← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

" قال أما والله لو كان عند نبي الله موسى شيء ما اتبع مذقتها ولكنه حمله على ذلك الجهد فتبعها موسى فهبت الريح وألزقت (١) ثوبها بجسدها، فكره موسى أن يرى ذلك منها. فقال لها: امشي ورآئي ودليني على الطريق إن أخطأت، فإنا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء " (٢). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ أي: جاء موسى صاحب مدين (٣). ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ ذكر أحواله مع فرعون. ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾ يريد فرعون وآله، فإنه لا يد له على مدين. ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ صفوراء. ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لرعي الغنم، تقول: استأجره اخذه بالأجرة (٤). ابن عيسى: الاستئجار: العقد على أمر بالمعاوضة (٥). ﴿إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ فقد جربنا قوته برفعه الحجر ونزحه الدلو، وجربت أمانته حيث منعني عن المشي قدامه. وقيل: القوي في بدنه الأمين في عفافه (٦). ابن عباس ﵄: القوي فيما يلي الأمين فيما استودع (٧). ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: تأجرني نفسك مدة ثماني حجج، والمعنى: تكون أجيراً لي. تقول: أجرت الغلام فهو مأجور، وآجرته فهو مؤجر، وواجرته (٨) فهو مؤاجر على فاعلته، كله بمعنى واحد.

стр. 1962

وقيل: معناه أن تثيبني (١) من تزويجي إياك رعي ماشيتي ثماني حجج (٢)، من قولك: آجرك الله أي: أثابك (٣). وقيل: ﴿أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أن تكون أجيراً لي من غير إضمار (٤). والحِجة: السنة، والحجج جمعها. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أي: أتممت العقد عشراً. ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تفضلاً منك. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ في هذه المدة فأكلفك ما يصعب عليك. وقيل: أن أشق عليك بأن آخذك بإتمام عشر سنين (٥). ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ في حسن العشرة والوفاء بالعهد، وهذا شرط للأب وليس بصداق. وقيل: صداق، والأول أظهر لقوله ﴿تَأْجُرَنِي﴾ ولم يقل تأجرها (٦). ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ذلك الشرط وعلينا الوفاء به. ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ الثماني، أو العشر.

стр. 1963

﴿قَضَيْتُ﴾ وفيتك إياه وفرغت من العمل فيه. ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا يُعتدى علي فأطلب بأكثر. المبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في إتمهما ولكن جمعهما ليجعل الأقل كالأتم في الوفاء (١). وقيل في قوله ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: ما ذكرته من الأجلين فهو أمر بيني وبينك إفعل منه ما أحببت لا شرط فيه، قاله القفال (٢). قال الأب: نعم. قال موسى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من النكاح، والأجر، والأجل. ﴿وَكِيلٌ (٢٨) * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ حفيظ وشاهد، وعن النبي عليه الصلات والسلام أن موسى ﵇ قضى أتم الأجلين وأوفاهما (٣). يعني العشرة. ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قطعه وانتهى إلى آخره، والأجل: غاية الوقت (٤) قال له أبو زوجته: لك من الشاء ما جاء به قالب لون أي ما جاء (٥) على خلاف شية أمها. وقيل: جعل له كل بلقاء (٦) تولد في تلك السنة فأوحى إلى موسى أن ألق عصاك في الماء فما شرب ولدن كلهن على ما شرط لموسى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ بامرأته وأولاد الغنم وكانت قطيعة إلى مصر. ﴿آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ اصبروا. ﴿إِنِّي آَنَسْتُ﴾ ابصرت. ﴿نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: بخبر الطريق، وكان قد ضل الطريق.

стр. 1964

وقيل: بخير النار هل هي بخبر نأنس به أم بشر نحذره (١). ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ قطعة حطب كبير في طرفه نار، وفي الجيم من الجذوة (٢) ثلاث لغات (٣). وقيل: بأصل شجرة فيها نار، وكان أصلد زنده (٤). ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ لتستدفئون بها (٥). ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ أي: نودي يا موسى (٦). ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أيمن موسى وهو صفة للشاطئ. ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ ﴿فِي﴾ متصل بـ ﴿نُودِيَ﴾، وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة ﴿شَاطِئِ﴾. ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ من عند الشجرة، وكانت شجرة عُنَّاب (٧). وقيل: سمرة (٨). وقيل: عُلِّيق (٩)، وهي شجرة العوسج (١٠).

стр. 1965

﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ونودي أن الق عصاك فألقاها (١) فقلبها الله ثعباناً. ﴿فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية. وقيل: شبهها بالجن، وقد سبق الكلام في هذه الآيات (٢). ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يريد موسى. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى﴾ أي: ناديناه يا موسى. ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (٣١)﴾ الذين لا يخافون. ابن بحر: أي إنك من المرسلين كقوله (٣) ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] (٤). ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ادخل يدك في جيبك من جانب الصدر. وقيل: جيبك قميصك (٥). ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لها شعاع كشعاع الشمس. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ عيب أو برص. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فيه أقوال: أحدها: ضم يدك إلى صدرك يسكن مابك من الفزع من الثعبان ومن فرعون (٦). وقيل: لما ألقى عصاه خاف فبسط جناحه يعني يده كالمتقي بها وهو موجود في عادات الناس، وقيل له: ضم ما بسطته من يديك خوفاً على نفسك، واليد إذا بسطت صارت كالجناح المبسوط، ويد الإنسان جناحه وجناحا الطير يداه (٧). الزجاج: الجناح هاهنا العضد (٨).

стр. 1966

المبرد: ضم إليك جناحك أي: يديك فإذا فعلت ذلك زال رهبك (١). وقيل: معناه: أسكن ولا تخف (٢) كأنه طَيَّره الفزع، وآلة الطيران الجناح فقيل له (٣): لا تخف وضم منشور جناحك من الخوف إليك. الفراء: الجناح هاهنا: العصا، وفي الأخرى ما بين أسفل العضد على الرسغ (٤). وقيل الجناح: جيب مدرعته (٥). وقيل: أذا هالكل أمر يدك لما يغلبك من شعاعها فاضممها إليك تسكن (٦). وقيل: معناه: يدك إلى عصاك (٧). ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ قوله ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ فيه ثلاث لغات (٨)، والرهب: الخوف.

стр. 1967

وقيل: الرهب: الكُم (١). وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: إنك من الآمنين من الرهب. ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ اليد والعصا حجتان ومعجزتان. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ من الله. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ مرسلاً بهما إلى فرعون. ﴿وَمَلَئِهِ﴾ وقيل: اذهب بهما إلى فرعون وملإه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾ كافرين. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ يعني القبطي. ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ أي: به، أراد أن يعرف مآل أمره مع فرعون. ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ وكان موسى به رتَّة، وقد سبق (٢). ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ معيناً أي: اجعله معي رسولاً ليكون عوناً على تبليغ الرسالة (٣). ﴿يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ فلا يكون أحد يصدقني. وقيل: ليس المقصود يصدقني فيما أدعيه من الرسالة لكن يصدقني فيما أدعي أنه حجتي، فإذا أقام هارون البينة على ما أدعيه فقد أثبت صدقي (٤). ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ فأجابه الله إلي ملتمسه فقال: سأقويك وأويدك باجتماعه معك على إبلاغ الرسالة.

стр. 1968

﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ حجةً وبرهاناً بالمعجزات الواضحات التي تصحبكما. ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ بمكروه ولا يكون لفرعون وملأه عليكم قدرة. ﴿بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ اختلفوا في هذه الباء؛ فقال بعض النحويين: هي متصلة بالوصول أي: فلا يصلون إليكما بسبب آياتنا وتم الكلام. وقال بعضهم: متصل بالغلبة فيكون الكلام تاماً على ﴿إِلَيْكُمَا﴾، وهذا لا يرضاه المحققون لأن الصلة لا تتقدم على الموصول (١). وقيل: هي متصلة بقوله ﴿وَنَجْعَلُ﴾، وهو الأظهر، ويحتمل أنه للحال كما تقول: خرج فلان بسلاحه أي: متسلحاً، فيكون تقديره: محتجين بآياتنا ومستصحبين بآياتنا (٢). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مختلق عجيب، من قولهم: يفري الفرى. ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾ فيه وجوه: أحدها: ما سمعنا أحداً ادعى النبوة فَصُدِّق. والثاني: لطول الفترة قالوا هذا القول. وقيل: ما سمعنا دُعي آباؤنا إلى ما تدعونا إليه (٣). والرابع: ما سمعنا بمثل هذا السحر. والخامس: جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم. ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: يعلم أني محق فيما أدعوكم إليه وأنتم مبطلون.

стр. 1969

وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء قبلنا، جواباً لهم من قولهم ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾ (١). ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ويعلم من تكون له العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾ لا يفوزون بالنعيم (٢). ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ يجب أن تعظموه وتعبدوه. ﴿غَيْرِي﴾ فلا تلتفتوا إلى إله موسى، وجاء في التفسير أن بين قوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وبين قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أربعين سنة. ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ وكان وزيراً له أي: اطبخ الطين بنار توقدها على الطين ليصلب ويصير آجراً، وكان أول من اتخذ ذلك. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ابن لي بناء عالياً، واجعل له درجاً أصعد إليه بها. ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أي: أرتقي إليه، توهم لعنه الله أن إله موسى جسم في السماء يُرتقى إليه فَيُنَال. ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ يعني موسى كاذباً، ناقض بين قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ لأن الظن شك. ابن بحر: أراد ببناء الصرح أن يوهم ضعفة قومه أن الذي يدعوا إليه موسى موصول إليه ومقدور عليه وهو في مكان (٣).

стр. 1970

وأكثر المفسرين على أنه بنى هامان له الصرح، وعلاه فرعون ورمى بنشابه نحو السماء فسقطت عليه متلطخة بالدم، وبعضهم قال: لم يصح أن الصرح بُني له (١). وقيل: كان فرعون يتعاطي مذهب الصابئين وأنهم يعبدون النجوم ويزعمون أن إلى استجابة الكواكب لمن أراد ذلك طرقا من العبادات (٢)، وأن من ظفر باستجابة الشمس له مَلَّكته وصيرته من أعظم من في عصره (٣) وأكبرهم، وأراد ببناء الصرح رَصَداً يصعد إليه ويعلم كيفية أحوالها هل تجدد حُكم من أحكامها والله أعلم (٤). ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ تعظم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر وما يليها بدعوى الآلهية والامتناع من اتباع الرسل والإيمان بهم. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بغير حق أوجب ذلك بل بالباطل. وقيل: الباء للحال أي: غير محقين (٥). ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ للبعث والنشور. ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قيل: بحر قلزم (٦). وقيل: إساف وهو من وراء مصر (٧).

стр. 1971

وقيل النيل (١). ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ انظر بعين قلبك وتدبره بعقلك تعلم أن من كفر بالله وكذب رسله فمصيره إلى الهلاك والنار، وحَذِّر قومك بأنك منصور عليهم. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: وجعلنا قوم فرعون (٢) أئمة في الشر والضلال يقتدى بهم فيهما فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتبعهم. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ إلى أعمال توجب دخول النار. وقيل: حذف المضاف مرة بعد أخرى أي إلى أعمال أهل النار (٣)، وجاز أن يكون الدعاء منهم، وجاز أن يكون قد سنوا سنة سيئة. وقيل: (جعلنا) بمعنى: سمينا كقوله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] (٤). وقيل: (جعلنا) بمعنى حكمنا أي: حكمنا بكفرهم. وقيل معناه: أعلمناكم أنهم أئمة يدعون إلى النار (٥). وقيل: أئمة يأتم بهم أهل البصائر ويتعظ بهم أهل العبر (٦). ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ لا يدفعهم أحدٌ من عذاب الله. وقيل: لا ينصر بعضهم بعضا (٧). ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي: كل من ذكرهم لعنهم.

стр. 1972

وقيل: ﴿لَعْنَةً﴾ عذاباً (١). وقيل: هو أمر الله إيَّانا بأن نلعنهم، وهذا هو القول الأول. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: تقديره: ولعنة يوم القيامة، فحذف المضاف وانتصب اليوم على المفعول به (٢). وقيل: هو عطف على محل ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ كقوله: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غداً (٣). وقيل: ظرف للمقبوحين (٤). ومعنى ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ المهلكين. وقيل: قبحه يقبحه إذا جعله قبيحاً، وهو سواد الوجوه وزرقة العيون (٥). وقيل من المعذبين (٦). وقيل من المغلوبين (٧). ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة، وجاء في التفسير أنه أول كتاب نزلت فيه الفرائض والأحكام. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط.

стр. 1973

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (١) " ما أهلك الله أمة من الأمم بعد إنزال التوراة غير القرية التي مسخ الله أهلها قردة، ألم تر إلى قوله ولقد ﴿آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ " (٢). ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ جمع بصيرة وهي: التي توصل برؤيتها إلى الرشد والسعادة. ﴿وَهُدًى﴾ قائداً إلى الرشد. ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمة (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ يتعظون ويعتبرون. ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ قيل: هناك جبل غربي وهو الذي كلم الله عليه موسى (٤). قتادة: بجانب غربي الجبل (٥). أبو عبيدة: بجانب الغربي حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم (٦). الحسن: بعث الله موسى بالغرب (٧). وقيل: في الجانب من الوادي (٨). وقيل: بجانب المكان الغربي من البحر (٩). ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ كلمنا موسى وفرغنا إليه مما أردنا تعريفه وأيصاءه. وقيل: قضينا هلاك فرعون في الماء، فيحمل جانب الغربي على اليم (١٠). ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ من الحاضرين في ذلك المكان (١١).

стр. 1974

وقيل: من الشاهدين في ذلك الزمان (١). ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أي: بعد موسى. ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ وفترت النبوة، وكاد يلحق تلك الأخبار وهن، وبلغ الشرائع دروس، ولحق كثيراً منها التحريف، وتمام الكلام مضمر تقديره (٢): فأرسلناك مجدِّداً لتلك الأخبار مميزاً للحق مما اختلف فيه منها، رحمة منا لقومك. ويحتمل أن يجعل المعنى: وما كنت من الشاهدين في ذلك الزمان، وكان بينك وبين موسى قرون تطاولت أعمارهم وأنت تخبر الآن عن تلك الأحوال (٣) إخبار مشاهدة وعيان بإيحاينا إليك معجزة لك. ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي: مقيماً فيهم. ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾ أرسلناك في آخر الزمان إلى الخلق أجمعين. الفراء: ما كنت ثاوياً مع موسى في مدين (٤) فتراه وتسمع كلامه وأحواله، وها أنت تتلوا عليهم آياتنا أي: على أمتك فهو منقطع (٥). ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ أي: موسى ثانياً (٦) حين اختار قومه سبعين رجلاً. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: أنزلنا هذه الأخبار إليك رحمه من ربك.

стр. 1975

﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ منذر. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: في الفترة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾ وقيل: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا موسى بقولنا ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] (١). ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة وعذاب. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والظلم والمعاصي التي اتستحقوا بها (٢) العذاب، وأضافها إلى اليد وإن لم يك بعضها باليد كالمَثَل: يداك أو كتا وفوك نفخ (٣). ﴿فَيَقُولُوا﴾ عند العذاب. ﴿رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هلا. ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ﴾ فكنا نؤمن به (٤) ونتبع الكتاب الذي تنزله عليه. ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ بك وبرسولك، وجواب ﴿وَلَوْلَا﴾ محذوف، وفيه وجوه: أحدها: لأصبناهم بالعقوبة ولأحللنا بهم المصيبة. والثاني: لما أرسلنا رسولاً نقص أنباء المرسلين ونحذر وننذر (٥). والثالث: لما أرسلنا الرسل ولكن أرسلناهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

стр. 1976

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ محمد ﷺ . وقيل: القرآن (١). ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ بأمرنا وحينا. ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني اليد، والعصا، وسائر معجزاته، وهذا كلام اليهود. وقيل: كلام العرب بتعليم اليهود. ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعنون محمداً وموسى (٢). وقيل: الضمير في ﴿قَالُوا ب﴾ لليهود، و ﴿سِحْرَانِ﴾ عنوا بهما: موسى وهارون قالوا أول ما أتاهم موسى. وقيل: عنوا بهما عيسى ومحمداً ﵈، وهذه المقالة لليهود اليوم. وقيل: الضمير في ﴿يَكْفُرُوا﴾ يعود إلى فرعون وملإه، و ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ موسى وهارون. ومن قرأ (سحران) عنوا بهما التوراة والإنجيل (٣).

стр. 1977

وقيل: الإنجيل والقرآن (١). وقيل: سألت العرب اليهود عن صفة محمد ﷺ ونعته هل تجدون ذلك في التوراة قالوا نعم فقالوا سحران وساحران تظاهرا وتعاونا (٢). ﴿وَقَالُوا﴾ كفار قريش. ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾ أي: بكل الأنبياء، وبكتبهم. وفي تكرار ﴿وَقَالُوا﴾ وجهان: أحدهما: قالوا ساحران مرة، وقالوا إنا بكل كافرون مرة. والثاني: أن ﴿وَقَالُوا﴾ عطف على ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾، ويجوز أن يكون كل واحد لقوم على ما سبق، وتقدير الآية: أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل وقالوا، فحذف الواو، وهو مقدر (٣). ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن صدقتم في أني اختلقت القرآن وأن موسى اختلق التوراة وادعينا أنهما من عند الله فاختلقوا أنتم كتاباً مثلهما أو أَدَلّ على الرشد بزعمكم وقولوا من عند الله أتبعه. وقيل: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ من التوراة والقرآن نأمن معه من تكذيب طائفة من الناس أتبعه (٤). ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ إلى إتيان كتاب. وقيل: إلى الإيمان بك والقرآن (٥). ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما لا حجة فيه (٦). ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ حجة وبرهان أي: لا أحد أضل (٧) ممن اتبع في الدين هواه.

стр. 1978

﴿إِن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ لا يرشدهم ولا يوفقهم. ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أتبعنا بعضه بعضاً. وقيل: بيّنا (١). وقيل: أنزلناه شيئاً فشيئا ليكونوا أوعى له (٢). و﴿وَصَّلْنَا﴾ مبالغة الوصل، وحقيقة الوصل رفع الحائل بين الشيئين. ﴿لَهُمُ﴾ قيل: للمشركين (٣). وقيل: لأهل الكتاب (٤). ﴿الْقَوْلَ﴾ قيل: ذكر الأنبياء وما حل بقومهم (٥). وقيل: القرآن (٦). وقيل: تكرار الوعظ ومتابعة الاحتجاج (٧). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾ يتعظون ويؤمنون. ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ عبدالله بن سلام وأصحابه وسلمان وغيرهم. وقيل: هم أهل الإنجيل قدموا على رسول الله ﷺ ثلاثةً وثلاثين من الحبشة وسبعة من الشام (٨).

стр. 1979

﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن. وقيل: قبل محمد ﷺ (١). ﴿هُمْ بِهِ﴾ بمحمد. وقيل: بالقرآن (٢). ﴿يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ يصدقون. ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: القرآن. ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ دائنين بدين الإسلام، عالمين بصحته، مؤمنين به لوجودهم ذلك في كتابهم. ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ مرة لإيمانهم بكتابهم، ومرة لإيمانهم بالقرآن. ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الإيمان والطاعة، وعن الكفر والمعصية. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ سبق آخر الفرقان.

стр. 1980

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وفي الصحيحين أن سبب نزول الآية: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبدالله بن أبي أمية (١) فقال رسول الله ﷺ : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. قال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها له ويعاودانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملة عبدالمطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "لاستغفر لك ما لم أُنْه عنك"، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، وأنزل في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (٢).

стр. 1981

وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة". قال: لولا أن تعيرني نساء قريش ويقلن حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك. فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١). يعني: أبا طالب ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: حمزة، والعباس (٢) ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ في سبب النزول أنها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل ابن عبد مناف أتى النبي ﷺ فقال: " إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن منعنا من اتباعك أن العرب تخطفنا من أرضنا لإجماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله هذه الآية (٣). والمعنى: إن نتبع الهدى معك كما اتبعته أنت، كما تقول قد صرت إلى فلان معك أي: كما صرت إليه. وقيل: معك حال من ﴿الْهُدَى﴾. قيل: بالإيمان بك. ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ يجتمع العرب على مخالفتنا فيخرجونا من أرضنا فأجابهم الله وقال ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا﴾ أي: أو لم نجعل مكانهم في حرم ممنوع عن الأعداء يأمن فيه الظبي من الفهد (٤)، والحمام من الباشق، فاعل بمعنى مفعول. وقيل: ذا أمنٍ بحرمة الكعبة (٥). ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ يحمل إليه ويجمع فيه.

стр. 1982

﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: أنواع ما يثمر من البلاد لأنه في وادٍ غير ذي زرع. ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ رزقناهم ذلك من عندنا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ لا يتدبرون أن الذي فعل ذلك بهم وهم كافرون قادر على أن يفعل بهم وهم مؤمنون. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أهل قرية، والتقدير: وكم من قرية أهلكنا. ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ البطر: سوء احتمال الغنى (١)، والمعنى: كفرتها، والوجه في ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ فحذف في. وقيل: معناه أبطرتها معيشتها (٢). وقيل: نصب على التمييز، وهو بعيد لكونها معرفة (٣). ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾ خراب ترونها في مجيئكم وذهابكم. ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد إهلاك أهلها (٤). ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لم تخرب. وقيل: إلا قليلا منها سكنت (٥). وقيل: لم تعد إلى العمارة إلا قليل (٦). وقيل: لم يسكنها إلا المسافرون ينزلونها ساعة ثم يرتحلون (٧). ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ ما ملك التصرف فيها غيرنا (٨)، وهذا وعيد للمخاطبين.

стр. 1983

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ يعني: مكة، وهي: أم القرى، لأن الأرض دحيت من تحتها. ﴿رَسُولًا﴾ يعني محمد ﷺ . ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا﴾ القرآن، وقيل: في معظمها (١). ﴿رَسُولًا﴾ نبيا. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا﴾ وحينا. وقيل: ﴿فِي أُمِّهَا﴾ أوائلها (٢). ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ كافرون عاتون في الكفر. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها قليلاً، والمتاع: المتعة مصدر، والمتاع: أثاث البيت وغيره مما يتمتع به (٣)، والمعنى: متاع الدنيا والتمتع بها فإنه سريع الانقضاء. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أدْوَم. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ أن الباقي أبداً خيرٌ من الفاني سريعاً. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ في سبب النزول عن مجاهد أنها نزلت في علي ﵁ وحمزة ﵁ وأبي جهل (٤). السدي: نزلت في عمار (٥) والوليد بن المغيرة (٦).

стр. 1984

وقيل: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل لعنه الله (١). أي: أفمن وعدناه الجنة ونعيمها. ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ مدركه ومصيبة لا محالة إذ لا خُلْف لوعدنا. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذي هو مشوب بالتنغيص والتكدير زائل عن قريب. ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ للعرض والحساب معاقب بالنار. وقيل: من المحضرين من المشتهرين لأن الإحضار (٢) كالإشخاص يوجب السخط والغضب (٣). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ينادي الله الكفار نداء تقريع وتوبيخ، قيل: هو عطف على قوله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. وقيل: منصوب باذكر. وقيل: منصوب بقوله ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ أي: زعمتم في الدنيا أنها شركائي في الإلهية وكنتم تعبدونها وتدعون أنها تنفعكم فأين هم. ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ قيل: وجب عليهم الوعيد والعقاب (٤). وقيل: صدق خبر الله في الدنيا بأنهم لا يؤمنون. وقيل معنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: وجب عليهم هذا الخطاب وهو قوله ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ وفيه ثلاثه أقوال:

стр. 1985

أحدها: أن الذين حق عليهم القول هم الشركاء المعبودون، كأنه لما قيل للعابدين أين شركائي؟ قال المعبودن وهم الشياطين: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ أي: هؤلاء هم الذين أغوينا. ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أضللناهم كما ضللنا، أقروا بالإضلال والدعاء إلى الشرك والكفر وأنكروا أمرهم العابدين بعبادتهم إياهم بقولهم. ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾ أي: بأمرنا، بل كانوا يتبعون أهواءهم. وقيل: ما كانوا إيانا يعبدون بسلطان وحجة من قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢] (١). وقيل: كذبوا، وزيفه بعضهم وقال: ليس في القيامة كذب، وأجاز بعضهم ذلك وما على هذه الوجوه نفي. وقيل: ﴿وَمَا﴾ للمصدر والتقدير: تبرأنا إليك مما كانوا إيانا يعبدون فحذف من. وقيل: على ما كانوا إيانا يعبدون، فحذف على. والثاني: أن يكون الذين حق عليهم القول الدعاة لهم إلى الشرك ويكون الشركاء غيرهم فيقولون عند هذا خوفاً على أنفسهم وإشفاقاً من أن يزاد في عذابهم بسبب أغوائهم إياهم ربنا إنا أغويناهم لا أنا أمرناهم بعبادتنا.

стр. 1986

الثالث: أن المراد بالشركاء الملائكة وعيسى، وحمل قوله ﴿أَغْوَيْنَا﴾ على إضمار شرط أي: إن أغويناهم أغويناهم (١) كما غوينا ولكن لم يكن منا إغواء، قال: ومثله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهذا وجه فيه تعسف، وليس في الآية ذكر جواب المخاطبين فيحتمل أنه حذف لأن قوله بعده ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ يدل عليه، أو يدل عليه قوله ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦]. ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أضاف إليهم في هذه الآية لادعائهم أنها شركاء الله أي: ادعوهم ليخلصوكم. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أي: لم يقدروا على ما دعوا إليه. الزجاج: لم يجيبوهم بحجة (٢). ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾ وجوابه لما رأوا العذاب. وقيل: لما اتبعوهم. وقيل: هذا تمن. أي: ودوا لو أنهم كانوا يهتدون (٣). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ عطف على الأول. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ خفيت عليهم الحجج. وقيل: الْتَبَسَتْ (٤). ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾ لا يسأل بعضهم بعضاً عن العذر والحجة رجاء أن يكون عنده عذراً وحجة لأن الله أدحض حجتهم. وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً استعانةً في دفع المكروه (٥) أو حمل بعض ذنوبه (٦).

стр. 1987

وقيل: لا يسأل بعضهم بعضاً عن حاله لاشتغاله بنفسه (١). وقيل: لا يُسأل بالأنساب (٢). ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾ وعسى من الله واجب، وإنما قال فعسى أي: إن دام على التوبة والعمل الصالح. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ في سبب النزول أنها نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني نفسه، وعروة بن مسعود الثقفي (٣) من الطائف (٤) أي: يخلق من يشاء من الخلق ويختار من يشاء للنبوة. و﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل فما نفى. وقيل: هو بمعنى الذي، وجوزه الزجاج أي: ويختار ما يتعبدهم به (٥). وقيل: هذا رد لأشراف قريش حين قالوا: إنما يصحب محمداً الفقراء وأراذل الناس، ولولا ذلك لآمنا، فيكون المعنى يخلق: ما يشاء ويختار لصحبة رسوله ونصرة دينه من يشاؤهم الصحابة رضوان الله عليهم (٦).

стр. 1988

وقيل: يخلق من يشاء من عباده، ويختار من يشاء لطاعته (١)، فيكون ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، والأول هو الوجه، لأن ﴿مَا﴾ إذا جعل اسماً يقتضي نصب الخيرة أو إضمار جار ومجرور، وهو ضعيف (٢) بعيد. و﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسم بمعنى المختار، تقول: محمد خيرة الله من خلقه، وهو في الأصل مصدر كالطِيَرة، والخيرة المصدر من اختار كالريبة من ارتاب. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيها له عن أن يكون لأحد عليه اختيار. ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ عن إشراكهم، و ﴿مَا﴾ للمصدر. وقيل: عن الشريك فيكون بمعنى الذي (٣). وقيل: معنى الآية: ويختار للشفاعة من يشاء، فيأذن له فيها ما كان لهم الخيرة فيختاروا الأصنام لتكون لهم شفعاء (٤). ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تضمره من خير وشر (٥). ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ يظهرون لا تخفى عليه خافية. ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تفرد بالآلهية. ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ يحمده الأنبياء والمرسلون والمؤمنون في الدنيا والآخرة. وقيل: هو المنعم فيهما فله الحمد فيهما (٦). وقيل: ﴿فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ في السماء والأرض من قوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ١٨] لأن أحديهما خلقت قبل الأخرى، حكاه القفال (٧).

стр. 1989

﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء والقدر. وقيل: وله الحكم فيما يختار (١). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ بالموت، والبعث، والنشور. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائماً لا نهار بعده. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ والعرب تقول: سرمدًا سمداً أي: دائماً، ولا يكون السرمد إذا وقع فيه فصل. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ هل إله غير الله يأتيكم بنهار. ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ سماع من ينتفع بسمعه. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ من تعب اشتغالكم بالنهار. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ الليل والنهار وما فيهما من أسباب البقاء والمعاش. ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار كقول امريء القيس (٢):

стр. 1990

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وَكرِها العناب والحشف البالي (١). وأجاز الفراء أن يكون الهاء في فيه يعود إلى الليل والنهار (٢). الزجاج: ﴿فِيهِ﴾ يعود إلى الزمان، والمعنى: ليكون الليل سكناً والنهار معاشاً إذ لا بقاء إلا بهما (٣). ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ الله على نعمه. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ كرر لأن الآية الأولى لتقرير الإقرار على النفس بالعجز، والثانية للتعجيز عن إقامة البرهان لما طولبوا به بمحضر من الأشهاد مع أنه تقريع بعد تقريع. ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أخرجنا من كل أمة شاهداً يشهد عليها بما أجابت به فيما دُعِيت إليه من التوحيد، وأنه قد بلغهم رسالة ربه. وقيل: يشهد عليهم بجميع أعمالهم (٤). وقيل: ونزعنا من كل أمة عدولاً يشهدون على رسولهم، لأن الله لا يخلي زماناً عن جماعة يكونون حجة الله على الناس يدعونهم إلى الدين (٥). ﴿فَقُلْنَا﴾ للأمم. ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قربوا حجتكم وتبيانكم على صحة ما كنتم تدينون به ليكون لكم مخلص عما شهدوا عليكم. ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: فبُهتوا وتحيروا، فعلموا يقيناً.

стр. 1991

﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أن الآلهية له، وقيل: أن الحق ما أتاه الرسل به (١) وقيل: أن العدل لله (٢). ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾ ذهب عنهم ما كانوا يرجونه من معبودهم ذهاباً لا يبقى له أثر. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ كان ابن عمه (٣) لَحّاً (٤)، وفي بعض التفاسير: وكان من الذين اختارهم موسى من قوله ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ومن الذين جاوزا البحر، وكان من القراء وعلماء التوراة. ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. وقيل: بغية حسده هارون على الحبورة، وقوله لموسى: لك النبوة ولهارون الحبورة، وأنا في غير شيء (٥). وقيل: بغي بكفره وتمرده على موسى (٦). وقيل: زاد في ثوبه شبرًا (٧). وقيل: بغيه استخفافه بالفقراء، وازدراؤه بسائرهم، ومنع ذوي الحقوق حقوقهم في ماله (٨). وقيل: بغى بكثرة ماله (٩).

стр. 1992

ابن عباس ﵄: بغي على موسى وقصد الإفساد عليه، وكان من إفساده أن امرأةً بغياً (١) كانت مشهورة في بني إسرائيل فوجه إليها قارون يأمرها أن تصير إليه وهو في ملأ من الناس فتكذب على موسى وتقول: إن موسى طلبني للفساد والريبة، وضمن لها أن يُعطيها على ذلك عطاءً كثيرًا ويخلطها بنسائه، فجاءته المرأة وقارون جالس مع أصحابه فرزقها الله التوبة، وقالت في نفسها: مالي مقام للتوبة مثل هذا، فأقبلت على أهل المجلس وقالت وقارون حاضر: إن قارون وجه إلي يأمرني (٢) ويسألني أن أكذب على موسى وأقول إنه أرادني للفساد، وإن قارون كاذب في ذلك. فلما سمع قارون كلامها تحير وأيس واتصل الخبر بموسى، فجعل الله أمر قارون إلى موسى، وأمر الأرض أن تطيعه فيه (٣). وروى بعض المفسرين أن قارون ادعى على موسى (٤) إنك زنيت، وحضرت البغي وادعت ذلك على موسى، فعظم ذلك عليه فأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت فقالت: أشهد أنك برئ، فخر موسى ساجدًا يبكي ويقول: اللهم إن كنت نبيك فاغضب لي. فأوحى الله إليه: مُرِ الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك (٥). وقيل: بغيه نسبة ما أتاه الله من المال إلى نفسه وعلمه وحيلته (٦)، ويحتمل أنه جمع هذه كلها (٧)، إذ لا منافاة بين الأقاويل.

стр. 1993

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ المال المدخرة. ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، واسم ﴿إِنَّ﴾ وخبره صلته، و﴿مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مِفتح بالكسر، وهو: المفتاح، وقيل: مَفتح بالفتح (١)، وهو الخزانة (٢). ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: تثقلهم، والباء للتعدي. وقيل: هذا من باب القلب أي: تنوء العصبة بها (٣). وقيل: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تجعل العصبة تنوء بها، وهذا هو القول الأول. والعصبة قيل: سبعون رجلاً (٤). وقيل: أربعون رجلاً (٥). وفي بعض التفاسير أن مفاتيح قارون كانت حمل ستين بغلاً، ما يزيد مفتاح على أصبع، لكل مفتاح كنز (٦). وقيل: كانت من جلود يحملها أربعون رجلاً (٧)، وقيل: مفاتحه أوعيته (٨). ابن بحر: مفاتحه علمه واحاطته به من قوله ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٩).

стр. 1994

والمحققون على أن ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ خزائنه (١). وطعن بعض الملحدين في هذه الآية وقالوا: لا يبلغ مال أحد هذا المبلغ. فأجيب: بأن الاعتبار بما في القرآن، وفيه ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ فإن حملت المفاتح على الخزانة وهو الأظهر، لأن المفتاح جمعه مفاتيح بالياء ولاكلام فيها (٢)، وكذلك إن حملت المفاتح على الظروف، وإن حملته على المفتاح فليس فيه كل البعد لأن العصبة تقع على ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: من الخمسة إلى العشرة. وقيل: هي ستة، والحكم العدل قوله سبحانه حكاية عن إخوة يوسف ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]، وكانوا ساعتئذ عشرة، وإذا جعلت الأموال في الصناديق على مقدار ما هو المعتاد، وجعل لكل صندوق مفتاح من حديد جرياً على العادة في الإقفال، ثم جمعت تلك المفاتيح فحملها ثلاثه أو عشرة فليس فيه كل الاستكثار (٣)، لأن الملوك في زماننا قد يُرى مال بعضهم على هذا، والله أعلم. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ قيل: قال له موسى وحده (٤). وقيل: قاله المؤمنون (٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ أي: لا تأشر ولا تبطر. وقيل: لا تبخل (٦). وقيل: لا تبغ، وكل ما جاء في القرآن من لفظ الفرح مطلقاً من غير تقييد فهو ذم. وقيل: لا تفرح بالمال (٧).

стр. 1995

وقيل: لا تفرح بالشرك الذي أنت عليه (١). ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: اطلب في حال تمكنك وقدرتك بالمال والبدن الجنة ونعيمها بأن تواسي بها الفقراء، وتصل بها الرحم، وتصرفها إلى أبواب الخير. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ولا تترك حظك من لذات الدنيا المحللة، فإن ذلك ليس بمحظور عليك. وقيل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: اطلب بدنياك آخرتك فإن ذلك حظ المؤمن منها (٢). وقيل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ هو الكفن (٣). ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى الناس. ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾: اشكر (٤). وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾ فيما افترض عليك كما أحسن فيما أنعم عليك (٥). ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالبغي على قومك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ أي: أعمال المفسدين. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: أتاني الله لعلمي بالتوراة وفضلي (٦).

стр. 1996

وقيل: أراد علم الكيمياء وهو: صنعة الذهب، وهذا القول غير مرضي عند المحققين لأن الكيمياء اسم لا مسمى له (١). وقيل: معناه: أتاني الله على علمه بأني أهل لذلك (٢). و﴿عِنْدِي﴾ أي: في معتقدي كما تقول: هذا جائز عندي أي: في مذهبي ومعتقدي. وقيل: على علمي بوجوه المكاسب (٣). وقيل: وجد كنزًا من كنوز يوسف (٤). ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون. ﴿أَن اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ بطشاً وشدة. ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال أي: كثرة ماله وعبيده لا تدفع عنه عذاب الله وإهلاكه كما لم تدفع عمن تقد مه. ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ لأن الملائكة يعرفونهم بسيماهم. وقيل: يعذبون من غير حساب (٥). وقيل: لا يسألون ليقع العلم بها بل يسألون سؤال توبيخ وتقريع (٦). وقيل: لا يسألون سؤال استعتاب من قوله ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (٧).

стр. 1997

وقيل: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من أُهلوكوا من القرون (١). ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ متزيناً بثياب الأرجوان (٢) في حشمه وتبعة. وقيل: خرج في ثلاثمائه غلام عن يمينه، وثلاثمائة جارية عن يساره (٣). وقيل: خرج في جوارٍ بيض على بغال بيضٍ، وبسروج من ذهب على قطف أرجوان (٤). وقيل: خرج في سبعين ألفًا (٥). ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: الذين همتهم الدنيا. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ تمنوا مثل ماله، ويجوز أن يكون المنادي بقوله: يا محمد. وقيل: تقديره يا قوم ليت لنا، ويجوز أن يكون المعنى: يا متمنانا تعال فهذا أوانك. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ نصيب كبير. وقيل: ذو جد من الدنيا عظيم (٦). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بمعرفة الثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى. ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: هلكتم إن آثرتم الدنيا على الآخرة فثواب الله خير. ﴿لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ للمؤمنين.

стр. 1998

﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يلقى هذه الكلمة وهي ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. والثاني: الجنة ونعيمها. ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله وعن معصيته. ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ لما شكا موسى قارون إلى الله أمر الله الأرض أن تطيع موسى على ما سبق. قال موسى: يا أرض خذيه. فأخذته إلى عَقِبِه، ثم قال: خذيه فأخذته إلى وسطه، ثم قال: خذيه فأخذته إلى عنقه، ثم قال: خذيه فخسفت به. وكان قارون يتضرع إلى موسى في هذه الأحوال ويقول: ارحمني. ولا يتوب إلى الله. فقال الله: يا موسى ما أشد قلبك دعاك عبدي واسترحمك فلم ترحمه وعزتي لو دعاني لأجبته. وجاء في التفاسير (١) أنه يخسف به في كل يوم قدر قامته (٢) فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة، فلما ابتلعت الأرض قارون قال بنو إسرائيل فعل ذلك موسى ليرث ماله لأنه كان ابن عمه فخسف بداره وبجميع أمواله بعده بثلاثة أيام فلم يُقدر على ماله أبداً. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أعوان. وقيل: جماعة، مشتق من فاوت رأسه (٣). ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ لم يمتنع ولم يمنعه كنزه وماله وعدده. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي: صار الذين كانوا يتمنون. ﴿مَكَانَهُ﴾ منزلته.

стр. 1999

﴿بِالْأَمْسِ﴾ أي: منذ زمان قريب وليس أمس ههنا بمعين وكذا أصبح (١) المراد به صار. ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: لا يبسط الرزق على من يبسط لكرامته عنده، ولا يقدر على من يقدر لهوانه عليه. قال سيبويه " (وي) كلمة يستعملها النادم بإظهار ندامته وهي مفصولة من كأن (٢)، قال: ويْ كأن من يكن له نشب ... يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر. (٣) وروي عن ابن عباس ﵄ أن " وي " صلة في الكلام (٤)، وهو عين قول سيبويه وحجة له (٥). قال الأخفش: " أصله ويك وأن بعده مفتوح بتقدير العلم أي: أعلم أن الله (٦). قال: ألا ويك المسرة لا تدوم ... ولا يبقى على البُؤس النعيم (٧). المؤرج (٨): (ويك أن الله) معناه: ألم تر أن الله (٩). وقال بعضهم: أصله ويلك. قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ويك عنتر أقدم (١٠).

стр. 2000

وهذا مزيف عند النحاة. الضحاك: الياء والكاف صلة وتقديره: وأن الله (١)، وهذا قول كما ترى. محمد بن جرير ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ بمجموعها كلمة بمعنى: ألم تعلم ألم تر (٢). ولعله أراد كلمة واحدة في الخط، وأما في المعنى فهو قول الأخفش. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فلم يعطينا ما تمنيناه من المال. ﴿لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ يريد نعيم دار الآخرة وهي الجنة والبقاء فيها سرمداً. ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ جعل الدار لمن أثيب ولم تجعل لمن عوقب (٣) فيها لأن من كان في النعيم فالدار له، ومن كان في الجحيم فالدار عليه. ومعنى ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الناس. ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ ظلماً. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ أي: المحمودة الجميلة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ وما ليس بمحمودة جميلة فليس بعاقبة. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ سبق في النمل. وقيل: ليس المراد به أنه يفعل به (٤) مثل فعله بل إن كان محسناً جوزي بالإحسان، وإن كان مسيئاً فبالإساة، يعني: مثله من جنسه من الإحسان والإساءة (٥).
следующие страницы →