← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وقيل: أراد علم الكيمياء وهو: صنعة الذهب، وهذا القول غير مرضي عند المحققين لأن الكيمياء اسم لا مسمى له (١). وقيل: معناه: أتاني الله على علمه بأني أهل لذلك (٢). و﴿عِنْدِي﴾ أي: في معتقدي كما تقول: هذا جائز عندي أي: في مذهبي ومعتقدي. وقيل: على علمي بوجوه المكاسب (٣). وقيل: وجد كنزًا من كنوز يوسف (٤). ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون. ﴿أَن اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ بطشاً وشدة. ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال أي: كثرة ماله وعبيده لا تدفع عنه عذاب الله وإهلاكه كما لم تدفع عمن تقد مه. ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ لأن الملائكة يعرفونهم بسيماهم. وقيل: يعذبون من غير حساب (٥). وقيل: لا يسألون ليقع العلم بها بل يسألون سؤال توبيخ وتقريع (٦). وقيل: لا يسألون سؤال استعتاب من قوله ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] (٧).

стр. 1997

وقيل: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من أُهلوكوا من القرون (١). ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ متزيناً بثياب الأرجوان (٢) في حشمه وتبعة. وقيل: خرج في ثلاثمائه غلام عن يمينه، وثلاثمائة جارية عن يساره (٣). وقيل: خرج في جوارٍ بيض على بغال بيضٍ، وبسروج من ذهب على قطف أرجوان (٤). وقيل: خرج في سبعين ألفًا (٥). ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: الذين همتهم الدنيا. ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ تمنوا مثل ماله، ويجوز أن يكون المنادي بقوله: يا محمد. وقيل: تقديره يا قوم ليت لنا، ويجوز أن يكون المعنى: يا متمنانا تعال فهذا أوانك. ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ نصيب كبير. وقيل: ذو جد من الدنيا عظيم (٦). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بمعرفة الثواب والعقاب وفناء الدنيا وبقاء العقبى. ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: هلكتم إن آثرتم الدنيا على الآخرة فثواب الله خير. ﴿لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ للمؤمنين.

стр. 1998

﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ فيه قولان: أحدهما: لا يلقى هذه الكلمة وهي ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. والثاني: الجنة ونعيمها. ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله وعن معصيته. ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ لما شكا موسى قارون إلى الله أمر الله الأرض أن تطيع موسى على ما سبق. قال موسى: يا أرض خذيه. فأخذته إلى عَقِبِه، ثم قال: خذيه فأخذته إلى وسطه، ثم قال: خذيه فأخذته إلى عنقه، ثم قال: خذيه فخسفت به. وكان قارون يتضرع إلى موسى في هذه الأحوال ويقول: ارحمني. ولا يتوب إلى الله. فقال الله: يا موسى ما أشد قلبك دعاك عبدي واسترحمك فلم ترحمه وعزتي لو دعاني لأجبته. وجاء في التفاسير (١) أنه يخسف به في كل يوم قدر قامته (٢) فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة، فلما ابتلعت الأرض قارون قال بنو إسرائيل فعل ذلك موسى ليرث ماله لأنه كان ابن عمه فخسف بداره وبجميع أمواله بعده بثلاثة أيام فلم يُقدر على ماله أبداً. ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أعوان. وقيل: جماعة، مشتق من فاوت رأسه (٣). ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ لم يمتنع ولم يمنعه كنزه وماله وعدده. ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي: صار الذين كانوا يتمنون. ﴿مَكَانَهُ﴾ منزلته.

стр. 1999

﴿بِالْأَمْسِ﴾ أي: منذ زمان قريب وليس أمس ههنا بمعين وكذا أصبح (١) المراد به صار. ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: لا يبسط الرزق على من يبسط لكرامته عنده، ولا يقدر على من يقدر لهوانه عليه. قال سيبويه " (وي) كلمة يستعملها النادم بإظهار ندامته وهي مفصولة من كأن (٢)، قال: ويْ كأن من يكن له نشب ... يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر. (٣) وروي عن ابن عباس ﵄ أن " وي " صلة في الكلام (٤)، وهو عين قول سيبويه وحجة له (٥). قال الأخفش: " أصله ويك وأن بعده مفتوح بتقدير العلم أي: أعلم أن الله (٦). قال: ألا ويك المسرة لا تدوم ... ولا يبقى على البُؤس النعيم (٧). المؤرج (٨): (ويك أن الله) معناه: ألم تر أن الله (٩). وقال بعضهم: أصله ويلك. قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ويك عنتر أقدم (١٠).

стр. 2000

وهذا مزيف عند النحاة. الضحاك: الياء والكاف صلة وتقديره: وأن الله (١)، وهذا قول كما ترى. محمد بن جرير ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ بمجموعها كلمة بمعنى: ألم تعلم ألم تر (٢). ولعله أراد كلمة واحدة في الخط، وأما في المعنى فهو قول الأخفش. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فلم يعطينا ما تمنيناه من المال. ﴿لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ يريد نعيم دار الآخرة وهي الجنة والبقاء فيها سرمداً. ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ جعل الدار لمن أثيب ولم تجعل لمن عوقب (٣) فيها لأن من كان في النعيم فالدار له، ومن كان في الجحيم فالدار عليه. ومعنى ﴿عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الناس. ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ ظلماً. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ أي: المحمودة الجميلة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ وما ليس بمحمودة جميلة فليس بعاقبة. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ سبق في النمل. وقيل: ليس المراد به أنه يفعل به (٤) مثل فعله بل إن كان محسناً جوزي بالإحسان، وإن كان مسيئاً فبالإساة، يعني: مثله من جنسه من الإحسان والإساءة (٥).

стр. 2001

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ قال مقاتل: خرج النبي ﷺ من الغار ليلاً مهاجرًا من وجهه ذلك إلى المدينة فسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن ورجع على الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها وذكر مولده ومولد آبائه فأتاه جبريل فقال: اشتقت إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم. قال: فإن الله يقول ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مكة ظاهراً عليها، فنزلت الآية بالجحفة لا بمكة ولا بالمدينة (١). ومعنى ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾ أنزله عليك وألزمك العمل به. وقيل: بَيّنه من فروض القداح، ومعنى ﴿عَلَيْكَ﴾ على هذا القول على لسانك (٢).

стр. 2002

وقيل: أعطاكه (١). وقيل: حملك إبلاغه، ويحتمل أنزله نجماً نجماً (٢). ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ مكه فأنجز وعده، وفتح له مكة فصار إحدى معجزاته ﷺ ، فالمعاد من العادة أي: إلى حيث اعتدته وليس من العود. وقيل: بلد الإنسان معاده لأنه ينصرف في البلاد (٣) ثم يعود إليه (٤). وقيل: معاد اسم مكة. وقيل: المعاد الجنة، وكان فيها ليلة المعراج. وقيل: كان فيها مع آدم في صلبه (٥). وقيل: (عاد) قد يستعمل للشيء ابتداءً، كما تقول: يُعاد إلى الحاكم في مثل هذا، وقد سبق. وقيل: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ القيامة، وهي معاد كل خلق (٦). وقيل: الموت وهو أيضاً معاد الخلق ومصيرهم (٧). وقيل: بيت المقدس، ولا أعرف له وجهاً (٨). وقيل: لرادك لمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك (٩).

стр. 2003

﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ فقد جئتهم بالهدى. ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾ هو من كذبك من قومك، و ﴿وَمَنْ﴾ يجوز أن يكون محله نصباً بفعل مضمر أي: يعلم من، ويجوز أن يكون رفعاً بالابتداء والفعل معلق. ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: سيفتح لك كما ألقي إليك الكتاب يُريد قوله ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. . وقيل: ما كنت ترجوا أن يُلقى إليك القرآن (١). وقيل: متصل بقوله ﴿إِنْ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ (٢). ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن أنزله رحمة ونعمة عليك. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ لما ترى من ضعفك في الحال وقوتهم. وقيل: لا تكن بين ظهرانيهم، وهذا أمر بالهجرة (٣). ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾ عن العمل بآيات الله. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى عبادة ربك. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ الخطاب للنبي والمراد به غيره. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه والوجه صلة. وقيل: إلا ملكه (٤). وقيل: إلا ما أريد به وجهه من الأعمال (٥).

стр. 2004

قال: استغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل (١). مجاهد والسدي: كل شيء هالك بالموت إلا العلماء فإن عملهم باق (٢). الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار (٣). ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء في خلقه. وقيل: له الحكم يوم القيامة لا يحكم فيه غيره. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ إلى ثوابه أوعقابه (٤) فيجازيكم جزاءً وفاقاً. والله أعلم.

стр. 2005

سورة العنكبوت

стр. 2006

سورة العنكبوت تسع وستون آية (١)، مكية عند الجمهور (٢). وعن ابن عباس ﵄ (٣) فيها قولان: مكية، ومدنية (٤). وعن علي ﵁: نزلت بين مكة والمدينة (٥). وعن يحيى بن سلام (٦) مكية إلا عشر آيات من أولها فإنها مدنية (٧). وقيل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨] (٨)، وقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] نزلتا بالمدينة فحسب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2007

﴿الم (١)﴾ سبق الكلام فيه، ووقوع الاستفهام بعده يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وغيرها من السور. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ في سبب النزول عن الشعبي: أن هاتين الآيتين نزلتا في أناسٍ كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب النبي ﷺ من المدينة: أن لا يُقْبَل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قُتِل، ومنهم من نجا، فنزلت فيهم ﴿إِن رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] (١). وأكثرهم على أنها نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب (٢) قتل يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي (٣)

стр. 2008

بسهم فقتله، فقال ﷺ يومئيذ: "سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعي إلى باب الجنة من هذه الأمة"، فجزع عليه أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم (١) ". وعن مجاهد: نزلت في عمار بن ياسر ﵁ (٢) حين كان يُعذب في الله (٣). وقيل: نزلت في عَيَّاش أخي أبي جهل (٤)، (٥). قوله ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إستفهام إنكار على من جزع، والمعنى: أحسبوا أن يُقنع منهم بمجرد قولهم آمنا ثم لا يمتحنون بما به يظهر حقيقة إيمانهم. وقيل معناه: أظن المؤمنون (٦) أن لا يؤذوا ولا يقتلوا (٧). وقيل: أظنوا أن لا يؤمروا ولا ينهوا (٨).

стр. 2009

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ابتليناهم من قوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ في الدين (١). وقيل: هو من صدق القتال وكذب القتال (٢). وقيل: صدقوا فيما وعدوا النبي من النصرة أي: يعلمهم موجودين كما علمهم معدومين (٣). وقيل: يعمل معهم معاملة المختبر. وقيل: يعلم علم مشاهدة بصحة الجزاء. وقيل: معنى ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ليجازين (٤). قوله ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ واقع موقع مفعولي حسب، و ﴿أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا﴾ نصب وتقديره: بأن يقولوا ولإن يقولوا، فحذف الجار فوصل إليه الفعل فنصبه. الزجاج: نصب على البدل من ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٥)، وأنكر عليه أبو علي (٦) في إصلاح الإغفال وقسم عليه الكلام (٧)، وليس في معاني الزجاج صريح ما يدعي عليه أبو علي من البدل، بل عنده (احسبوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) فحذف حسب، لأن الأول يدل عليه وله نظائر. وقيل: تقدير الكلام: أحسب الناس أنفسهم متروكة قائلين آمنا (٨).

стр. 2010

المبرد: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ نصب بـ (حسب)، و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ نصب بـ ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾، والخبر محذوف (١). والحُسْبَان: قوة أحد النقيضين على الآخر، ومثله الظن والتوهم، وأما العلم: فالقطع بأحدهما، والشك: توقف بينهما. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الشرك والمعاصي. ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أن يفوتونا فلا نقدر عليهم. ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ على الله بالعجز. وقيل: ساء مايظنون أي: كِلا الظنين باطل (٢). ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ في القيامة ويطمع في ثوابه. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ الذي أجله للجزاء. ﴿لَآَتٍ﴾ أي: قريب، وقيل: معناه: من كان يخاف الموت والمصير إلى دار الجزاء فليعمل خيراً ولا يتوان، فيه ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ يعني الموت ﴿لَآَتٍ﴾ لا محالة (٣). وقيل: معنى ﴿يَرْجُو﴾ يأمل ثواب لقاء الله (٤). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسه بالصبر على طاعة الله، وقيل: جاهد الكفار (٥). وقيل: جاهد الشيطان بدفع وساوسه (٦). ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ له ثواب ذلك ومنفعته. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ أي: طاعتهم ومجاهدتهم.

стр. 2011

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الشرك والمعاصي بالإيمان والتوبة. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ أي: بأحسن أعمالهم وهو طاعة الله. وقيل: هو آداء الفرائض، ويحتمل: لنجزينهم أحسن من الذي كانوا يعملون أي: بالواحد عشرًا، وبالواحد سبعين (١). ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ في سبب النزول أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص (٢)

стр. 2012

وأمه حمنة قالت له: يا سعد بلغني أنك صبوت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح، ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد وترجع إلى ما كنت عليه، وكان أحب ولدها إليها، فأتى سعد النبي ﷺ وشكا ذلك إليه فأنزل الله هذه الآية، والتي في لقمان (١) والآحقاف (٢)، (٣). والمعنى: وصيناه فيما أنزلناه من الكتب على رسلنا أن يفعل الإنسان بأبويه ما يَحْسُن ولا يَقْبُح. وقيل: معنى ﴿وَصَّيْنَا﴾ ألزمنا (٤). ونصب ﴿حُسْنًا﴾ على المصدر وتقديره: بأن يحسن حسناً (٥). وقيل: الإيصاء يتعدى إلى مفعولين (٦).

стр. 2013

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في سبب النزول أنها نزلت في سعد بن مالك (١) أُبتلي بمثل ما أُبتلي به سعد بن أبي وقاص (٢)، والمعنى: وصيناه. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ إن جهدا بك وغالباك واستفرغا مجهودهما وحملاك على الإشراك ما ليس لك به علم أنه لي شريك، وهذا علم لا يكون إذ لا شريك له. أبو مسلم (٣): لا تطعهما مدة لا تعلم له شريكا جعل ما للمصدر، والمراد به: المدة (٤). وقيل: ما ليس لك به حجة، لأن الحجة طريق العلم (٥). ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي: أطعهما في الواجب والمباح ولا تطعهما في المحرم والمحظور. ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصير الوالد والولد إليَّ في القيامة. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ أي: أوقفكم (٦) على أعمالكم فإنها مثبتة عندي ثم أجازيكم بها. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾ في الجنة مع المؤمنين. وقيل: آمنوا بعد كفرهم، وعملوا الصالحات بعد إفسادهم لندخلنهم في الصالحين بقبول توبتهم وجعلهم أسوة سائر المؤمنين وفي جملتهم (٧).

стр. 2014

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ في سبب النزول عن مجاهد، والضحاك: أنها نزلت في المنافقين (١). عكرمة: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا قال: وهم الذين نزلت فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] (٢). ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: إذا أصيب بمكروه (٣) في سبب إظهار دين الله. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: ترك الإيمان خوفاً من عذاب الناس كما ينبغي أن يترك الكفر خوفًا من عذاب الله، فعدل عذاب الدنيا الذي هو ساعة بعذاب الله الذي هو باق لا ينقطع. الزجاج: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله (٤). ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ فتح وغنيمة. ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: مؤمنين فأشركونا فيما غنمتم، ويقولون ذلك استكفافاً لما يخافونه (٥) من إيقاع المؤمنين بهم. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ يريد من خلقه. ﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ من الإخلاص والنفاق. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ أي: حالهما ظاهرة (٦) عند من يملك الجزاء عليهما.

стр. 2015

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ طريقنا الذي نسلكه في الدين. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ يريد عنكم، اللفظ أمر والمعنى: جزاء، وفي بعض التفاسير أن هذا القائل أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف قالا لعمر بن الخطاب ﵁: ""إن كان في الإقامة على دين الأباء إثم فنحن نحمله عنك"، فقال الله ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) يخفف عن المحمول عنه العذاب. ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾ في قولهم. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ آثامهم. ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يضاعف لهم العذاب بذنوبهم وذنوب من أضلوهم من قوله ﵊ " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " (٢). ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ يكذبون في خداعهم هذا، وقيل: ﴿يَفْتَرُونَ﴾: يشركون (٣). ﴿ولقد أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ يدعوهم إلى الله، وكان أول نبي فيما رواه أنس ﵁ عن النبي صلى الله عليه سلم (٤) أي: مكث فيهم تسعمائة وخمسين حولاً، وكان هذا مدة عمره.

стр. 2016

وقيل: كان له قبل هذا ثلثمائة وخمسون سنة أي: قبل النبوة، وعاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة (١). وقيل: كان له قبل النبوة ثلثمائة سنة، ودعاهم إلى الإيمان ثلثمائة سنة، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة (٢). وقيل: كان عمره ألف سنة، فوهب منها خمسين لابن له، فلما كان في آخر عمره راجع في ذكر الخمسين، فذكر الله ذلك تنبيها على أن النقيصة (٣) كانت من جهته، حكاه الماوردي (٤)،

стр. 2017

وهذا من الترهات. وإنما قال: ألف سنة إلا خمسين ولم يقل فلبث فيهم (١) تسعمائة وخمسين لأنك إذا قلت له تسعة احتمل التمام والنقصان فإذا قلت عشرة إلا واحدة فقد أكدت التسعة. وقيل: ذكر الأَلْف لفخامة اللفظ، فإن الأَلْف (٢) من كل شيء كثير (٣). ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ الماء المحيط حتى غرقوا، وكل ما عم الكل من المكاره فهو طوفان. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ أنفسهم بالكفر. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ أي: نوحاً. ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ أولاده وأصحابه، وكانوا ثمانين نسمة. وقيل: من كان فيها وما كان فيها من كل زوجين اثنين (٤). ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينة حين استوت على الجودي، وناحية الجودي موضع يعرف بسوق الثمانين (٥). وقيل: وجعلناها أي: العقوبة (٦). ﴿آَيَةً﴾ وقيل: القصة آية عبرة وعظة. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يتعظون بها. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ وأرسلنا إبراهيم. وقيل: واذكر إبراهيم (٧). ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أخلصوا له العبودية والطاعة. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ خافوا عقابه. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الإخلاص والاتقاء. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من عبادة الأصنام. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ تدبرون وتفكرون.

стр. 2018

﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ تكذبون كذباً، وقيل: ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ تصنعون (١)، والخلق: الفعل المقدر. ﴿إِفْكًا﴾ ذا إفكٍ، أي: كذب حين سميتموها آلهة. ﴿إِن الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ أي: الأوثان لا تملك أن ترزقكم (٢)، وهو مصدر. وقيل: لا يملكون شيئاً مما هو رزق لكم (٣). ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ سلوا الله حوائجكم. ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ وحدوه. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما ابتدأكم به من النعم. ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ للثواب والعقاب. ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ محمد ﷺ . ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: قوم نوح، وقوم إبراهيم، وهذا اعتراض بين خطاب إبراهيم قومه وجوابهم إياه. وقيل: كله من كلام إبراهيم، والأول هو الوجه (٤). ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ ليس عليك يا محمد من كفرهم غضاضة؛ إذا بلَّغت فليس عليك غير البلاغ المبين يبين لمن سمعه. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فيستدلوا بالمتفق عليه على المشكوك فيه، ويحتمل أن الوقف على قوله ﴿يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ تام ثم استأنف فقال

стр. 2019

﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لأن ذلك فيما لم يروا بعد، وكذلك قوله ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ﴾، والوقف عليه في الثاني مروي، ويحتمل أن المراد بالإبداء والإعادة والإنشاء ما نشاهده مما يتجدد كل حين وكل سنة من النبات والأشجار والثمار فيكون داخلاً تحت الرؤية والنظر، والله أعلم. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ ... الإعادة. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ سهل هين. ﴿قُلْ﴾ يا محمد، ومن جعله من كلام إبراهيم فتقديره: فأوحينا إليه أن قل. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتهم واختلاف أحوالهم لتعرفوا عجائب فطرة الله بالمشاهدة ولقاء من هو أعلم منكم، وبدأ وأبدأ بمعنى، والآية تجمعهما (١). ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ﴾ وقرئ (النشآءة) بالمد (٢)، وهما لغتان كالرأفة والرآفة، والإنشاء: إبتداء الشيء. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإبداء، والنشأة، والإعادة (٣). ﴿قَدِيرٌ (٢٠)﴾ قادر بذاته لا بقدرة محدثه كقدرة بني آدم (٤). ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: إعادتهم بعد الموت للجزاء على الأعمال. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ وإلى حكمه في دار الجزاء تردون.

стр. 2020

﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ بفائتين هرباً (١) من عقابه أي: فاحذروا عقابه. ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: ولا من في السماء بمعجزين في السماء، قاله الفراء، قال: "وهذا من غوامض العربية"، وأنشد قول حسّان: فمن يهجوا رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء (٢). أي: ومن ينصره. وقيل: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها (٣). وقيل: لا تعجزوننا بأن تهربوا إلى الأرض أم إلى السماء (٤). وقيل: هذا قول إبراهيم لقومه وفيهم نمروذ، وكان نمروذ أَمَّ الصعود إلى الجو توهم أنه يحاول السماء (٥). وقيل: معناه لا تفوتون من في الأرض من الإنس والجن ولا من في السماء من الملائكة فكيف تفوتون الله سبحانه (٦)، وهذا ضعيف لأن الصلة لا تقوم مقام الموصول (٧). ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ بالقرآن. وقيل: بدلائل توحيده (٨). ﴿وَلِقَائِهِ﴾ البعث بعد الموت. ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ أي: هم أهل اليأس والعذاب، وذكر بلفظ الماضي لأن أكثر ألفاظ القيامة جاءت بلفظ الماضي تحقيقاً.

стр. 2021

وقيل: يئسوا في الدنيا (١)، لأن اليأس: رفع الطمع وقد رفعوا طمعهم بإنكارهم البعث. وقيل: يجب أن ييأسوا من رحمتي (٢). ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ عاد بعد الاعتراض إلى كلام إبراهيم (٣) وجواب قومه فقال: فما كان جواب قومه إياه ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ فاتفقوا على تحريقه. ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ أي: من النار ومكروهها حين قذفوه فيها وجعلها برداً وسلاماً. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعلوا به وفعلنا. ﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ علامات لهم على أن العاقبة للمؤمنين. ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ معنى الآية: اتخذتم هذه الأوثان لتتوادوا بها، وتتحابوا على عبادتها، وتتواصلوا كما يتوالى ويتحاب المؤمنون على عبادة الله.

стр. 2022

وقيل: اتخذتموه مودة بينكم لتُتْرَكوا وما هَوَيْتم ولا تكونوا مأمورين ولا منهيين وإنما ذلك بينكم في الدنيا فإذا صرتم إلى الآخرة تبرأ بعضكم من بعض من قوله ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ويلعن بعضكم بعضاً من قوله ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] ومأوي المتحابين جهنم والنار من غير أن يمنعهم عنها منعة (١). وفي إعراب الآية كلام، قرئ (مودة) بالرفع والنصب، (بينكم) بالنصب والجر الرفع (٢) من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون خبراً لـ (إن) و (ما) بمعنى: الذي. والثاني: هي مودة بينكم خبر مبتدأ محذوف. والثالث: بالابتداء، والخبر ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وهذا قول الفراء (٣). والوجه الأول أحسنها. والنصب من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون المفعول الثاني كما تقول أخذت زيدًا خليلاً و (ما) يكون كافة لأن. والثاني: أن يكون مفعولاً له أي: للمودة. والثالث: أن يكون حالاً أي: متوادين. والرابع: أن يكون تمييزا. والخامس: أن يكون بدلاً من الأوثان كأنه جعل الأوثان المودة على السعة، والوجه الأول أحسنها.

стр. 2023

ومن أضاف المودة جعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ اسماً لا ظرفا كقوله ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ومن نون ﴿مَوَدَّةَ﴾ ونصب ﴿بَيْنِكُمْ﴾ فعلى الظرف (١). ﴿فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي: آمن به، وقيل: صدَّقه، وجاء في التفسير: لم يؤمن به من جملة قومه إلا لوط وكان ابن أخيه وسارة وكانت ابنة عمه (٢). ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ مفارق قومي خارج منهم. ﴿إِلَى رَبِّي﴾ إلي حيث أمرني ربي، وقيل: إلي حيث لا أمنع من عبادة الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ غلبهم ونجاني، وقيل: هذا كلام لوط , والمعنى: مهاجر من خالفني من قومي مقرباً إلى ربي، حكاه القفال (٣). فخرج هو ولوط من كوثى (٤) سواد الكوفة إلى الشام، وهو أول من هاجر في الله. الفراء: هاجر من حران إلى فلسطين (٥). ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: إسحاق ولداً، ويعقوب ولدُ ولدٍ، ولم يذكر هاهنا إسمعيل لشهرته.

стр. 2024

وجاء في التفسير: وخرج إبراهيم مهاجراً وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج إبراهيم سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه حتى نزل حرَّان، فمكث بها ما شاء الله ثم خرج منها حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام فنزل قرية من أرض فلسطين، ونزل لوط سدوم وهي المؤتفكة، على مسيرة يوم وليلة من قرية إبراهيم. ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ أي: ذرية إبراهيم فإنه شجرة الأنبياء. ﴿وَالْكِتَابَ﴾ يعني التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن (١) والألف واللام للجنس. ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ الثناء الحسن ولسان الصدق. وقيل: الولد الصالح (٢). وقيل: رضى جميع الأديان به. الماوردي: بقاء ضيافته عند قبره قال: وليس ذلك لغيره من الأنبياء (٣). وقال بعض المفسرين في قوله ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ هذا دليل على أن الله قد يُعطي الأجر والثواب في الدنيا. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ من الأنبياء. الحسن: من أهل الجنة، قال: ولا صفة للعبد أشرف من الصلاح (٤) وكفى بالصلاح شرفاً أي: جعل الله إبراهيم ﵇ منسوبًا على المتصفين به (٥). ﴿وَلُوطًا﴾ واذكر لوطا، أو أرسلنا لوطاً (٦). ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ اللواط.

стр. 2025

﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ مواقعة الرجال. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ الطرق بالقتل، وأخذ المال (١). وقيل: سبيل الولد يإتيان الأدبار وتعطيل الفروج (٢). وقيل: باللواط بالغرباء حتى انقطعت السُّبُل (٣) خوفاً منهم (٤). ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ مجلسكم، تقول: ناديته أي: جالسته. ﴿الْمُنْكَرَ﴾ قيل: المضارطة، روته عائشة ﵂ (٥). وقيل: كانوا يجامعون في المحافل فعل الحمير (٦). مجاهد: لعب الحمام، والصفير، والجلاهق (٧)، والخذف، والسواك في المجلس، ومضغ العلك، وحل أزرار القباء (٨).

стр. 2026

وعن النبي ﷺ " إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل خذفوه، فأيهم أصاب كان أولى به، فذلك قوله ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ " (١). وعنه ﷺ " إياكم والخذف فإنه لا ينكئ عدواً ولا يقتل صيدًا، ولكن يفقأ العين ويكسر السن " (٢). ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ في الرسالة والإيعاد. ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بإنزال العذاب عليهم. وقيل: بأن تمنع أذاهم عني (٣). ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ أي: جاؤه ببشارة إسحق، ومن وراء إسحق يعقوب. ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعنون سدوم، ولقربها قالوا: أهل هذه القرية. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾ كافرين عاتين في الكفر.

стр. 2027

﴿قَالَ﴾ إبراهيم. ﴿إِن فِيهَا لُوطًا﴾ وفيهم لوط. ﴿قَالُوا﴾ يعني الملائكة. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ أي: أكثر علماً، فليس يخفي علينا. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنأمرن لوطاً بمفارقة أهل القرية بقطع من الليل أمرنا الله بذلك، فيكون نزول الهلاك بهم بعد خروجه من بين أظهرهم. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ الباقين في العذاب، ثم أخبر عن مصير الملائكة إلى لوط بعد مفارقتهم إبراهيم فقال ﴿: وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وخاف عليهم قومه أن يتناولوهم بالفجور حسب عادتهم (١). ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: ضاق ذرعه عن قومه بأن لا يحفظ أضيافه (٢). قتادة: معنى ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: ساء ظنه بقومه وضاق بضيفه ذرعا أي: نفسا (٣). ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ من تمكنهم منا. وقيل: لا تخف ولا تحزن لهلاكهم (٤). ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ نصب حملا على المعنى، لأنه مفعول. وقيل: التنوين مقدر فيه لأنه فعل لم يكن وقع (٥). ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾ في العذاب. ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ (٣٠)﴾ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾ عذابًا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾ بفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله فانتسف جبريل بالمدينة وما فيها بأحد جناحيه فجعل عاليها سافلها وتبعت الحجارة من كان غائبًا.

стр. 2028

﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ قيل: هي الحجارة التي أمطرت عليهم، فمن ذهب إلى الشام وأتى على قرية لوط رأى من تلك الحجارة (١). وقيل: إنها بقية الأنهار التي كانت بأرضهم وصار ماؤها أسود (٢). وقيل: آية بينة عقوبة الله إياهم والأمر في ذلك مشهور عند العرب (٣). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ﴾ وأرسلنا إلى مدين آخاهم. ﴿شُعَيْبًا فَقَالَ﴾ قيل: الفاء هاهنا لموافقة قوله ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ اعملوا بطاعته لإدراك الثواب في الآخرة، وقيل: خافوه (٤). ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ عاقبهم الله بالزلزلة. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾ بعضهم على بعض ميتين. وقيل: جاثمين على الركب (٥). وقيل: هي ما أصابهم يوم الظلة رجفت بهم الأرض مع أخذ الحَرّ (٦). ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ واذكر عاداً وثموداً، وقيل: أهلكنا (٧). وقيل: فتنا حملاً على أول السورة (٨).

стр. 2029

﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ ظهر لكم بعض مساكنهم كيف خرب وخلا عن أهله بإهلاك الله إياهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الذي وجب عليهم سلوكه وهو الإيمان بالله ورسله. ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ ذوي بصائر يمكنهم تمييز الحق من الباطل. وقيل: مستبصرين عند أنفسهم بزعمهم (١). ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾ فائتين بل أدركهم العذاب، يقال لمن فات طالبه: سبق. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ أي: أخذنا كلهم فعاقبناهم بذنوبهم. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ حجارةً من سجيل كقوم لوط. وقيل: الحاصب الريح تأتي بالحصباء (٢)، وهي الحجارة الصغيرة، وتذكيره كالطالق والحائض (٣). وقيل: حاصب مَلَك رماهم بالحصباء (٤). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كقوم صالح وغيره. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: فرعون وقومه، وقوم نوح من قبل. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ليعاقبهم بغير استحقاق وجُرم. ﴿ولكن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ بالكفر والعدوان فيه.

стр. 2030

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: مثل من أشرك بالله الأوثان في الضعف وسوء الاختيار. ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ أي: كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت، فإن ذلك البيت لا يدفع عنها الحر ولا البرد ولا يقي ما يُتَّقى بالبيوت كذلك أوثان هؤلاء لاتنفعهم ولا تغني عنهم (١) في الدنيا والآخرة. ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لا بيت أوهى ولا أقل وقاية للحر والبرد ومن بيت العنكبوت. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ يرجعون إلى علم ليعلموا (٢) أن وثناً من حجارة وجص لا يغني عنهم شيئاً. الزجاج في جماعة: تقدير الآية: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء لو كانوا يعلمون كمثل العنكبوت ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف (٣). والعنكبوت يقع على الواحد وعلى الجمع، ويذَكّر ويؤنث، وليس التاء فيه للتأنيث، جمعها عناكب، وتصغيرها عنيكب. وفي التفسير عن يزيد بن ميسرة (٤): أن العنكبوت شيطان مسخه الله (٥). وعن عطاء: نسجت العنكبوت مرتين مرة على النبي ﷺ ، ومرة على

стр. 2031

داود ﵇ (١). وعن علي بن أبي طالب ﵁: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وثن، أو صنم، أو ملك، أو جِنّ. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع لا شريك له. ﴿الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ في تأخير العذاب (٣). و﴿مَا﴾ نصب بيدعون، و ﴿يَعْلَمُ﴾ معلق. وقيل: ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، وهو مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ مضمر أي: يدعونه (٤). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: مثل العنكبوت وبيتها وسائر الأمثال نبينها للناس كافة للاستدلال والتفكر فيها (٥). ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ لا يفطن لحقائقها ولا ينتفع بضربها (٦) إلا أولوا العلم الذين يضعون الأشياء موضعها. ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مُحِقاً. ﴿إِن فِي ذَلِكَ﴾ في خلقه إياها. ﴿لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾ خصهم بالذكر لانتفاعهم بها. ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إقرأ القرآن ولا يمنعنك عن ذلك ما يعامل معك الكفار، وقيل: اتل عليهم وأنذرهم. وقيل: اتبع ما فيه (٧).

стр. 2032

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ ودم على إقامة الصلاة المفروضة. ابن عمر ﵄: الصلاة: القرآن (١). ابن بحر: الصلاة: الدعاء أي: قم بالدعاء إلى أمر الله (٢). ﴿إِن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الشرك. ابن عباس ﵄: تنهى مادام فيها، قال ﷺ : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا " (٣). وقيل: تنهى، لأن فيها تلاوة القرآن وهو مشتمل على كل وعظٍ (٤). ووصف الصلاة بالنهي توسع كما تقول: العلم ينفع والجهل يضر، والعقل يأمر بكذا، وكتابنا ينطق، وعلى تأويل ابن عمر ﵄ أن القرآن ينهى أي: فيه النهي عن المنكر، وعلى تأويل ابن بحر: إنك بدعائك تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فيه وجوه:

стр. 2033

أحدها: ولذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، هذا قول ابن عباس ﵄ (١). وقيل: ولذكر الله أكبر من الصلاة (٢). وقيل: ولذكر الله في الصلاة أكبر منه خارج الصلاة أي: أكثر ثواباً (٣). وقيل: ولذكر الله أكبر من سائر أركان الصلاة (٤). وقيل: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ أي: القرآن أكبر في النهي عن الفاحشة من الصلاة (٥). وقيل: المراد بالذكر ههنا النهي أي: الصلاة تنهى ونهي الله أكبر (٦). وقيل: ولذكر الله أكبر من كل العبادات (٧). وقيل: ولذكر الله أكبر من أن يبقي على صاحبه عقوبة الفحشاء والمنكر (٨). وقيل: ولذكر الله أكبر من الفاحشة والمنكر (٩)، وهذا ضعيف. ويحتمل أن تأويل ذكر الله الصلاة كأنه قال: والصلاة أكبر من سائر العبادات. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ في الصلاة وتلاوة القرآن فيجازيكم عليه.

стр. 2034

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيه تلاثه أقوال: قتادة: منسوخة نسختها ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] (١). والثاني: ابن زيد: هي محكمة، والمراد مؤمنوهم (٢). ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإقامة على الكفر فإنه يُجَادَل ويقال له الشر. والثالث: مجاهد: محكم، والمراد به ذو العهد إلا الذين ظلموا منهم فقاتل ولم يعط الجزية (٣)، فيكون تقديره: ظلموكم بمنع الجزية. والمجادلة: قَتْل الخصم بطريق الحجاج، وأصله الفتل. وقيل: ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ لا إله إلا الله (٤). ﴿وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أبو سلمة (٥)

стр. 2035

عن أبي هريرة ﵁ قال: " كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة وهو بالعبرانية (١) ويفسرونه بالعربية لأهل الإسلام فقال النبي ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم " (٢)، أي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور. ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ معبودنا واحد وهو الله سبحانه. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ خاضعون ومتذللون لأمره ونهيه. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: كما أنزلنا الكتب على من تقدمك من الأنبياء أنزلنا إليك القرآن، وقيل: الكاف متصلة بقوله ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ و﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا﴾. وقيل: متصلة بما أمر به في الآية الأولى من المجادلة بالأحسن (٣). ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يريد من آمن من أهل الكتاب. ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني العرب. وقيل: ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: من تقدم منهم، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الذين كانوا في زمان النبي ﷺ (٤). وقيل: ﴿فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم المؤمنون، ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل الكتاب (٥). قوله ﴿يُؤْمِنُ بِهِ﴾ قيل: بالقرآن. وقيل: بمحمد ﷺ (٦).
следующие страницы →