادخل يدك في جيبك من جانب الصدر. وقيل: جيبك قميصك (٥). ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لها شعاع كشعاع الشمس. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ عيب أو برص. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فيه أقوال: أحدها: ضم يدك إلى صدرك يسكن مابك من الفزع من الثعبان ومن فرعون (٦). وقيل: لما ألقى عصاه خاف فبسط جناحه يعني يده كالمتقي بها وهو موجود في عادات الناس، وقيل له: ضم ما بسطته من يديك خوفاً على نفسك، واليد إذا بسطت صارت كالجناح المبسوط، ويد الإنسان جناحه وجناحا الطير يداه (٧). الزجاج: الجناح هاهنا العضد (٨).
следующие страницы →